موسوعة الفرق

المبحث الرابع: أثرها في الفكر الإسلامي الحديث


أ- ففي التفسير للقرآن الكريم:
أخذ بعض من تناول تفسير القرآن الكريم بعض مبادئ هذه المدرسة وسار على نهجها في تفسيره سواء التزم الحدود التي حددوها أم تجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق، فلقد كان تفسير القرآن الكريم تفسيراً يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين من قبل رجال المدرسة العقلية وكان من أسس منهجهم في التفسير كما بينا هناك، وفصلنا.
ولقد أخذ من بعدهم الشيخ الطنطاوي جوهري وهو من المتأثرين كثيراً بمحمد عبده ومن تلاميذه أخذ بهذا المنهج في التفسير وتوسع فيه وأطال وذهب يملأ تفسيره بكل ما توصل إليه العلم من مكتشفات حتى قال عنه بعضهم ما قيل في تفسير الرازي "فيه كل شيء إلا التفسير" وقال الشيخ محمد حسين الذهبي "بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به" ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/183).
وأنت إذا نظرت إلى تفسيره وجدته يحمل الآيات مالا تحتمله ويدخل في تفسيرها من المكتشفات العلمية ما لم تشر إليه ويبرر هذا بأعذار واهية لا تقوم له بها حجة.
يقول في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً... [البقرة: 67] الآيات "وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه، أن هذه الآية تتلى والمسلمون يؤمنون بها حتى ظهر علم تحضير الأرواح بأمريكا أولاً ثم بسائر أوروبا ثانياً" ((الجواهر في تفسير القرآن الكريم)) طنطاوي جوهري (1/84). وقال "ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزير بعد موته وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الطاعون فماتوا ثم أحياهم وعلم الله إننا نعجز عن ذلك جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمر إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها فلا تيٍأسوا من ذلك فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح فاستحضروها بطرقها المعروفة فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين كالعزير، وإبراهيم وموسى، فهؤلاء لخلوص قلوبهم وعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ليطمئنوا وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] ((الجواهر في تفسير القرآن الكريم)) طنطاوي جوهري (1/89).
وفي تفسير قوله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور 24] ونحوها من الآيات يقول "... أوليس الاستدلال بآثار الأقدام وآثار أصابع الأيدي في أيامنا الحاضرة هو نفس الذي صرح به القرآن" ((الجوهرة)) طنطاوي جوهري (3/99).
لا شك أن هذا التفسير وأمثاله من أخطر التفاسير للقرآن الكريم بل هو تلاعب بالآيات وصرف لها عن حقائقها الثابتة على معان لا تثبت إلا بقدر ما تثبت مكتشفات علمية تهتز يمنة ويسرة بين الثبات والسقوط – هذا في الآيات التي قد يفهم منها ما أورده في تفسيرها فما بالك بما يورده من تفسير لا تحتمله الآي من بعيد ولا من قريب.
نحن ندرك أن هدفه من سلوك هذا المنهج هو نفس هدف رجال المدرسة العقلية في سلوكه حيث يقول الأستاذ الأكبر محمد المراغي عن أحدهم في تفسيره العلمي "وحمدت له هذه النزعة العلمية التي لو تحلى بها كل مبرز في فرع من فروع العلم لاجتمع لدينا ذخر عظيم من هذه التطبيقات الثمينة تستفيد منه النابتة الحديثة زيادة معرفة بإعجاز القرآن وإيقان بأن الله ما فرط في كتابه من شيء" ((الإسلام والطب الحديث)) عبدالعزيز إسماعيل تقديم محمد مصطفى المراغي (ص 5- 6).
نحن ندرك أن هذا من أهدافه ولكن هذا لا يخلوله حق تأويل الآيات على هذا النحو وإلى هذا الحد الذي تجاوز فيه حد الأمان والسلامة.
ولكن الذي تأثر بمنهج المدرسة العقلية الحديثة أكثر من هذا هو صاحب تفسير (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن) وهو الشيخ أبو زيد الدمنهوري وقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبرى في المحيط العلمي وثورة ساخطة من شيوخ الأزهر على مؤلفه وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب والحكم على صاحبه بالزيغ والضلال ((الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم)) محمد حسين الذهبي (ص 94).
ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى أهم ما ذهب إليه في تفسيره وأنت تدرك بعد هذا أثر المدرسة العقلية عليه:-
إنكاره لمعجزات الأنبياء عليهم السلام:
حيث يقول "وأن آيتهم على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم وصلاح رسالتهم، وإنهم لا يأتون بغير المعقول ولا بما يبدل سنته ونظامه في كونه" ((التفسير والمفسرون)) الذهبي (3/201) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 306).
معجزات عيسى عليه السلام:
يقول كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره" ((التفسير والمفسرون)) (3/201) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 45).
معجزات موسى عليه السلام:
في تفسير قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [الأعراف: 160] يقول "ويصح أن يكون الحجر اسم مكان واضرب بعصاك الحجر معناه: إطرقه، واذهب إليه، والغرض أن الله هداه إلى محل الماء وعيونه" ((التفسير والمفسرون)) (3/203) عن ((الهداية والعرفان)) (ص131).
وفي تفسير قوله تعالى فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: 107-108] يقول "مثال من قوة حجته وظهور برهانه" ((التفسير والمفسرون)) (3/203) ((الهداية والعرفان)) (ص 126).
معجزة إبراهيم عليه السلام:
في قوله قوله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: 69] يقول "معناه نجاه من الوقوع فيها" ((التفسير والمفسرون)) (3/204) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 256).
الإسراء:
ويفسر الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم أن المراد به هجرته من مكة وهي المسجد الحرام إلى المدينة وهي "المسجد الأقصى" ((التفسير والمفسرون)) (3/206) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 256).
تفسيره للملائكة والجن والشياطين:
ويقول عن الملائكة "الملائكة رسل النظام وعالم السنن وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مسخر له" ((التفسير والمفسرون)) (3/207) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 7). أما إبليس فهو "اسم لكل مستكبر على الحق ويتبعه لفظ الشيطان والجان وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره" ((التفسير والمفسرون)) (3/207) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 7).
الحدود:
وما دام باب الاجتهاد مفتوحاً وميسوراً ومادامت الشروط التي وضعها الفقهاء لبلوغ رتبة الاجتهاد افتياتاً على الله ونسخاً لكتابه كما قال أصحاب المدرسة العقلية انظر ((الأساس العاشر من منهج المدرسة العقلية الحديثة)) وانظر ((تفسير المنار)) (1/114). فلا عجب أن يبادر أبو زيد الدمنهوري وغيره ممن استجاب لدعوتهم فيبدأ في "تطوير" الأحكام الشرعية وذهب فيها "مجتهداً" مذهباً عجيباً.
حد السرقة:
ففي تفسير قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] يقول "واعلم أن لفظ السارق والسارقة يعطي معنى التعود أي أن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم ويظهر لك من هذا المعنى أن من سرق مرة أو مرتين ولا يستمر في السرقة ولم يتعود اللصوصية لا يعاقب بقطع يده لأن قطعها فيه تعجيز له ولا يكون ذلك إلا بعد اليأس من علاجه" ((التفسير والمفسرون)) (36/208) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 88).
وإلى هذا ذهب من بعده المستشار مصطفى كمال المهدوي وأيد رأيه مصطفى محمود وزعم أن فيه التزاماً واحتراماً وأن فهمه جدير بالاستماع والتأمل والبحث؟! ((مجلة صباح الخير)) (العدد 1093) في 16 ديسمبر 1976م مقال ((قطع اليد في القرآن)) مصطفى محمود.
وكذا الزاني والزانية عندهم يشترط أن يكونا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخلقهما فهما بذلك يستحقان "الجلد" ((التفسير والمفسرون)) (3/208) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 274).
تعدد الزوجات:
ولا يبيح تعدد الزوجات إلا إذا كن يتامى في حجره، وأمن من نفسه عدم الجور ((التفسير والمفسرون)) (3/209) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 61). وهو ما ذهب إليه من بعده أيضاً المهدوي ومصطفى محمود ((مجلة صباح الخير)) (العدد 1093) في 16 ديسمبر 1976م مقال ((قطع اليد في القرآن)) مصطفى محمود. ، ولم يقل أحد بالشرط الأول مطلقاً ومن يطلع على سبب النزول يعلم خطأ من يشترط هذا الشرط في التعدد ((التفسير والمفسرون)) (2/209).
الربا:
ويجعل الربا المحرم شرعاً هو الربا الفاحش فقط ((التفسير والمفسرون)) (3/210).
هذا بعض ما ذهب إليه هذا المفسر في تفسيره، وما قصدنا من الاستطراد في ذكر أمثلة من تفسيره إلا لتتضح لنا صلته بالمدرسة العقلية وتأثره بما ذهبت إليه من آراء في معجزات الأنبياء عليهم السلام كافة، ومن اجتهاد في غير محله ومن غير أهله في الشريعة الإسلامية، وإنا لنعجب كيف قامت الصيحات والاحتجاجات على المؤلف حتى صودر الكتاب وحكم عليه بالزيغ والضلال وهو إنما يردد ما جاءت به المدرسة العقلية الحديثة إلا ما ندر وفي الوقت نفسه يلاقي تفسير أصحاب المدرسة الترحيب والقبول؟!
ب- في القصة القرآنية:
في سنة 1926م أصدر طه حسين كتابة (في الشعر الجاهلي) وقد جاء في ص26 منه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضاً ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي" ((ذيل الملل والنحل)) محمد سيد الكيلاني (ص 48) عن ((في الشعر الجاهلي)) طه حسين. ويقول في نفس الصفحة ".. فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب والمستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن ترى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية من جهة أخرى، والقرآن والتوراة من جهة أخرى..." ((ذيل الملل والنحل)) محمد سيد الكيلاني (ص 84) عن ((في الشعر الجاهلي)) طه حسين.
وفي عام 1947م قدم الطالب محمد أحمد خلف الله من كلية الآداب بجامعة فؤاد رسالة للحصول على الدكتوراه بعنوان (الفن القصصي في القرآن الكريم) قرر فيها أن ورود الخبر في القرآن الكريم لا يقتضي وقوعه، وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى على القرآن (!!) من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ "إن التاريخ ليس من مقاصد القرآن وإن التمسك به خطر أي خطر على النبي عليه السلام وعلى القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 42). ويقول "إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع وليست من مقاصد القرآن في شيء... إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة... ومعنى هذا.. إن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 44).
ويستند ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 42). فيما قال على ما جاء في (المنار) "ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (1/279). ويستدل بقول (المنار) "هذا وإن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (4/7). وبقوله "بينا مراراً أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم وما تتضمنه من أصول الدين والإصلاح" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (12/101).
واستدل أيضاً بغير ذلك من نصوص (المنار)، ومن هنا ندرك عمق الصلة بين هذا الموقف من قصص القرآن وموقف المدرسة العقلية الممثلة في تفسير (المنار) من قصص القرآن الكريم.
ثم يصل الدكتور خلف الله إلى نتيجة ما قرره من الفصل بين القصة القرآنية والحقيقة التاريخية فيصف القرآن بما وصفه به المشركون من أنه "أساطير" ويستدل على هذا بأن القرآن عرض مرة واحدة للرد على المشركين "في قيلهم بأنه أساطير وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان وهذه هي الآيات وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 5-6] فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟ أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند الله، قل أنزله الذي يعلم السر.. إلخ" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 178-180). ثم قال "وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند الله إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 178-180).
ونذكر مثلاً من تطبيقه هذه النتيجة التي توصل إليها على قصص القرآن قوله:- "وإذا ما قال المستشرقون أن بعض القصص القرآني كقصة أصحاب الكهف أو قصة موسى في سورة الكهف قد بنيت على بعض الأساطير قلنا ليس في ذلك في القرآن من بأس فإنما هذه السبيل سبيل الآداب العالمية والأديان الكبرى ويكفينا فخراً إن كتابنا الكريم قد سن السنن وقعد القواعد وسبق غيره في هذه الميادين" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 182).
وزعم أيضاً أنه لن يجد من "يعارض في وجود القصة التمثيلية في القرآن الكريم وأنها وليدة الخيال وأن الخيال إنما يسود هذا النوع من القصص لحاجة البشر إليه وجريهم في بلاغتهم عليه والله سبحانه وتعالى إنما يحدثهم من هذا بما يعتادون" ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص170).
ويستدل ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 164). لإثبات هذه النتيجة التي توصل إليها بما جاء في المنار عن أحدى قصص القرآن "ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل والله أعلم" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (3/52). ويستدل ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 168-169). أيضاً بقول الشيخ محمد عبده "وأما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فيقال فيه أن القرآن كثيراً ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني كقوله تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: 30] فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا ونحو قوله عز وجل بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11] والمعنى في التمثيل ظاهر" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (1/280-281).
ومن هنا – أيضاً – ندرك عمق الصلة بين الفكرتين فكرة خلف الله وفكرة الشيخ عبده وتلاميذه في قصص القرآن الكريم ولهذا حرص أمين الخولي المشرف على الرسالة المنحرفة على التصريح بأن جامعة فؤاد التي رفضت الرسالة المنحرفة هذه "ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاما" ((الفن القصصي في القرآن الكرم)) محمد أحمد خلف الله (ص ح).
ولا شك بعد هذا أن هذا الزعم في قصص القرآن الكريم بأنها مخالفة لحقائق التاريخ وأن المراد بها التمثيل لا الحقيقة التاريخية لا شك أنه أثر من آثار مدرسة المنار، كيف لا وهو إنما يستشهد بأقوال أستاذهم وإمامهم.
وسواء أكان الأستاذ الإمام يقصد ما قصده خلف الله أم لم يقصده فإن الصلة بين القولين ولا شك بينة وواضحة.
بقي أن نقول أن هذه الرسالة أيضاً لقيت ردود فعل قوية واحتجاجات الرفض حتى رفضتها الجامعة، وفي الوقت نفسه كان الترحيب والقبول لما جاء به محمد عبده وتلاميذه؟!
ج- في السنة النبوية:
منذ صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمر، وأعرض عن المشركين، ومنذ أنذر عشيرته الأقربين وخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وقال أنا النذير المبين، منذ ذلك الحين وأعداؤه وأعداء الدين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويحاربونه بكل وسيلة وكل سبيل.
زعموا أن القرآن أساطير، وزعموا أن محمداً ساحر وشاعر وكاهن، وزعموا أنه صلى الله عليه وسلم "كذاب أشر" وزعموا أنه عبقري لا نبي، وزعموا أن الإسلام مجموعة أفكار إصلاحية بشرية لا دين إلهي.
منذ ذلك الحين والدين الإسلامي في دوامة المعركة بين الحق والباطل بين حفظ الله ومكر الكافرين، ويبتلي الله المؤمنين بين حين وآخر في ذلك الصراع بين ضعف المسلمين وقوتهم.
وكانت المؤامرات العدائية للإسلام تلبس لكل حالة لباسها فتسلك سبيل السلاح حين تضعف قوة المسلمين، وتتخذ التخريب والتدمير والقتل شأنها من غير تفكير في إصلاح اعوجاج أو تعديل انحراف.
وإذا ما عجزت سبيل الحرب عن تحقيق أهدافها لبست لذلك لباساً آخر لباس الحرب الفكرية، وهم يجمعون بين السبيلين في أحيان كثيرة فيشككون في القرآن وفي محمد وفي السنة وفي الإسلام كله ويبثون أفكارهم تلك بين نابتة المسلمين وغيرهم.
وتنشأ هذه النابتة على رفض الإسلام أو رفض شيء من تعاليمه وأفكاره ومبادئه، لا تلبث أن تشتعل فيهم اشتعال النار في الهشيم فيكونون على الإسلام عبثاً أكبر من عبثهم ويحسب الجاهلون أن لا علاقة لأعداء الدين بهذا التشكيك والحرب من المنتسبين إليه ومن داخل حصونه.
ويزيد قوم الأمر سوءاً حين يقولون ما يتمسك به المنحرفون، ويشد عضدهم ويفتح لهم سبلاً كانوا عنها غافلين.
قالوا أن قصص القرآن تمثيل وتخييل وجاء من يقول أنها أساطير مخالفة للواقع، وقالوا أن الوحي عرفان يجده الشخص في نفسه... إلخ فجاء من يقول أن محمداً عبقري وأن القائلين بنبوته يكسبون بالاعتراف بعبقريته كسباً عظيماً، قالوا إن حديث أبي هريرة الذي قال فيه كذا وكذا لا يبعد أن يكون قد رواه عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه فجاء من يسب أبا هريرة رضي الله عنه، ويشتمه ويرفض أحاديثه كلها صحيحها وضعيفها، قالوا إن السنة ليست ديناً إلا من حيث أنها مبينة للقرآن فجاء من ينكر السنة كلها ويرفضها.
لم يكن بين الفريقين كبير فارق في الزمن أو الفكرة بل كانوا من المعاصرين لهم وكانوا من الناشرين لأفكارهم الإلحادية المروجين لها بل والمشاركين في صياغتها.
ينشر الأستاذ محمد حسين هيكل كتابه (حياة محمد) ينكر فيه معجزاته صلى الله عليه وسلم ويقدم للكتاب الشيخ محمد مصطفى المراغي ويقرظه السيد رشيد رضا؟!
ويكتب محمد عبده كتاباً يذيله باسم قاسم أمين وينشره بين الناس ويدعو فيه إلى ما أسماه (تحرير المرأة)؟! ويشيد بهذا الكتاب رشيد رضا ويقرظه في كل سانحة في (مجلة المنار).
وينكر الدكتور توفيق صدقي حجية السنة ويعلن عنوان مقاله (الإسلام هو القرآن وحده) وينشر له الأستاذ محمد رشيد هذا المقال في عددين من مجلته (المنار) السابع والثاني عشر من السنة التاسعة.
ويزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطاً فيه ولما كان تبياناً لكل شيء.
ويلحد في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9] فيزعم أنه تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظهما؟!
وجاء من بعده أحمد أمين صاحب كتب (فجر الإسلام(، و(ضحاه)، و(ظهره) تحدث في فجر الإسلام عن الحديث النبوي فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل كما يقول المرحوم مصطفى السباعي ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 236).
زعم أن هناك أمور كثيرة تضعف من حجية السنة منها أن الحديث لم يدون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أنه نشأ عن هذا كثرة الوضع والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ساعد على ذلك كثرة دخول الشعوب في الإسلام، وزعم أن علماء الحديث إنما اعتنوا بالسند ولم يعتنوا بنقد المتن عشر عنايتهم بالسند ثم شكك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي حفظه؟!
وأنت قد لا تجد في كلامه نصاً صريحاً واضحاً في إنكار حجية السنة فهو أدهى من أن يظهر هذا بل يرشد من يريد إنكار حجية السنة إلى السبيل لذلك فيقول الدكتور حسن عبدالقادر "أن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم صراحة ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في (فجر الإسلام)، و(ضحى الإسلام) هذا ما قاله الدكتور علي حسن نفسه للمرحوم مصطفى السباعي ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 238).
وقد نشر إسماعيل أدهم رسالة سنة 1353هـ زعم فيها أن الأحاديث التي تضمنتها كتب الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وثارت حول هذه الرسالة ضجة انتهت بمصادرتها ودافع أدهم عن نفسه بأن ما قاله قد وافقه عليه كبار أدباء وعلماء ذكر منهم أحمد أمين، ولم يكذب أحمد أمين ما قال هذا بل كتب ما يفيد تأمله مما حصل لصاحبه واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي، وحجر عثرة في سبيل البحوث العلمية ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 238).
وفي عام 1377هـ الموافق 1957م ظهر كتاب جديد وأعني بالجديد فيه ذلكم الأسلوب الذي نهجه صاحبه وما رأيت مثله؟! رجل يحمل معول هدم السنة ينكر أحاديثها ويلقى أفظع السباب والشتائم على ناقلها الأول أبي هريرة رضي الله عنه ثم يزعم بعد هذا أنه يدافع عن الحديث؟!
أما المؤلف فمحمود أبو رية، وأما الكتاب فـ (أضواء على السنة المحمدية) أو (دفاع عن الحديث)؟
ومن التوافق العجيب أن الذي قدم لهذا الكتاب الذي أنكر حجية السنة هو الذي أنكر صدق قصص القرآن وأنكر حجيته فيما يخبر به – كما مر بنا – وأعني به طه حسين.
أنكر محمود أبو رية حجية السنة وإذا ما قال له قائل كيف تنكر حجية السنة وأنت تستدل على ما ذهبت إليه بأحاديث منها؟ أجاب "أن الأحاديث التي أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي إنما أسوقها لكي نقنع من لا يقنع إلا بها على اعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يماري فيها "ويشبه أسلوبه هذا باحتجاج" المسلم على النصراني بما في الإنجيل وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به أو عكس ذلك ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 33). ؟!
ثم يأتي بعد هذا بقواعده التي أراد بها أن يأتي "بجديد" يفوق به قواعد علماء الحديث السابقين؟! ويعدل به ما اعوج به من قواعدهم؟ قال بعد كلامه السابق "أعلم أن ذلك ليس عاماً في كل ما أورده من أحاديث في كتابي فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة كأن يكون بياناً للقرآن الكريم أو متفقاً مع العقل السليم، أو جاء على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وإليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة، أو أتنور خلال معانيه شعاعاً من نور النبوة، ولو كان خافتاً ضئيلاً – وهذا أمر أحسه بوجداني فما كان من مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن، واعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه أحاديث آحاد وأنه ظني الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذي يفيد اليقين وأن روايته جاءت "بالمعنى" لا بأصل اللفظ الصحيح الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34-35).
بقي أن أقول أن قواعده تلك لا تقوم بها حجة على صحة الحديث فقد يكون في الحديث بيان للقرآن الكريم ولا يلزم من هذا صحة هذا الحديث وقد يتفق الحديث مع العقل السليم وقد يأتي حديث على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وعليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة ولا يلزم أن يكون الرسول قد قاله؟ وليس هذا كله بالأمر الذي يحتاج إلى مزيد علم لإدراكه، ولكنه الضياع يعمي الأبصار عن الحقيقة.
وحتى ندرك منه ضلال منهجه في نقد الحديث نسوق قوله "ومن الأحاديث ما تقتضي البداهة بصدقه كحديث ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن)) رواه مسلم (3004), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج...). ؟! ولست أنكر هنا صحة الحديث أو غيرها وإنما أنكر أن تكون "البداهة" مما تقتضي صحته؟! وأي بداهة تنكر أن يبيح الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب حديثه؟!
وحتى ندرك منه غرضه في وصف هذا الحديث بأن "البداهة" تقتضي صحته نكمل قوله "وهو الحديث الذي بنينا عليه كتابنا هذا" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34-35). وبه يتضح هدفه؟!.
وحتى ندرك أيضاً الصلة التي تربط برجال المدرسة العقلية الحديثة وتأثره بهم فيما ذهب إليه نقول أنه كثيراً ما يسوق نصوصهم ويستشهد بها في التقليل من شأن حجية السنة أو التجريح بصحابي جليل، وحينما عاب عليه طه حسين كثرة نقله عن رشيد رضا أجاب بأنه لم يصنع ذلك "عفواً أو فقراً  من الأدلة" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34-35). وإنما كان يقصد من ذلك أموراً مهمة، "منها أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقهاء المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم... الخ" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34-35). "وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا بحيث يعلم من أمر الأحاديث التي حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك مما يتصل بكتابي ما لم يعلم مثله سواه" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34-35). "على أنه فوق ذلك ورث علم الأستاذ الإمام محمد عبده وناهيك به علماً وفضلاً بحيث لا يختلف اثنان من أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين فما يقوله السيد رشيد إنما اعتبره كأنه صادر عن أستاذه الإمام وذلك فيما أرى أنه من منهج الأستاذ الإمام وأسلوبه في النظر إلى الدين" ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 35). وفوق هذا وذاك فهو يكتب عن السيد رشيد بمناسبة مرور خمسة أعوام على وفاته ويسميه "شيخنا" ويردد هذه العبارة" ((مجلة الرسالة)) أغسطس 1940م مقال السيد رشيد رضا بقلم محمود أبو رية (ص1355).
أذن فهو يستند فيما ذهب إليه إلى أقوال أئمة رجال المدرسة العقلية الحديثة الأستاذ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد، ويحسب قوله بعد هذا فوق الشبهات!!
وكأن خداع العناوين مرض انتقل من أبي ريه في زعمه الدفاع عن الحديث النبوي في عنوان كتابه إلى المدعو (السيد صالح أبو بكر) فنشر كتاباً زعم أنه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها) زعم فيه أن من أهدافه "تقديم حصيلة الفحص الدقيقة للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال وعددها مئة وعشرون حديثاً والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي صلى الله عليه وسلم" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3-6).
وعد من أهدافه "القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3-6). ومنها "إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3-6). و "إثبات أن دين الله هو القرآن بداية ونهاية" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3-6). وقال أخيراً "كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصاً ومعنى" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3-6).
والحق أننا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأهداف والحق أيضاً أن هذا الرجل بعيد كل البعد عن المنهج الذي زعم بل عماد نقله وأسه محمود أبو رية السالف ذكره فهو كثيراً ما ينقل عنه بل نستطيع القول أن الجزء الأول منه خلاصة لكتاب أبي ريه، ثم أراد المؤلف منافسة أبي ريه على مناهله الأولى فنقل أيضاً عن محمد عبده وعن رشيد رضا وغيرهم من مدرسة المنار.
بل إن بدء هجومه على أبي هريرة رضي الله عنه يصدره برأي مدرسة المنار فيضع عنوناً "أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه مثلاً في مدرسة المنار" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 58).
وقد خصص المؤلف الصفحات من 58 إلى 63 للتشكيك في أبي هريرة رضي الله عنه وفي روايته.
وإن شئت مثالاً من الأحاديث المئة والعشرين التي كذبها المؤلف من صحيح البخاري وأسلوبه في التكذيب، حتى تدرك بعد منهجه عن عنوان الكتاب (الأضواء القرآنية) وعن أهدافه التي زعمها فإليك واحداً منها.
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله عز وجل لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ رواه البخاري (3337), ومسلم (169), من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
أتدرون ماذا قال المؤلف بعد أن نقله نقلاً غير ملتزم بألفاظه كما هو شأن علماء الحديث الصالحين أتحسبون الرجل استند إلى ضوء آية قرآنية واحدة في رد الحديث فضلاً عن التزام (الأضواء القرآنية)!! لا لا ليس الأمر كما تحسبون. بل قال "ودلائل الزيف في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال كلها نقول فيها ما يلي:-
أولاً: إن المسيح الدجال هو كل مبدل وكل ماسخ لجمال الحق... وأن هذا المسيخ ليس رجلاً واحداً فقط ولكنهم كثيرون وهم عور وغير عور يعيشون معنا وأناس منا وكانوا مع من قبلنا وسيكونون مع من بعدنا وفي كل زمان ومكان.. وليسوا مسيخاً واحداً كما يقول الحديث.
ثانياً: إذا كان المسيخ سيظهر في آخر الزمان فقط.. فمن هو المسيخ الدجال الذي كان سبباً في ظهور الفساد والفتن في عهود الخلفاء وزمن التابعين بل زماننا هذا.
ثالثا: إذا كان المسيخ الدجال رجلاً واحداً ولا يأتي إلا في آخر الزمان فمن أي مسيخ كان يتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه والتابعين.. ومن أي مسيخ نتعوذ نحن الآن في نهاية كل صلاة كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم؟؟
رابعا:.. بأي عقل نصدق أن يعطيه الله كل هذه الأسباب ثم يأمرنا بمحاربته أو يلوم أتباعه وقد أعطاه من وسائل الإغراء والإقناع للناس ما لا يعطي الأنبياء والمرسلين.
خامسا: في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أن المسيخ الدجال رجل أعور وإن ربكم ليس بأعور فكيف يعقل أن تجري هذه الألفاظ على النبي صلى الله عليه وسلم وأن تكون ألفاظه قد وصلت إلى هذا النقص في التعبير عن ذات الله وأن يتكلم عن خالقه بتلك الصورة المذرية الركيكة.
سادسا: كيف أنذر نوح قومه من المسيخ الدجال كما يقول الحديث مع أن الأحاديث التي وردت فيه تقول كلها أن المسيخ سيأتي في آخر الزمان" ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية)) السيد صالح أبو بكر (ص 206 – 207).
وليس هدفنا هنا أن نرد على شبهة ونبطلها فليس هذا موضعه وإنما أردنا أن نظهر أسلوبه في النقد وأن أدلته تلك ليست أضواءاً قرآنية كما زعم ولم يستند فيها إلى آية قرآنية بل كلها شبه من فكره ومن مفهومه الضال الذي لم يستند إلى كتاب ولا إلى سنة أيضاً.
وليس هذا الأمر في هذا الحديث فحسب بل هو في كل الأحاديث التي أوردها لم يستدل فيها بآية قرآنية إلا آية تعرض عرضاً في حديثه وليس فيها من معارضة الحديث شيء.
إذن فلا عجب إذا ما أكثر النقل عن محمود أبو رية وعض على أقواله بنواجذه ولا عجب أيضاً إذا ما استند إلى أقوال محمد عبده ورشيد رضا بل إلى مدرسة المنار.
د- في الفقه:
أما فتح باب الاجتهاد وشروطه التي جاءوا بها فقد نفذ منها كل من هب ودب وأفتى في الأحكام الشرعية من غير تردد أو خوف أو وجل، وحكم في قضايا لو عرضت على مالك لقال "لا أدري" ولو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.
ولا نريد أن نذكر كل ما جرى بعدهم من اجتهادات فقهية خارجة عن نطاق الاجتهاد وحدوده، ولا يصل إلى مرتبته مصدروها – ولكن نقصر الحديث هنا على واحدة من تلك الاتجاهات الفقهية المنحرفة.
ونحن وإن كنا لا نزعم أن كل انحراف في تقنين الأحكام الشرعية وميل بها عن الحق أنه أثر من آثار المدرسة العقلية إلا أننا نؤكد أن كثيراً من ذلك يستند إلى آرائهم ويستدل بأقوالهم ويستشهد بها وما هذا إلا معيار لتأثرهم بها، نذكر من هذا مسألة تعدد الزوجات دع عنك تحرير المرأة وخروجها إلى العمل واختلاطها بالرجال في ميادينه... الخ.
وقد سبق للشيخ عبده أن دعا إلى تطبيق ما ذهب إليه في مسألة تعدد الزوجات ونحن نذكر دعوته هنا حتى ندرك أن ما حدث بعد إنما هو من آثاره ومدرسته قال: "لا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصاً الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة" ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (4/349-350).
إذن فهو يدعو إلى تغيير الحكم؟! ترى هل يدعو إلى تغييره دفعة واحدة أو بطريقة أخرى؟! يفسر هذا تلميذه السيد رشيد بقوله "إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الإسلام يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] و مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ [المائدة: 6] ولا يصح أن يبني على هذه القاعدة تحريم أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة.. وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على من اعتادوا المبالغة فيه من المفاسد فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيد بقيد ثقيل وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات وهو شرط يعز تحققه ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي" ((تفسير المنار)) (4/359). ؟!!
إذن فليس الأمر في المنع "دفعة واحدة" لأنه يشق على من اعتادوا المبالغة فيه والحال أن يقيد بقيد ثقيل.. وهو شرط يعز تحققه.. ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي.
وليس المانع من إلغاء التعدد دفعة واحدة "أمر شرعي وإنما المشقة على من اعتادوا المبالغة فيه، والعلاج التدرج في ذلك إلى أن يصل الأمر إلى اعتياد الناس على عدم التعدد ولا يشق على أحد إلغاؤه ومن ثم إلغاء التعدد.
لن أذكر هنا أثر تلك الدعوة على الأفراد في أقوالهم ودعواتهم لأنها كلها تنتهي إلى الدعوة إلى تطبيقه وتقنيته وإذا ما اكتفينا بذكر القوانين التي سنتها بعض الدول المسلمة في ذلك نكون قد تجاوزنا آراءهم إلى النتيجة والنتيجة هدفنا من الإشارة إلى الأثر.
وفي الواقع أن الدول التي تأثرت بهذه الدعوة انقسمت إلى قسمين ولا يزال بعضها في مرتبة "قيد ثقيل يعز تحققه.. ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي"، واستطاع بعضهم أن يصل إلى مرتبة "دفعة واحدة".
أما القسم الأول فدول المغرب وسوريا والعراق قيدته المغرب قضائياً بالعدل بين الزوجات، وقيدته سوريا بالقدرة على الإنفاق، وقيد في العراق بمصلحة مشروعة وبالعدل بين الزوجات، وبالقدرة على الإنفاق عليهن.
"وورود أحد هذه القيود في القانون معناه أنه أصبح ملزماً ويتعين على القاضي أن يتحقق من توافره بحيث إذا لم يكن هذا الشرط متوافراً أو ذاك كان تعدد الزوجات غير جائز، لأن المفروض أن أحكام القانون جميعها ملزمة ويحمل الناس على احترامها وتطبيقها طوعاً أو كرهاً" ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 257).
أما التي أخذت بالطريقة الثانية فتونس فمنعت تعدد الزوجات ومن تزوج بأكثر من واحدة يستوجب عقاباً بالسجن مدة عام وبخطيه "أي غرامة" قدرها 240.000 فرنك أو بإحدى العقوبتين فقط ""الفصل 18"" ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص262).
أما في مصر فقد شكل بعض تلاميذ محمد عبده لجنة سنة 1926م اقترحت تقييد تعدد الزوجات وقدمت المقترحات لمجلس النواب وبعد مناقشات أعيدت لوزارة العدل لدراستها ثم صدر القانون رقم 25 لسنة 1929م منظماً لبعض شؤون الأسرة خالياً من مقترحات تقييد تعدد الزوجات ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص295-296). وفي سنة 1945م تقدمت وزارة الشؤون الاجتماعية بمشروع قانون لتقييد تعدد الزوجات باشتراط إذن القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزواج، واشتراط أن لا يأذن القاضي إلا بعد الفحص والتحقق من أن سلوكه وأحوال معيشته يؤمن معها قيامه بحسن المعاشرة، والإنفاق على أكثر من في عصمته ومن تجب نفقته عليهم من أصوله وفروعه، ولم يكتب لهذا المشروع النجاح ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 295-296).
وقامت بعض الدعوات لاشتراط أن يكون جواز التعدد في حالتين، حالة مرض الزوجة مرضاً لا برء منه، وحالة عقم الزوجة الذي مضى عليه أكثر من سنوات ثلاث ومنع ما عدا هاتين الحالتين ودعوا فيما دعوا إلى عدم سماع الدعوى في نزاع يتعلق بالزواج "المتعدد إلا إذا كان بإذن القاضي وقد رفضت جبهة علماء الأزهر هذا الاقتراح.
وزعم المدعو عبدالعزيز فهمي باشا أن القرآن الكريم يحرم بتاتاً تعدد الزوجات؟! فالآية في زعمه واضحة لكل متذوق أنها هزء وسخرية ممن يريد تعدد الزوجات لأن المولى سبحانه وتعالى أردفها بقوله وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ [ النساء:129]   ولن كما يقرر النحاة هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفياً باتاً" ((مع المفسرين والكتاب)) أحمد محمد جمال (ص 208).
وحتى نكشف مغالطة الرجل نقول أن استدلاله هنا كمن يستدل بقوله تعالى لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ [ النساء: 43] , ويدع وَأَنتُمْ سُكَارَى ولو أحسن الاستدلال وطلب الحقيقة لأكمل ما استدل به وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: 129] فقوله سبحانه فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ غَفُورًا رَّحِيمًا كلها تبين المراد من نفي الاستطاعة بياناً لا يريده فهمي باشا ولهذا قطع الآية.
وأما الاستدلال بما قرره النحاة فهو تحريف لقولهم ولا يستغرب ممن كذب على القرآن أن يكذب على النحاة؟ لم يقل النحاة بأن النفي بلن نفياً باتاً أي دائماً إلا الزمخشري المعتزلي قال ذلك ليؤبد النفي في قوله تعالى لموسى لَن تَرَانِي [الأعراف: 143] حتى يستدل بها على إنكار رؤية الله التي لا يؤمن بها المعتزلة، والنحاة – سواه – على الضد من ذلك فقد قالوا:-
ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله أردد وسواه فاعضدا.
نعد الحديث بعد هذا إلى شيخ أزهري هو الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، والأزهريون متهمون بالجمود والتزمت وهما صفتان أوحى بهما الاستعمار إلى شباب المسلمين حينذاك لينفروا من الأزهر وشيوخه ثم ينفروا من الدين كله بالتبع، أراد هذا الشيخ أن ينفي هذه التهمة فأخطأ الطريق – وما هكذا تورد الإبل يا سعد – تقرب إليهم بالدعوة إلى تحريم تعدد الزوجات؟! أليست هذه الصفة من مآخذ الاستعمار على الإسلام؟!
أي طريق يسلك إلى ذلك؟ استمداد ذلك من آية إباحة التعدد كما فعل عبدالعزيز فهمي أمر قد سبق إليه، وهو يريد أن يأتي بجديد فقال "لا ينكر أحد أن ينقلب المباح حراماً إذا نهى عنه ولي الأمر لمصلحة تقتضي النهي عنه كأن ينهى عن زرع القطن في أكثر من ثلث الملك تجب طاعته شرعاً في ذلك وتحرم مخالفته فيه... وكذلك الأمر في تعدد الزوجات فلولي الأمر أن ينهى عنه إذا أساء المسلمون استعماله فيصير حراماً لنهيه عنه وإن كان في ذاته مباحاً وهذا أمر معروف بين العلماء" ((مجلة الرسالة)) (العدد 773) السنة 16 إبريل 1948م ط489 – عبدالمتعال الصعيدي. ؟! وهو حينما يقول هذا يؤكد أن المسلمين قد أساؤوا استعماله ويرشد إلى الطريق السليم لتحريم التعدد كما أرشد إليه سلفه محمد عبده وتلاميذه قال الشيخ عبدالمتعال "ولعل مما يدعو إليه هذا أن الناس لم يتهيئوا بعد لفهم هذا الحق بل يعدوه خروجاً على الدين، فيحمل هذا ولي الأمر على أن يستثني في ذلك ما يستثني، ولا يذهب فيه إلى آخر ما جعله الله من حقه" ((مجلة الرسالة)) (العدد 773) السنة 16 إبريل 1948م ط489 – عبدالمتعال الصعيدي.
لذلك فلا عجب أن يقول الدكتور عفت محمد الشرقاوي معلقاً على ما ذهب إليه عبدالعزيز فهمي ونعم به عبدالمتعال "ومع ما يبدو في هذا من الغرابة والتجوز في الاستنتاج، وخروجه عن مألوف المأثور، فإنه كان النتيجة الطبيعية لشدة تأثرنا بالنظم الأوروبية في تشريع الزواج... وكان ذلك في جملته تطوراً واضحاً لنزعة قديمة حمل لواءها "محمد عبده" محاولا التفريق بين النص القرآني وهذا التصور الجديد" ((الفكر الديني في مواجهة العصر)) عفت الشرقاوي (ص 237).
كانت هذه هي الحال إلى سنة 1967م ففي هذه السنة صدر قانون الأسرة في مصر والجديد الذي جاء فيه ما نصت عليه المادة "134":
أ- للزوجة التي تزوج عليها زوجها وإن لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها أن تطلب التفريق بينها وبينه وفي مدى شهرين من تاريخ علمها بالزواج ما لم ترض به صراحة أو دلالة.
ب- ويتجدد حقها في طلب التفريق كلما تزوج بأخرى.
ج- وإذا كانت الزوجة الجديدة قد فهمت من الزوج أنه غير متزوج بسواها ثم ظهر أنه متزوج فلها أن تطلب التفريق.
كما نصت هذه المادة على أن "التفريق للزواج بأخرى طلاق بائن" ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 316-317). وهذا لا شك "قيد ثقيل يعز تحققه.."؟!
والاتجاه العام إلى تقييد تعدد الزوجات سائر على منهج مدروس وقد بدأت بعض السلطات في بعض البلدان الإسلامية في إصدار قوانين تحرم من يعدد زوجاته من بعض الحقوق أو المزايا التي يتمتع بها سائر المواطنين كحرمانه من الاشتراك في نقابة أو ناد معين أو قصر الإعارة للخارج على المتزوجين بواحدة أو السماح بالعلاج المجاني لزوجة واحدة أو قصر الإعفاء الضريبي على المتزوجين بواحدة ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 320). ونحو ذلك.
وهذا كله ولا شك في سبيل "تقييد تعدد الزوجات بقيد ثقيل... يعز تحققه – ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي" "والانتقال بعد هذا إلى الخطوة الأخرى "منع تعدد الزوجات" دفعة واحدة" وبهذا لا يشق هذا الأمر على "من اعتاد على تعدد الزوجات"؟!
هـ- في السياسة:
عمى الألوان مرض يصيب البصر لا يستطيع صاحبه التفريق أو التمييز بينها، وأحسب أن عمى الألوان هذا يصيب البصيرة فلا يستطيع صاحبه أن يفرق بين دين ودين، ومنهج وآخر.
نظرت طائفة من المسلمين أو من المنتسبين للإسلام إلى ما حدث في أوروبا في العصور الوسطى، وإلى ما حدث من صراع هناك بين الدين والعلم، وبين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، نظروا إلى "رجال دين" يستندون إلى كتب "محرفة" وما فيها يخالف حقائق العلم ونظرياته، أضف إلى هذا تشدد أولئك "رجال الدين" في مواجهة خصومهم.
ليس هناك مجال آخر دين محرف أقواله تصادم حقائق علمية، ورجاله متصلبون متشددون، فكان لابد من قيام ثورة للفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسياسة بين الدين والعلم، فعزلوا الدين وأقصوه.
حسب من أصيب بعمى البصيرة أن كل دين كهذا الدين المحرف، فأراد من ينتسب إلى الإسلام منهم أن يطبق تلك الثورة على دينه الذي ينتسب إليه – إما عن جهل منه وإما عن خبث فيه – فدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وجعل الدين مجرد عبادة تؤدى في المسجد فإذا خرجت إلى الشارع فقد تعدت حدودها وتجاوزت مراسيمها ووجب عقابها وقمعها.
فليبق الدين في المسجد؟!
ولتبق الوطنية والقومية.. الخ في الشارع، وليسرح الناس وليمرحوا حسب نظامهما، دينهم الوطن وعقيدتهم القومية.
وكان من السابقين السابقين إلى هذه الدعوة الشيخ محمد عبده حيث قال "إن خير أوجه الوحدة الوطن لامتناع الخلاف والنزاع فيه" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (2/194). والشيخ نفسه هو الذي صاغ برنامج "الحزب الوطني" المصري وجاء فيه "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذاهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه" ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)) جمع محمد عمارة (1/107) و((التاريخ السري)) بلنت (ص 442). ودافع عن القبط في مصر قائلاً "ليس من اللائق بأصحاب الجرائد أن يعمدوا إلى إحدى الطوائف المتوطنة في أرض واحدة فيشملوها بشيء من الطعن أو ينسبوها إلى شائن من العمل تعللاً بأن رجلاً أو رجالاً منها قد استهدفوا لذلك..." ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)) جمع عمارة (1/108).
وهو في هذا يقلد أستاذه الأفغاني الذي دعا إلى القومية والوطنية "الفرعونية" في مصر حيث يقول موجهاً حديثه للعوام "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد... تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت.. انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعمة آبائكم وعزة أجدادكم:-


وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم




إن التشبه بالرشيد فلاح ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/46-47) و((زعماء الإصلاح)) أحمد أمين (ص 78-79).

وأتبعا القول بالعمل فجدا واجتهدا في سبيل هدم الخلافة الإسلامية، واستقلال العرب عن الأتراك والتقريب بين الأديان.
وقد سرت هذه الأفكار والمبادئ في المجتمع الإسلامي بعد ذلك وانتشرت ولا نزال حتى ساعتنا هذه نعاني من آثارها.
وظهرت آثارها أول ما ظهرت في الثورة الكمالية الإلحادية في تركيا حيث عملت أول ما عملت على فصل الدين عن الدولة وقالوا فيما قالوا "إننا نحن العثمانيين لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين وراء ظهورنا وعصرنا العلماء عصراً نمحقهم به محقاً، وسرنا وراء فرنسا خطوة خطوة" ((مجلة المنار)) مجلد 16 ج2 ص عدد صفر 1331 هـ (ص: 132).
وأشاد بعض العرب بهذه الحركة وفتن بها كثير منهم قال أحدهم "حصل التقدم في تركيا بعد نبذها تعاليم رجال الدين وفتاويهم وفصلها الأمور الزمنية عن الدينية، واستغنائها عن قراءة البخاري في السفن البحرية" ((هذا هو الإسلام)) فاروق الدملوجي (ص 213).
وفي سنة 1925م وضع علي عبدالرزاق كتابه الإسلام وأصول الحكم خاض فيه في مبحثين:
1) هل منصب الخلافة ديني أم سياسي أم هو مزيج من كليهما معاً؟
2) هل منصب الخلافة ضروري للمسلمين؟ ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق؛ (ص 5).
وهو في سبيل فصل الدين عن الدولة تضمن:-
1- جعل الشريعة الإسلامية روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.
2- أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولإبلاغ الدعوة إلى العالمين.
3- وأن نظام الحكم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجباً للحيرة.
4- وأن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ.
5- وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا.
6- وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية.
7- وإن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم كانت لا دينية" ((حكم هيئة كبار العلماء في كتاب الإسلام وأصول الحكم)) (ص 5-6).
وجاء فيه "الدنيا من أولها لآخرها وجميع ما فيها من أغراض وغايات أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها وينصبوا لتدبيرها" ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 154).
وزعم "أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر إليه الرسول" ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 171-172).
وقال "التمس بين دفتي المصحف الكريم أثراً ظاهراً خفياً لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، تلك منابع الدين الصافية في متناول يديك، وعلى كثب منك فالتمس منها دليلاً أو شبه دليل فإنك لن تجد عليها برهاناً، إلا ظناً وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا" ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 151).
ولن ندع مثل هذا التحدي لهذا القزم المتعملق من غير رد، ولن نأتيه بشبه دليل بل نأتيه بالصاعقة قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ [النساء 105] وهل الحكم بين الناس إلا عين السياسة وهدفها ولا نريد أن نعدد الأدلة بعد هذا فهي جد طويلة ولكن أتينا بما طلبه "التمس دليلاً أو شبه دليل..." إلخ؟!.
وقال بنحو هذا محمد أحمد خلف الله في كتابه "القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة" حيث يقول "إن رياسة الخلفاء الراشدين للدولة العربية "!!" لم تكن دينية بحال من الأحوال وإنما كانت مدنية صرفة" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 82).
وقال "والقرآن الكريم قد أعرض إعراضاً تاماً عن الحديث في نظام أساسي للدولة العربية الإسلامية وترك أمر ذلك للمواطنين "!!" يقررون فيه ما يشاؤون "!!"" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 82).
ودعوا إلى حركة القومية العربية وقالوا: "إن هذه الحركة لم تتخذ من الإسلام خاصة ومن الدين عامة أساساً لها، وإنما مضت على أساس عربي خالص" ((مجلة العربي)) العدد الأول مقال ((القومية العربية كما يجب أن نفهمها)) محمد أحمد خلف الله (ص 22 و 24). "وإن الفكرة العربية أكثر انتشاراً وأوسع نفوذاً من الفكرة الإسلامية" ((مجلة العربي)) العدد الأول مقال ((القومية العربية كما يجب أن نفهمها)) محمد أحمد خلف الله (ص 22 و 24).
ودعوا إلى توحيد الأديان وصهرها بعضها ببعض وهو سبيل من سبيل القومية قال أبو رية "إن الناس سيصلون إن شاء الله بعلومهم وعقولهم إلى مرتقى تزول فيه الجنسيات الدينية وتختفي العصبيات المذهبية ويجتمعون على دين واحد يشمل الناس جميعاً وهذا الدين يقوم على ثلاث قواعد:
1- إيمان بالله.
2- عمل صالح في الحياة.
3- إيمان باليوم الآخر.
أما ما وراء ذلك مما هو خارج عن علمهم فأمره مفوض إلى ربهم وبذلك يعيشون الحياة تحت ظل السعادة الظليل متحابين متعاونين على عمل ما فيه الخير لكل قبيل" ((دين الله واحد على ألسنة جميع الرسل)) محمود أبو رية (ص 168).
وإذا ما استنكر أحدهم الترحم على نصراني قال "إذا كان حكمكم على الكافر صحيحاً فإن النصراني ليس بكافر" ((دين الله واحد على ألسنة جميع الرسل)) محمود أبو رية (ص 28).
ولنقف هنا ولنجمع الشتات.
القومية الوطنية.
التقريب بين الأديان.
فصل الدين عن الدولة.
أحسبها وجوهاً متعددة لقضية واحدة، هدفها واحد: إقصاء الدين الحق وقيام قومية وطنية.. لا دينية "علمانية".. تنبذ الدين وتقصيه عن ميدان السياسة وحينئذ يسهل انقيادها لمن خطط لذلك ووقف خلفه من وراء الستار هل ترون الأصابع الخفية؟! إنها الصهيونية العالمية تسعى للقضاء على القومية الدينية.
وصهر الأديان تحت عنوان التقريب بينها وهو تذويب لها وتدمير.
وفصل الدين عن الدولة.
وظفرت في يومنا هذا على حلم كبير من أحلامها فقد صرح زعيم عربي بـ
فصل الدين عن الدولة بمنع الخطباء في المساجد من التعرض لما يجري في السياسة... الخ.
وسعى ويسعى في بناء مسجد "إسلامي" و "كنيسة نصرانية" و "معبد يهودي"
في سيناء في سبيل التقريب بين الأديان أليس "خير أوجه الوحدة الوطن" كما يقول الشيخ محمد عبده ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (2/194). آخر أخبار هذا المشروع أن هذا الزعيم طلب من ممثلة أفلام الخلاعة والجنس أن تتبرع لبناء هذه المعابد ولو بدولارين.
و- في الإجتماع والأسرة:
والحديث هنا متشعب الأطراف متعدد الجوانب وأهم الأطراف وأخطر الجوانب قضية المرأة أليست المرأة هي الأم وهي الأخت وهي البنت وهي الزوجة وهي المربية وهي المعلمة؟! وهي في كل قاعدة تقف عليها أو منصب يجد الرجل والطفل والشاب ما يجذبه إليها ويشده ومن هنا يكون تأثيرها.
إن صلحت أصلحت وإن فسدت أفسدت أليست المرأة الصالحة خير متاع الدنيا؟! إذاً فاظفر بذات الدين ترتبت يداك.
وأحسب أن المرأة جوهرة يجب أن تصان عن أعين اللصوص وغبار الطريق ما الذي ترجوه من امرأة خلعت جلبابها وهتكت سترها وتزينت وتبرجت وفتنت وافتتنت واختلطت برجال تأججت غرائزهم وانفلت زمامهم، ما إن يفتح أحدهم مجلة حتى يرى الصورة المثيرة، ويذهب إلى دار السينما فيرى ما هو أشد ويفتح التلفاز والمذياع فيسمع ويرى قصص الحب والغرام وماذا بعد هذا؟!
ينظر إلى زميلته في العمل أو على كرسي المدرسة وقد اكتست من المدنية سربالاً وتزينت بزينتها ولبست لباسها وأصابها ما أصاب الرجل نفسه وخلا لهم المكان والزمان بعد هذا؟!
ما الذي ترجوه من امرأة تسلم أولادها لمربية وتخرج إلى واجهات المتاجر والمعارض وتتخذ وسيلة لإغراء المشترين حيث تحدثهم بأرق حديث وألينه، أو تتجه إلى آلات المصانع ودخان المعامل وتهين نفسها بين العمال والموظفين هذا يغمزها وذاك يلمزها وذاك ينظر إليها بعين النهم؟! أو تنساق وراء مغريات الحضارة والحياة الغربية وتتبع شهواتها ورغباتها والمتعة المحرمة؟ كل هذا ولا شك سبب خطير لوقوعها في الرذيلة، إن لم تختصر الطريق وتجعل الرذيلة مهنتها...
وحينئذ فلا أسرة؟ وتشتت الأسر ضياع للمجتمع، وضياع المجتمع ضياع للأمة؟ إذاً فضياع المرأة ميزان لضياع الأمة يرتفع ضياعها بارتفاع ضياع المرأة وينخفض بانخفاضه ويسلم بسلامتها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) رواه البخاري (5096), ومسلم (2740), من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه. , وفي رواية ((أضر على أمتي)) رواه أحمد (5/200).
وقبل هذا قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14] عدد سبحانه في هذه الآية متاع الحياة الدنيا وجعل في مقدمته النساء قال ابن حجر رحمه الله تعالى "وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك" ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) ابن حجر العسقلاني (9/138).
أدرك ذلك المقياس العز لدين الله لما قيل له: إن نساء قصر الإخشيد قد أغرقن في الترف ورفعن نقاب الحياء والسرف واستهن بالفضيلة وتركن رسالتهن قال في زهو وانتصار "اليوم فتحت يا مصر" ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 14).
وأدرك هذا الشاعر العربي حين قال:


الأم مدرسة إذا أعددتها




أعددت شعباً طيب الأعراق

وأدرك هذا أيضاً الاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية وجندت جنودها لهذا الهدف، ولقد خدمها ولا زال يخدمها في تحقيقه كثير وكثير من الناس منهم من يعلم أنه جند من جنود الاستعمار ومنهم من يعلم أنه جند من جنود الصهيونية نفسها ومنهم إمعة يخدمهم من حيث لا يدري.
ظهر أول كتاب في مصر يدعو إلى "تحريرها" من النظام الإسلامي سنة 1894م عنوانه (المرأة في الشرق) لمؤلفه مرقص فهمي المحامي وبعده بسنوات خمس أصدر قاسم أمين كتابه الأول (تحرير المرأة) دعا فيه إلى:
1- القضاء على الحجاب الإسلامي المعروف.
2- إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.
3- تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.
4- منع الزواج بأكثر من واحدة ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 14).
ونحن ندرك صلة الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب فهي لا تخفى وسبق الحديث عنها وأقل ما قيل في هذه الصلة أن هذا الكتاب "وضعه – قاسم أمين – بإيعاز من الأميرة نازلي وبتشجيع من المغفور له الشيخ محمد عبده" ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 74).
وقد حقق الأستاذ محمد عمارة في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين.. وإن في هذا الكتاب عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول أخرى كتبها قاسم أمين ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهاية بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى أسلوب قاسم أمين" ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده))  جمع وتحقيق محمد عمارة (1/252).
وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة في المجتمع المصري دونها الضجة التي أحدثها على عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أو طه حسين في (في الشعر الداهلي) أو محمد أحمد خلف الله في (الفن القصصي في القرآن الكري). ذلك أن هذه الكتب إنما يعنى بها رجال السياسة والأدب وعلوم القرآن وإن شئت فقل الطبقة المثقفة.
أما (تحرير المرأة) فيمس كل الطبقات لارتباطه بحياة كل أسرة وتناوله المباشر لأحد أركانها ولهذا كان له من الأثر والصدى في المجتمع وردود الفعل ما لم يكن لتلك.
قالوا عن الكتاب فيما قالوا "إننا نظن أن يكون ظهور هذا الكتاب مصدر تغير عظيم في أفكار الأمة ينشأ عنه فيما بعد تغير أعظم في أخلاقها... " ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (ص245).
لذلك فلا عجب أن يقوم ضد هذا الاتجاه الفكري طائفة من الناس كبيرة إما لغرض ديني محض، وإما تقرباً للمجتمع المصري الرافض لهذا الاتجاه وهو الجانب الأكبر.
وقف فيمن وقف ضد هذا الاتجاه الحزب الوطني هذا حزب وطني جديد ليس هو الذي شارك محمد عبده في صياغة دستوره وسبق الحديث عنه. الذي شجب هذا الاتجاه في أول اجتماع عقده بعد صدور الكتاب في 5 شعبان 1317هـ 18 سبتمبر 1899م وفتح صدر صحيفته اللواء لكل طاعن على قاسم أمين وأفكاره ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 75-76).
وحينما توفي قاسم سنة 1908م وأقام له شيعته حفلة تأبين أشادوا فيها بدعوته إلى السفور قابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 78).
وفي مقابلة هذا كان "حزب الأمة" من المناصرين لقاسم أمين وأفكاره على صفحات "الجريدة" وكان لطفي السيد باشا في مقدمة المروجين لها بمقالاته العديدة ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 80-81).
وكان لابد من تدخل الاستعمار الذي استغل فترة الحرب العالمية الأولى فاعتقل رجال الحزب الوطني وأوعز إلى أنصار الدعوة النسائية بإصدار مجلتهم (السفور) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 80-81). وحتى هذا الوقت كانت النساء الداعيات إلى السفور يخرجن في مظاهرات وهن متحجبات ومنهن هدى شعراوي وصفية زغلول حرم سعد زغلول أحد تلاميذ الأستاذ الإمام.
وفي عام 1922م تلقت هدى شعراوي دعوة من الاتحاد النسائي الدولي بروما وعند عودتها ورسو الباخرة في الميناء المصري ألقت حجابها في ماء البحر.. ثم كونت الاتحاد النسائي المصري عام 1923م ووضعت حجر الأساس له في أبريل 1924م.
ودعا الاتحاد النسائي إلى تطبيق المبادئ التي نادى بها مرقص فهمي وقاسم أمين وفي مقدمتها تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسة المزعومة ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 82-83). وبعد عشرين عاماً من إنشائه أي سنة 1944م استطاع الاتحاد النسائي أن يمهد لعقد المؤتمر النسائي العربي وجاءت قراراته بالدعوة إلى تطبيق ذلك؟!.
هل تريدون أن أذكر شيئا من صلة الصهيونية العالمية بذلك؟ إذن فاعلموا أن حرم الرئيس الأمريكي روزفلت أبرقت إلى المؤتمر بتاريخ 17 ديسمبر 1944م أشادت فيها بالاتحادات النسائية في البلاد العربية وقالت فيها إنها "واثقة" من أن النساء العربيات سيقمن بدورهن إلى جانب شقيقاتهن في بلدان العالم أملاً في نشر التفاهم والسلم العالمي في المستقبل "ولسنا في حاجة إلى أن نذكر الجهد الكبير الذي بذلته مسز روزفلت في تكوين الوطن القومي لليهود في فلسطين..." ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 85-86).
وعقب هذا المؤتمر تكون "الحزب النسائي" سنة 1945م وفي عام 1949م تكون حزب بنت النيل وزعيمته درية شفيق وأصدر العديد من المجلات بالعربية والفرنسية للكبار والصغار.
وأول سؤال يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن إيرادات هذا الحزب المالية وقدرته على إصدار هذه المجلات؟ والجواب كما نشرت الصحف بعد ذلك أنه من سفارتي بريطانيا وأمريكا؟!.
وقد لقي هذا الحزب الترحيب من الاستعمار بكافة دوله، وزيرة الشؤون الاجتماعية في انجلترا تقوم بزيارته ورئيسة الاتحاد الدولي تبرق إلى رئيسة الحزب تدعوها للزيارة في أثينا. وجمعية سان جيمس النسائية بانجلترا تهنئ الهيئات النسائية المصرية على كفاحها وتعلن تأييدها لها، ورئيسة لجنة الحقوق الاقتصادية بالاتحاد الدولي تقوم بزيارة على مصر لغرض الاطمئنان على أحوال الجمعيات النسائية في مصر ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 86-93).
اهتمام عجيب ما عهدناه منهم فيما فيه صلاحنا وصلاح ديننا ولكنهم يدركون أنهم بذلك إنما يسعون لخدمة مصالحهم الصهيونية؟! نعم الصهيونية ذاتها! أتريدون شاهداً على ذلك! لقد دعا المؤتمر النسائي الدولي إلى اجتماع في استوكهلم عاصمة السويد ومن قراراته قرار يقضي بمطالبة وزير الداخلية في السويد بإنزال أشد العقوبات على مسيو أنيراير؟ أتدرون لماذا؟!؟ لمواصلته أعمال الدعاية ضد الصهيونية في السويد!! وقد كتب مسيو أنيراير على إثر ذلك إلى الجامعة العربية والحكومة المصرية يستنكر موقف مندوبات الهيئات النسائية المصرية الممثلة في المؤتمر لموافقتهن على هذا القرار ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 94-95). !!
وبهذا وغيره كثير تبدو لنا صلة الحركات النسائية بالاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية.
ومعذرة إذا أطلت الحديث عن الاتحادات النسائية وصلتها بالاستعمار فما قصدت إلا بيان أثر تلكم الدعوة التي قام بها رجال المدرسة العقلية الحديثة بزعامة أستاذهم محمد عبده لما أسموه "تحرير المرأة" والصلة بين هذه الحركات النسائية ودعوة الأستاذ محمد عبده وتلميذه قاسم أمين صلة قوية واضحة.
بقي.. وقفة.. وهمسة.
وقفة مع محمود عوض الذي أبدى دهشته وأسفه لتحول منزل قاسم أمين "إلى كباريه.. كباريه اسمه.. اسمه الإريزونا!".
وهمسة نهمسها في أذن محمود عوض هذا:- ألا تستقي العبرة.. ألا تستوحي من هذا أن هذه "الدعوة" توصل إلى هذه "النتيجة".
ز- في السيرة النبوية:
وعلى النهج الذي سلكناه في بيان أثرهم في بعض النواحي الفكرية فلن يشمل الحديث هنا أثرهم في جميع جوانب تأريخ السيرة النبوية وإنما في جانب هو أسها وقاعدتها وأعني به المعجزات المحمدية.
وممن تأثر بهم في هذه المسألة وسار على خطاهم محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) فهو حرصاً منه على تضييق نطاق الغيبيات التي لا تتفق مع عملية الغرب المادية، راح ينكر كل معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويستثنى من هذا – كما استثنوا – معجزة القرآن الكريم.
حتى عنوان الكتاب (حياة محمد) يبدو التأثر فيه واضحاً فليس فيه ما يشير إلى رسالته أو نبوته بل "محمد" مجرد من كل شيء كأي "محمد" سواء، أليس هذا هو ما يبقى له بعد تجريده من المعجزات وأليس هذا هو مراد الغربيين من ذلك، وإن ثبت له شيء بعد هذا فإنما هي العبقرية لا النبوة، ولا أحسب هيكل أراد هذا بهذا العنوان وقصده وإنما هو التلقي والتأثر عن الغربيين من غير أن تترك له عين الرضا والإعجاب والدهشة التمحيص والتأمل وهو أمر أصاب غيره وكثير من قبله ومن بعده حتى ألفت الأسماع هذا وهو نشاز.. ويزداد خوفي عندما أقرأ له عند مناقشة إحدى القضايا عبارة "وندع الدين جانباً" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 34). يزداد خوفي أن يكون أراد ترك الدين جانباً في عنوان كتابه (حياة محمد)؟!
أنكر أو أوَّل المعجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم إلا معجزة القرآن الكريم، ونحن لا ننكر أن معجزته صلى الله عليه وسلم الكبرى هي القرآن الكريم ولكننا ننكر حصر معجزاته صلى الله عليه وسلم في ذلك وإنكار ما سوى المعجزة القرآنية كما بينا ذلك سابقاً.
فنحن المسلمون نؤمن بما ثبت من معجزاته صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، نؤمن بانشقاق القمر وبالإسراء والمعراج وقصة فرس سراقة وبصقة صلى الله عليه وسلم في عين علي فبرئت وكلها ورد في البخاري ومسلم. وغير ذلك من معجزاته الثابتة نؤمن بها ونؤمن مع هذا بمعجزة القرآن الكريم وأنه المعجزة الكبرى.
لكن الأستاذ هيكل يرفض هذا لأسباب:
الأول: أن أكثر هذه المعجزات لا يصدقها  العقل حيث يقول "وندع الدين جانباً (!!) ونقف عند سيرة صاحبه عليه السلام فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 34).
الثاني: أن العلم لا يقرها ومن الواجب مراعاة جانب الدقة العلمية في تمحيصها قال "أمر ومضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة للإسلام ولتاريخ النبي العربي، وتمهيداً لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية سبيلها إلى حضارتها الصحيحة" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص70).
الثالث: أن القرآن لم ينص عليها قال "لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلا القرآن الكريم" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص71).
ثم قال "أما وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله فأي داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات منهم سبق محمداً من الرسل فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادية لازم لكمال الرسالة فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص71). ؟!
وقال في موضع آخر "فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محل تمحيص فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه، فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة، ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله والشهادة برسالة محمد.. لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص72).
وقال "فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء كان يزيد وينقص دون مسوغ إلا اختلاف الأزمان التي وضعت هذه الكتب فيها فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص64).
ولنا وقفة مع هيكل هنا فقد كشف لنا ناحية أخرى من نواحي تأثره برجال المدرسة العقلية الحديثة ألا وهو التقليل من شأن السنة والاحتجاج بها.
ما الذي يقصده بقوله "فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" هل يقصد أنه لا يصح شيء مما ورد في السنة واستقلت ببيانه ولم يرد في القرآن!؟ إن كان يقصد هذا فالأمر أخطر وأكثر ضلالاً وانحرافاً؟! وهل يقول هذا من فقه الإسلام؟! إذن ففي أي سورة من سور القرآن ذكر عدد ركعات الصلوات الخمس وأوقاتها وفي أي سورة بيان أنصبة الزكاة المفروضة وفي أي سورة بيان وقت الصوم وفي أي سورة بيان أركان الحج وواجباته؟ إن لم يكن هذا كله مما لا يصدق لأنه لم يرد في القرآن فأي شيء من الإسلام يبقى؟!
إذن ففقه الإسلام وحقيقته تحتم الأخذ بالسنة مع القرآن الكريم، وبهما معاً يكون كمال الإسلام ومن نبذ أحدهما فقد نبذ الإسلام كله لأن الإسلام كل لا يتجزأ "والإسلام الكامل" الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله وأمر بنشره جاء بالمعجزات ورواها عنه أصحابه إلى أن وصلت إلينا كما وقعت، وإن أصاب رواياتها ما أصاب غيرها من الروايات من الزيادة أو النقص أو الوضع فإن هذا لا يبرر رفضها جميعا وإنكارها. فإن أهل الحديث قد محصوا الروايات ونقوها من الزيادات الموضوعة وبينوا الدخيل منها والأصيل.
ولو أنه دعا إلى التمحيص والتدقيق القائم على القواعد والأسس الثابتة التي سار على نهجها سلفنا علماء الحديث لحمدنا له ذلك ولامتدحناه، أما أن يرفض المعجزات النبوية التي رويت في الصحاح وأقرها علماء الحديث المسلمون يرفض هذا كله لمجرد أن شابه بعض الوضع فهذا منهج مردود.
أما الزعم بأنه مخالفة للعقل أو العلم فهذا لا يثبت ولا يصح وقد سبق بحثه في المعجزات.
وليعلم أولئك الذين يسعون لتجريد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات تقرباً منهم "للعلمية الغربية" إنهم بهذا يجنون جناية لا تغتفر وأنهم بهذا يجردونه من صفة النبوة إلى صفة "العبقرية" التي يقر بها بعض "أحرار الإفرنج" ويطمعون منا أن نسلم لهم بهذا وهو ما يؤدي إليه تجريده صلى الله عليه وسلم من المعجزات.
وحتى ندرك عمق هذا الأثر لنقرأ النتيجة التي توصل إليها هيكل في كتابه حياة محمد بعد أن جرد حياته صلى الله عليه وسلم من المعجزات "المادية" قال "فحياة محمد – كما رأيت – حياة إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه القدر أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق الإيمان والعمل الصالح" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 579-580).
وتأمل معي وصفه لحياته صلى الله عليه وسلم بأنها بلغت "غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ" وأنها "أسوة حسنة" لمن "يحاول بلوغ الكمال الإنساني".
إذن فحياته صلى الله عليه وسلم ليست حياة نبوة، لأن حياة النبوة ليس في قدرة الإنسان بلوغها حتى يحاول ذلك وليست غاية ما يستطيع الإنسان أن يبلغ لأن غاية ذلك دونها بكثير، وإنما هذا شأن السمو الإنساني المجرد من النبوة وإن شئت فسمه العبقرية.
والاعتراف بالعبقرية لنبينا صلى الله عليه وسلم لا يكفي لصحة الإيمان برسالته إلا عند المنهزمين أمام العلمية الغربية الذين اعتبروا أن الاعتراف "بأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عبقرياً من طراز خاص فاق به جميع العباقرة" أنه "كسب عظيم للقائلين بنبوته" ((مجلة الأزهر)) ج1 المجلد العاشر محرم 1358هـ مقال ((السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة)) محمد فريد وجدي (ص 15).
وتأثرهم بالعلمية الغربية والمستشرقين تجاوز حده إلى قبول أقوالهم وأخذها بعين الاعتبار وتقديمها في الحكم على الأحاديث ومن حيث السند أيضاً على أقوال أهل الحديث أنفسهم، فحديث شق الصدر الذي رواه البخاري ومسلم يقول فيه هيكل "لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 111 – 112). ويقول "وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية وأنه لم يلجأ إلى إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 111-112).
وقد أنكر هيكل غير هذا من الخوارق والمعجزات المحمدية ففي قصة فرس سراقة مثلاً زعم أن ما أصاب فرسه من الكبو إنما هو "لشدة ما جهده" وعند قومة الجواد من كوبته الثانية "كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه وتَطَيَّر سراقة، وألقى في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته وأنه معرض لنفسه لخطر داهم إذا هم مرة رابعة لإنفاذ محاولته" ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 227).
والذي ورد في صحيح البخاري قول سراقة نفسه في وصف ما جرى له ولفرسه عند مطاردته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة قال عن ذلك (ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان "أي غبار" ساطع في السماء مثل الدخان) رواه البخاري (3906).
وحتى ندرك عمق الصلة بين هيكل وأتباع المدرسة العقلية الحديثة في التفسير وتأثره بهم نذكر أن الشيخ مصطفى المراغي هو الذي كتب المقدمة لهذا المؤلف مشيداً بما جاء فيه ومعجباً به ومؤيداً له.
ودافع عن المؤلف والكتاب السيد رشيد رضا في مجلته (المنار) وجاء في دفاعه "أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات وقد حررتها في كتاب (الوحي المحمدي..) بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالذات.. وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل" ((مجلة المنار)) في 3 مايو 1935 مجلد 34 الجزء العاشر (ص 793).
والمؤلف نفسه كثيراً ما يستشهد فيما يذهب إليه بأقوال محمد عبده نفسه ويشيد به انظر مثلاً الصفحات (34، 70، 181، 520، 521، 571، 573). وأكبر ظنه أن أولئك الذين كتبوا السيرة النبوية لو عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 70).
ويقول عن الشيخ عبده ودعوته "وكانت دعوته موضع إعجابي وقد دعاني ذلك لقراءة كتابه (الإسلام والنصرانية) وكتاب أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في (الرد على الدهريين) وأذكر أنه قد كان لكثير من مقالاته في جريدة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها مع أستاذه جمال الدين أثناء نفيه نفسه في باريس أثر أبلغ الأثر في نفسي" ((مذكرات في السياسة المصرية)) محمد حسين هيكل (1/28-29).
والصلة بعد هذا قوية لا تنفصم بين هيكل ورجال المدرسة.
وممن تأثر بهم أيضاً في هذا الناحية محمد أحمد خلف الله الذي زعم أن القرآن حارب فكرة المعجزات، وبين أنها لم تكن إلا للتخويف والإلزام وأن العقل البشري يجب أن يترك من غير تخويف ليتحمل المسؤولية على أساس من الحرية والمقدرة الحقة على التمييز والمفاضلة والاختيار" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 76). و "يحرص القرآن على المعجزات في إثبات نبوة محمد عليه السلام" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 76).
وزعم أن القرآن حرر الإنسان من "الآيات الملجئة المتمثلة في المعجزات وخوارق العادات ورده إلى نفسه يفكر فيها وإلى الآفاق يتدبر أمورها" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 79).
وهو أيضا يستند فيما يقول إلى محمد عبده "ويقول الأستاذ الإمام قولاً يؤكد دور القرآن في عملية تحرير العقل البشري من فكرة الخوارق والمعجزات "دخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان... إلخ" ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 77). منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 733

انظر أيضا: