trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: موقف المعتزلة من الحكمة والتعليل


يرى المعتزلة أنه لا يجوز أن يخلو فعل من أفعاله تعالى من حكمة وغرض، وقالوا: "قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، ولا يصح أن يفعل فعلا جزافاً لا لفائدة وغاية، بل لابد أن يريد غرضا ويقصد صلاحا" ((الشهرستاني))، ((نهاية الإقدام)) (ص400). .
كما قالوا: أن من يفعل لا لغرض يعد عابثاً، والله تعالى منزه عن العبث. وإليك ما قاله القاضي عبدالجبار المعتزلي:
"إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثا، لا لوجه تقتضيه الحكمة. وذلك – أي نقص من يفعل لا لغرض – ظاهر في الشاهد لأن الواحد إذا أراد النيل من غيره قال عنه: إنه يفعل الأفعال لا لعلة ولا لمعنى. فيقوم هذا القول مقام أن يقال: إنه يعبث في أفعاله، وإذا به في المدح يقول: إن فلانا يفعل أفعاله لعلة صحيحة ولمعنى حسن" القاضي عبدالجبار ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (11/92، 93). .
الفرق بين موقف المعتزلة والسلف: هناك فرق بين موقف السلف والمعتزلة فيما يتعلق بالحكمة والتعليل – رغم أن الجميع يثبتون تعليل أفعال الله تعالى – ومن ذلك:
1- أن الحكمة بينما هي عند السلف صفة لله غير مخلوقة، فإنها عند المعتزلة مخلوقة منفصلة، وهي تعود على العباد ولا يعود إليه منها حكم.
"فالمقصود بالحكمة عندهم: إحسانه إلى الخلق ومراعاة مصالحهم، كما أن الحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب" ابن تيمية ((الفتاوى)) (8/89). .
وقالوا: الحكيم لا يفعل إلا لينتفع أو ينفع غيره، ولما تقدس تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع العباد، فلا يخلو فعل من أفعاله من صلاح الشهرستاني، (نهاية الإقدام) (ص 397، 398). .
وقد رد عليهم السلف في هذا القول، وقالوا: إن الله حكيم، والحكيم من له الحكمة فهي صفة له، لأن إثبات المشتق يؤذن بثبوت المشتق منه، إذا فالحكمة صفه له، وصفاته تعالى غير مخلوقة.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المعتزلة في قولهم بأن الحكمة لا يعود إليه تعالى منها حكم، ولا قام به فعل ولا نعت: "أنتم – أيها المعتزلة – متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم. وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان، فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود؛ لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله. أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثا، ولم يكن محمودا على هذا.
وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث، فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل" ابن تيمية، ((مجموعة الرسائل والمسائل))، رسالة أقوم ما قيل في الحكمة والتعليل (ص119-120). .
فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية تناقض المعتزلة، لأنهم يوجبون أن تكون أفعال الله تعالى لحكمة هي الإحسان إلى الغير دون أن يعود إلى الله من ذلك حكم ويقرر أن الفاعل ما لم يعد عليه من فعله فائدة ولا منفعة ولا مصلحة، فإنه يعد عبثا، ومقصوده بما يعود إلى الله هو حبه ورضاه لتلك الحكم والمصالح، ولا يصح أن يقال: إنه يعود إليه نفع من تلك الحكم لأنه تعالى منزه عن الاحتياج والانتفاع بالغير" محمد عبده، ((حاشيته على شرح الجلال على العضدية)) (ص 177). .
2- ثم إن المعتزلة أوجبوا على الله تعالى بمقتضى الحكمة أمورا ومنعوا عليه أمورا لمخالفتها لمقتضى الحكمة، فمما أوجبوا عليه فعل الصلاح وأوجب بعضهم الأصلح للعباد. كما أوجبوا اللطف وإثابة المطيع ومعاقبة العاصي والعوض عن الآلام.
وقد نازعهم في ذلك الماتريدية بناءً على منع كون مقابلاتها خلافاً للحكمة الكمال بن الهمام، ((المسايرة)) (ص: 155) مطبوع مع الشرح. .
كما لم يوافقهم السلف على إيجاد هذه المذكورات لأنه لا يجب عليه تعالى إلا ما أوجبه على نفسه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام:
"وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية. وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول ابن تيمية، ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)) (ص 409-410). .
2- كما أن إطلاق المعتزلة لفظ "الغرض" بمعنى الحكمة في حق الله تعالى، وتسمية الحكمة غرضاً لا يوافق عليه السلف.الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد المدخلي - ص 50


انظر أيضا: