موسوعة الفرق

تمهيدٌ: عِنايةُ عُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بالرَّدِّ على الجَهْميَّةِ في نفيِ كلامِ اللهِ تعالى


لقد ردَّ عُلَماءُ الإسلامِ قديمًا وحديثًا مقالةَ الجَهْميَّةِ في نفيِ كلامِ اللهِ تعالى، وقولِهم إنَّ كلامَه سُبحانَه وتعالى مخلوقٌ، وأثبتوا أنَّ اللهَ تعالى يتكلَّمُ ‌متى ‌شاء كيف يشاءُ، لا يُشبِهُ كلامُه كلامَ المخلوقينَ، وقد كلَّم بعضَ خَلقِه وكلَّموه، كما ورد في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وردُّوا مقالتَهم كذلك بذِكرِ الفسادِ الذي يلزَمُ من القَولِ بأنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ.
قال ابنُ تيميَّةَ: (القَولُ المتواتِرُ عن أئمَّةِ السَّلَفِ أنَّهم قالوا: القُرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وأنَّهم أنكروا ‌مقالةَ ‌الجَهْميَّةِ الذين جعَلوا القُرآنَ مخلوقًا منفَصِلًا عن اللهِ، بل كفَّروا من قال ذلك، والكتُبُ الموجودةُ فيها ألفاظُهم بأسانيدِها وغيرِ أسانيدِها كثيرةٌ؛ مِثلُ: (كِتاب الرَّدِّ على الجَهْميَّة) للإمام أبي مُحمَّدٍ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي حاتمٍ و(الرَّدُّ على الجَهْميَّة) لعبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ الجعفيِّ شيخِ البُخاريِّ، و(الرَّدُّ على الجَهْميَّةِ) للحَكَمِ بنِ مَعبدٍ الخُزاعيِّ، و(كِتابُ السُّنَّةِ) لعبدِ اللهِ بنِ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، و(السُّنَّةُ) لحَنبَلٍ ابنِ عَمِّ الإمامِ أحمدَ، و(السُّنَّةُ) لأبي داودَ السِّجِستانيِّ، و(السُّنَّةُ) للأثرَمِ، و(السُّنَّةُ) لأبي بكرٍ الخَلَّالِ، و(السُّنَّةُ والرَّدُّ على أهلِ الأهواءِ) لخشيشِ بنِ أصرَمَ، و(الرَّدُّ على الجَهْميَّةِ) لعثمانَ بنِ سعيدٍ الدَّارميِّ، و(نقضُ عثمانَ بنِ سعيد على الجَهْميِّ الكاذِبِ العنيد فيما افترى على اللهِ في التوحيد) و(كِتابُ التوحيدِ) لابنِ خُزَيمةَ، و(السُّنَّةُ) للطَّبَرانيِّ ولأبي الشَّيخِ الأصبهانيِّ، و(شَرحُ أصولِ السُّنَّةِ) لأبي القاسِمِ اللَّالَكائيِّ، و(الإبانةُ) لأبي عبدِ اللهِ بنِ بطَّةَ، وكتُبُ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه، و(السُّنَّة) لأبي ذَرٍّ الهَرَويِّ، و(الأسماءُ والصِّفاتُ) للبيهقيِّ، و(الأصولُ) لأبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكيِّ و(الفاروقُ) لأبي إسماعيلَ الأنصاريِّ، و(الحُجَّةُ) لأبي القاسِمِ التَّيميِّ. إلى غيرِ ذلك من المصنَّفاتِ التي يطولُ تَعدادُها، التي يذكُرُ مُصَنِّفوها العُلَماءُ الثِّقاتُ مَذاهِبَ السَّلَفِ بالأسانيدِ الثَّابتةِ عنهم بألفاظِهم الكثيرةِ المتواترةِ التي تُعرَفُ منها أقوالُهم، مع أنَّه من حينِ محنةِ الجَهْميَّةِ لأهلِ السُّنَّةِ -التي جرت في زمَنِ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ لَمَّا صبر فيها الإمامُ أحمدَ، وقام بإظهارِ السُّنَّةِ والصَّبرِ على محنةِ الجَهْميَّةِ حتى نصَر اللهُ الإسلامَ والسُّنَّةَ، وأطفأ نارَ تلك الفِتنةِ- ظهر في ديارِ الإسلامِ، وانتشر بَينَ الخاصِّ والعامِّ أنَّ مَذهَبَ أهلِ السُّنَّةِ والحديثِ المتَّبِعينَ للسَّلَفِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ: أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وأنَّ الذين أحدثوا في الإسلامِ القَولَ بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ هم الجَعْدُ بنُ دِرهَمٍ، والجَهْمُ بنُ صَفوانَ ومن اتَّبَعه من المُعتَزِلةِ وغيرِهم من أصنافِ الجَهْميَّةِ.
لم يقُلْ هذا القَولَ أحدٌ من الصَّحابةِ ولا التَّابعينَ لهم بإحسانٍ، فهذا القَولُ هو القَولُ المعروفُ عن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وهو القَولُ بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، وهو غيرُ مخلوقٍ) [194] ((مجموع الفتاوى)) (17/ 74- 76). .
قال عُثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارميُّ حاكيًا عن الجَهْميَّةِ: (لمَّا أعلنوه بقوَّةِ السُّلطانِ، ودعَوا العامَّةَ إليه بالسُّيوفِ والسِّياطِ، وادَّعوا أنَّ ‌كلامَ ‌اللهِ ‌مخلوقٌ، وأنكر ذلك عليهم من غبَرَ من العُلَماءِ وبقِيَ من الفُقَهاءِ، فكذَّبوهم وكفَّروهم وحذَّروا النَّاسَ أمرَهم، وفسَّروا مرادَهم من ذلك، فكان هذا من ‌الجَهْميَّةِ خوضًا فيما نُهُوا عنه، ومن أصحابِنا إنكارًا للكُفرِ البيِّنِ ومُنافحةً عن اللهِ عزَّ وجلَّ؛ كي لا يُسَبَّ وتُعطَّلَ صِفاتُه، وذَبًّا عن ضُعَفاءِ النَّاسِ؛ كي لا يَضِلُّوا بمِحنتِهم هذه، من غيرِ أن يعرِفوا ضِدَّها من الحُجَجِ التي تنقُضُ دعواهم وتُبطِلُ حُجَجَهم.
فقد كتب إليَّ عَليُّ بنُ خَشرَمٍ أنَّه سمِعَ عيسى بنَ يُونُسَ يقولُ: "لا تُجالِسوا الجَهْميَّةَ، وبيِّنوا للنَّاسِ أمرَهم؛ كي يَعرِفوهم فيَحذَروهم".
وقال ابنُ المبارَكِ: "لأن أحكيَ كلامَ اليهودِ والنَّصارى أحبُّ إليَّ من أن أحكيَ كلامَ الجَهْميَّةِ".
فحينَ خاضت الجَهْميَّةُ في شيءٍ منه وأظهروه وادَّعوا أنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، أنكر ذلك ابنُ المبارَكِ، وزعم أنَّه غيرُ مخلوقٍ؛ فإنَّ من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: 14] مخلوقٌ، فهو كافِرٌ. حدَّثَنيه يحيى الحِمَّانيُّ، عن الحسَنِ بنِ الرَّبيعِ، عن ابنِ المبارَكِ، فكَرِهَ ابنُ المبارَكِ حكايةَ كلامِهم قَبلَ أن يُعلِنوه، فلمَّا أعلنوه أنكر عليهم وعابهم ذلك.
وكذلك قال ابنُ حَنبَلٍ: "كُنَّا نرى السُّكوتَ عن هذا قَبلَ أن يخوضَ فيه هؤلاء، فلمَّا أظهروه لم نجِدْ بُدًّا من مُخالِفتِهم والرَّدِّ عليهم".
لم يقُلْ أبو أسامةَ [195] هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي، أبو أسامة، مشهور بكنيته، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة. يُنظر: ((التقريب)) لابن حجر (ص: 177). وأبو مُعاويةَ [196] هو محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير الكوفي، مات سنة خمس وتسعين ومائة، وهو ابن اثنين وثمانين سنة. يُنظر: ((التقريب)) لابن حجر (ص: 475). : إنَّه متى ما أظهَرت الجَهْميَّةُ محنَتَهم وأذاعوا كُفرَهم ودعَوا النَّاسَ إليها، فأمسِكوا عن الإنكارِ عليهم حتَّى يستَمِرَّ في النَّاسِ كُفرُهم وتَدرُسَ سُنَنُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، ولكِنْ قالوا: أمسِكوا عن الخَوضِ فيه ما لم ينصِبِ القومُ الكُفرَ إمامًا، فإذا نصَبوه إمامًا فمن يعقِلُ تدليسَهم وتمويهَهم؟! لولا أنْ مَنَّ اللهُ على أهلِ الإسلامِ ببعضِ مَن ناقضَهم، فرَدَّ عليهم كُفرَهم وضلالَهم.
فالمبتَدِعُ الضَّالُّ مَن الحِزبَينِ من نَصَب رأيَ جَهْمٍ إمامًا وأذاعه في النَّاسِ بَدءًا، والمتَّبِعُ مَن أنكَر عليه وناقضَه، فمن أجرى النَّاقِضَ للبدعةِ والرَّادَّ للكُفرِ مجرى من شرَعَها فقد جمع بَينَ ما فرَّق اللهُ، وفرَّق بَينَ ما جمعَ اللهُ، وليس بأهلٍ أن يُسمَعَ منه ويُقبَلَ) [197] ((نقض الإمام عثمان بن سعيد على بشر الجهمي العنيد)) (1/ 536- 540). .
وقال ابنُ بطَّةَ: (اعلَموا رحمَكم اللهُ أنَّه مَن زعَم أنَّه على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنَّه من أهلِ شريعةِ الإسلامِ، ثُمَّ جحَد أنَّ اللهَ كلَّم موسى؛ فقد أبطل فيما ادَّعاه من دينِ الإسلامِ، وكذَب في قولِه: إنَّه من المُسلِمينَ، وردَّ على اللهِ قَولَه، وكذَّب بما جاء به جبريلُ إلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وردَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ الأمَّةِ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] ، وقال: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143] ، وقال: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [الأعراف: 144] ، وقال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] ، وقال: يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: 9] ، وقال: يَ امُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30] ، وقال: يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 11-12] وقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: 15-16] ، فأنكَر الجَهْميُّ الخبيثُ الملعونُ هذا كُلَّه، وردَّه وجحَد به، وقال: إنَّ اللهَ ما تكلَّم قطُّ ولا يتكلَّمُ! وزعَم أنَّ ربَّه كالحجارةِ الصُّمِّ البُكمِ الجمادِ الخُرسِ التي كانت تعبدُها الجاهليَّةُ، لا تسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تنطِقُ، ولا تنفَعُ ولا تضُرُّ) [198] ((الإبانة الكبرى)) (6/ 301). .

انظر أيضا: