trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: التطور الفكري للمعتزلة


من خصائص الفكرة المبتدعة – ومثلها في ذلك مثل كل الأفكار البشرية الاعتقادية – أنها عادة تبدأ بسيطة ساذجة في اللفظ والمعنى، ثم لا تلبث أن تتعقد وتتفرع، بل تتغير وتتبدل، ثم تتناقض وتتضارب، وإذا كثير من مبادئها الأولية قد تغيرت بشكل تام. وهي في كل ذلك تسير من سيئ إلى أسوأ، وتزداد انحرافا وبعدا عن السنة، وما ذلك إلا لاعتمادها على العقل فيما لا يدركه العقل؛ لذلك قد قيل إن صاحب البدعة لا ترجى له توبة ((الاعتصام للشاطبي)) (1/123). فهو يتنقل من حال إلى حال أسوأ كلما أوغل في بدعته، أما من تمسك بالنصوص الثابتة الجلية والقواعد الصحيحة البينة فلا مجال لانحرافه، إذ أن الأمر دائر بين ثبوت النص وقواعد الفقه فيه، وهما أمران واضحان عند أهل السنة والجماعة حسب منهجهم.
وقد ظهر ذلك الأمر جليا في فكر المعتزلة وتطور مقالاتهم خلال ثلاثة قرون هي فترة حياة الاعتزال كفرقة مستقلة واضحة. وهو ما سنحاول تتبعه بشكل موجز في الصفحات القليلة التالية:
أولا – بدايات الاعتزال :
ظهر فكر الاعتزال – كما أشرنا من قبل – قبل ظهور الفرقة نفسها بشكل مستقل، فقد تكلم الجعد بن درهم ومن بعده الجهم بن صفوان في نفي الصفات وكان الجعد تلميذا لوهب بن منبه الذي أنكر عليه قوله ذاك.
يقول ابن تيمية: "إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أي أن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة وإن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه ((الفتاوى)) (5/20). .
وهناك رواية ترجع أصول ذلك الفكر عند الجعد إلى أصول يهودية فلسفية، إذ أنه قد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي ((عقائد السلف للنشار)) (7). . وقد ذكر أن الجهم أخذ تلك المقالة من الجعد، كما قيل أن مناقشاته مع فرقة السمنية قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات ((عقائد السلف)) ((الرد على الجهمية)) (65)، ((اللالكائي)) (3/379). .
وعلى كل حال فالقصتان تدلان على الأثر الخارجي الذي أدى إلى القول بتعطيل الصفات.
كما أن أثر يوحنا الدمشقي وأقواله تعتبر موردا من موارد الفكر الاعتزالي، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية ((المعتزلة)) زهدي جار الله (28). .
أما عن مقالة خلق القرآن فكان أول من قال بها الجعد بن درهم سنة نيف وعشرين ومائة في خلافة هشام، وأخذها عنه بشر المريسي وكان صباغا يهوديا ((اللالكائي)) (3/382) أثر (641). .
وأما عن نفي القدر فقد ظهرت هذه البدعة على يحيى الدمشقي ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وقد قيل إنهما أخذاها عن نصراني يدعى سوسن ((البداية والنهاية)) (9/34). وقد أطلق على أصحابها اسم "القدرية" ثم أخذ عن معبد الجهني عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء رأس المعتزلة ((المعتزلة)) زهدي جار الله (34). .
وقد كان القول بالقدر في أول أمره ساذجا لا فلسفة فيه، بل مجرد اعتقاد أن الله سبحانه لا يقدر شيئا مسبقا على الإنسان، وأن الإنسان هو فاعل أفعاله بمحض مشيئته دون تدخل من مشيئة الله، وتبرز تلك البساطة في المناقشة التالية التي جرت في نهاية القرن الأول الهجري في خلافة عمر بن عبد العزيز:
"روي أن غيلان الدمشقي وقف يوما على ربيعة الرأي فقال له: أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرا؟" ((فجر الإسلام)) (285). .
أما عن القول بالمنزلة بين المنزلتين: فإن أول من ابتدعها واصل بن عطاء وهي أول مسألة نسبت للمعتزلة كفرقة مستقلة، حيث اعتزل حلقة الحسن البصري بعد أن سئل الحسن عن مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة فسكت الحسن ورد واصل أنه في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا كافر ((الفرق بين الفرق)) (118). ومع ذلك فإن قال بتأبيده في النار خالدا فيها، فوافق الخوارج في ذلك وإن خالفهم في عدم إطلاق اسم الكفر عليه، ومن هنا سميت المعتزلة مخانيث الخوارج"! ((الفرق بين الفرق)) (119). .
ثانيا: الطور الأول للمعتزلة :
بدأ فكر المعتزلة يتبلور كفرقة مستقلة متميزة في البصرة على يد واصل بن عطاء (م131) الذي كان يحضر مجالس الحسن البصري، وقد ذهب – هو وعمرو بن عبيد – إلى أن الفاسق مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين وأنه مخلد في النار، ولم يطلق القول بتكفيره، واعتزل حلقة الحسن إلى سارية أخرى فأطلق عليهم "المعتزلة" ((الفرق بين الفرق)) (118). لاعتزالهما قول الأمة وإجماع المتقدمين من الصحابة والتابعين.
وقد ذهب واصل إلى ما ذهبت إليه من قبل "القدرية" أتباع معبد الجهني وغيلان من نفي القدر، كما وافق "الجهمية" اتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان في نفي الصفات – حسب مذكراته سابقا – بصورة غير معقدة ولا ملتبسة بشيء من الفلسفة أو مباحثها، إذ أن التأثر الخارجي كان في مجرد استيراد الفكرة بذاتها وتطبيقها على الإسلام، أما استخدام المنهج السلفي أو الأبحاث اللاهوتية في تقريرها فلم يكن له أي أثر حتى ذلك الحين.
ثالثا – التطور الثاني للمعتزلة :
أدخلت المعتزلة في هذا الطور المباحث الفلسفية والمناهج اليونانية بشكل واضح في الموضوعات التي بحثوها وأضافوها إلى أقوال من سبقهم في البدعة.
وقد انقسم الكلام في هذه المرحلة إلى قسمين: جليل الكلام، ودقيق الكلام.
فأما جليل الكلام: فهو يبحث في صفات الله وكلامه وقدرته وإرادته وفي الإيمان ومعناه وما يستتبع ذلك من كلام في الخلق والآجال والأرزاق والثواب والعقاب والختم والطبع والهدى والضلال وغير ذلك من مباحث، وهو ذو صلة بالموضوعات المطروحة في الطور الأول.
وأما دقيق الكلام: فقد نشأ بأكمله في هذا الطور وبحث في الجوهر والعرض، والجسم وحدوده، والأضداد والعلل، والإرادة والتولد، وغير ذلك من مباحث تفوح منها رائحة الفلسفة اليونانية كأوضح ما تكون. لذلك نجد أن الكلام فيه منقول عن متأخري المعتزلة كالإسكافي ومعمر وأبي الحسين الصالحي وغيرهم، وأما واصل بن عطاء ومن في طبقته فلم ينسب لهم شيء من الكلام في تلك المعاني.
وسنضرب أمثلة من أقوال أئمة المتأخرين منهم في هذه المرحلة ندلل بها على تطور أقوالهم وتدهورها مع الزمن:
فمن أقوال أبي الهذيل العلاف (م 235):
القول بفناء مقدورات الله حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرا على شيء!! أي أنه يخلق ما يشاء حتى لا يقدر أن يخلق شيئا بعد ذلك ((الفرق بين الفرق)) (122)، ((اعتقادات أهل فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (41). .
قوله بأن عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة سينتهيان إلى نهاية حيث يبقى كل من أهل الجنة وأهل النار ساكنا في مكان لا يتحرك!
كذلك قال بأن أهل الجنة والنار مسيرون في أقوالهم وأفعالهم التي يقولونها ويفعلونها في الآخرة ولا حيلة لهم فيها!
وانظر إلى هذا التناقض العجيب!! إذ جعل الناس في الدنيا يفعلون ما يشاؤون وفي الآخرة مسيرون لا يختارون! فهو قدري في الدنيا جبري في الآخرة ((مذاهب الإسلاميين)) لبدوي (133). .
كما قال بأن التواتر الذي يعتبر حجة هو ما يجمع عليه عشرون شخصا أحدهم من أهل الجنة!.
كذلك قال بأن الميت لا يقدر على أن يأتي بأفعال القلوب وإن كان قادرا على أفعال الجوارح، وقد طور الجبائي وابنه هذه الأقوال فقال إن الميت يقدر على أفعال القلوب والجوارح معا ((الفرق بين الفرق)) (121). .
وكان هو أول من صرح أن الله عالم بعلم هو ذاته وأن قدرة الله هي الله وهكذا. أما ما قاله في دقيق الكلام متأثرا بالفلسفة اليونانية عن الجسم فقد وصفه بأنه "الطويل العريض العميق" ((مقالات الإسلاميين)) (2/8). وقال عن "الجوهر الفرد" هو الجزء الذي لا يتجزأ وعرفه بأنه: لا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع فيه ولا افتراق وأنه قد يجوز أن يجامع غيره وأن يفارق غيره وأن الخردلة يجوز أن تتجزأ نصفين ثم أربعة ثم ثمانية إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ ((مذاهب الإسلاميين)) لبدوي (182). وقد اقترب في تعريفه ذاك من معنى النقطة الرياضية. وقد خالفه النظام في ذلك فأنكر وجود الجزء الذي لا يتجزأ وقال إن كل شيء يقبل التجزئة إلى ما لا نهاية.
ونحن لا ننكر البحث في معنى الجسم من الناحية الرياضية أو تصورهم للأجزاء والأقسام، إنما ننكر الخلط بين ذلك وبين المباحث الخاصة بالذات الإلهية مما أدى إلى التخبط والخلط والبدعة.
أما عن الأعراض فقد قال العلاف: إن منها ما يبقى ومنها ما يزول، فما يزول كحركات الأجسام، وهو القول الذي أداه إلى زوال حركات أهل الآخرة، وما يبقى فهو كالسكون الذي يتحولون إليه بعد الحركة ((مذاهب الإسلاميين)) لبدوي (190). .
وقد قال إن الأعراض يمكن رؤيتها كالحركات والسكنات والألوان والاجتماع والافتراق، ويمكن لمسها بلمس الجسم نفسه.
وقد خالفه الجبائي في لمس الأعراض وإن وافقه في رؤيتها.
وخالفهما النظام في رؤية الأعراض ولمسها والألوان فقال إنها جسم يمكن رؤيته.
أما عن الخلق: فقد قال العلاف إن خلق الشيء غير الشيء نفسه، وإن عادة الخلق غير الشيء المعاد، وإن إرادة الخلق غير الشيء المخلوق، وخالفه النظام فقال: بل الخلق هو نفس الشيء، وإرادة الشيء المخلوق هي الشيء المخلوق إلا إن كانت أمرا فهي غيره ((مذاهب الإسلاميين)) لبدوي (191). .المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص 101

انظر أيضا: