موسوعة الفرق

المبحث السادس: موقف علماء المسلمين منهم


أ- المعاصرين لهم:
ونبدأ ذلك بأقوال الشيخ محمد الجنبيهي صاحب كتاب (بلايا بوزا) الذي وضعه رداً على طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) ويرمز الشيخ الجنبيهي بـ (بوزا) لطه حسين وهو اصطلاح فرنساوي وهي قطعة من الخشب وزنها خفيف.. على هيئة قبل الرجال ولقد ركبت تلك القطعة على مقعر من رصاص ثقيل.. فتراها كلما ألقيت فوق الأرض كانت قائمة وقد ضربها عقلاء الأقدمين مثلاً لكل ضال حائر مغرور ذي لسانة وسفه فقد مزايا الأدباء وشذ عن مناهج الفضلاء متلبساً بعناد وإصرار شيطاني من حيث لا يشعر بما يقول ولا بما يعمل فلا تتوجه به أمياله إلا إلى مخالفة الفضلاء ومعارضة الأدباء بما لا يعلم عاقبته ولا يستطيع أن يقيم على صحته دليلاً" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 28-29).
وحينما يتحدث الشيخ عن الأفغاني ومحمد عبده فإنه لا يتحدث حديث التخرص والظنون وإنما حديث من خالطهم وعاشرهم، فهو حديث خبير بهم حيث يقول "إني نشأت بعد بلوغ الرشد وطلب العلم في الأزهر الشريف مصاحباً لتلميذ جمال الدين الأفغاني ومحاذياً له قدماً بقدم بعدما أتى جمال الدين الديار المصرية وكثيراً ما جالست ذلك الرجل وتذاكرت معه مذكرات ذكرتها في بعض الكتب وما كان يدعوني إلى مجالسته إلا صاحبي الذي كان يظن أن يجذبني إلى الميل إلى ما مال إليه من فتنة ذلك الفاتن وكنت أطمع أن أكون سبباً في خلاصه من تلك الفتنة "ولكن الله غالب على أمره"" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 38).
إذن فحديثه حديث المخالط المعاشر فلنذكر حديثاً له مع جمال الدين الأفغاني، كان محور الحديث بينهما ما يروى من الحديث القدسي ((كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني)) قال الجنبيهي "ولقد كان لي في هذا الحديث القدسي مع جمال الدين الأفغاني واقعة كانت سبباً لعدم اتصالي به مع شديد رغبته ورغبة تلميذه الذي أشرنا إليه من قبل، وتلك الواقعة هي أني سألته عن هذا الحديث لعلمي أنه ينكر الأحاديث القدسية لأنه طبيعي لا يعترف بوجود إله، وكنا في مجمع من الناس فقال ليس هذا وقت الكلام على هذا الحديث فأمهلني لوقت آخر "إلى أن قال أنه وجده في مجالس اللاهين في قهوة من القهاوي فقال له "هذا وقت الكلام على ذلك الحديث الشريف" فما كان جوابه إلا أن قال:- ذهب فيلسوف إلى المنتزه في يوم العيد فوجد الناس على حال مضحك: منهم من هو مخمور ومنهم من هو لاعب ومنهم من هو مرافق لامرأة من المومسات ومنهم من هو راقص ومنهم من هو متلبس بما لا يرتضيه أبناء البشر فنظر ذلك الفيلسوف إلى السماء قائلاً "الآن وقعت الحسرة في قلبك أهؤلاء كلهم عرفوك" فعند ذلك تغير حالي وعلمت أن الرجل ضال فقلت له أن هذا الفيلسوف لأحمق ومجنون قال: ولم ذلك قلت: لأن من جهل ربه في الدنيا يعرفه فيما بعد الموت ومن جهله في الرخاء يعرفه عند الشدة فما ذلك الفيلسوف إلا ضائع العقل والدين ثم تركت الرجل محزوناً لأن فتنته لم تؤثر في قلبي أثراً كان يريده وكان ذلك الموقف آخر عهدي به" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 118-119).
ويتحدث الجنبيهي عن المقادير التي جمعت بين دول الاستعمار وأنهم "ألهموا أن المتمسكين بآداب الدين القويم لن يغلبوا ما داموا متمسكين به سواء كثروا أو قلوا لأن المتمسك بدينه مرتكن على قوي متين لا يغلب ولا يقاوم فلذلك أجمعوا رأيهم على أن يعتمدوا على العلماء السياسيين منهم في حل روابط ذلك التماسك فقرر أولئك السياسيون فيما بينهم أن روابط الدين القوية لا تنحل إلا بثلاثة أمور: استبدال العلم النافع الذي كان يسأل رسول الله ربه أن يزيده منه بالعلم الذي كان يستعيذ بربه منه، والأمر الثاني تولية المناصب لغير أهلها.. والأمر الثالث إيجاد أسباب قوية توقد نيران العداوة والبغضاء والتشاجر بين المسلمين حتى لا يتمسكوا بدينهم ولا يتفقوا على عمل مرض" إلى أن قال "وبمقتضى هذه الفكرة السياسية بعث جمال الدين الأفغاني إلى الديار المصرية لتنفيذ مفهوم تلك الفكرة" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 45-46).
ويتحدث عن علماء الأزهر آنذاك بأنهم "أيقنوا أنه – أي الأفغاني – من رجال الفتنة التي يتيحها الله لأشرار العلماء" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 47).
ويتحدث عن محمد عبده ويسميه "ابن عبده الغرابلي" لأن أهله كما يقول الدكتور محمد محمد حسين من الفقراء الذين يمتهنون صناعات صغيرة منها صناعة الغرابيل ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 87). قال الجنبيهي عن محمد عبده "ِأن الأسباب التي جعلت ابن عبده الغرابلي محبوباً لفحول السياسيين ولولاة الأمور من الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وصيرته محموداً عند محرري الجرائد الأوربية تتمدح باسمه وتعتني بعمل تذكار له هي بعينها الأسباب التي يتناول بها أستاذ الجامعة المصرية – يقصد طه حسين – مرتباً كبيراً بسبب شهادة الدكتوراه التي تناولها من أوربا لسبب عداوته للدين ورجاله حتى يكون إذا أعلوا شأنه فتنة لأبناء المسلمين" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 35-36).
ويستدل الجنبيهي على سوء اتجاه محمد عبده الفكري بعلاقته باللورد كرومر فيقول "فهلا فكرت.. في الأسباب التي صعدت بمحمد ابن عبده الغرابلي.. وقد اتخذه جناب اللورد كرومر أستاذاً ومرشداً في الدين وفي السياسة ثم نعاه بعد موته.. فهل كان ابن عبده الغرابلي في عصره من أكابر المرشدين الدينيين وكان ذلك اللورد متعطشاً لأن يسلك سبيل المؤمنين.. فهل تفكر في الأسباب التي جعلته محبوباً لرؤساء الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وما ذلك إلا لأنه أجهد نفسه في حل روابط المدنية الإسلامية السماوية.. " ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص10).
وتحدث عن محمد عبده بعد عودته من المنفى في البلاد الشامية "فلما انقضت مدة النفي ورجع إلى الديار المصرية كانت ثقة اللورد كرومر به أكبر ثقة فسكن في منشية الصدر بعيداً عن عيون الرقباء وكانت الواسطة بينه وبين اللورد رجلاً انكليزياً يسمى "بلنت" كان يتزيا هو وزوجته بزي عرب البادية.. فلما قويت رابطة التواصل بين ذلك الإنكليزي وبين ابن عبده الغرابلي أعطاه قطعة أرض.. ليكون له جاراً وفي ذلك الحين اتخذه اللورد أستاذاً ومرشداً يسترشد برأيه في كل عمل يطلبه في تنفيذ الغرض الذي أجمع عليه السياسيون فكان الإصلاح الأزهري الذي ذهب بالدين وعلمه النافع أدراج الرياح من إشارات ذلك المفتون، وكذلك كان إصلاح المحاكم الشرعية وما أنشئت الجامعة المصرية إلا بإرشاده وكان من تعليماته لذلك اللورد أن لا يتولى المناصب العالية متمسك بدينه وكان بين ذلك التلميذ وبين المبشرين رابطة وداد قوية فكانوا يزورونه في غالب الأحيان للاسترشاد به في مهمات التضليل التي أجمعوا عليها.. وكان من مساعدة اللورد كرومر لشيخه ومرشده أن ولاه مناصب القضاء الأهلي حتى وصل به إلى وظيفة مستشار.. ثم عينه مفتياً بالديار المصرية ليكون له الحق في التداخل بشؤون الأزهر الذي أجمع السياسيون على خرابه فكان كل من أراد أن يلتحق بالمناصب العالية يتظاهر بازدراء الدين ورجاله ويكون كزب الأرض في ثباته على تمثيل هيئة العناد والإصرار بعدم الانقياد لأي واعظ كان من النصحاء... وما زالت تماثيل زب الأرض تتفاقم رزاياها وتنتشر مصائبها من سفهاء الزيغ الذي افتتنوا بذلك الطالب المارق من الدين ظانين أن انتشار صيته في الممالك كان لمهارته في العلم وتمسكه في العلم وتمسكه بالحق وليس الأمر كذلك وإنما هي فتنة اتخذها اللورد كرومر طريقاً مسلوكاً لتنفيذ أغراض السياسيين في البطش بالدين الإسلامي والخلافة وضياع العلم الديني وكان أمر الله قدراً مقدوراً" ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 50-53) باختصار.
ونذكر بعد هذا رأي الشيخ يوسف النبهاني وهو مع رأي الجنبيهي كما يقول الدكتور محمد محمد حسين "يصوران الجانب الآخر لصدى دعوة الأفغاني ومحمد عبده عند المعاصرين وهو الجانب الذي اختفى الآن أو كان يختفي تحت تأثير الضغوط والحماية التي تساند هذه المدرسة وتحارب خصومها" ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 94).
والشيخ النبهاني – أيضاً – إنما يتحدث ويقول بعد معاشرة ومخالطة للأفغاني إذن فقوله قول من أدرك الأمور على حقيقتها لا قول متخرص ظان.
يصفهم بادعاء الاجتهاد المطلق وهم "الجاهلون" قال نظماً:


وكم من قرون قد توالت ولم يجل




بدعوى اجتهاد مطلق عالم فكراً


ادعاه الجاهلون بعصرنا




قما أقبح الدعوى وما أفظع الأمرا ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني ضمن العقود اللؤلؤة في المدائح النبوية له (ص: 354).

ويرى أن قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 11] يرى أنهم هم المرادون بها ويستدل بما نقله السيوطي في الدر المنثور عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه سئل عن هؤلاء القوم فقال لم يأتوا بعد وذكر ذلك البيضاوي ثم قال النبهاني "قلت لا شك أن المنافقين المذكورين في هذه الآيات السابقة واللاحقة، والخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه وغيره من أئمة الإسلام متصفون بهذه الأوصاف الذميمة إلا أنهم لم يدعوا أنهم مصلحون لدين الإسلام ويلقبوا أنفسهم بهذا اللقب مثل هذه الفرقة الضالة فرقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده المصري في مطابقة الآية لهذه الفرقة أكثر من مطابقتها للمنافقين والخوارج وإن شملتهم جميعاً أحكامها" ((الرائية الصغرى)) (ص 356).
وقال نظماً:


فما بالهم لا يصلحون نفوسهم




أما هي بالإصلاح من غيرها أحرى ((الرائية الصغرى)) (ص 356).

وقال:


وكل امرئ لا يستحي في جداله




من الكذب والتلفيق مهما أتى نكراً


فمن قال صلوا قال قائلهم له




يجوز لنا في البيت نجمعها قصراً ((الرائية الصغرى)) (ص 356).

وقال:


وأعداؤهم من بيننا كل عالم




ولا سيما إن كان في فقهه بحراً

وقال:


فإياك أن تغتر منهم بفاجر




وإن أنت قد شاهدت من فعله الخيرا


فذلك شيء جاء ضد طباعهم




وقد فعلوا أضعاف أضعافه شرا


وكم أيد الإسلام ربي بفاجر




فنهدي له لا الفاجر الحمد والشكر


أشد من الكفار فينا نكاية




وأعظم منهم في ديانتنا ضرا


من الكفر ذو الإسلام يأخذ حذره




ومن هؤلاء القوم لا يأخذ الحذرا ((الرائية الصغرى)) الصفحات (362-363).

وقال عن جرائدهم ومجلاتهم:


بها خلطوا بالحق باطل غيهم




بها مزجوا الإسلام بالملل الأخرى ((الرائية الصغرى)) الصفحات (362-363).

وقال عن الأفغاني:


تسمى جمال الدين مع قبح فعله




كما وضعوا لفظ المفازة للصحرا ((الرائية الصغرى)) (ص354).

وقال عن محمد عبده:


فمن جهة يدعي الإمام ويقتدي




بأعمال أهل الكفر من جهة أخرى


يذم خيار المسلمين وعندما




يرى حاجة للكفر يستحسن الكفرا


لكي ما يقال الشيخ حر ضميره




فيبلغ عند القوم مرتبة كبرى


وما زال مشهوداً على الدين شره




وإن زعم العميان أن به خيرا

ويصف عبده – بعد عودته إلى مصر من منفاه:


وعاد إلى مصر فأحدث مذهباً




ولوث من أقذاره ذلك القطرا


وأيد أعداء البلاد بسعيه




وأوهم أهل الجهل أن بهم خيرا


يحسن بين الناس قبح فعالهم




ومهما أساءوا راح يلتمس العذرا


بمقدار ما خان البلاد وما أتى




لأعدائها نصحاً علا عندهم قدرا

وقال:


ونال بجاه القوم في الناس رتبة




بها حاز فيمن شاءه النفع والضرا

وقال:


فمن رهبة أو رغبة كم سعى له




طغام من الجهال أكسبهم خسرا

وقال عن منهجهم في التفسير:-


وقد ضل في القرآن مع عظم نوره




كما خبطت عشواء في الليلة القمرا


فتفسيره من رأيه ليس خالياً




فإما يرى فسقاً وإما يرى كفراً


أحذر كل الناس من كتب دينه




وبالرد والأعراض تفسيره أحرى

وقال عنه:


يعاشر نسوان النصارى ولا يرى




بذلك من بأس وإن كشف السترا


ويأكل معهم كل ما يأكلونه




ويشربها حمراء إن شاء أو صفرا


ويفتي بحل المسكرات جميعها




وإذا هي بالأسماء خالفت الخمرا


ويأكل مخنوقاً ويفتي بحله




لئلا يقولوا أنه ارتكب الوزرا


وتحليله لبس البرانيط والربا




به بعض أهل العلم قد ألحق الكفرا


وكم زار باريز ولندره ولم




يزر مكة يوماً ولا طيبة الغرا


وإن كان يوماً للرياء مصلياً




يرى فاعلاً يوما وتاركها شهرا

وقال:


وقد كنت في لبنان يوماً صحبته




لقرب غروب الشمس من ضحوة كبرى


وصليت فرض الظهر والعصر بعده




لديه وما صلى هو الظهرا والعصرا


وكان صحيح الجسم لا عذر عنده




بلى إن ضعف الدين كان له عذرا

وقال:


وقبل غروب الشمس صاحبت شيخه




لقرب العشا أيام جاورت في مصرا


ولم أره أدى فريضة مغرب




فقاطعت شيخ السوء من أجلها الدهرا

وقال:


ولولا حديث المصطفى لأسامة




يقول به هلا شققت له الصدرا


لما صحت الدعوى بإسلام بعضهم




لدى وما استبعدت عن بعضهم كفرا


وكنت كتبت الكاف والفاء بعدها




على جبهات القوم كي يعرفوا والرا


كما جاء في الدجال يكتب لفظها




 فيقرأ من يقرأ ومن لم يكن يقرأ


فقد أشبهوه في معان كثيرة




من الدجل والإلحاد والبدع الأخرى


وما الفرق إلا أنهم في قلوبهم




عماهم ودجال الورى عينه عورا


مقدمة للجيش عنه تقدموا




وجند له من قبله مهدوا الأمرا


تقدم فيهم نائباً عنه عبده




فأغوى الذي أغوى وأغرى الذي أغرى ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني من (ص 365) إلى (ص 374).

وقال عن رشيد رضا ومجلته المنار:


وكم ضل رأياً من سقامة فهمه




بأمر صحيح من شريعتنا الغرا


ولو سأل الأشياخ أدرك سره




ولكنه مع جهله قد حوى كبرا ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني (ص 377).

وقال عن الثلاثة:


ثلاث أثاف تحتها نار فتنة




ومن وفقها الإلحاد صار لها قدرا


وقد دخلوا حزب المسون بهمة




بها حل كل من محافله الصدرا


ومذهبهم حكم الديانات واحد




تساوى به الإسلام والملل الأخرى ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني (ص 384).

وهذا رجل آخر يكشف حالهم ويعلنها للناس وهو الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقاً يقول "أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده فخلاصته أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني كما أنه على ما يقال وسيأتي إيضاحه في هذا الكتاب هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر" ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/133-134).
وقال عن محمد عبده "فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد بالنهوض والتجديد" ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/144).
وقال عنه أيضاً "وكان من مضار الشيخ بالإسلام وعلمائه الناشئين بعده أن حملة الأقلام بمصر المنحرفين عن الثقافة الإسلامية كما أكبروا الشيخ وآراءه الشاذة التي انتقدتها في هذا الكتاب وأوجدوا من السمعة العلمية السامية ما لا يزال طنينه في أذن الشرق الإسلامي. ولاشك في تأييده القوة الماسونية له كان ذلك حثاً للذين يحبون الشهرة والظهور من شباب العلماء وكهولهم على نيل ما أرادوه بواسطة الشذوذ في الرأي والتزلف إلى الكتاب المتفرنجين بل الانتماء إلى الماسونية" ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/133-134).
ولا نريد أن نذكر بعد هذا موقف الشيخ عليش رحمه الله تعالى الذي كان يلاحقهم في صحن الأزهر بعصاه أو موقف أبي الهدى الصيادي الذي وصف جمال الدين بأنه "مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/90). أو اعترافات أتباعه أنفسهم بأن الأفغاني "برز في علم الأديان حتى أفضى به ذلك إلى الإلحاد والقول بقدمية العالم زاعماً أن الجراثيم الحيوية المنتشرة في الفضاء هي المكونة بترقٍّ وتحرير طبيعيين ما نراه من الأجرام التي تشغل الفلك ويتجاذبها الجو وأن القول بوجود محرك أولي حكيم وهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/43). أو وصف السلطان عبدالحميد لجمال الدين الأفغاني بأنه رجل الإنجليز، وأنه مهرج ((مذكرات السلطان عبدالحميد)) ترجمة محمد حرب عبدالحميد (ص 67).
ب- من بعدهم:
ومن هؤلاء أيضاً الشيخ محمد حسين الذهبي حيث قال عن المدرسة العقلية الحديثة "أنها أعطت لعقلها حرية واسعة فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب، استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل ممكن.
كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها وعقائدها وحملت بعض ألفاظ القرآن من المعاني ما لم يكن معهوداً عند العرب في زمن نزول القرآن، وطعنت في بعض الحديث تارة بالضعف وتارة بالوضع، مع أنها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة في كل ما هو من قبيل العقائد أو من قبيل السمعيات مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثرة لا يستهان بها" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/215-216).
وقال "وإذا كان الأستاذ الإمام قد أعطى لعقله الحرية الكاملة في تفسيره للقرآن الكريم فإنا نجده يغرق في هذه الحرية ويتوسع فيها إلى درجة وصلت به إلى ما يشبه التطرف في أفكاره والغلو في آرائه" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/235).
وقال في موضع آخر ما خلاصته "الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري، كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/241).
وقال عن موقفه من حديث ((كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها)) رواه البخاري (3431), ومسلم (2366), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد رواه الشيخان قال الذهبي عن موقف محمد عبده "فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له ثم يتخلص من إرادة الحقيقة على فرض الصحة بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/241).
وقال أيضاً "وهذا المسلك الذي جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه ومسلك الزمخشري وغيره من المعتزلة الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلاً للفرار من الحقائق التي يصرح بها القرآن ولا تعجز عنها قدرة الله وإن بعدت عن منال البشر" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/249).
وقال "ثم إن صاحب (المنار) لا يرى السحر إلا ضرباً من التمويه والخداع وليس له حقيقة كما يقول أهل السنة وهو يوافق بهذا القول قول شيخه وقول المعتزلة من قبله" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/249-250).
ولم يكن الشيخ الذهبي بالوحيد الذي ربط بين اتجاههم واتجاه المعتزلة بل حتى أنور الجندي الذي أشاد بهذه المدرسة وخدع بها قال "وإذا كان جمال الدين الأفغاني هو أول من فتح باب المنطق والفلسفة في الفكر العربي الحديث بحسبانه طريقاً إلى الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات الحديثة على نفس المنهج الذي اتخذه المعتزلة فإن محمد عبده هو الذي عمق هذا الاتجاه حتى أطلق عليهما اسم "معتزلة العصر الحديث" ((اليقظة الإسلامية في مواجهة الاستعمار)) أنور الجندي (ص132).
أما الدكتور علي محمد جريشة ومحمد شريف الزيبق فقالا عن المدرسة العقلية "ونحن – على عكس كثير من غيرنا – نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس ولا نقبل أن نسميهم عملاء وإن بدا منهم لون من الاتصال أو التعاون مع العدو المستعمر" "لكننا وإن نفينا عنهم "العمالة" فلا نستطيع أن ننفي عنهم "السذاجة" إن ظنوا أنهم يستطيعون أن يضحكوا على الاستعمار ويمكروا به فإذا به أشد مكراً ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه ليسخروه لصالح الإسلام وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب والتغيير الاجتماعي" ((أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي)) علي جريشة ومحمد الزيبق (ص201).
وقال "وبهذه النية التي نحسن الظن بها ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان فيها المسلمون والنصارى واليهود... ولعله لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلا على حساب الإسلام.. لأنه الوحيد الدين الصحيح وغيره محرف.. ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التقارب حين قالوا نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوماً فأنزلها رب السماء والأرض قاطعة حاسمة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: 1-3] السورة" ((أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي)) علي جريشة ومحمد الزيبق (ص 202-203).
وقالا:- "وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:-
أولاً: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم فالإسلام ليس مجرد ثقافة فقط لكنه منهاج تربية ومنهاج حياة، وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح.
ثانياً: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ "الكافرين" الذين غصبوا الديار وما بعد الديار!... ولا ندري هل كان الإمام يحفظ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء.... الآية [الممتحنة: 1] وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى أم أن له فيه تأويلات كتأويله في الملائكة أو في سجودهم أو في معصية آدم أو في خلق عيسى عليه السلام أو في الجن أو في السحر أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله "الكبير" ليقول "بالرأي في تاب الله؟!!" لقد مضى الرجل إلى ربه فنترك له حساب سره وعلانيته لكننا إزاء الظاهر.
وعمره الذي أفنى في محاولة إصلاح التعليم بلوغاً إلى مقاومة الاستعمار أو على النهوض بالإسلام لا نملك إلا أن نتلو قول الله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103-104] ونترك من قبل ذلك ومن بعد ذلك حسابه على الله لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار.. ويتذكر أولوا الألباب فلا تتكرر الصورة مرة أخرى" ((أساليب الغزو الفكري)) (ص 204-205).
أما الأستاذ غازي التوبة فعد من أخطاء محمد عبده دعوته للتقريب بين الأديان فقال "قد أخطأ محمد عبده في دعوته إلى التأليف والتقريب بين الأديان حتى صار مطية لهيئات ودول حاقدة على الإسلام والمسلمين، وما ذلك إلا لأنه لم يلتزم حد الإسلام بل أتبع هواه فكان أمره فرطاً" ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة (ص 23).
واستعرض الأستاذ غازي جملة الأخطاء والانحرافات بعد أن قسمها إلى قسمين:
 أ) نتائج سياسة: وعد منها:
1- التعاون مع رياض باشا عمل الإنجليز.
2- التعاون مع المحتل الإنجليزي.
3- الاصطدام مع عباس الثاني فقد كانت في مصر آنذاك سلطتان سلطة الاحتلال وسلطة الخديوية إحداهما مغتصبة والأخرى شرعية تمثلت الأولى في الثعلب العجوز اللورد كرومر والثانية في الخديوي عباس الثاني.
4- تبرير وجود المحتل.
5- تكوين مدرسة سياسية باسم محمد عبده حيث وجد الاحتلال في محمد عبده وتلاميذه مدرسة سياسية تحقق أغراضه وتنقذ مآربه فرعاها ونماها.
ب) النتائج الفكرية:
كان الاستعمار يشعر بتحول المجتمع المسلم نحو الحضارة الغربية وأخذه منها في كل مجال وتقليده لها في كل أمر ولكنه كان يؤمن – في الوقت نفسه بأن الهوة ستبقى قائمة بين الغرب والمسلمين من جهة ولا يؤمن الانتكاس من جهة ثانية طالما أن الإسلام باق على طبيعته وحقيقته لذلك فقد صب جهوداً كبيرة كي يحور ويحول الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية من ناحية وتناولها دون التحرج من ناحية أخرى، وقد وجد الاستعمار في محمد عبده ضالته التي تحقق له هدفه ذاك في التحويل والتحوير أو قل التي تبدأ له بالخطوة الأولى في ذاك التحويل والتحوير" ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة انظر الصفحات (44-65).
والدكتور محمد محمد حسين غير مكثر في ميدان الكتابة لكنه رصين الاداء مقتدر في استيفاء جوانب موضوعه ينظر إلى الأمور في عمق كما قال الأستاذ أنور الجندي ((مفكرون وأدباء)) أنور الجندي (ص 264). وقد كان لدراسته العميقة في دعوة الأفغاني وتلاميذه نتيجة خطيرة توصل إليها حيث يقول "الذي يبدو لي هو أن دعوة الأفغاني التي ربي محمد عبده في أحضانها كان لها – ككل الدعوات السرية – ظاهر وباطن فظاهرها يخاطب الجماهير. وهو يصور ما يريد صاحب الدعوة أن يعرفه جمهور المسلمين مما يعجبهم ويقع من قلوبهم موقع الارتياح والقبول، وباطنها يمثل حقيقتها التي يخفيها أصحابها عن الناس، ولا يكشفون الستر عنها قبل أن تحقق أهدافها بالوصول إلى مركز السلطة ومحمد عبده كان تابعاً لسيده الأفغاني أو خادماً له كما تعود هو نفسه أن يكتب إليه في بعض رسائله والأفغاني كان يريد أن يعيد الدور نفسه الذي لعبه الإسماعيلية من أصحاب الدعوات الباطنية التي تتستر وراء التشيع" ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد حسين (ص 83).
وقال عنهما أي الأفغاني ومحمد عبده "وكانا – ككل الثوار من أصحاب الدعوات السرية – يعلنان ما يحبه الناس ويستهويهم غير ما يبطنان مما ينكره الناس وما يبلغهم مطامعهم" مجلة ((رسالة الطالب المسلم)) لقاء مع الدكتور محمد محمد حسين (ص 100) العدد الأول 1397-1398هـ -.
هذا الرأي ليس رأي رجل خراص وإنما رأي رجل وقف جزءاً كبيراً من نشاطه لدراسة حقيقتهم وجلاء أهدافهم حتى إذا ما وصل إلى درجة كبيرة من ذلك كشف للمسلمين ما توصل إليه مستنداً إلى حقائق ثابتة من أقوالهم أو أفعالهم التي لا تنكر وقد عرفت عنهم واشتهروا بها، وهو حينما يكشف هذا لا يكشفه لحقد أو حسد وإنما يكشفه لغرض إسلامي نبيل هو أن لا تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إماماً من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون" ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 49-50).
إذن فنقده نقد عارف مطلع، هدفه الإصلاح، وهذا ما نبحث عنه.
ونختم الحديث هنا برأي صنيعة من صنائعهم وأثر من آثارهم هو الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي لكنه مع هذا أبى إلا أن يقول الحق في منهجهم.
أما أنه متأثر بهم معجب فشاهده أنه قال في إهداء كتابه (النظرات) "إن كان لي في هذا السفر فضيلة يعجب بها الفاضل أو رأي يرضى عنه العاقل، أو ديباجة يثني عليها الأديب فلا يد فيها لأحد من الناس غير هؤلاء الرجال الثلاثة ولي نفسي والدي السيد محمد لطفي وولي عقلي أستاذي الشيخ محمد عبده، وولي أمري سيدي سعد باشا زغلول أولئك الذين أهدي إليهم كتابي لأنه حسنة من حسناتهم وصنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وأولئك الذين أحسنوا إلي في هذه الحياة إحساناً لا أزال أذكر أياديهم البيضاء فيه حتى يعتاق نفسي حمامهم وعظامي رجامها" إلخ.
ولكن هذا الولاء لوالده ولا دخل لنا فيه، ولمحمد عبده ولسعد زغلول وهو مرادنا لم يمنعه من قول الحق في نقد منهج محمد عبده حيث عرض لذكره في مقالة عنوانها (يوم الحساب) تخيل فيها أنه قد انتقل من العالم الأول إلى العالم الثاني ورأى كأنه بعث بعد الموت وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد واحد يحاسبون على أعمالهم فألهم أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب ثم تخيل حواراً جرى هناك بين محمد عبده وقاسم أمين عاتب فيه الأول الثاني على دعوته إلى السفور فإذا بقاسم أمين يجيب "أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك: إنك وقعت في مثل ما وقعت فيه من الخطأ.. وإنك نصحتني بما لم تنصح به نفسك، أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة والمقاصد العالية الشريفة فأرادوا غير ما أردت وفهموا غير ما فهمت فأصبحوا ملحدين، بعد أن كانوا مخرفين، وأنت تعلم أن ديناً خرافياً خير من لا دين.
أولت لهم بعض آيات الكتاب فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة! وقلت لهم عن الولي إله باطل والله إله حق فأنكروا الألوهية حقها وباطلها، فتهلل وجه الشيخ وقال له ما زلت يا قاسم في أخراك مثلك في دنياك لا تضطرب في حجة ولا تنام عن ثأر" ((النظرات)) مصطفى لطفي المنفلوطي (1/123-124).
حسبك بهذا الاتهام من صنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وخلاصة ما نقلنا من نقد لهم هنا أنهم:-
1- غير ملتزمين للشعائر الإسلامية من صلاة أو حج.. إلخ.
2- إن تعاونهم مع الاحتلال ودول الاستعمار إما لأنهم عملاء كما يقول بعض النقاد أو سذاجة منهم كما يقول آخرون.
3- إن لهم دعوة باطنية يظهرون منها ما يخالف حقيقتها وباطنها.
4- إنهم جاروا مذهب الاعتزال في كثير من مذاهبهم حتى أطلق عليهم أنهم معتزلة العصر الحديث.
5- إنهم الوسيلة التي اتخذها الاستعمار والمستعمرون لتحويل وتحوير الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية.
6- إن منهجهم في التفسير ضال ومنحرف.
كل هذا وغيره كثير كشفه الناقدون لهم لكن هذا كله، ولكنهم كلهم لم يكن لهم من الأثر ما يذكر، في التقليل من رواج حسن سيرتهم بين الناس وانخداع العلماء بهم قبل العوام حتى وصلوا إلى درجة لا يجرؤ عالم من العلماء على نقدهم علانية أمام ملأ من الناس في مجتمعهم.
لم يكن السبب في هذا سراً لا يعلمه أحد بل علمه وخبره الكثيرون وأعلنوه للناس أيضاً، قالوا أن السبب أن الاستعمار يقف خلفهم ويؤيدهم ويساند دعوتهم ويحميهم أينما ساروا، ويحمي أفكارهم ومبادئهم في اللحظة التي يحتاجون فيها إلى الحماية ويسعى إلى ترويج آرائهم بين المسلمين وإيصال صوتهم ودعوتهم إلى الناس.
وجند الاستعمار جنوده من المستشرقين للثناء عليهم ومدحهم حتى يروج ذلك بين الكتاب المسلمين فينقلوه عنهم نقل الإعجاب والتأييد "والافتخار" برجلين أو رجال من المشرق نالوا رتبة عالية عند رجال الغرب في المباحث الدينية، وهي رتبة تهفو إلى بلوغها أنظار طلاب الشهرة ولو على حساب الدين فأخذوا ينقلون ويروجون أفكارهم ومبادئهم لا نقل الفاحص الناقد وإنما نقل المؤيد المسلم لهم ما يقولون.
وبهذا راجت بين الناس أفكارهم وطغت على أذهانهم مبادؤهم فلا يسمعون صيحة "مخنوق" ضدهم ولا همس هامس في نقدهم، ولا صرخة محذر بين صيحات المخدوعين وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26]
حتى ألجأوا بعض من يريد قول الحقيقة إلى قولها مشوبة بالثناء عليهم ومدحهم وتمجيدهم تقرباً إلى المخدوعين بهم.
ذلك أثر من آثار الاستعمار، ونتيجة لدراسة نقدية مزعومة من المستشرقين لا ندعي ذلك ادعاء ونثبت هنا ما يقيم أساسهمنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 781

انظر أيضا: