trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: العامل الاقتصادي


ونعني بهذا العامل أن الخوارج خرجوا مدفوعين - كما قيل - بنقمتهم على ما ظنوه جورا في توزيع الفيء والغنائم، فقاموا بما قاموا به طلبا للمال.
ويرى الطالبي أن العامل الاقتصادي في ظهور الخوارج عامل له  أهميته وخطورته إلى جانب عامل العصبية، وينقل في ذلك عن ابن حجر أن أبا عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري ترجم في مسنده للأحاديث الواردة في الخوارج بقوله: بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك   ((آراء الخوارج)) (ص51)، ((فتح الباري)) (12/301). .
والواقع أن النقمة بسبب تقسيم الفيء بدأت حتى منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقع من ذي الخويصرة حيث اعتبرها الشهرستاني وابن الجوزي    ((الملل والنحل)) (1/21). ((تلبيس إبليس)) (ص90). من عوامل نشأة الخوارج ، وإن خروجهم يبتدئ من هذا الوقت، وإن كانت فيما يظهر لي أنها من الوقائع اليومية التي تجري بها العادة بين الناس لما جبلت عليه النفوس من حب المال والتطلع إلى الإكثار منه، وأنها مرت في حياة المسلمين مرورا عاديا دون أن تكون لها نتائج مباشرة؛ ذلك أن ذا الخويصرة لم يكن مدفوعا فيما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم بعصبة تحرضه  على ذلك وإنما دفعته – كما قلنا – نزعته الفردية ولا سيما وأنه يعرف من عطف النبي صلوات الله وسلامه عليه ورحمته ما شجعه على ذلك.
ولهذا فإننا نلغي من حسابنا هذه الواقعة في دراسة مدى تأثير العامل الاقتصادي على قيام الخوارج ، بل لقد ألغيناها سابقا كبدء لظهور فرقة الخوارج ، وإن عددنا سابقة من السوابق التاريخية في تطلع الناس إلى الغنائم ونقمتهم على تقسيمها.
ولقد ظهر ذلك بصورة واضحة كعامل من العوامل المحركة للثورة على عثمان رضي الله عنه ؛ فبعد الهجوم عليه وقتله من قبل الثائرين تنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان - كما يقول الطبري، أو كان فيه مال كثير كما يقول ابن كثير - فقالوا: النجا النجا، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه   ((تاريخ الطبري)) (4/391)، ((البداية والنهاية)) (7/189).
ولقد كان عثمان رضي الله عنه متهما عند هؤلاء الثائرين عليه بإيثار قرابته بالعطايا  على حساب بقية المسلمين، من بيت المسلمين ومن  ذلك ما يرويه صاحب كشف الغمة من أن عثمان أعطى مروان من بيت المال مائة ألف وأنه أنفق  على نفسه ودوره من بيت المال، وأنه جعل الصدقة لنفسه ولأهل بيته دون من جعلها الله لهم، ونقص أهل بدر أعطياتهم كل واحد ألفا ألف عما فرض لهم عمر رضي الله عنه ، وكنز الذهب والفضة ... إلخ تلك الافتراءات التي اعتبروا فيها عثمان قد جار في توزيع الأموال، وأنه يستحق بذلك الخروج عليه.
وقد أورد ابن أبي الحديد روايات في إعطاء عثمان أقاربه وأهله من بيت المال الشيء الكثير، ثم قال: والذي نقول نحن: إنها وإن كانت أحداثا إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه. وذكر أيضا في موضع آخر من كتابه شرح (نهج البلاغة) دفاعا عن عثمان للقاضي عبد الجبار وردا عليه من المرتضى   انظر: ((نهج البلاغة)) (1/199)، و(2/324-333). .
ولسنا في مقام تحقيق ما ينسب إلى عثمان رضي الله عنه  في هذا الجانب أو  في بيان نقده أو ذكر محامله الشرعية، فذلك له مقام آخر، وإنما نقصد هنا بيان أثر العامل الاقتصادي في ثورة الثائرين عليه.
ومما لا شك فيه أن بعض عماله رضي الله عنه قد ساعدوا على تحريك هذا العامل في نفوس الناس بما وقع من فلتات كلامهم أو بعض تصرفاتهم، ونذكر في هذا المقام ما قاله سعيد بن العاص والي العراق من قبل عثمان وهو يسامر بعض وجوه أهل الكوفة فقد قال لهم: إنما هذا السواد – يعني به سواد العراق – بستان لقريش. فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاء الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك، والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا إلا أن يكون كأحدنا. وتكلم معه القوم   ((تاريخ الطبري)) (4/323). .
ومن هنا بدأت الفتنة في الاشتعال وبدأ سب الولاة والخليفة نفسه، وكانت هذه الحادثة نواة لأحداث أثمرت فيما بعد الهجوم على الخليفة نفسه في المدينة حتى قتلوه، ويصف معاوية رضي الله عنه أولئك الناقمين على عثمان في العراق  في كتاب بعث به إليه يقول عنهم: إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة   ((الكامل)) لابن الأثير (3/141). .
وهكذا يتبين لنا أن للعامل الاقتصادي أثره في الثورة على عثمان رضي الله عنه، فهل كان الدافع لخروج الخوارج على علي أيضا هو العامل الاقتصادي؟
الجواب نعم... إنه كان سببا من أسباب خروجهم عليه، وذلك حين منعهم من سبي أهل الجمل، بل هو أول ما نقموا عليه من الأمور كما عبروا عن هذا بقولهم له:  " أول ما نقمنا منك أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا سبي نسائهم وذراريهم   ((الفرق بين الفرق)) (ص78). .
ونقول: إن العامل الاقتصادي كان من أسباب خروج الخوارج على الإمام علي ، ولكنه لم يكن السبب الوحيد كما ظهر لنا من استعراض الأسباب الأخرى. وكما قلنا من أن كل ظاهرة اجتماعية معقدة تكمن وراءها أسباب دينية واجتماعية واقتصادية متشابكة.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص118


انظر أيضا: