trial

موسوعة الفرق

المطلب الخامس: موقف السلف من المعتزلة وتأويلاتهم


لقد بذل السلف الصالح من أهل السنة والجماعة جهوداً في الرد على هؤلاء العقلانيين ردوداً علمية عظيمة تؤكدها تلك المواقف الثابتة التي تزول الجبال ولا تزول تجاه المعتزلة أيام كانت لهم السلطة والدولة، ومارسوا ضد أهل الحق ألواناً من التعذيب والاضطهاد، فلم يزدهم ذلك إلا ثباتاً على الحق، وصبراً في سبيل نصرة دين الله، يقول الشيخ محمد عبده، "تفرقت السبل بأتباع واصل، وتناولوا من كتب اليونان ما لاق بعقولهم، وظنوا من التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ما كان منه راجعاً إلى أوليات العقل، وما كان سراباً في نظر الوهم، فخلطوا بمعارف الدين ما لا ينطبق على أصل من أصول النظر.. وأيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة، وابتدأ علماؤهم يؤلفون الكتب، فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين، وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين" ((رسالة التوحيد)) (ص15)/القاهرة/ مطبعة المنار ط6/ 1351هـ/ تعليق: محمد رشيد رضا. .
وتلك المواقف الصارمة تجاه هؤلاء المبتدعة بدأت بظهور المعتزلة أيام واصل بن عطاء، ومن صورها:
- موقف الحسن البصري من واصل حيث طرده من حلقته العلمية انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص 118)، و((سير أعلام النبلاء)) (5/464). .
- موقف الإمام أحمد بن حنبل الذي تعرض للسجن والتعذيب على أيدي المعتزلة، ومع ذلك كان – رحمه الله – يفتي بأنه "لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة" ((السنة)) لعبدالله برقم 833، واللالكائي: (1354) بإسناد صحيح. .
- ومنه موقف الإمام مالك بن أنس – رحمه الله – وقد سئل عن تزويج القدري، فقال: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ [البقرة: 221] ابن أبي عاصم: (198)، واللالكائي: (1352) بإسناد صحيح. .
- وعن الإمام مالك عن عمه أبي سهيل قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول في القدرية: "أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا، قال أبو سهيل: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي." ((السنة)) لابن أبي عاصم برقم (199).
- "قال رجل للإمام عبدالله بن إدريس: يا أبا محمد إن قبلنا ناساً يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا. قال: فمن النصارى؟ قال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. فقال: فممن؟ قال: من الموحدين، قال: كذبوا هؤلاء ليسوا بموحدين، هؤلاء زنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق،، ومن زعم أن مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة، هؤلاء زنادقة" ((السنة)) لعبدالله برقم (29-أ)، واللالكائي: (432) وإسناده صحيح. .
- "وعن معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة" ((السنة)) لعبدالله برقم (839)، واللالكائي برقم (1355). عن أبي عوانة قال: "ما رأيت عمرو ابن عبيد ولا جالسته قط إلا مرة واحدة، فتكلم وطول ثم قال حين فرغ: لو نزل من السماء ملك مازادكم على هذا، فقلت: غيري من عاد إليك" ((السنة)) برقم (970)، وابن حبان ((المجروحين)) (2/71) وإسناده صحيح. .
وهذا التصرف يدلك على أن هؤلاء الأئمة كانوا يتثبتون من بدعية الرجل ومتى ظهرت لهم هجروه، وقاطعوه، إن لم يكن أمل في رجوعه، فرحمهم الله.
- عن عبدالوهاب بن الخفاف قال: "مررت بعمرو بن عبيد وحده، فقلت: مالك؟ تركوك؟ قال: نهى الناس عني ابن عون فانتهوا" ((ميزان الاعتدال)) (3/274). رحم الله ابن عون، هكذا يكون السني الجاد تجاه المبتدع الداعي الذي لا أمل في ازدجاره.
- وعن عدي بن الفضل قال: "كلمت يونس بن عبيد في عبدالوارث، فقال: رأيته على باب عمرو بن عبيد جالساً لا تذكره لي" ((السنة)) لعبدالله برقم (983). .
- وعن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: "يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله، فيقول لي: أنت قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته، ثم أتلو هذه الآية وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء: 93] فقلت – وليس في البيت أصغر مني-: أرأيت إن قال لك: أنا قلت:
إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: 48] من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ فما رد علي شيئاً" رواه العقيلي: (3/281) بإسناد صحيح، وهو في ((الميزان)) (3/277). .
هذه المواقف السلفية الحازمة الثابتة كما رأيت مبنية على منهج واضح في كراهة البدعة والمبتدعين، والحرص على النصح والتحذير من أن تنتشر هذه البدع وتسري إلى من هم في عافية منها.
- عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه، فقلت: لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض، فقال يا أحول أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر..." أسنده العقيلي في ((الضعفاء)) (3/280)، واللالكائي برقم (1372)، وهو في ((السير)) (3/273). .
هذا طرف من مواقف أهل السنة تجاه أهل الاعتزال منذ نشأته، وتلك فتاواهم في حقهم، ونصائحهم وتحذيراتهم لأصحابهم من المعتزلة، ولم يكن ذلك محصوراً في مجرد تصريحات شفهية، وبيانات كلامية، لكن أضافوا إلى ذلك مصنفات غاية في الدقة والموضوعية والروعة، ومن مصنفاتهم في الرد على المعتزلة ما يأتي:
1- أكثر ردودهم على الجهمية تتضمن ردوداً على المعتزلة أيضاً لتقارب المنهجين في كثير من المباحث، واتحادهما فيما يتعلق بأصول التأويل الفاسد.
2- (رسالة الرد على القدرية) لأمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز ت101هـ رحمه الله – (أخرجها أبو نعيم في الحلية 5/346-353).
3- (الرد على القدرية) لإسماعيل بن حماد ت212هـ (ذكره في كشف الظنون 1/839) وتصنيفه في الرد على القدرية يؤكد ما ذكره بعض أهل العلم من أن استجابته في محنة خلق القرآن كانت عن تقية شرعية، لا عن اعتقاد. انظر ((الميزان)) (1/398-399).
4- (رسالة في أن القرآن غير مخلوق) لأبي إسحاق الحربي ت285هـ (طبعت).
5- (الرؤية) لأبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي ت342هـ (طبع).
6- (الرؤية) لأبي أحمد العسال ت349هـ (ذكره الذهبي في السير 16/11).
7- (الرؤية) لعلي بن عمر الدارقطني ت385هـ (حققه د. سليم الأحمدي – رسالة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية).
8- (الرد على القدرية) لابن أبي زيد القيرواني ت386هـ (ذكره في السير 17/11).
9- (رؤية الله) لابن النحاس ت 416هـ (طبع بتحقيق محفوظ الرحمن).
10- (الرد على القدرية) لأبي المظفر السمعاني ت489هـ (ذكره حفيده في الأنساب 3/299).
11- (الانتصار في الرد على القدرية الأشرار) ليحيى بن سالم العمراني ت 558هـ (حققه د. سعود الخلف رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية).
12- (رؤية الباري) للذهبي ت 748هـ (ذكره في مقدمة سير النبلاء 1/76).
أما الشيخان الحافظان السلفيان ابن تيمية، وابن القيم فقد أشبعا موضوع الرد على تأويلات المتكلمين – وخاصة المعتزلة – إشباعاً لا مزيد عليه، وذلك في عامة مصنفاتهما الكثيرة، نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا الموحدين للثبات على السنة، ويجنبنا سبل الابتداع والزلل.جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص 232
إن طبيعة التركيبة السكانية لهذا العصر الذي نؤرخ له عقدياً تمتاز بالتباين في الفهم، والموروثات العقدية؛ فجمهور الأمة فيه من مختلف الأعراق، والأجناس؛ ففيه العربي، والفارسي، والقبطي، والبربري، والرومي، ومنهم المخلص في عقيدته، ومنهم المنافق الحاقد الحاسد، الذي يرقب أي حركة هدامة للانضام إليها لرحب هذا المجتمع، وتحطيم عقيدته بالابتداع في دينه، وبذر الشبهات في أوساطه، ومن أبرز طبقات هذا المجتمع طبقة العلماء من الصحابة، والتابعين الذين ورثوا الفهم الصحيح لهذا الدين؛ فكانوا هم الدرع الواقي من الشبهات الباطلة، وقاموا ببيان المعتقد الصحيح، ودفعوا عنه كل دواعي البدع الباطلة، ثم طبقة تابعي التابعين، الذين حملوا راية العقيدة، والشريعة، من أسلافهم الأبرار، وذادوا عن حمى العقيدة، حينما تكالبت عليها فرق الضلال، فكانت مجالس العلم التي تعقد، وتوصل فيها المسائل، ويطرح فيها منهج السلف، واضحا جاليا، ثم يعرف الناس بكل أشكال البدع التي تدور رحاها في هذا الوسط الواسع؛ فحموا العقيدة، ونافحوا عنها، وهزموا أرباب البدع في كل مواقعهم، ولله الحمد.
أمام هذا الواقع العقدي الصحيح، الذي كانت تستنير بنوره الأمة، وتمنع قوى الضلال، والبدعة، من الدعوة لباطلها، يمكن لنا أن نعرف من خلاله دقائق البدع المزيفة، والمشاة بوشي العلم، والعبادة، والتقشف، ولم يكن أرباب البدعة يجرءون على مواجهة الأمة بإنكار معتقداتها صراحة، بل كانوا يلبسون على الناس مبتدعاتهم؛ عن طريق رسوم الزهد، والتقوى الزعوم؛ لإيصال ضلالاتهم، وبدعهم، إلى جمهور العامة؛ فعندما ظهرت بدعة القدرية، أنكرها الصحابة، والتابعون، أشد الإنكار، وكان لضغط العلماء، وجمهور الأمة، الفضل الأكبر في قيام الخلفاء في قمع أولئك المبتدعة، وقتلهم، ونفيهم بالأمصار، جزاء إنكارهم لأصل من أصول الإسلام؛ وهو القدر، وكان ذلك هو العمل الصحيح، حتى لا يتسع نطاق هذه البدعة الضالة، ولكن أولئك المبتدعة النفاة اتجهوا إلى السرية، والتخفي، فقاموا بطرح اسم المعتزلة كبديل لمسمى القدرية.
وأمام هذه الهجمة البدعية الخطرة من القدرية، وغيرهم، كان السلف منتبهين إلى مثل هذه الحيل، وبفضل الله – تعالى – استطاع سلف الأمة الصالح الكشف عن بدع واصل، وعمرو بن عبيد، وإدخالهم في دائرة المقت؛ بسبب بدعتهم، وخروجهم عن منهج الأمة الحق، وتعتبر عملية تصنيف أشخاص المبتدعة هي الخطوة الأساسية الأولى التي ينبني عليها موقف الأمة، وعلمائها، فينظر إلى هؤلاء نظرة شك، وارتياب في أقوالهم، وأفعالهم، وجميع ما يصدر عنهم.
وإن لفظ البدع، والابتداع، يعتبر مصطلحاً صادقاً، ينطبق تمام الانطباق على هذه المرحلة؛ لقربهم من عهد النقاء، والصفاء؛ عهد النبوة المباركة، وعهد الصحابة الكرام، وعهد التابعين – عليهم رحمة الله -، ويكفي إطلاق هذا اللفظ على شخص، أو فرقة؛ ليضعها في مقام المخالف لهذه العهود المباركة، النقية في عقيدتها، وشريعتها، وسلوكياتها، وهذا الابتداع الذي جاء به المبتدعة هو اختراع دين جديد، وعدم الرضا بما أكمله الله – تعالى -؛ في هذا يقول الإمام مالك "ت 179هـ" – رحمه الله -: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" الشاطبي، ((الاعتصام))، (1/9)، نشر محمد رشيد رضا، المكتبة التجارية، مصر. .
يضاف إلى ذلك وضع تسمية خاصة لأهل البدعة، تميزهم عن جمهور الأمة، الذين يدينون بالعقيدة الصحيحة؛ عقيدة السلف الصالح؛ ولذلك أطلقوا عليهم تسميات مثل الخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والشيعة، وهذا التصنيف لأهل الابتداع يمثل نوعاً من التحذير للأمة من الثقة بأصحابها، أو التعامل معهم، ويمنعهم من الدعوة لمبتدعهم في وسط جمهور الأمة، وقد توجهت جهود علماء السلف منذ بروز بدعة المعتزلة إلى اعتبارهم من المبتدعة؛ ولذلك أصابوا كبد الحقيقة عندما صنفوها من أحد أصناف القدرية.
وقد تعرضت شخصية الرجلين: واصل، وعمرو، للنقد الشديد، وإن كان النقد الأكبر موجها إلى عمرو بن عبيد، الذي عاش ثلاثة عشر عاماً بعد واصل، وقد كثرت آراؤه الشاذة، والقبيحة، وقد أتاح امتداد عمره بهذا الشكل لعلماء عصره التعرف على حقيقة معتقده، وتقشفه، وعبادته المزعومة، وسوف نعرض لمواقف أهل السنة من هذه الدعوة، ومن رجالها، وهو نموذج يعبر تعبيرا صادقاً عن قوة علماء السلف، وسيادة منهجهم على الأمة، واندحار المبتدعة أمامهم، وأن هذه الصور التي سنعرضها تبين لنا تهافت أرباب البدع، واشتهارهم أمام عامة الناس بالبدعة، والانحراف، وهذا هو التوجيه الصحيح لمعرفة عامة أهل البصرة بأرباب البدع، لا أن هؤلاء العامة كانوا يدينون بهذه الآراء البدعية، كما روج لذلك المستشرقون، ومن تابعهم من الكتاب في العصر الحديث، وسوف نعرض، فيما يلي، لمواقف علماء السلف، والمعتزلة.
الكشف عن ابتداع المعتزلة، والتحذير منهم:
لم يكن المعتزلة، وغيرهم من أهل البدع، يجرءون على القول بآرائهم صراحة، وإنما كانوا يتبعون أسلوب التلبيس الغامض على الناس، وقد لا يستطيع أي أحد أن يكشف هذا التلبيس، إلا إذا سأل العلماء؛ فقد روى العقيلي عن حماد بن زيد "ت 179 هـ"، قال: قال أيوب "131 هـ": "سألت البري، فقلت: لم تأتي عمرو بن عبيد؟ قال: إني أجد عنده أشياء غامضة، قال أيوب: من الغامض أفرق" العقيلي، ((الضعفاء الكبير)) (3/278)، والخطيب، ((تاريخ بغداد)) (12/175). ، أو "أفر" العقيلي، ((الضعفاء الكبير)) (3/278)، والخطيب، ((تاريخ بغداد)) (12/175). .
وفي رواية عن حماد بن زيد قال: "كان رجل من أصحابنا يختلف إلى أيوب، ثم انقطع عنه، واختلف إلى عمرو بن عبيد، فجاء إلى أيوب يوماً، فقال له: بلغني أنك تختلف إلى ذلك الرجل، قال: نعم، يا أبا بكر، عنده غرائب، قال: من تلك الغرائب نفر" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/278). .
ونريد أن نتساءل: ما تلك الغرائب؟ هل هي مواعظ مغلفه بعقائد فاسدة عن القدر، والأسماء، والصفات، أم هي أقاصيص، وأفكار غريبة لم يتبين معناها؛ لا هي بدعة، ولا سنة؟ إن هذه الغرائب التي استهوت بعض طلبة العلم، ووقف منها علماء السلف موقف التحذير، والتخويف، ما هي إلا محاولة لجذب انتباه الناس إلى عمرو، وواصل، فيما يحاولونه لنشر بدعهم الاعتزالية، التي كانت في مرحلة التأسيس، ولم يعلن القوم عنها بعد.
ومما يدلل على غموض بدعة المعتزلة في بدايتها، واعتبار بعض العلماء عمرو بن عبيد من العلماء الذين لا يجوز الوقوع بهم، ما رواه العقيلي "ت 322 هـ"، وغيره، عن عاصم الأحول "ت 142 هـ"، قال: "كان قتادة "ت 117 هـ" يذكر عمرو بن عبيد، ويقع فيه، قال: فجثوت على ركبتي، فقلت: يا أبا الخطاب، وإذا الفقهاء يقع بعضهم في بعض! فقال: يا أحول، رجل ابتدع بدعة، فتذكر بدعته خير من أن نكف عنها، قال: فرأيت عمرو بن عبيد في المنام، وهو معلق المصحف، يحك آية من القرآن، قلت: ما تصنع؟ قال: إني أعيدها، قال: فحكها، قلت: أعدها! قال: لا أستطيع" العقيلي، ((الضعفاء))، (3/280). .
وفي رواية: قال: "يا أحول، أولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تذكر حتى تحذر؟" ((تاريخ بغداد))، (12/179). .
فهل خفي أمر عمرو بن عبيد على عاصم هذا، وغيره من العلماء، حتى عده من الفقهاء؛ ولذلك سأل قتادة هذا السؤال، وقام قتادة بوضع أساس هام من أسس التعامل مع كل مبتدع في دين الله، بذكرهم، والتحذير منهم، ومن بدعهم، والتشهير بهم بين الناس؛ حتى لا يلبسوا على الناس بظاهر الزهد، والتقشف.
عدم الرواية عن عمرو، وتحقيره:
وقد يتبادر إلى الذهن إشكال؛ وهو أن عمرو بن عبيد له روايات في كتب السنن، وقد أحصى هذه الروايات ابن عدي "ت 365 هـ" في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال)، فما السبب في الرواية عنه، مع أنه جرح أشد التجريح؟ وقد أجاب علماء السلف عن هذا الإشكال؛ فمنهم من يرى أنه قد أخذ عنه قبل إحداثه، وابتداعه؛ فقد روى البسوي "ت 277 هـ" عن سفيان بن عيينة "ت 198 هـ"، قال: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى العنبري عن عمرو بن عبيد قبل أن يحدث" الفسوي، ((المعرفة والتاريخ)) (2/259). ؛ فهذا النص شاهد أنهم قد حددوا الأخذ عنه، قبل الإحداث، وروى العقيلي أن عبدالله بن المبارك "ت 181 هـ" قيل له: "تركت عمرو بن عبيد، وتحدث عن هشام الدستوائي "ت 154 هـ"، وسعيد، وفلان، وهم كانوا في عداده "أي قدرية"؟ قال: إن عمراً كان يدعو" ((الضعفاء الكبير)) (3/277). ، وفي رواية: قال: "وكانا ساكتين" الذهبي، ((تاريخ الإسلام)) (6/241). .
وقال ابن المبارك: "كان عمرو بن عبيد يدعو إلى القدر، فتركوه" الذهبي، ((تاريخ الإسلام)) (6/238). ، وقد كانت هذه المقاطعة مبكرة في حياة الحسن البصري – رحمه الله -؛ فعن يحيى البكاء "ت 13 هـ" قال: كانت رقاع تجيء إلى الحسن، فإذا علم أنها من قبل عمرو بن عبيد لم يجب فيها" ((الكامل في الضعفاء)) (5/1750). .
ويعقب ابن عدي "ت 365 هـ" – رحمه الله – بعد أن ساق الروايات التي رواها عمرو بن عبيد؛ فقال: "وعمرو بن عبيد قد كفانا السلف مئونته؛ حيث يبنوا ضعفه في رواياته، وبينوا بدعته، ودعاءه إليها، ويغر الناس بنسكه، وللسلف فيمن ينسب إلى الصلاح كلام كثير، حتى قال يحيى القطان: ما رأيت قوما أصرح بالكذب من قوم ينسبون إلى الخير، وكان يغر الناس بنسكه، وتقشفه، وهو مذموم، ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع، وقد كفانا ما قال فيه الناس" ((الكامل في ضعفاء الرجال)) (5/1763). .
وكان السلف ينهون عن الأخذ عنه، وينسبونه للكذب؛ فقد قال أيوب السختياني "ت 131 هـ"، ويونس بن عبيد "ت 139 هـ": "كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث" ابن حبان، ((المجروحين)) (2/70). ، وكان حميد يقول لحماد بن سلمة: "لا تأخذن عن هذا شيئا؛ فإنه يكذب على الحسن؛ يعني عمرو بن عبيد" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/279 – 288). ، ولأنه كان يدعو للقدر، والاعتزال، كانوا لا يأخذون عنه – أيضا -، ولما سئل يحيى بن معين عن عمرو بن عبيد، فقال: "لا تكتب حديثه، فقال له: كان يكذب؟ فقال: كان داعية إلى دينه، فقلت له: فلم وثقت قتادة "ت 117هـ"، وسعيد بن أبي عروبة "ت 150 هـ"، وسلام بن مسكين "ت 164 هـ"؟ فقال: كانوا يصدقون في حديثهم، ولم يكونوا يدعون إلى بدعة" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/279 – 288). .
وكان يلبس في الرواية؛ ليفهم منه خلاف ما يقول؛ فعن سفيان بن عيينة قال: "سئل عمرو بن عبيد عن مسألة، فأجاب فيها، وقال: هذا من رأي الحسن، فقال له رجل: إنهم يروون عن الحسن خلاف هذا، فقال: إنما قلت: هذا من رأيي الحسن؛ يريد نفسه" ابن عدي، ((الكامل)) (5/1750)، وانظر ((الجرح والتعديل)) (6/247). .
إهانته، وتحقيره:
حيث كان سلام بن مطيع "ت 64 هـ" يقول: "حدثنا المكتوم عمرو بن عبيد" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/ 278). ، وذكر عمرو بن عبيد عند سعيد بن عامر "ت 208 هـ" في شيء قاله، فقال: "كذب، وكان من الكاذبين الآثمين، وذكر سعيد يوماً رجلاً لم يسمه، فقال: كان المسكين باراً بأمه، ولكن كان مبتدعا، فقيل له: عمرو بن عبيد هو يا أبا محمد؟ فقال: لا، ولا كرامة لعمرو، وكان عمرو أقل من ذلك، وأرذل من ذلك" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/278). .
وعن محمود بن غيلان "ت 249 هـ" قال: "سمعت قريش بن أنس قال: حدثنا عمرو بن عبيد، ثم قال: وما تصنع بعمرو بن عبيد؟ كف من تراب خير منه" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/279). ، وكان أيوب السختياني يقول: "ما فعل المقيت؟ يعني عمرو بن عبيد" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/279). ، وكان أيوب يقول عنه إنه أهوج العقيلي، ((الضعفاء)) (3/282-283). ، وقال أيوب – أيضا -: "ما زال عمرو بن عبيد رقيعا منذ كان" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/282-283). ، وكان حماد بن سلمة "ت 167 هـ" يقول: "ما كان عمرو بن عبيد عندنا إلا عرة "أي ذرق الطير، أو البعير"" ابن عدي، ((الكامل)) (5/1753). .
عدم السلام عليه أو رد سلامه:
قال عبدالوهاب الخفاف "ت 204 هـ": "مررت بعمرو بن عبيد، وهو وحده، فقلت: مالك تركوك؟ فقال: نهى ابن عون الناس عنا، فانتهوا" ابن عدي، ((الكامل)) (5/1752). ، وهذا النهي من عالم واحد، وكان التزام الناس به هكذا، فكيف إذا أجمع علماء الأمة على هذا النهي، وهذا يدلل على أن أمر الابتداع كان منكرا، وغريبا غاية الغرابة، بفضل الله، الذي وفق هؤلاء العلماء لكشف هؤلاء المبتدعة.
وقد كانوا يمثلون أسمى معاني العزة في عقيدتهم، وسلوكهم؛ فعن حماد بن زيد، قال: "كنت مع أيوب، ويونس، وابن عون، وغيرهم، فمر بهم عمرو بن عبيد، فسلم، ووقف وقفة، فما ردوا عليه، ثم جاز، فما ذكروه" ((تاريخ بغداد)) (12/174). .
وعن عبدالله بن بكر المزني قال: "لم يكن أحد أحب إلي من عمرو بن عبيد قبل أن يحدث؛ لقد كنت أشتهي أن أنظر إليه، فأول ما تكلم استوحشت منه، فلقيته يوماً في الطريق، فأردت أن أزوغ عنه، فلم أقدر، فقال لي: ما لك؟ ليس ها هنا أيوب، ولا يونس" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/284). .
وهكذا يبدو عمرو بن عبيد أمام هؤلاء الأعلام كالسارق الذي يريد إنفاق بضاعته في الخفاء، ويريد أن يلتقي بالناس، فلا يستطيع ذلك، فيرغبهم، ويؤمنهم أنه ليس هنا أيوب، ولا يونس؛ مما يدلل على مكانة علماء السلف في صدور الناس، وانهزام المبتدعة، وبحثها في سراديب الظلام؛ لترويج بدعتها المنكرة؛ فلذلك كان هؤلاء محط كراهية عمرو بن عبيد، لما أحدثوا في الناس من إهمال، ومقت له، فعن يحيى بن النضر "ت 215" قال: "مررت بعمرو بن عبيد، فجلست إليه فذكر شيئا، فقلت: ما هكذا يقول أصحابنا، قال: ومن أصحابنا، لا أبالك؟! قلت: أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي، فقال: أولئك أنجاس أرجاس، أموات غير أحياء" العقيلي، (3/284). ، وبلغ من حنقه أن قال يوما معقبا على كلام لواصل بن عطاء: "فما كلام الحسن، وابن سيرين، والنخعي "ت 95 هـ"، والشعبي، "ت 105هـ" عندما تسمعون، إلا خرق حيض مطروحة" العقيلي، (3/285). .
والحق الذي يجب اعتقاده أن خرق الحيض المطروحة هي ما جاءت به المعتزلة، ومن شابههم من أهل الزيغ، والضلال؛ فإن أولئك الأعلام كان علمهم من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة الكرام، وكلام واصل، وعمرو، هو كلام البدعة، والانحراف الذي أتيا به من مجالس الثنوية، والمجوس، وما أملاه عليهما الشيطان، مخالفين لعقيدة الأمة.
النهي عن مجالسته والسلام عليه:
فعن النضر بن شميل "ت 203 هـ": "مر ابن عون على عمرو بن عبيد، ورجل جالس معه، فعرفه ابن عون، وقال: السلام عليك يا فلان، ما يجلسك هاهنا؟" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/285). ، وعن حماد بن زيد قال: "قال أيوب: كنت أرى ابن هارون له عقل، حتى رأيته "يعني هارون بن دياب"، واقفا مع عمرو بن عبيد" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/285). ، وعن إسماعيل بن إبراهيم قال: "جاءني عبدالعزيز الدباغ، فقال: قد أنكرت وجه ابن عون، فلا أدري ما شأنه؟ قال: فذهبت معه إلى ابن عون، فقلت: يا أبا عون، ما شأن عبدالعزيز؟ فقال: أخبرني قتيبة صاحب الحرير أنه رآه يمشي مع عمرو بن عبيد في السوق، قال: فقال له عبدالعزيز: إنما سألته عن شيء، ووالله، ما أحب رأيه، قال: وتسأل – أيضاً؟" ((الكامل)) (5/1758). ، وعن عيسى بن يونس "ت 189 هـ"، قال: "سلم عمرو بن عبيد على ابن عون فلم يرد عليه، وجلس إليه فقام عنه" ((المجروحين)) (2/70). .
وقد كان السلف يرون أن بعض الكبائر أهون عند الله من انحراف المعتقد، والابتداع في الدين؛ فقد روى العقيلي عن حرب بن ميمون، عن حويل ختن شعبة، قال: "كنت جالسا عند يونس بن عبيد، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك قبيل؟ قال: ابني؟ قال: نعم، فلم أبرح حتى جالسه، فقال: يا بني، ألم تعرف رأيي في عمرو بن عبيد، ثم تدخل عليه؟ قال: كان عنده فلان، قال: فجعل يعتذر، فقال يونس: أنهاك عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو، وأصحاب عمرو" ((الضعفاء)) (3/285). .
وكان عمرو متهماً بالرياء في عباداته، وصلاته؛ فقد روى العقيلي عن نوح بن قيس "ت 184هـ"، قال: "كان بين عمرو بن عبيد، وبين أخي خالد بن قيس إخاء، فكان يزورنا، فكان إذا صلى في المسجد يقوم كأنه عود، قال: فقلت لخالد: أما ترى عمرا ما أخشعه، وأعبده! فقال: ما تراه إذا صلى في البيت كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه إذا صلى في البيت، يلتفت يميناً، وشمالاً" ((الضعفاء)) (3/286). .
مجادلته ونسبة عدم فهمه إلى عجمته وجهله:
إن عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، أخضعهم علماء السلف لمنهج الهجر، والتحقير، والإهانة، ولم يجادلوهم؛ فقد جادل السلف أسلافهم القدرية، وعلموا أن أتباعهم لا يفيد معهم جدال، ولا تستقيم لهم عقيدة، بعدما أوغلوا في هذا الانحراف، ولكن روي أن بعض السلف جادل عمرا في أحكام الوعد، والوعيد؛ فقد روى ابن قتيبة قال: اجتمع أبو عمرو بن العلاء، وعمرو بن عبيد، فقال عمرو: إن الله وعد وعدا، وأوعد إيعاداً، وإنه منجز وعده، ووعيده، فقال له أبو عمرو: أنت أعجم، ولا أقول إنك أعجم اللسان، ولكنك أعجم القلب؛ إن العرب تعد إنجاز الوعد مكرمة، وترك إيقاع الوعيد مكرمة، ثم أنشده:


وإني وإن أوعدته أو وعدته




لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ابن قتيبة، ((عيون الأخبار)) (2/142).

وفي رواية للخطيب البغدادي "ت 463 هـ" قال: "جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، يخلف الله وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أوعده على عمل عقاباً، يخلف وعده؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد؛ إن العرب لا تعد خلفاً، ولا عاراً، أن تعد شراً ولا تفعله، ترى ذاك كرما، وفضلاً، إنما الخلف أن تعد خيراً ثم لا تفعله، قال: فأوجدني هذا في كلام العرب، قال: أما سمعت إلى قول الأول:


ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي




ولا أخشى من خشية المتهدد


وإني وإن أوعدته أو وعدته




لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ((تاريخ بغداد)) (12/176).

وقول المعتزلة في الوعد والوعيد مشهور، ولعله من الآراء التي انفرد بها عمرو، ولم يقل بها واصل من قبل.
المنامات القبيحة التي رويت بحق عمرو بن عبيد:
إن هذه المنامات التي رويت عن السلف بحق عمرو بن عبيد إنما تعبر عن قبح مال المبتدعة، وإن كنا لا نرى أن المنامات تعطي حقيقة مؤكدة، ولكنا نذكرها كما ذكرها علماء السلف الثقات؛ للتحذير من المبتدعة، ومن أتباعهم، والقبول بمناهجهم، ومن هذه المنامات ما رواه عاصم الأحول "سبق ذكر نصه"، وفي نهايته قال: "فرأيت عمرو بن عبيد في المنام يحك آية من القرآن، قلت: ما تصنع؟ قال: إني أعيدها، قال: فحكها، قلت: أعدها! فقال: لا أستطيع" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/281، 282). .
وجاء عمرو بن عبيد، وإسماعيل المكي "ت 193هـ" إلى محمد بن سيرين "ت 110هـ"، فسألاه عن رجل رأى كأنه نصف رأسه مجزوزة، ونصف لحيته، فقال لهما: اتقيا الله، لا تظهروا أمراً، وتسرا خلافه، قال: فقال عمرو: والله، لا نأخذ عنه في اليقظة وكيف نأخذ عنه في المنام؟" العقيلي، ((الضعفاء)) (3/281، 282). .
وعن محمد بن إدريس الرازي قال: سمعت الأنصاري يقول: "رأيت في النوم كأنا على باب عمرو بن عبيد، ننتظر خروجه، إذ خرج علينا قرد، قالوا: هذا عمرو بن عبيد" ابن حبان، ((المجروحين)) (2/71). .
هذه هي بعض مسالك علماء السلف في التعامل مع المعتزلة القدرية؛ ممثلة بشيخها عمرو بن عبيد، الذي أتيح لعلماء السلف أن يطلعوا على أحواله التي كانت مستورة، وعندما اشتد حصار السلف على المعتزلة، برزت معتقداتهم الفاسدة، وجرأتهم القبيحة على دين الله، ولم نعثر على نصوص تخص واصلا، وكما رأينا ما قام به المعتزلة، عندما تمكنوا من بعض خلفاء بني العباس؛ من محنة للأمة، ما هو إلا حقد، وكراهية لعلماء السلف، الذين وضعوهم في دائرة البدعة، والضلالة، وظلوا مقموعين إلى أن اعتنق مذهبهم المأمون، وغيره، ولكن الله عاد عليهم بالذلة، والخزي، والخسران، بعد هزيمتهم على يد إمام السنة؛ الإمام أحمد، ومن سار على دربه، ودرب من سبقه من علماء السلف، ولكن ضلال المعتزلة استشرى في كثير من الفرق التي أصلت أصولها في العقيدة على أصول المعتزلة الفاسدة.العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص 661


انظر أيضا: