trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: صور من انحرافات المعتزلة عن السنة


إن موقف المعتزلة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم المجافي لما قررته السنة وبينه القرآن العزيز من وجوب احترامهم وإكبارهم وإن كذبهم في الأحاديث المنافي مع وعيد الرسول للكذابين عليه وهو القائل ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) رواه البخاري (1291), ومسلم (3), من حديث المغيرة رضي الله عنه. وهو حديث متواتر يقول عنه ابن الجوزي قد رواه الصحابة ثمانية وتسعون صحابيا وإن إنكارهم أو تشكيكهم في بعض الأحاديث، وإبطالهم قبول المتواتر والآحاد، هذه المواقف جميعها تعتبر انحرافا عن السنة ومجافاة للسلوك الذي سن اتباعه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم . . . وقد أوردت من الأدلة ما يثبت هذا الانحراف عن الهدي النبوي.
وفي هذا الفصل نضيف عددا آخر من المواقف والآراء التي آمن بها المعتزلة ووقفوا ينفحون عنها ويعضدونها بأدلتهم العقلية: 
أ- وجوب معرفة الله بالدليل:
لقد كان الإيمان بالله في عهد الرسول والصحابة بسيطا غير معقد، حتى إذا ما نشأت فرقة المعتزلة أدخلت مباحث غريبة عن الإسلام متأثرة بالمذهب والمقولات الفلسفية، وكان البحث في معرفة الله بالدليل وإيقاف صحة الإيمان على ذلك من بين تلك الموضوعات التي أحدثتها المعتزلة، وبذلك فرضوا على الفرق الأخرى النظر فيها، وقد ورثها عنهم الأشاعرة رغم انفصالهم عن المعتزلة، فقد جاء عن أبي جعفر السماني – وهو من كبار الأشاعرة – قوله: (إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب) ((فتح الباري)) (1/77). أي المذهب الأشعري.
ولشدة تعلق المعتزلة بهذا المبحث فإنهم جعلوه منضوبا تحت مفهوم الإيمان فهذا أبو شمر يزعم (أن المعرفة بالله وبما جاء من عنده . . . ومعرفة التوحيد والعدل، عدل الله سبحانه، ونفي التشبيه عنه، كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر) ((مقالات الإسلاميين)) (2/171). .
وشغفهم هذا دفع بالقاضي عبد الجبار إلى أن يستشهد بحديث ينكره الرواة كما يقول فؤاد السيد ((فضل الاعتزال)) (هامش رقم 55). ليبرر ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب معرفة الله: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد، معرفة الله تعالى أن يعرفه ولا يشبه به شيئا)) ((فضل الاعتزال)) (150). .
وإذا كانت معرفة الله وصفاته مقررة في الإسلام، فإن تعقيد هذه المعرفة ووجوب تحصيل الدليل عليها هو البدعة المنافية مع السنة الصحيحة.
فهذا أبو هاشم (عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي ابن أبي علي الجبائي) من المعتزلة ذهب إلى أن (من لا يعرف الله بالدليل فهو كافر) لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر ((فتح الباري)) (17/118). .
كما أن إبراهيم بن يسار النظام ذهب إلى أن المتمكن من المعرفة إن كان عاقلا (يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال) ((ملل الشهرستاني)) (1/58). .
نعم أن التقليد مذموم. لذلك نجد بعض أهل السنة يوجب الاستدلال هو أيضا إلا أنه لم يرد به (التعمق في طرق المتكلمين) بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته، أنه يحصل في الذهن مقدمات ضرورية تتألف تألفا صحيحا وتنتج العلم، لكنه لو سئل: كيف حصل له ذلك ما اهتدى للتعبير عنه ((فتح الباري)) (17/118). .
ويقول ابن حجر لا حجة لمن اشترط النظر (لأن من لم يشترط النظر لم ينكر، أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلمية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطا ((فتح الباري)) (17/122). .
وإذا كان في النظر بالنسبة للجماهير مشقة لم يوجبها عليهم الشرع، فإن فيه بالنسبة للعلماء والمختصين (فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها) ((مقدمة ابن خلدون)) (838). .
والذي يثبت مخالفة ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب معرفة الله بالدليل ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)) رواه البخاري (25), ومسلم (22) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. .
ففي هذا الحديث كما يقول ابن حجر (دليل . . . على الاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة) ((فتح الباري)) (1/83). .
وجاء عن معاوية بن الحكم قوله: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية فقلت:يا رسول الله, علي رغبة, أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها)) رواه مسلم (537). .
فبهذه المعرفة الأولية المجملة بالله وبرسوله ثبت لها الإسلام وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم عتقها.
وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد ورسائله كلها تثبت أنه صلى الله عليه وسلم (لم يزد في دعائه . . . على أن يؤمنوا بالله ويصدقوه فيما جاء به من عنده، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا) ((فتح الباري)) (17/121). .
ب- إنكارهم لرؤية الله يوم القيامة:
لقد سبق لنا أن بينا أن غلو المعتزلة في فهمهم لعقيدة التوحيد تفرع عنه: أ- إيمانهم بنفي الصفات. ب- نفي الرؤية. ج- القول بخلق القرآن. نفي الصفات فقالوا: بخلق القرآن اعتقادا منهم أن ثبوت قدم أي صفة بما فيها كلامه تعالى: يثبت مع الله قديما غيره، وهذا عين الشرك في نظرهم، ونفوا الرؤية لأنها تقتضي الجسمية وهي ما يتنزه الله عنه.
والمعتزلة أجمعوا على أن الله سبحانه ليس بجسم ولا عرض وأن شيئا من الحواس لا يدركه في الدنيا ولا في الآخرة. حتى أن بعضهم يكفر من يقول برؤيته (كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالا فيه دون مكان) ((فضل الاعتزال)) (63) - ((مقالات الإسلاميين)) (1/238، 329)) - ((ملل الشهرستاني)) (1/81). .
لكنهم اختلفوا هل يرى الله بالقول؟
فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة : نرى الله بقلوبنا، بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي عباد بن سليمان ذلك ((مقالات الإسلاميين)) (1/238)).  .
أما الخابطية (أصحاب أحمد بن خابط ت 232هـ) والحدثية (أصحاب الفضل الحدثي (ت 257هـ) فإنهم آمنوا بالرؤية ولكنهم صرفوها إلى رؤية العقل الأول العقل الفعال) ((ملل الشهرستاني)) (1/63). . وفكرة العقل هذه فكرة يونانية آمن بها بعض الفلاسفة المسلمين وتسربت إلى الفكر الاعتزالي.
والمعتزلة حين ينفون الرؤية يزعمون أن كل شيء يرى بالعين يجب أن يكون في مقابلة العين، أو ينبغي أن يكون جسما يحتل حيزا، بهذا ناظر أبو إسحاق النصيبيني رئيس معتزلة البصرة أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت 403هـ) ((إعجاز القرآن المقدمة للمحقق)) (23). ، بل فإن تعله كذا بالمطبوع. الجسمية يركن إليها كل النفاة لرؤية الله.
يقول القرطبي: (اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة، والمقابلة وإيصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم) ((فتح الباري)) (17/195). .
والمعتزلة مناصرة منهم لرأيهم يردون كل الأحاديث النبوية التي تثبت الرؤية بدعوى أنها أحاديث آحاد (وإنما يقبل خبر الواحد فيما طريقه العمل ((فضل الاعتزال)) (158). ويحاولون في الوقت نفسه اختلاق أحاديث كثيرة تتساوق مع مذهبهم.
فهذا القاضي عبد الجبار يورد أثرا بصيغة التمريض ينسبه لابن عباس فيقول وروي أن نجدة الحروري سأل ابن عباس فقال: كيف معرفتك بربك؟ فقال: (أعرفه بما عرفني به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالقياس معروف بغير تشبيه ((فضل الاعتزال)) (150). .
كما ينسب خبرا لعائشة يقول (إنها سمعت بأن القوم يقولون: بأن الله يرى، فقالت: لقد قف شعري مما قلتموه ودفعت ذلك بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]) ((فضل الاعتزال)) (158). .
أما الآيات القرآنية التي تثبت رؤية الله فإنهم يقفون منها موقف التأويل والتخريج المتعسف:
فهذا الزمخشري يفسر قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] بأن المراد بناظرة الثانية (بالظاء) منتظرة فالمؤمنون وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ينتظرون ذلك اليوم. ويبين أن تقديم المفعول به (إلى ربها) يفيد الاختصاص بمعنى أن هذه الوجوه (تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره . . . ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم . . . فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص) ((الكشاف)) (4/192). .
ويستنجد بالعربية ليؤيد تأويله فيقول (والذي يصبح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي تريد معنى التوقع والرجاء ومنه قول القائل:


وإذا نظرت إليك من الملك





 والبحر دونك زدتني نعما ((الكشاف)) (4/544).

 وسمعت سرورية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقايلهم تقول: عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم.
والمعنى أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه ((الكشاف)) (4/192). .
 وكل آية يمكن أن يستشعر منها معنى رؤية الله، يؤولها الزمخشري بشكل يدفع الرؤية، فيشرح الفوز في قوله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] بقوله (وأي فوز أعظم من دخول الجنة) ويعلق سراج الدين البلقيني على ذلك بقوله (أشار إلى عدم الرؤية) ((الإتقان)) (2/190). .
وهو عين التأويل الذي ينقله القاضي عبد الجبار عن أبي علي الجبائي الذي يصور معنى التطور الذي طرأ على موقف مثبتة الرؤية. ذلك أن أوائلهم كانوا (يقولون بالرؤية مع التشبيه. ثم من بعد لما عرفوا فساد القول بالتشبيه ثبتوا على القول بالرؤية للإلف والعادة، واحتجوا بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[القيامة:22-23] وهذا لا حجة لهم فيه لأن النظر ليس هو الرؤية، فتحمل الآية على النظر إلى الثواب أو الانتظار. كما روي عن كثير من الصحابة ((فضل الاعتزال)) (158). .
فهو ينسب عقيدتهم إلى الإلف والعادة لا النظر والفهم، ثم يؤول مستندهم من الآية بنفس تأويل الزمخشري الذي تناول أحمد ابن المنير الرد عنه في كتابه (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال) فقال (ما أقصر لسانه عند هذه الآية فكم له يدندن ويطيل في حجب الرؤية ويشقق القباء ويكثر ويتعمق. لما فغرت فاه صنع في مصامتها بالاستدلال . . . ومما يعلم أن الممتع برؤية جمال وجه الله تعالى لا يصرف عنه طرفه ولا يؤثر عليه غيره) ((مطبوع على هامش الكشاف)) (4/192). ويقول ابن بطال (إن تأويلهم لناظرة بمنتظرة خطأ لأنه لا يتعدى بإلى ((فتح الباري)) (17/195). ويتحدث ابن كثير عمن تأول حرف الجر "إلى" في قوله تعالى إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[القيامة:23] وفسره بأنه مفرد الآلاء وهي النعم فيقول: فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15] ((تفسير ابن كثير)) (8/305). .
قال الشافعي رحمه الله لما سئل عن هذه الآية: لما حجب الله قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا. وسأله الربيع بن سليمان: أوتدين بهذا يا سيدي؟، فقال (والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا) ((مناقب الشافعي)) (1/419). .
وبالإضافة إلى الأدلة النقلية الصحيحة التي أوردها أهل السنة فإنهم تناولوا شبهة المعتزلة العقلية بالرد عنها عقليا ولغويا فهذا ابن حجر يورد ما عدده البيهقي من الأوجه اللغوية التي تفيدها عبارة ناظرة في كلام العرب منتهياً إلى أن أولاده بالقبول في الآية هو نظر الرؤية ((فتح الباري)) (17/194). .
وهذا أبو بكر الباقلاني يرد عن اعتراض أبي إسحاق النصيبيني ويبين أن الرؤية لا تتم بالعين لما يستلزم ذلك من المكان (وإنما يرى بالإدراك الذي في العين، ولو كان الشيء يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الأجهر عينه قائمة ولا يرى شيئا . . ) ويبين أن إثبات رؤيته ليس فيه قلب لحقيقة ولا إثبات لما يتنافى مع تنزيه الله بل لما كان الله أكمل الموجودات وجب أن يكون مرئيا (والشيء إنما يرى لأنه موجود) ((إعجاز القرآن))- المقدمة- للسيد صقر (23). .
وقريب من هذا المعنى يقرره ابن تيمية فهو يقول: (فكل ما كان وجوده أكمل كان أحق بأن يرى . . . والموجود الواجب الوجود أكمل الموجودات وجودا، وأبعد الأشياء عن العدم، فهو أحق بأن يرى، وإنما لم نره لعجز أبصارنا عن رؤيته لا لأجل امتناع رؤيته) ((منهاج السنة)) (2/255). .
أما الأحاديث الصحيحة التي تثبت انحراف المعتزلة عنها، فهي كثيرة وقد عقد الإمام البخاري في كتاب التوحيد بابا ترجم له بقوله باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ((فتح الباري)) (17/193). وقد أورد فيه عددا من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم التي تثبت الرؤية.
كما عقد مسلم بابا في كتاب الإيمان لهذا الغرض ترجم له النووي بقوله: (باب معرفة طريق الرؤية) شرح مسلم – الإيمان- (1/167). سرد فيه عددا من الأخبار تثبت الرؤية منها: جاء عن جرير بن عبد الله قوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنكم سترون ربكم عيانا)). وقد أورده البخاري عن جرير في كتابي مواقيت الصلاة والتوحيد رواه البخاري (7435). ، وأورد نحوه عن أبي سعيد الخدري في كتاب التفسير ((صحيح البخاري)) (7439). .
كما خرج نحوه مسلم عن أبي سعيد الخدري في كتاب الإيمان ((صحيح مسلم)) (183). وعن أبي هريرة في كتاب الزهد والرقائق ((صحيح مسلم)) (2968). .
وخرجه أيضا ابن ماجه عن جرير في المقدمة وعن أبي هريرة في كتاب الزهد كما أورد نحوه أبو داود في كتاب السنة عن أبي هريرة وخرجه الترمذي في كتاب صفة الجنة عن أبي هريرة.
فرؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة لا يمكن دفعها وكل محاولة لمنعها إنما هي إبطال متعمد للحديث الصحيح، وتأويل متعسف لصريح القرآن العزيز.
ج – إنكارهم لشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم :
الشفاعة التي أثبتها أهل السنة أربعة أنواع:
1- الخلاص من هول الموقف، وهي خاصة بمحمد رسول الله صلى الله عليه.
2- الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب.
3- الشفاعة في رفع الدرجات.
4- الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم.
والمعتزلة ولئن اشترطوا في النوع الثاني من الشفاعة أن تكون خاصة بمن لا تبعة عليه فإنهم قبلوا النوعين الأول والثالث، بينما ردوا النوع الرابع ((فتح الباري)) (17/237). ، لأنهم ينكرون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من الأمة الإسلامية ((مقالات الإسلاميين)) (2/166). مستندين إلى المتشابه من قوله تعالى:  فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] ولأنها تخالف مبدأهم في الوعد والوعيد.
وقد شذ عنهم أبو هاشم بن الجبائي حيث أقر الشفاعة مع كون الشفيع ساخطا، وقال: (قد تصح بلا توبة) ((فضل الاعتزال)) (208). .
أما القاضي عبد الجبار فيقر شفاعة الرسول ولكنه يجعلها خاصة بأهل الثواب دون أهل العقاب ولأولياء الله دون أعدائه وتتمثل شفاعته صلى الله عليه وسلم في أن يزيدهم من الفضل والتعظيم في الجنة هذا هو مفهوم الشفاعة التي يثبتها ويخطئ من ينكرها خطأ عظيما ((فضل الاعتزال)) (207). مستدلا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [ غافر: 18]، فأهل النار عنده يستحقون (اللعن والغضب والسخط فكيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم، ومن حق الشافع أن يكون محبا لمن يشفع له راضيا عنه، وهذا يوجب إن كان عليه السلام يشفع لهم – أن يكون راضيا عمن سخط عليه ولعنه وذلك لا يصح) ((فضل الاعتزال)) (208). .
فهم يصدرون في إنكارهم للشفاعة عن إيمانهم بالوعد والوعيد، وعيد الله للمذنبين، ووعيده للأتقياء المطيعين، وقد سبقت كلمة الله بذلك، ولا مبدل لكلماته، فإذا خرج المؤمن من الدنيا عن طاعة وتوبة استحق الثواب وإذا خرج عن كبيرة ولم يثب خلد في النار ((المعتزلة)) لزهدي جار الله (51). ، إذ لا يصح خروجهم منها لأنهم من أهل العقاب، ولا يجوز مع ذلك أن يكونوا من أهل الثواب لأن ذلك كالمتضاد ((فضل الاعتزال)) (209). .
وهم وإن خلدوهم في النار إلا أنهم جعلوا عذابهم أخف من عذاب الكافرين.
وبموقفهم هذا يكونون قد أنكروا أمرا أثبت بالسنة الصحيحة، جاء في سنن أبي داود عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) رواه أبو داود (4739) والترمذي (2435) سكت عنه أبو داود ,وقد قال في ((رسالته لأهل مكة)): كل ما سكت عنه فهو صالح. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (4739). وبناء على ذلك فقد أتت السنة بأن الله يخرج قوما من النار بعد أن يمتحنوا بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ((موعظة المؤمنين)) (1/10). .
وقد يعترض بعضهم بأن الشفاعة ليست واردة في القرآن، وهذا لا يمنع ثبوتها، وكثيرة هي المسائل والأحكام التي اختصت بذكرها السنة، وقد قيل يوما لعمران بن حصين وهو جالس في المسجد: يا أبا النجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن؟ فغضب عمران وقال لسائله: قرأت القرآن ؟ قال نعم. قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعا ووجدت المغرب ثلاثا. . ؟ إلى أن انتهى إلى ذكر الشفاعة ((دلائل النبوة)) (1/35). مذكرا لهم بقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الحشر:7 ].
وقد استنبط العديد من الصحابة شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من القرآن نفسه، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (إنكم يا معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا. . .[الزمر:53] الآية لكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[الضحى:5] وهي الشفاعة) ((الإتقان)) (2/161). .
د – إنكارهم لمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم :
يعود إنكار بعض المعتزلة لمعجزات رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزات الرسل السابقين إلى تصورهم للنبوة، فقد اختلفوا فيما بينهم: هل هي جزاء أو ثواب؟ أم لا؟ فقال بعضهم: هي ثواب وجزاء على عمل صالح عمله النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق أن يجزيه الله بالنبوة.
وقال آخرون ليست بجزاء ولا ثواب ((مقالات الإسلاميين)) (1/297، 2/326). وممن قال بأنها جزاء على عمل عباد بن سليمان، وممن قال بأنها تكون ابتداء أبو علي الجبائي ((مقالات الإسلاميين)) (2/137). .
ونفي الاصطفاء عن النبوة رأي قديم أبداه بعض الفلاسفة حيث جعلوا النبوة مرتبة من المعرفة والسمو الروحي يبلغها المجتهدون الذين يتدرجون في معاناة ورياضة نفسية خاصة.
وبذلك افتقدت النبوة جلالها وقدسيتها، وصارت لدى هؤلاء الفلاسفة ومن تأثر بهم من المعتزلة من الموضوعات التي يتناولونها بعيدا عما تستحقه من الاحترام. فهذا واصل بن عطاء يخطب فيجيد فيقول عمرو بن عبيد وكان شاهدا الجمع: "ترون لو أن ملكا من الملائكة أو نبيا من الأنبياء يزيد على هذا" ((ميزان الاعتدال)) (3/277). ؟
بل بلغ بهم استهتارهم بمقام النبي صلى الله عليه وسلم أن جوز عليه بعضهم تعمد ارتكاب المعاصي إلا أنها لا تكون إلا صغائر ((ميزان الاعتدال)) (1/279). .
وبناء على هذا فإن الكثير من المعتزلة يعتبرون الحجة قائمة على الناس بالعقل لا بالنبوة فحتى من لم يبلغه خبر الرسول فهو محجوج ((ميزان الاعتدال)) (1/296). لتقصيره في إعمال عقله للوصول إلى الحقيقة.
ومن المعتزلة من نفى أن تكون المعجزات دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعواه الرسالة ففلق البحر وقلب العصا حية ومحق السحر وانشقاق القمر والمشي على الماء وغيرها لا تدل في زعمهم على صدق الرسالة ((الفرق بين الفرق)) (162). .
 والقرآن نفسه كما ذهب إلى ذلك هشام الفوطي وعباد بن سليمان (لم يجعل علما على النبي صلى الله عليه وسلم وهو عرض من الأعراض لا يدل شيء منها على الله ولا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ((إعجاز القرآن)) للباقلاني – مقدمة- سيد صقر (8). .
فهل نعجب بعد هذا إذا أنكر النظام ما روي من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم من انشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبوع الماء بين أصابعه ((الفرق بين الفرق)) (132) - ((السنة ومكانتها)) (206). ؟ فهو حين يتحدث عن رواية ابن مسعود لحديث الانشقاق يتناولها دون التزام لأي لون من ألوان الأدب إزاء الصحابة الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ((لا تسبوا أصحابي)) رواه البخاري (3673), من حديث أبي سعيد الخدري, ومسلم (2540), من حديث أبي هريرة رضي الله عنها. فيقول:
(وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين): فكيف لم يعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر ولم يسلم عنه كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد ((تأويل مختلف الحديث)) (21) ((الفرق بين الفرق)) (319). ؟
وفي الحقيقة فإنه بإنكاره للكثير من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم إنما يرمي إلى إنكار ثبوته ((الفرق بين الفرق)) (132). سيما والنظام معجب بقول البراهمة بإبطال النبوات (ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف) ((الفرق بين الفرق)) (131). .
وقد تسرب هذا التشكيك في المعجزات إلى المسيحيين البيزنطيين، يتسنمونها لرد رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا الإمبراطور باسيليوس الثاني يسال أبا بكر الباقلاني في سفرته إلى بيزنطة: هذا الذي تدعونه من معجزات نبيكم: من انشقاق القمر كيف هو عندكم؟.
ويتصدى الباقلاني للجواب: هو صحيح عندنا انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، إنما رآه الحضور ومن اتفق نظره في تلك الحال ويقول الملك: وكيف لم يرد جميع الناس؟
فيجيب الباقلاني: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره ثم قاس له بالخسوف الذي لا يراه جميع أهل الأرض، وإنما يراه من كان في محاذاته ويختم بقوله: (فما أنكرت من انشقاق القمر إذ كان في ناحية أن لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه) ((إعجاز القرآن)) للباقلاني – مقدمة- سيد صقر (30). .
وهذا أسلوب يستخدم مع الكافرين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذين لا يؤمنون بحديثه، وإلا فقد ثبت حديث انشقاق القمر عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس.
جاء عن ابن مسعود قوله: ((انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهدوا)) رواه البخاري (3636), ومسلم (2800). .
وقد أورد محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على ترجمة باب انشقاق القمر بصحيح مسلم ما قاله القاضي عياض في هذا الموضوع وجاء فيه (انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم وقد رواها عدة من الصحابة رضي الله عنهم مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة مخالفي الملة وذلك لمن أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها، لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء، كما يفنيه ويكوره في آخر الأمر) ((مسلم)) (4/2158) (هامش رقم 3). .
وبلغت ببعض المعتزلة مناوأتهم للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم أن أنكروا إعجاز القرآن فقال النظام: إن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ولا دلالة فيه على صدقه في دعواه النبوة ذلك أن القرآن كتاب كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، ووجه الدلالة في هذا الكتاب على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب.
فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف ولم يعارضه العرب لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وسلب علومهم به وهو ما عرف عندهم بالصرفة ((فضل الاعتزال)) (70) - ((الفرق بين الفرق)) (143) , ((ملل الشهرستاني)) (1/56) - ((مسلم)) (57) - ((إعجاز القرآن)) - مقدمة- سيد صقر (807). .
 وقال عيسى بن صبيح الملقب بالمردار (ت 226هـ) إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة ((ملل الشهرستاني)) (1/54). .
ونفى هشام الفوطي وعباد بن سليمان أن يكون شيء من الأعراض دالا على الله سبحانه أو على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ولما كانا يزعمان أن القرآن أعراض فهو ليس علما للنبي صلى الله عليه وسلم ((مقالات الإسلاميين)) (1/296). .
وذهب ابن الراوندي الزنديق في كتابه (الدامع) إلى الطعن في نظم القرآن ومعانيه، وارتطم في إثم القول: إن في القرآن سفها وكذبا ((إعجاز القرآن)) للباقلاني – مقدمة- سيد صقر (8). إلا أن هذه الآراء الغريبة كان قد تناولها العديد من رجال الاعتزال بالطعن والتجريح والرد عليها:
فتولى أبو الحسين الخياط وأبو علي الجبائي الرد على ابن الراوندي فنقض ما تورط فيه من الانحرافات في كتابه (الدامع) وتولى الجاحظ في كتابه (نظم القرآن) الرد على النظام في قوله بالصرفة ((إعجاز القرآن)) للباقلاني – مقدمة- سيد صقر (8). .
ومما رد به أبو سليمان الخطابي في كتابه (إعجاز القرآن على دعوى الصرفة أن دلالة الآية تشهد بخلافه)، وهي قوله سبحانه وتعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] فأشار القرآن إلى أمر طريقة التكلف والاجتهاد وسبيله التأهب والاحتشاد والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها ((إعجاز القرآن)) - مقدمة- سيد صقر (13). .
هـ - موقفهم من حد شارب الخمر والنبيذ:
لقد تمسك بعض المعتزلة بالرأي الشاذ حول حد الخمر القائل: إن الرسول لم يفرض في الخمر حدا، وأنه وبعض الصحابة إنما ضربوا بالجريد والنعال والأردية وعزف هؤلاء المعتزلة عما أجمع عليه الصحابة من وجوب الحد في الخمر ((نيل الأوطار)) (7/169). بل وهاجموا الحد، من ذلك أن جعفر بن مبشر زعم (أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في الحدود: النص والتوقيف) ((ملل الشهرستاني)) (1/59) - ((الفرق بين الفرق)) (168). .
والملاحظ أن النص والتوقيف متوفران، فالاتفاق كامل بين الصحابة والعلماء على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد من شرب الخمر ولكن ثمة اختلاف حول عدد الجلدات ((فتح الباري)) (7/161). .
وقد أطنب الفقهاء والمحدثون في الحديث عن الموضوع وسرد كل الآراء مهما كانت متضاربة ومتطرفة، وقد أورد ابن حجر خلاصة حول الموضوع قال فيها: وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر وإن لا قتل فيه، واستمر الاختلاف في الأربعين والثمانين ((فتح الباري)) (15/80). .
والملاحظ أن حد النبيذ بدوره ثمانون جلدة ((فتح الباري)) (15/75). أي أنه مساو لحد الخمر فقد قرر الفقهاء وجوب جلد من شرب خمرا أو نبيذا مسكرا ثمانين سكر أو لم يسكر ((رسالة أبي زيد القيرواني)) (440). .
وخالف عمرو بن عبيد فنسب إلى الحسن البصري أنه قال: إن السكران من النبيذ لا يجلد وقد أكذبه أيوب السختياني وقال: أنا سمعت الحسن يقول: يجلد ((مقدمة مسلم)) (1/23) - ((ميزان الاعتدال)) (3/276). .
و - موقفهم من حد السارق:
ومن المواطن التي خالف فيها العديد من المعتزلة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم موقفهم من حد السرقة. فقد جعل القرآن الكريم قطع اليد جزاء وفاقا للسرقة فقال جل من قائل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ المائدة: 38].
ثم جاءت السنة وحددت قيمة المسروق الذي يوجب القطع وبينت حاله كما بينت ما ينبغي القطع فيه، ومن أين يقع القطع.
جاء عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم ((الموطأ)) (519). وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا)) ((فتح الباري)) (15/107). على أن يكون المسروق حرزا والسارق مستغنيا عن السرقة.
كما سن الرسول أن لا قطع في ثمر ولا كثر ((الرسالة)) (41) - ((الموطأ)) (524). ، وبين أن القطع إنما يكون في اليد اليمنى ومن الرسغ.
وخالف الكثير من المعتزلة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أبو الهذيل العلاف والجبائي يفسقان سارق الدرهم من حرز ((مقالات الإسلاميين)) (1/3331). .
أما جعفر بن مبشر فيزعم أن من سرق حبة أو ما دونها فهو فاسق منخلع من الإيمان مخلد في النار ((الفرق بين الفرق)) (168) - ((ملل الشهرستاني)) (1/59). .
ويذهب النظام إلى أن من غصب أو سرق مائة وتسعة وتسعين درهما لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم فصاعدا ((الفرق بين الفرق)) (144) - ((مقالات الإسلاميين)) (1/334) - ((الملل)) (1/58). .
وبذلك هدموا الشرع وتحللوا من الأحكام وحكموا أهواءهم فيما يأتون وما يدعون.
ز – تخليدهم صاحب الكبيرة في النار:
كنا رأينا أثناء حديثنا عن أصل المعتزلة الرابع الوعد والوعيد كيف قرروا أن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة ما لم يتب، ورأينا كيف أن مبدأهم ذلك مبني على إيمانهم بعدل الله، هذا العدل الذي جعلهم غلوهم في تصوره ينفون معه الشفاعة لأنها في رأيهم تعطل تنفيذ وعده ووعيده ولا مبدل لكلماته تعالى:
 على أننا قبل الخوض معهم في آرائهم هذه المنافية للسنة الصحيحة يحسن بنا أن نرى تعريفهم للكبائر والصغائر.
فقد (قال قائلون منهم: كل ما أتى فيه الوعيد فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد فهو صغير) ((مقالات الإسلاميين)) (1/332). . وذهب جعفر بن مبشر إلى أبعد من ذلك فقد جعل ارتكاب أي لون من ألوان الذنوب والمعاصي كبيرة شريطة أن يكون مرتكبها متعمدا ((مقالات الإسلاميين)) (1/332). .
وقد غلت بعض فرق المعتزلة في الحكم على مرتكبي الذنوب، حتى أنها لم تميز بين الصغير من الذنوب والكبير. فالواصلية مثلا (تزعم أن كل مرتكب للذنب صغير أو كبير مشرك بالله) ((الفرق بين الفرق)) (177). ، ولعل هذا الحكم القاسي يعود إلى تسوية القدرية عموما (بين الشرك وما دونه من الكبائر في أن كلا من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا يشاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين) ((الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال)) (1/532). .
إلا أن واصلا يسمي هذا المذنب موحدا وليس بمشرك ولا كافر ((الفرق بين الفرق)) (119). .
وبلغ الغلو بالجبائي درجة وصف معها الكثير من أرض الإسلام والمسلمين بالكفر، وكيف لا يكون كذلك، وهم القائلون أن القرآن غير مخلوق، وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها لأن هذا كله عنده كفر، فبغداد ومصر وغيرهما على قياسه – دار كفر ((مقالات الإسلاميين)) (2/155). .
ثم إن هذه الذنوب والمعاصي عندهم لن يغفرها الله إلا بالتوبة، وإقامة الحد على المقترف للذنب لا يفيده ((فتح الباري)) (1/75). مستدلين على ذلك بقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ المائدة: 34].
وحين تجابهون بقول الله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [ النساء: 48] وهو صريح في أن الله يغفر لمن يشاء من المذنبين والعصاة يلجأون إلى التأويل وإن كان متعسفا.
يقول الزمخشري لتطويع هذه الآية لمذهبهم (الوجه أن يكون الفعل المنفي لا "يغفر" جميعا موجهين إلى قوله تعالى: لمن يشاء كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب.
ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله ((الزمخشري)) (1/532). .
فقد سوى بين المسلم والمشرك في وجوب التوبة مطوعا الآية لخدمة هذه التسوية (فردته ونبت عنه) ((الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال)) (1/532). كما يقول صاحب كتاب (الإنصاف). لأن (الشرك غير مغفور البتة وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفر له، هذا مع عدم التوبة وأما مع التوبة فكلاهما مغفور) ((الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال)) (1/532). . وهذه هي عقيدة أهل السنة و (الآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما سنرى فذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بمشيئة الله، فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة) ((الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال)) (1/532). .
ثم أن المعتزلة بعد أن أقروا أن الله لا يغفر لمن خرج من الدنيا على معصية بدون توبة لأن ذلك يتنافى مع عدله وبالتالي مع وعده ووعيده، بل ومع نظريتهم في الصلاح والأصلح، وضعوا صاحب الكبيرة في المنزلة بين المنزلتين في الحياة الدنيا وأنزلوه جهنم في الآخرة خالدا فيها غير أن عذابه أخف من عذاب الكافر ((الملل والنحل)) (1/45، 48، 70، 81). .
وهو حكم يزعم جعفر بن مبشر أنه من موجبات العقول مخالفا (أسلافه الذين قالوا: إن ذلك معلوم بالشرع دون العقل ((الفرق بين الفرق)) (168). .
ذلك أن أهل النار إذا دخلوها لم يصح خروجهم منها لأن في خروجهم ثوابا، فيصبح الواحد منهم من أهل الثواب، ومن أهل العقاب معا وهذا كالمتضاد ((فضل الاعتزال)) (209). .
وللمعتزلة أدلتهم فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار من ذلك:
أ- قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((من قتل نفسه بحديدة, فحديدته في يده يجأ بها نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)) رواه البخاري (5778), ومسلم (109), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
وقد أجيب عنه بستة أجوبة منها:
1- أن محمد بن عجلان رواه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدا مخلدا .
2- أن الخلود إنما يصدق على من استحله، فله يصير باستحلاله كافرا. والكافر مخلد بلا ريب.
3- ورد التخليد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مراده ((فتح الباري)) (3/470). .
ب- ويستدلون أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم ((إياكم والزنا فإن فيه سوء الحساب وسخط الرحمن وخلود النار)) ((فضل الاعتزال)) (155). . وقوله صلى الله عليه وسلم ((من انتسب إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من اقتطع مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)). رواه الحاكم (4/328), من حديث جابر بن عتيك, قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/184): رجاله رجال الصحيح خلا أبا سفيان بن جابر بن عتيك ولم يتكلم فيه أحد. وقال الألباني في((صحيح الترغيب))(1840) صحيح لغيره. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (1/273), من حديث أبي أمامة.
ج – ومما يروونه عن خلود أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة قوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار نادى مناد بينهما: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت)) رواه البخاري (4730), ومسلم (2849), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. .
ويقول القاضي عبد الجبار كما ثبت خلود أهل الكفر في النار ثبت أيضا تخليد قاتل النفس والفار من الزحف وأكل مال اليتيم وغير ذلك ((فضل الاعتزال)) (209). .. وبما أن الله صاحب أعظم نعمة على الإنسان فإن من عصاه ينبغي أن يعظم عقابه بعظم معصيته (وذلك يبين حسن العقاب الدائم) ((فضل الاعتزال)) (210). .
ونجد من المعتزلة من يتخلى عن الخلود كالعلاف ويقول بفناء نعيم أهل الجنة وفناء عذاب أهل النار ((تأويل مختلف الحديث)) (44) , ((الفرق بين الفرق)) (122). مما جعل عددا من زعماء المعتزلة يردون عنه ويوبخونه كالجبائي وأبي موسى (عيسى بن صبيح المعروف بالمردار). وقد ألف منهما كتابا ذكر فيه فضائح أبي الهذيل، ولجعفر بن حرب أحد زعماء المعتزلة كتاب سماه (توبيخ أبي الهذيل) ((الفرق بين الفرق)) (122). .
وقد تصدى أهل الحديث للرد عن ضلالات المعتزلة مستندين إلى ما صح في السنة النبوية من الآثار، وقد أجمعوا على أن المعاصي ليست موجبة للخلود، فقد جاء عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) رواه البخاري (22) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. . وقد عقب ابن حجر على هذا الحديث بقوله: (وأراد البخاري بإيراده، الرد على المرجئة لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود) ((فتح الباري)) (1/80). فلا يلزم من إطلاق دخول النار التخليد فيها ((فتح الباري)) (14/291). .
وإذا اعتبرت إقامة الحد كفارة لصاحبها ومجزية عن إعلان التوبة، فإن غفران ذنب من لم يقم عليه الحديث ولم يتب يبقى رهن إرادة الله وذلك مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم في عصابة من صحابته ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله ، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك)) رواه البخاري (6487). .
وإن المعتزلة القدرية بتشددهم في تخليد مرتكب الذنب في النار ما لم يتب ينطبق عليهم المثل السائر (السيد يعطي والعبد يمنع) لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح التي هي بالفساد أجدر وأحق ((الإنصاف الكشاف)) (1/533). .
ح- إنكارهم لعذاب القبر:
ومما أثبتته السنة وأنكره المعتزلة عذاب القبر. يقول الأشعري: إنهم والخوارج نفوا عذاب القبر ((مقالات الإسلاميين)) (2/116). .
ولئن جعل القاضي عبد الجبار المعتزلة ينقسمون إلى منكر لعذاب القبر ومثبت له فإنه يقول إن الذي نفاه إنما هو ضرار بن عمرو "وهو من أصحاب واصل بن عطاء" ويورد حجة المنكرين فيقول: إن الميت لما يدفن (لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ولا يلتذ فكيف يجوز عليه المسألة والمعاقبة مع الموت)؟ ويضيف: (وأنكر مشايخنا عذاب القبر في كل حال) ((فضل الاعتزال)) (202). .
وهذا مخالف صراحة لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه، وقد عقد البخاري بابا في كتاب الجنائز ترجم له بقوله: (باب ما جاء في عذاب القبر) ((فتح الباري)) (3/473). وقد أورد فيه عددا من الأحاديث منها:
- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟)) الحديث ((فتح الباري)) (3/480) – والحديث خرجه مسلم 4/2200 – الترمذي 3/374. .
كما أن كلا من أبي داود والنسائي والترمذي عقدوا أبوابا ترجموا لها بنحو ما ترجم له البخاري وأوردوا فيها أحاديث كثيرة تثبت كلها عذاب القبر.موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص 113
المبحث الرابع: الرد على شبه المعتزلة حول الحديث النبوي ينظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية))، (ص100-130) الأمين الصادق الأمين/ 1414هـ/ جامعة أم القرى.
يعتبر الحديث النبوي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وهو وإن كان دونه في المنزلة، إلا أنه مثله في الحجية....
وما أثاره المعتزلة حوله من شبه، إنما هي شبه واهية، لا تستند إلى دليل، ولا تؤيدها حجة.
من تلك الشبه: ذمهم لتعلم الحديث، وإنكار حجية أحاديث الآحاد، ورفض الأحاديث التي تتعارض مع عقولهم وأصولهم.
- أما ذمهم لتعلم الحديث وأهله: فهو معروف عنهم، إذ حذروا من تعلمه، وقللوا من فائدته والاستدلال به، ونصوا على أنه لا حاجة إليه، إذ اعتبروا أن العقول تغني عنه، والأذهان تكتفي بغيره.
"وذكروا أن الواحد من أصحاب الحديث يحب الاستكثار من طريق واحد، ولا يكون فيه كبير فائدة، إلا تخير الزيادات فيه.
"ومعلوم" أن المعتزلة لم يشتهروا بالفقه والحديث، لأنهم توفروا "اكتفوا" على ما عندهم، وهو أجدى في الدين، من طلب الفقه والحديث" ((فصل الاعتزال وطبقات المعتزلة)): القاضي عبدالجبار، (ص193-194) – الدار التونسية للنشر. .
هذا وإن ذمهم لتعلم الحديث، ينبئ عن جهلهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلة معرفتهم به، وعدم الاعتناء والاهتمام به، ولذلك قل استدلالهم بالحديث في كتبهم.
قال عبدالله بن المبارك: "وجدت الدين لأهل الحديث، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي" انظر: ((مختصر الصواعق المرسلة)): (ص 471). .
- أما حجية أحاديث الآحاد: فلو ترك الاحتجاج بها، لتهاوت أركان الشريعة الإسلامية، واندثر الحق، وغاب الهدى، وصار للباطل صولة..
والأدلة كثيرة من كتاب الله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف، بل وإجماعهم على الاحتجاج وقبول الاستدلال به كثيرة لا تحصى.. وسوف نورد فيها ما يناسب المقام:
- قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122]. أورد الإمام البخاري هذه الآية، في ترجمة أول باب من كتاب: (أخبار الآحاد) ليدلل بها على جواز العمل به والقول بأنه حجة انظر: ((صحيح البخاري)): (4/132)، و((فتح الباري)): (13/233) ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي/ ط دار الفكر. .
ولفظ طَآئِفَةٌ في الآية يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين، وذلك منقول عن ابن عباس وغيره ((فتح الباري)) (13/234) ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي/ ط دار الفكر. .
- وفي السنة النبوية: روى البخاري بسنده إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة).
والحجة في هذا الحديث بينة ظاهرة، فإن أهل قباء كانوا على قبلة فرض الله عليهم التوجه إليها، وهي بيت المقدس، فتحولوا عنها بخبر الذي أخبرهم بأن النبي أمر أن يستقبل الكعبة انظر ((فتح الباري)): (13/237). .
- وقد قبل أبو طلحة ومن معه خبر المخبر لهم في تحريم الخمر، وهو واحد، إذ أخبرهم في تحريم ما كان حلالاً عندهم، وأكد أبو طلحة رضي الله عنه ذلك بإتلاف الجرار وهي مال، وإراقة الخمر وهي سرف، فلو لم يكن الخبر عندهم حجة لما أقدم على ذلك.
"والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض، المجاورين لبلاد العرب، وكانوا آحاداً، وأمرهم بتعليم من أسلم، شرائع الدين، كما بعث كثيراً من أصحابه إلى جهات متعددة ليعلموا الناس شعائر الإسلام. فبعث معاذاً إلى اليمن، وأبا موسى إلى زبيد، وأبا عبيدة إلى نجران، وبعث إلى كل طائفة معلماً يعلمهم دينهم، ويبلغهم أحكام الشرع، وكانت الحجة قائمة بتبليغ كل واحد من هؤلاء على من بلغهم، وهم ملزمون بقبول ما أمرهم به" ينظر: ((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم ( 1/110، 113-114). .
"وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم من سلف الأمة، بل والأمة بأسرها على قبول خبر الواحد الثقة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى حدث متكلموا المعتزلة بعد المائة، فخالفوا الإجماع" ينظر:((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم ( 1/110، 113-114). .
وقد نقل جماعة من العلماء هذا الإجماع انظر: ((الرسالة للإمام الشافعي)) (ص 453)، ((فتح الباري)) (13/234)، و((إرشاد الفحول)) للشوكاني (ص49) مطبعة البابي الحلبي/ 1937م. .
أسباب ردهم لأحاديث الآحاد ينظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) (ص132، 285، 286، 355). :
من أبرز الأسباب التي جعلتهم يقفون هذا الموقف، أن الأحاديث هذه كانت تتعارض مع ما قرروه في نظرياتهم العقدية، وأصولهم المنحرفة.
- من ذلك قولهم في صفات الله تعالى، وتسليط عقولهم على نصوص الوحي بالتأويلات التي لا ضابط لها.
- ومن ذلك نفيهم الأحاديث في رؤية الله تعالى يوم القيامة، رغم أن أحاديث الرؤية كثيرة بلغت حد التواتر في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين صحابياً انظر: ((شرح الطحاوية)) ( 194). .
ومن تلك الأحاديث ما رواه البخاري بسنده إلى جرير قال:
((كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) ((صحيح البخاري)) -كتاب التوحيد- (97)، (8/179). .
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "من كذب بالرؤية فهو زنديق" ((لوامع الأنوار البهية)): (2/246)، محمد أحمد السفاريني، مكتبة أسامة/ الرياض/ المكتب الإسلامي/ بيروت. .
- ومن ذلك: توسعهم في موضوع القدر، حتى جعلوه أصلاً من أصولهم الخمسة، وقد زعموا أن العقل هو الذي قادهم إلى ذلك، أما نصوص الكتاب والسنة، فلا دخل لها بشأن العدل، وما ورد من أحاديث الآحاد دالاً على ذلك، فهو ضرب من ضروب الخطأ انظر: ((فضل الاعتزال)) للقاضي عبدالجبار (ص286)، (ص210). .
- وفي قضية مرتكب الكبيرة: فالمعتزلة لا يعتمدون على نص من القرآن أو السنة في إطلاقهم الأحكام على صاحب الكبيرة، وإنما كان جل اعتمادهم على العقل، إذ تجاوزوا الأحاديث وحكموا على صاحب الكبيرة بالخلود في النار كالكافر انظر: ((فضل الاعتزال)) للقاضي عبدالجبار (ص286)، (ص210). .
- ورد المعتزلة أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر يوم القيامة، وأنكروها أيما إنكار، وقالوا: إن النبي لا يشفع لصاحب الكبيرة ولا يجوز له ذلك؟! لأن إثابة من لا يستحق الثواب قبيحة.
والفاسق إنما يستحق العقوبة على الدوام، فكيف يخرج من النار بشفاعته صلى الله عليه وسلم؟ ((شرح الأصول الخمسة)) : للقاضي عبدالجبار (ص688-689). .
والأحاديث التي وردت في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة، منها أحاديث متعددة في الصحيحين، ومنها ما يكثر عدده في السنن والمسانيد انظر ((الفتاوى)) لابن تيمية، (1/314)، و((صحيح البخاري)) -كتاب الإيمان-. .
- وقد بارك المستشرقون موقف المعتزلة من السنة النبوية، ورأوا أن وجهتهم في رد الأحاديث بالعقل هي الوجهة الصحيحة التي يجب أن تناصر وتؤيد ضد المتشددين الحرفيين الجامدين على النصوص.. فهم أهل العقل الحر والمنهج القويم، الذي يجب أن يبقى ويستمر ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) (ص 355) الأمين الصادق الأمين. .العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص 25


انظر أيضا: