موسوعة الفرق

المَبحثُ الأوَّلُ: مَذهَبُ الجَهْميَّةِ في عُلُوِّ اللهِ تعالى


نفى الجَهْميَّةُ عُلُوَّ اللهِ تعالى على خَلقِه، وكلُّ ذلك تحتَ دعوى التَّوحيدِ والتَّنزيهِ عن التَّشبيهِ، فهم يزعُمون أنَّ إثباتَ العُلُوِّ للهِ تعالى فيه إثباتٌ للجِهةِ والحَدِّ، والحركةِ والانتقالِ، وهذه الأمورُ على زَعمِهم تستلزمُ الجِسميَّةَ، والأجسامُ حادثةٌ، واللهُ مُنزَّهٌ عن الحوادِثِ؛ فمن أجلِ ذلك نفَوا العُلُوَّ، وأوَّلوا النُّصوصَ الثَّابتةَ فيه بأنَّ المرادَ بها عُلُوُّ القهرِ والغَلَبةِ [159] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/ 298) و(5/ 122). .
قال عثمانُ بنُ أبي شَيبةَ: (ذكَروا أنَّ الجَهْميَّةَ يقولونَ: ليس بَينَ اللهِ عزَّ وجلَّ وبَينَ خَلقِه حِجابٌ، وأنكروا العَرشَ، وأن يكونَ اللهُ هو فَوقَه، وفوقَ السَّمواتِ، وقالوا: إنَّ اللهَ في كُلِّ مكانٍ، وإنَّه لا يتخلَصُّ من خَلقِه، ولا يتخلَّصُ الخَلقُ منه إلَّا أن يُفنيَهم أجمَعَ، فلا يبقى من خَلقِه شيءٌ، وهو مع الآخِرِ، الآخِرُ من خلقِه ممتزجٌ به، فإذا أفنى خلَقه تخلَّص منهم وتخلَّصوا منه، تبارك وتعالى عما يقولونَ عُلُوًّا كبيرًا.
ومن قال بهذه المقالةِ فإلى التَّعطيلِ يرجِعُ قولُهم، وقد عَلِم العالِمون أنَّ اللهَ قَبلَ أن يخلُقَ خَلقَه قد كان متخلِّصًا من خلقِه بائنًا منهم، فكيف دخَل فيهم؟! تبارك وتعالى أن يُوصَفَ بهذه الصِّفةِ، بل هو فوقَ العَرشِ كما قال، محيطٌ بالعَرشِ، متخلِّصٌ من خَلقِه، بائنٌ منه، عِلمُه في خَلقِه، لا يخرُجونَ من عِلمِه) [160] يُنظر: ((العرش)) للذهبي (ص: 276- 286). .
وقال الدَّارميُّ: (قد اتَّفَقت الكَلِمةُ من المُسلِمين والكافِرينَ أنَّ اللهَ في السَّماءِ، وحَدُّوه بذلك إلَّا المِرِّيسيَّ الضَّالَّ وأصحابَه، حتَّى الصِّبيانُ الذين لم يبلُغوا الحِنثَ قد عرَفوه بذلك، إذا حَزَب الصَّبيَّ شيءٌ يرفَعُ يديه إلى ربِّه يدعوه في السَّماءِ دونَ ما سواها، فكُلُّ أحدٍ باللهِ وبمكانِه أعلَمُ من الجَهْميَّةِ) [161] ((نقض الإمام عثمان بن سعيد على بشر الجهمي العنيد)) (1/ 228). .

انظر أيضا: