موسوعة الفرق

الفَرعُ الثَّالِثُ: القِصَّةُ القُرآنيَّةُ


في سنة 1345ه/ 1926م أصدر طه حُسَين كتابَه (في الشِّعرِ الجاهليِّ)، وقد جاء فيه: (للتَّوراةِ أن تُحَدِّثَنا عن إبراهيمَ وإسماعيلَ، وللقُرآنِ أن يحَدِّثَنا أيضًا، ولكِنْ وُرودُ هذينِ الاسمينِ في التَّوراةِ والقرآنِ لا يكفي لإثباتِ وجودِهما التَّاريخيِّ) [1729] ((ذيل المِلَل والنِّحَل)) للكيلاني (ص: 48). !!
وقال (.. فضلًا عن إثباتِ هذه القِصَّةِ التي تحَدِّثُنا بهِجرةِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ إلى مكَّةَ ونَشأةِ العَرَبِ والمُستَعرِبةِ فيها، ونحن مُضطرُّون إلى أن نرى في هذه القِصَّةِ نوعًا من الحيلةِ في إثباتِ الصِّلةِ بَينَ اليهودِ والعَرَبِ مِن جِهةٍ، وبَينَ الإسلامِ واليهوديَّةِ من جهةٍ أُخرى، والقُرآنِ والتَّوراةِ من جهةٍ أُخرى...) [1730] ((ذيل المِلَل والنِّحَل)) للكيلاني (ص: 84). .
وفي عام 1366ه/ 1947م قدَّم الطَّالِبُ محمد أحمد خلف الله من كليَّةِ الآدابِ بجامعةِ فؤاد، رسالةً للحُصولِ على الدُّكتوراه بعنوانِ (الفَنُّ القَصَصيُّ في القرآنِ الكريمِ) قرَّر فيها أنَّ ورودَ الخَبَرِ في القرآنِ الكريمِ لا يقتضي وقوعَه، وأنَّه يَذكُرُ أشياءَ وهي لم تقَعْ، ويخشى على القرآنِ من مقارنةِ أخبارِه بحقائِقِ التَّاريخِ: (إنَّ التَّاريخَ ليس من مقاصِدِ القرآنِ، وإنَّ التَّمسُّكَ به خَطَرٌ أيُّ خَطَرٍ على النَّبيِّ عليه السَّلامُ وعلى القرآنِ، بل هو جديرٌ بأن يدفَعَ النَّاسَ إلى الكُفرِ بالقرآنِ كما كفروا من قَبلُ بالتَّوراةِ) [1731] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 42). !! ويقولُ: (إنَّ المعانيَ التَّاريخيَّةَ ليست ممَّا بُلِّغ على أنَّه دينٌ يُتَّبَعُ، وليست من مقاصِدِ القرآنِ في شيءٍ... إنَّ قَصدَ القرآنِ من هذه المعاني إنَّما هو العِظةُ والعِبرةُ... إنَّ قيمتَها التَّاريخيَّةَ ليست ممَّا حماه القرآنُ الكريمُ ما دام لم يَقصِدْه) [1732] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 44). !
ويَستَنِدُ [1733] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 42). فيما قال على ما جاء في (المنار): (ولكونِ التَّاريخِ غيرَ مقصودٍ له؛ لأنَّ مسائِلَه من حيثُ هي تاريخٌ ليست من مُهِمَّاتِ الدِّينِ من حيثُ هو دِينٌ، وإنَّما ينظُرُ الدِّينُ من التَّاريخِ إلى وَجهِ العِبرةِ دونَ غيرِه) [1734] ((تفسير المنار)) لرضا (1/279). ، ويَستَدِلُّ بقولِ (المنار): (هذا، وإنَّ أخبارَ التَّاريخِ ليست ممَّا بُلِّغ على أنَّه دِينٌ يُتَّبَعُ) [1735] ((تفسير المنار)) لرضا (4/7). وبقولِه: (بَيَّنَّا مِرارًا أنَّ أحداثَ التَّاريخِ وضَبطَ وقائِعِه وأزمِنَتِها وأمكِنَتِها، ليس من مقاصِدِ القرآنِ، وأنَّ ما فيه من قَصَصِ الرُّسُلِ مع أقوامِهم فإنَّما هو بيانٌ لسُنَّةِ اللهِ فيهم وما تتضَمَّنُه من أصولِ الدِّينِ والإصلاحِ) [1736] ((تفسير المنار)) لرضا (12/101). .
واستدَلَّ أيضًا بغيرِ ذلك من نُصوصِ (المنار)، ومِن هنا نُدرِكُ عُمقَ الصِّلةِ بَينَ هذا الموقِفِ من قَصَصِ القُرآنِ ومَوقِفِ المَدرَسةِ العقليَّةِ المُمَثَّلةِ في تفسيرِ (المنار) من قَصَصِ القرآنِ الكريمِ.
ثمَّ يَصِلُ خلف الله إلى نتيجةِ ما قرَّره من الفَصلِ بَينَ القِصَّةِ القرآنيَّةِ والحقيقةِ التَّاريخيَّةِ، فيَصِفُ القرآنَ بما وصَفه به المُشرِكون من أنَّه (أساطيرُ)، ويستدِلُّ على هذا بأنَّ القُرآنَ عَرَض مرَّةً واحدةً للرَّدِّ على المُشركين (في قِيلِهم بأنَّه أساطيرُ، وهي المرَّةُ التي تَرِدُ في سورةِ الفُرقانِ، وهذه هي الآياتُ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 5-6] ، فهل هذا الرَّدُّ ينفي ورودَ الأساطيرِ في القُرآنِ؟ أو هو إنَّما ينفي أن تكونَ هذه الأساطيرُ من عِندِ محمَّدٍ يَكتُبُها وتُملى عليه، ويُثبِتُ أنَّها من عِندِ اللهِ!! قُلْ: أنزَلَه الذي يعلَمُ السِّرَّ... إلخ) [1737] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 178-180). . ثمَّ قال: (وإذا كان القرآنُ لا ينفي ورودَ الأساطيرِ فيه، وإنَّما ينفي أن تكونَ هذه الأساطيرُ هي الدَّليلَ على أنَّه من عِندِ محمَّدٍ عليه السَّلامُ وليس من عِندِ اللهِ، إذا كان هذا ثابتًا فإنَّا لا نتحَرَّجُ من القولِ بأنَّ القُرآنَ أساطيرُ!! لأنَّا في ذلك لا نقولُ قولًا يعارِضُ نصًّا من نصوصِ القُرآنِ!!) [1738] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 178-180). .
ونذكُرُ مثلًا من تطبيقِه هذه النَّتيجةَ التي توصَّل إليها على قَصَصِ القرآنِ، فقال: (وإذا ما قال المُستَشرِقون: إنَّ بَعضَ القَصَصِ القُرآنيِّ كقِصَّةِ أصحابِ الكَهفِ أو قِصَّةِ موسى في سورةِ الكهفِ قد بُنِيت على بعضِ الأساطيرِ، قُلْنا: ليس في ذلك في القرآنِ من بأسٍ! فإنَّما هذه السَّبيلُ سبيلُ الآدابِ العالَميَّةِ والأديانِ الكبرى، ويكفينا فَخرًا أنَّ كتابَنا الكريمَ قد سَنَّ السُّنَنَ وقعَّد القواعِدَ وسَبَق غيرَه في هذه الميادينِ) [1739] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 182). !
وزعم أيضًا أنَّه لن يَجِدَ من (يعارِضُ في وجودِ القِصَّةِ التَّمثيليَّةِ في القرآنِ الكريمِ، وأنَّها وليدةُ الخيالِ، وأنَّ الخيالَ إنَّما يسودُ هذا النَّوعَ من القَصَصِ لحاجةِ البَشَرِ إليه وجَريِهم في بلاغتِهم عليه، واللهُ سُبحانَه وتعالى إنَّما يحَدِّثُهم من هذا بما يعتادون) [1740] ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 170). !
ويَستَدِلُّ [1741] يُنظر: ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 164). لإثباتِ هذه النَّتيجةِ التي توصَّل إليها بما جاء في (المنار) عن إحدى قِصَصِ القرآنِ: (يحتَمِلُ أن تكونَ القِصَّةُ من قبيلِ التَّمثيلِ. واللهُ أعلَمُ) [1742] يُنظر: ((تفسير المنار)) لرضا (3/52). ، ويَستَدِلُّ [1743] يُنظر: ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) لخلف الله (ص: 168-169). أيضًا بقولِ محمَّد عَبدُه: (وأمَّا تفسيرُ الآياتِ على طريقةِ الخَلَفِ في التَّمثيلِ، فيقالُ فيه: إنَّ القرآنَ كثيرًا ما يُصَوِّرُ المعانيَ بالتَّعبيرِ عنها بصيغةِ السُّؤالِ والجوابِ، أو بأسلوبِ الحكايةِ؛ لِما في ذلك من البيانِ والتَّأثيرِ، فهو يدعو بها الأذهانَ إلى ما وراءَها من المعاني، كقولِه تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: 30] فليس المرادُ أنَّ اللهَ تعالى يستَفهِمُ منها وهي تجاوِبُه، وإنَّما هو تمثيلٌ لسَعَتِها وكَونِها لا تضيقُ بالمجرِمينَ مهما كَثُروا! ونحوِ قَولِه عزَّ وجَلَّ بَعدَ ذِكرِ الاستواءِ إلى خَلقِ السَّماءِ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11] والمعنى في التَّمثيلِ ظاهِرٌ) [1744] ((تفسير المنار)) لرضا (1/280-281). !
ومِن هنا أيضًا نُدرِكُ عُمقَ الصِّلةِ بَينَ الفِكرَتَينِ: فِكرةِ خَلف الله، وفكرةِ محمَّد عَبدُه وتلاميذِه في قَصَصِ القرآنِ الكريمِ؛ ولهذا حرَص أمين الخولي المُشرِفُ على الرّسالةِ المنحَرِفةِ على التَّصريحِ بأنَّ جامعةَ فؤاد التي رَفَضَت الرِّسالةَ المُنحَرِفةَ هذه (ترفُضُ اليومَ ما كان يُقَرِّرُه الشَّيخُ محمَّد عَبدُه بَينَ جُدرانِ الأزهَرِ منذُ اثنينِ وأربعينَ عامًا) [1745] ((الفن القصصي في القرآن الكرم)) لخلف الله. !
ولا شَكَّ بَعدَ هذا أنَّ هذا الزَّعمَ في قِصَصِ القرآنِ الكريمِ بأنَّها مخالِفةٌ لحقائِقِ التَّاريخِ، وأنَّ المرادَ بها التَّمثيلُ لا الحقيقةُ التَّاريخيَّةُ؛ لا شَكَّ أنَّه أثَرٌ من آثارِ مَدرَسةِ المنارِ، كيف لا وهو إنَّما يستشهِدُ بأقوالِ أستاذِهم وإمامِهم؟
وسواءٌ أكان الأستاذُ الإمامُ يَقصِدُ ما قصَده خلف الله أم لم يَقصِدْه، فإنَّ الصِّلةَ بَينَ القولينِ -ولا شَكَّ- بيِّنةٌ وواضِحةٌ.

انظر أيضا: