trial

موسوعة الفرق

المبحث السادس: بين المعتزلة والقدرية والجهمية


لقد عرف العالم الإسلامي حركات فلسفية متطرفة إثر دخول أفواج من الأمم ذات الديانات والفلسفات الوثنية إلى الإسلام، ولعل من أولى تلك الحركات الهدمية القدرية ثم الجهمية وهي تسمى أيضاً الجبرية التي قامت كرد فعل على القدرية.
القدرية:
والقدرية هم أولئك الذين يعتقدون أن الإنسان صانع أفعاله وخالقها خيرها وشرها ((هدي الساري)) (2/232). ولا دخل لقدرة الله فيها. وأول من تكلم في القدر في العالم الإسلامي نصراني من أهل العراق أسلم ثم تنصر، وقد استطاع أن ينفذ إلى قلب معبد الجهني الذي أخذ عنه مقالته، وعن معبد تلقاها غيلان الدمشقي، فكان هذا الثالوث المستراب أول من أحدث هذه البدعة التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجدل فيها ((أدب المعتزلة)) (120). .   
الجبرية:
وكرد فعل للقدرية برزت عقيدة تقول: إن أفعال الإنسان خيرها وشرها من الله وأن نسبتها إلى العبد إنما هي على سبيل المجاز كقولنا جرى النهر وإنما الذي أجراه حقيقة هو الله، فالإنسان في زعمهم كالريشة في مهب الريح (ولهذا قيل إن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد) ((ملل الشهرستاني)) (1/43). .
وبالإضافة إلى هذه العقيدة فإن الجبرية تدين:
بنفي صفات الله تعالى وأسمائه ((منهاج السنة النبوية)) (2/484). . وبما أن الكلام صفة من صفاته تعالى فهو في زعمهم حادث.
ولئن نسبت هذه الفرقة إلى جهم بن صفوان ((ملل الشهرستاني)) (1/86). فقيل عنها جهمية، فإن الجعد بن درهم يعد هو المؤسس الأول لها، فهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن وتعطيل الله عن صفاته ((ملل الشهرستاني)) (هامش رقم 1-86). .
وإلى جانب هذا فإن الجهمية تقول بإنكار الرؤية ((المعتزلة 8 – أدب المعتزلة)) (121). .
وتلاشت كل من القدرية والجهمية إلا أن المعتزلة ورثتهما وامتصت مبادئهما لتظهر من جديد قوية على يدهم، حتى أن الإمام الشافعي يجعل واصلا وعمرا وغيلان الدمشقي في صف واحد ((فضل الاعتزال)) (84). ولعل هذا هو السبب في تسميتهم بالقدرية والجهمية:
فهم قدرية:
لأنهم ورثوا عن القدرية القول بنفي القدر، ونسبة الأفعال كلها إلى العبد بلا تأثير من الله ((أدب المعتزلة)) (122). .
وهم جهمية:
لأنهم ورثوا عنهم القول بنفي الصفات وخلق القرآن وإنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة ((أدب المعتزلة)) (123). .
ولهذا قال ابن تيمية (فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا) ((منهاج السنة)) (2/484). . ذلك أن المعتزلة يختلفون مع الجهمية في الجبر إذ ينفون القدر في حين يثبت الجهمية الجبر ((فجر الإسلام)) (3/287). .
والمعتزلة لا يرتضون هذه التسمية إذ يرون أن مثبتي القدر أولى بأن يسموا قدرية وينفرون كذلك من الانتساب إلى الجهمية لأن جهما يقول بالجبر فضلاً عن كونه غير تقي ((فجر الإسلام)) (287، 288). يقول بشر بن المعتمر: ننفيهم عنا ولسنا منهم ولا هم منا ولا نرضاهم ((المعتزلة)) (9). .
وإنما يؤثرون أن يتسموا بأهل العدل والتوحيد، كما يطلقون على أنفسهم الفرقة الناجية، وقد سأل المنصور عمرو بن عبيد أن يعينه بأصحابه فأجابه:
(ارفع علم الحق يتبعك أهله) ((المعتزلة)) (6). إشارة إلى أنهم هم أهل الحق. موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص 31


انظر أيضا: