موسوعة الفرق

المبحث الثاني: مبالغتهم في العبادة والزهد


اشتهر الخوارج بالمبالغة في العبادة فقد بلغوا فيها مبلغا عظيما، وكذلك كان لهم اشتغالهم الدائم بقراءة القرآن قد لا يدركه الكثير من غيرهم.
يصفهم جندب الأزدي بقوله: " لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس – أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة- "   ((تلبيس إبليس )) (ص93) ، ((فتح الباري)) (12/296).
وقد وصف زعيم منهم وهو عبد الله بن وهب بأنه ذو الثفنات   ((الكامل)) للمبرد (2/155). لشدة عبادته واجتهاده وكثرة سجوده، حتى أصبحت يداه كثفنات الإبل من كثرة وضعها على الأرض.
وهذا أبو بلال مرداس كان من عبادهم وزهادهم مر بأعرابي وهو يداوي بعيره بالقطران فهرج البعير من شدة القطران، فوقف عليه أبو بلال فلما رآه غشي عليه، فقام الأعرابي يرقيه ظانا أن به مسا فلم أفاق قال له: قد رقيتك، قال له: ليس بي شيء مما خفته علي، وإنما ذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت   ((الملل والنحل)) (1/118).
بل لقد وصل الاجتهاد في العبادة ببعضهم إلى حد المغالاة والخروج عن الرفق بالنفس إلى الأمر المذموم، فقد طلب ابن زياد من مولى عروة بن حدير أن يصف له أمر عروة بعدما قتله قائلا له: صف لي أمره واصدق، فقال:: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط. قال الشهرستاني بعد أن ذكر هذه الحادثة: " هذه معاملته واجتهاده وذلك خبثه واعتقاده "   ((الملل والنحل)) (1/118). ، وقد ذكر ابن أبي الحديد في ترجمته المختصرة له أنه كان له أصحاب وأتباع وشيعة   ((شرح نهج البلاغة)) (4/132).
وحتى نافع بن الأزرق وهو المشهور بسفك الدماء يكتب إلى أهل البصرة ويذم في كتابه الدنيا ويصفها بأنها غرارة مكارة ينبغي الحذر منها ومن الركون إليها ، في كلام عذب أخاذ عليه فصاحة العرب وقوة حجتهم، فمنه قوله: " فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرارة مكارة لذتها نافذة ونعمتها بائدة، حفت بالشهوات اغترارا وأظهرت حبره وأضمرت عبره، فليس آكل منها أكلة تسره ولا شارب شربة تؤنقه إلا دنا بها درجة إلى أجله وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله دارا لمن تزود منها إلى النعيم المقيم والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا، فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "   ((الكامل)) للمبرد (2/179).
وأما خلفه أبو حمزة الخارجي فله خطبة مشهورة خطبها حين دخل المدينة المنورة غازيا وصف في هذه الخطبة أصحابه بالعبادة قائلا: " يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا، شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله عز وجل أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مروا بآية خوف شهقوا: خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة ".
........وقد روي عن ابن ملجم ما يحير العقل من تناقضهم في سلوكهم الديني، فبينما هم شديدو الغلو في الدين والعبادة إذا هم شديدو الحقد على خيار الصحابة ومستحلون لدمائهم. فهذا ابن ملجم يقتل علي بن أبي طالب ، ومع ذلك يقف عند القصاص منه كأثبت الناس وأعبدهم، يقول ابن الجوزي: " فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: 1-3] حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع، فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله "   ((تلبيس إبليس )) (ص94).
ومثله في هذا عروة بن حدير الذي تحدثنا عنه آنفا، فبينما هو يتبرأ من خيار الصحابة علنا دون خوف أحد إذا به من أعبد الناس وأصومهم، وقد قتله ابن زياد بعد أن تمت بينهما المناقشة الحادة التي يحكيها الشهرستاني بقوله: " وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتي به إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك، فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق، فقال: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، فقال: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط "   ((الملل والنحل)) (1/118).
...ولقد كان خليقا بهم وهم على هذه الدرجة من العبادة والورع أن يعفوا عما وقعوا فيه من المحارم وما لغوا فيه من دماء المسلمين ، ولكن تدينهم على هذا النحو الذي كانوا عليه ليس هو الصورة الصحيحة للتدين المثمر الذي يحول بين صاحبه وبين محارم الله.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص240
 

انظر أيضا: