trial

موسوعة الفرق

المبحث السابع: موقف الاستعمار البريطاني منهم واعترافه بما قدموه له من خدمات


سبق أن ذكرنا ما يثبت حماية الاستعمار لهم ودفاعه المستميت عن دعوتهم، ونعيد هنا للمناسبة بعضه ونزيد عليه.
ونبدأ أول ما نبدأ برجل أعلن عداءه للإسلام حيث قال جئت "إلى مصر" لأمحو ثلاث القرآن والكعبة والأزهر" ((الخنجر المسموم)) أنور الجندي (ص 29). .
ترى من الذي عاون هذا الرجل لتحقيق هدفه؟! إنهم ولا شك رجال المدرسة العقلية من حيث يدرون "فيكونوا عملاء" أو من حيث لا يدرون "فيكونوا سذاج".
قال كرومر في تقريره السنوي لعام 1905م عن محمد عبده "كان لمعرفته العميقة بالشريعة الإسلامية ولآرائه المتحررة المستنيرة أثرها في جعل مشورته والتعاون معه عظيم الجدوى" ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 78). .
وقال أيضاً "لا ريب عندي في أن السبيل القويم الذي أرشد إليه المرحوم الشيخ محمد عبده هو السبيل الذي يؤمل رجال الإصلاح من المسلمين الخير منه لنبي ملتهم إذا ساروا فيه فأتباع الشيخ حقيقون بكل ميل وعطف وتنشيط من الأوروبيين" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (ص: 3) (ص 426). .
وقال أيضاً "إن أهميته السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو تلاميذ مدرسته خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوربي" (Medern Egept): Cromer (p. 180) .
وقد امتثل هو ما دعا إليه فمال إليهم وعطف عليهم وقدم لهم كل عون وتشجيع فكانوا له "حلفاء طبيعيون" فوجبت عليه حمايتهم.
صرح اللورد كرومر بنفسه "إن الشيخ محمد عبده يظل مفتياً في مصر ما ظلت بريطانية العظمى محتلة لها" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/501). .
وقال السيد رشيد "وقد تحقق أن اللورد كرومر قال للخديوي إن كان تحريك بعض المشايخ ضد المفتي لأجل فصله من الإفتاء فاسمح لي بأن أقول أنه ما دام لبريطانيا العظمى نفوذ في مصر فإن الشيخ محمد عبده يكون هو المفتي حتى يموت" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/564). .
هذه بعض حمايته في الداخل أما إذا ذهب إلى الخارج كالآستانة مثلاً فإنه يكتب إلى تلميذه السيد رشيد "إن السلطان لا يستطيع حبسي لو أراده وهو يعلم عجزه عن ذلك حق العلم ولذلك أسباب لا أحب ذكرها الآن" ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)) : جمع محمد عماره (1/117). ولكن السيد رشيد يذكر السبب في هذا "وهم لا يجهلون أن السفارة البريطانية كانت بالمرصاد وأنها لا تسكت للحكومة الحميدية على ذلك لو أقدمت عليه والسلطان ورجاله لا يجهلون هذا أيضاً" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/860). .
بل إن الاحتلال الإنجليزي كان عاملاً أساسياً من عوامل عودة محمد عبده من المنفى في الشام إلى مصر وقد صرح اللورد كرومر بهذا في كتابه (مصر الحديثة) حيث قال "عن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني" ((الفكر الإسلامي الحديث)) غازي التوبة (ص 45). .
هذه إشارة تكفي اللبيب في بيان مدى تعاون إمام المدرسة العقلية الحديثة وأستاذها مع الاحتلال ومدى حمايتهم له وهو أمر له معناه.
ترحيب المستشرقين بالمدرسة ونتائجها:
كان لأفكار المدرسة العقلية صدى كبيراً في دراسات المستشرقين، والحقيقة أنا لا ندري من أين نبدأ وإلى أين ننتهي بين عبارات الثناء والترحيب بهم من المستشرقين ولعلنا نكتفي أيضاً بالإشارة.
فهذا جب يقول عنهم "لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكره بالهند ومدرسة محمد عبده بمر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها" ((إلى أين يتجه الإسلام)) للمستشرق جب عن مجلة المجتمع العدد 364 في 9 رمضان 97 هـ (ص: 29). ثم وضح هذا المستشرق الإنجليزي جب دور المدرسة العقلية بقوله "إن في كل البلاد الإسلامية – باستثناء شبه جزيرة العرب وأفغانستان وبعض أجزاء من أواسط أفريقيا – حركات معينة تختلف قوة واتساعاً ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها" ثم قال "وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف" ثم ذكر "أن الأديب "بانيرث" المبشر يرى أن حركة الإصلاح الإسلامي – على النحو الذي تسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع" ((إلى أين يتجه الإسلام)) للمستشرق جب عن مجلة المجتمع العدد 364 في 9 رمضان 97 هـ (ص: 63) , ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة (ص 61-62). .
ولعله يكفي هنا أن ننقل عن جب رأيه في تلاميذ محمد عبده حيث يقول "إن تلامذته هم من أولئك الذين تعلموا على الطريقة الأوروبية وذلك من ناحيتين أولاهما إن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين فإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل ثم إنه قد أقام جسراً من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي والتعليم العقلي المستورد من أوربا الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت، فقد ساهم الشيخ محمد عبده أكثر من أي شخص آخر في خلق اتجاه أدبي جديد في إطار الروح الإسلامية" ((الاتجاهات الحديثة في الإسلام)) جب (ص 70). .
أما الجاسوس البريطاني ألفريد سكاون بلنت فيصف دعوتهم بأنها "الإصلاح الديني الحر" ويصفهم بأنهم "زعماء الإصلاح في الأزهر" ويصف مدرستهم بأنها "تلك المدرسة الواسعة التقية" ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 76). .
وقال عن الأفغاني "ومن أغرب ما يروى أن الفضل في نشر هذا الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة لا يعود إلى عربي أو مصري أو عثماني ولكن إلى رجل عبقري غريب يدعى السيد جمال الدين الأفغاني" ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 77). .
وقال عن محمد عبده أنه "رجل من أحسن وأحكم الرجال العظام ويجب أن لا يتوهم أحد أني إذ أستخدم هذه الألفاظ ألقي القول على عواهنه أو أبالغ مثقال ذرة ولكني أقولها معتمداً على معرفتي بأخلاقه في ظروف مختلفة وأحوال صعبة فقد عرفته في أول الأمر معلماً دينياً ثم قائداً لحركة الإصلاح الاجتماعي... وأخيراً حين سودته مواهبه العقلية ونصرته من جديد" ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 80). .
وتحدث عن هدف الأفغاني فقال "كان همه أن يطلق العقول من الأغلال التي قيدتها طوال الأجيال الماضية" وأن هذا "يماثل ما حدث من إحياء المسيحية بأوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر" ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 78). .
وهذا جولد زيهر يبين قصد مدرسة المنار بأنه "تحقيق قدرة الإسلام على الحياة بين تيارات العصر الحديث عن طريق إصلاح الأحوال المغلولة بقيود المذاهب الجامدة" واعتبر السيد جمال الدين الأفغاني المحرك الأول لهذا الاتجاه ((مذاهب التفسير الإسلامي)) جولد زيهر (ص 347-348). .منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 804
النتيجة
إن لمذهب المدرسة العقلية الحديثة أبعاداً ثلاثة نراها شامخة في التكوين الأساسي للمدرسة العقلية نذكر هذه الأبعاد الثلاثة إجمالاً ثم نستخلص بعد هذا النتيجة التي نراها والموقف الذي يجب أن نقفه نحن المسلمون على ضوء هذه النتيجة.
الأبعاد الثلاثة:
أولاً: أن هذه المدرسة أعطت العقل أكثر من حقه وكلفته ما لا يطيق ورفعت من قيمته وضخمت حجمه حتى ساوته بالوحي بل قدمته عليه وقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي.
وسعت في هذا السبيل لأجل "تضييق" حيز الغيبيات في مسائل العقيدة الإسلامية.
ثانياً: قامت هذه المدرسة بتأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتمشى مع الأحكام العقلية من جهة ومكتشفات الحضارة الغربية والنظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وفي سبيل ذلك أيضاً قامت بتأويل المعجزات والخوارق وإنكار بعضها إذا لم يمكن قلب حقيقته بما يتمشى مع هذا البعد الفكري.
ثالثاً: تبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة والتحوير من الداخل لإعطاء السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية وتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين تقريباً كان على حساب كثير من الجوانب الإسلامية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
تلكم هي الخطوط العريضة والأبعاد الراسخة التي نراها في منهج المدرسة العقلية.
ونتيجة لذلك فإنا نعتقد:
أولاً: أن المدرسة العقلية الحديثة ذات منهج منحرف وهي بسلوكها إياه تعاد فرقة منحرفة جديدة أقرب ما تكون إلى فرقة المعتزلة فهم كالمعتزلة.
أ) في تحكيم العقل والرجوع إلى أحكامه ورفعه إلى مرتبة الوحي وهم لو حكموا العقل نفسه لسلمنا لهم لأن أحكامه بنفسه لا تخالف حكماً ثابتاً في الشريعة الإسلامية أو قضية من قضاياه وهم إنما يحكمون العادة فيحسبون ما خالف العادة مخالفاً للعقل.
ب) وهم كالمعتزلة في إنكار المعجزات أو تأويلها.
ج) وهم كالمعتزلة أيضاً في كثير من الغيبيات كالملائكة والجن والسحر وغيره.
د) وهم كالمعتزلة في عدم تعديل الصحابة كلهم بل تجاوز بعضهم ذلك كبعض المعتزلة إلى سب الصحابة رضوان الله عليهم.
و) وإنهم كالمعتزلة في اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار.
ومن هذا ندرك وضوح الصلة ووجه الشبه بينهم وبين المعتزلة.
ثانياً: أنه لا يكفي القول بأنهم معتزلة لأنهم يزيدون عليهم في التقريب بينهم وبين الكفار "النصارى واليهود" وتبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة.
بل إنهم أخطر من المعتزلة ذلك أنهم يسعون بكل ما وسعهم لتغيير المفهوم الإسلامي في معاملة الكفار وإلغاء الفاصل والحاجز بين الفكر الحق والفكر الضال أو المنحرف وإذا ما ألغي جانب العقيدة في ميزان التفاضل فإن الكفة سترجح حتماً بنا وسيصبح الكفار آنذاك هم الأفضل والأقوى ومن ثم تكون لهم السيطرة وتكون لهم الدولة وحينئذ تكون خسارتنا للدين والدنيا.
وهو ما يسعى إليه الاستعمار وسهر من أجله الليالي ودفع جيوشه المادية والمعنوية وبث رجاله المستشرقين والمخدوعين – لأجله.
ثالثاً: إن الكثير من مفاهيمهم ومبادئهم هي السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر وما ذاك إلا أثر من آثار فرض الاستعمار بادئ ذي بدء آراءهم على الناس وترويجه لهم وتمجيد المستشرقين لهم حتى إذا ما سار ذلك بين الناس أخذوا يتبنونه بأنفسهم ويعلنونه في مؤلفاتهم ويدافعون عنه حتى أصبح أو كاد من المسلمات.
وأصبح رجال المدرسة العقلية عندهم من الرجال الذين لا يقبل فيهم نقد أو يصل إليهم قدح.
رابعاً: إنهم مهدوا السبيل لسيطرة الفكر الغربي واتخذهم الأعداء مطية يعملون من خلالها على زلزلة عقيدة المسلمين وتشكيكهم بها ومحاربة الإسلام في عقر داره ليس عن طريق نشر المؤلفات فحسب بل عن طريق الصحافة وطريق السينما والتليفزيون والإذاعة وكل وسائل الإعلام الأخرى.
ثم عمل الاستعمار على إطفاء ما بقي من نار الغيرة على الشعائر الإسلامية بل على الدين كله في قلوب الشباب فأصبحوا لا يحرك ساكناً فيهم ما يحدث في المسلمين في الفلبين أو في الهند أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها من مختلف البلدان، لا يحرك هذا فيهم ساكناً عند سماعه فضلاً عن أن يهبوا زرافات ووحداناً.
خامساً: لم تكن نتيجة ذلك ذات أثر على الأفراد فحسب بل على كثير من الدول التي نبذت الفقه والفقهاء الإسلاميين واستبدلت القوانين الوضعية بالفقه الإسلامي وتركت تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من الفقهاء واستمدت جل دستورها من القوانين الأوروبية الحديثة.
وبعد.
فما الموقف منهم الذي يجب إعلانه هنا؟ لا أريد أن أستطرد في الحديث هنا بل ألخص الموقف بأسطر أحسب فيها الكفاية.
لا شك أن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في رجال هذه المدرسة العقلية أنفسهم ونعيد تقييمهم وفق الميزان الإسلامي الحق ونعلن للناس كافة حقيقتهم ونجلوا لهم علانية زيف منهجهم وتبيين مواقع ضلاله ومواقع انحرافه.
نعيد تقييمهم تقييماً حقاً لا يراعي بحال من الأحوال ما هو سائد بين الناس عنهم.
وحين نصل إلى نتيجة ذلك نعلن بها العلماء قبل العامة لينشروه بين الناس كافة.
وحينئذ نعيد ترتيب الأمور على الميزان الحق أحسب هذا الأمر يقال في لحظة ويكتب في لحظتين ولكن تنفيذه يريد عزيمة إسلامية خالصة تطوي الزمن طياً فيحصل ما يحتاج إلى قرون عديدة في سنوات قليلة ويكون صلاح هذا الدين في هذا العصر كصلاحه في أوله.منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 809
الخاتمة
وبعد، فتلك هي فرقة "المعتزلة"  في ماضيها وحاضرها،  في أفكارها ومعتقداتها،  في مبادئها وآرائها ومناهجها. وإن كان لنا أن ندعو الشباب إلى الحذر من تلك السموم وإلى توخي الحرص عند الاستماع لأي دعوى من دعاوى العقلانية أو التجديد أو عدم التعصب أو الحرية – وإن تدثرت برداء الإسلام خداعا لأهله – فإننا ننبه إلى أنه في تلك الدعوات خيبة الدنيا وخسرانها قبل الآخرة وعذابها، ذلك أن منهج الكلام ومباحث الاعتزال هي في حقيقة أمرها مباحث نظرية بعيدة كل البعد عن الناحية التطبيقية العملية، والإسلام إنما يدعو البشر إلى الاعتقاد السهل البسيط بوحدانية الله تعالى، واتخاذه – سبحانه – إلها يعبد في كافة مناحي الحياة ثم يفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في استغلال ما في الأرض جميعا والسير في مناكبها والنظر في آيات الآفاق والأنفس، ليرتفع في مدارج الرقي والقوة والإنتاج فيسود العالم كله ويستعلي عليه استعلاء القوة كما استعلى عليه استعلاء الإيمان، فلا يذهب بقوته  في الصراع والتناحر حول معان نظرية مجردة لا عمل تحتها – كالعرض والجوهر وما إلى ذلك – ولا فائدة من ورائها. والحقيقة أن دعاة تلك المذاهب إنما يدفعون المسلمين إلى الاستغراق في النظريات المجردة فتبعد بهم عن مجالات العمل والتطبيق وتظل قواهم مبعثرة وأراضيهم مستعمرة وشرعهم معطلا.
إن كبار العلماء في الغرب قد أدركوا – منذ زمن – أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم بناء على تلك النظريات إنما هي شرك يكفل تردي البشرية - لصالح فئة منها -  في مهاوي التخلف والتناحر مادامت الحياة، وهو ما هدانا إليه رب العالمين حين أنزل المنهج الأمثل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وحين تلقفه منه صحابته رضوان الله عليهم فانطلقوا به "عاملين" في مشارق الأرض ومغاربها فبنوا أكبر دولة على مر التاريخ في أقصر فترة زمنية!
وإننا لنتساءل – ونسأل أولئك الدعاة لمنهج الاعتزال – أين هي الدولة التي قامت على مثل تلك الفروض والمباحث الكلامية النظرية؟! وإنما كان نصيب الدولة الإسلامية التفتت والمحنة يوم أن تبنت السلطة تلك النظريات في عهد المأمون العباسي. ولله در الإمام مالك حين عبر عن روح الإسلام في كلمته الجديرة بالتخليد: "أكره الكلام فيما ليس تحته عمل" ((سير أعلام النبلاء)) (8/88)، و((مذاهب الإسلاميين )) لبدوي (1/30). . وقوله: "أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم " (( الجامع )) أبو زيد القيرواني (259). وقوله: "وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم ولا إلى إبراهيم" ((سير أعلام النبلاء)) (16/104).  .
ويقول الإمام الأوزاعي: "بلغني أن الله إذا أراد بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".
بل إن ذلك كان وعي السلف الصالح من أئمة الإسلام حين نهوا عن الخوض في الكلام وامتنعوا عن المشاركة فيه كالشافعي وأحمد وغيرهما – ممن ذكرنا طرفا منهم في مقدمة بحثنا هذا – لما عرفوا أن ذلك الأمر إلى جانب ابتداعه فهو صارف للمسلمين عما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم على حد سواء، بل تلك هي عبرة اندفاع الصحابة رضوان الله عليهم في الفتح والتقدم لما أعرضوا عما نهوا عنه مما لا طائل تحته، وبعد أن وعوا الحكمة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزال أمر هذه الأمة موائما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر))   رواه ابن حبان (15/118) (6724), والحاكم (1/88), وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (2/401), قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين و لا نعلم له علة و لم يخرجاه , ووافقه الذهبي, وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/205): رجال البزار رجاله صحيح. وقال السيوطي في ((الخصائص الكبرى)) (2/148): إسناده صحيح. وقال الوادعي في ((أحاديث معلة)) (225): قال البزار قد رواه جماعة فوقفوه على ابن عباس. .
ثم لنستمع إلى شهادة أحد أكابر علماء الغرب القلائل الذين وضعوا أيديهم على الداء البشري وهو الدكتور الكسيس كاريل حيث يقول:
"مهما كانت براعة المذاهب "النظرية" التي يبتدعها العقل، فإنها لا تعدو أن تكون نظرات جزئية، وأشباحا باهتة للواقع. وليس هناك مذهب فلسفي قط استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس، وقوانين الحياة التي تستنبط من مثل تلك المبادئ ليست إلا فروضا وإذا أردنا تجنب الوقوع في الخطأ وجب علينا أن نستخلص قوانين الحياة من ملاحظة الحياة نفسها" ((تأملات في سلوك الإنسان)) (47). .
ويبين كاريل بعدها مسار العقل الإنساني في اختياره للمباحث النظرية السهلة وما يجلبه ذلك من ضرر فيقول:
"كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والاجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي الذي ساد في القرن الثامن عشر على نتائج العلم الواضحة، فارتضينا أن نأسن وسط "المعاني المجردة" ولعل كسل الإنسان الطبيعي هو الذي دفعه إلى اختيار المعاني المجردة الهينة. وذلك لأن الملاحظة أشق من الاستدلال، وهذا هو السبب في أن البشرية كانت دائما تميل إلى اللعب بضروب التجريد" ((تأملات في سلوك الإنسان)) (7). .
ثم يؤكد على أن الفلسفة ومناهجها هي التي تزري بالمناهج الأصلية للبشرية في العلم والعمل: "ولا شك أن فلاسفة عصر النور – أي عصر النهضة – هم الذين مكنوا لعبادة الحرية بصورة عمياء في أوربا وأمريكا، فراحوا باسم العقل يزرون بجميع النظم التقليدية، وبذلك وسموا هذه القيود في أعين الناس بميسم الشناعة، وحينئذ بدأت المرحلة الأخيرة من الصراع ضد القواعد التي رضي أسلافنا بأن تهيمن على سلوكهم" ((تأملات في سلوك الإنسان)) (1). .
وسبحان الله العظيم! كيف يدور الزمن دورته فيحاول "فلاسفة" عصرنا و"علمائه" أن يعيدوا تمثيل ما حدث في أوربا منذ ثلاثة قرون أو أكثر، فيمكنوا لعبادة "الحرية" ويزدروا مناهج سلفنا الصالح! أليس ذلك كفعل الببغاء الذي عقله في أذنيه!؟.
ثم يعلن كاريل في قوة ووضوح أن زيف المباحث النظرية هو السبب الأصيل وراء تدهور الحضارة فيقول: "ولذلك كان انتصار المذاهب النظرية تأكيدا نهائيا لهزيمة الحضارة" ((تأملات في سلوك الإنسان)) (11). .
وإن كان كاريل قد شهد بذلك، فإننا نسوق شهادة واحد من أعتى المستشرقين وأكثرهم حقدا على الإسلام وأهله، وهو هاملتون جب حيث يقول: "إن تركيز الفكر العربي على الأحداث الفردية، جعل العلماء المسلمين معدين للتعمق في المنهج الاختياري العلمي أكثر من أسلافهم الإغريق والإسكندرانيين. إن الملاحظات المفصلة التي قام بها باحثوا الإسلام قد ساهمت بشكل ملموس في تقدم المعرفة العلمية، بل إنها المصدر الذي أعاد المنهج التجريبي إلى أوربا في العصر الوسيط" ((الاتجاهات الحديثة في الإسلام لهاملتون جب)) (33). .
فيا للعجب! ألم يكن أجدر "بفلاسفتنا" أن يدركوا من روح الإسلام ما أدركه ذلك الخبيث!! وصدق القائل (عدو عاقل. . ).
ونكتفي بهذا القدر من الشهادة لاثنين من أكابر علماء الغرب، وما كنا لننقل عن أحد من تلك الأمم، ولكن الشهادة التي يقر بها المخالف أكبر قيمة - في صدقها – من تلك التي يدلي بها الموافق. وإن في الحضارة الغربية آفات قاتلة تتركز في مناهجها ونظرياتها وسلوكياتها، وإن كان فيها من المباحث العلمية والمناهج التطبيقية والتقدم التكنولوجي ما يجب على المسلمين الأخذ به والتسابق في تعلمه وتطويره – إن أمكن – فهم أولى البشر بالأخذ بأسباب القوة وتجنب مواطن الضعف.
وإنها لحكمة جد عزيزة غالية نقدمها للمخلصين من أبناء هذا الجيل من الإسلاميين؛ أن لا تقيموا وجهة نظركم على الرفض الكامل، ولا على الموافقة التامة في كل الأحوال بل إن التوسط والاعتدال هو سبيل هذه الطائف الناجية المنصورة بإذن الله.
إن هناك دائما حق بين صفوف الباطل، وحيثما وجد الحق فنحن أولى به من الغير إذ أنه ينتمي لأمة الإسلام دون غيرها.
إن القدرة على أن نفرق بين ما نأخذ وما ندع، من ذلك الحصاد الهائل للبشرية إنما يكمن - في حقيقته -  في إدراك المنهج الإسلامي الصحيح وما يدعو إليه، وفي دراسة سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم دراسة واعية لأحداثها وعبرة تلك الأحداث، والله سبحانه وحده هو القادر على أن يكشف عن المسلمين الغمة، وأن يعيد إليهم القدرة على صحة الحكم، ودقة النقد فهم جد محتاجين إلى ذلك في مواجهة تلك التيارات التي يعج بها العصر. إنه سميع مجيب. المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص 141

انظر أيضا: