trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: منهج المعتزلة في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد


بدأ هذا التيار مع ظهور المعتزلة في القرن الثاني الهجري وما بعده، ويعود بروزه إلى عناية المعتزلة باللغة العربية واهتمامهم بها طلباً لدعم أصولها باللغة، واحتضان بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، ومساعدتهم لهم على ترويج بضاعتهم الفكرية، وبلغ أوج مجده في القرن الرابع الهجري إبان الدولة البويهية، وبالتحديد أيام عضد الدولة البويهي "ت 372هـ"، والصاحب بن عباد "ت 385هـ"، وأبي علي الفارسي "ت 377هـ"، وابن جني "ت 392هـ"، والرماني "ت 384"، والشريف الرضي "ت 406هـ"، واستمر على الوتيرة نفسها حتى القرن الخامس الهجري، ثم بدأ يضعف بعد القرن السادس الهجري نظراً لتقلص دور المعتزلة بوجه عام، وبروز الأشعرية كقوة منافسة لهم، وممن اشتهر بهذا المنهج الاعتزالي قطرب "ت 206هـ"، والأخفش الأوسط "ت 215هـ"، والجاحظ "ت 255هـ"، وأبو علي الفارسي "ت 377هـ"، وابن جني "ت 392هـ"، والرماني "ت 384هـ"، والشريف الرضي "ت 406هـ"، وأخوه المرتضى "ت 436هـ" وجار الله محمود بن عمر الزمخشري "ت 538هـ"، وغيرهم.
وللمنهج الاعتزالي في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد سمات، منها ما يلي:
- الاعتماد على العقل في تفسير المفردات الشرعية اللغوية:
لما كان العقل مرتكز المعتزلة الأول لتقرير العقائد، جعلوه حكماً على غيره من المصطلحات الشرعية واللغوية، دون مراعاة لما تعرفه العرب من لغاتها، ما تدل عليه النصوص من المعاني الشرعية بصيغها العربية، فعلى ضوئه فسروا المفردات الشرعية واللغوية معتبرين ما يوافق أهواءهم، وأوضح مثال على ذلك: الاستواء، فإنه في اللغة دال على الارتفاع والعلو، لكن المعتزلة استخدموا العقل في تفسيره فحملوه على الاستيلاء والاقتدار؛ لأن العقل قد دل عندهم على تنزيه الله عن الأماكن والجهات.
قال القاضي عبدالجبار "ت 415هـ" في الاستواء: "قد بينا أن المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار، وبينا شواهد ذلك في اللغة والشعر، وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل أنه تعالى قديم، ولو كان جسماً يجوز عليه الإمكان لكان محدثاً، تعالى الله عن ذلك" ((متشابه القرآن)) (1/315). .
وقال الشريف المرتضى "ت 436هـ" وهو من لغويي القرن الرابع والخامس: "فكل ما ورد في القرآن مما له ظاهر ينافي العصمة، ويقتضي وقوع الخطأ منهم، فلابد من صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة والمجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره، وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك، ألا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على الله تعالى من الحركة والانتقال كقوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة: 210]، ولابد مع وضوح الأدلة على أن الله تعالى ليس بجسم، واستحالة الانتقال عليه، الذي لا يجوز إلا على الأجسام، من تأول هذه الظواهر، والعدول عما يقتضيه صريح ألفاظها، قرب التأويل أو بعد" ((أمالي المرتضى)) (2/399). .
- الاعتماد على اللغة المجردة والأشعار في تفسير النصوص الشرعية:
تعتبر الطريقة اللغوية لدى المعتزلة المبدأ الأعلى في تفسير القرآن بعد العقل، ولذلك يحاولون إبطال المعنى الذي يرونه مخالفاً لمبادئهم باللغة المجردة، فإذا لم يحالفهم الحظ أثبتوا للفظ معنى آخر موجوداً في اللغة يزيل الاشتباه ويتفق مع مذاهبهم، فيستشهدون عليه بأدلة من اللغة والشعر ((التفسير والمفسرون)) للذهبي (1/274-275) بتصرف. .
ومن شواهد اعتمادهم على اللغة المجردة: رد إبراهيم النظام وغيره من المعتزلة تفسير بعض السلف للويل: بأنه واد في جهنم، والطلح: أنه الموز، والفلق: بأنه واد في جهنم، بدعوى أن هذه التفسيرات مخالفة للغة العربية، وأن معنى الويل، والطلح، والفلق، معروفة في كلام العرب انظر (ص: 82-84)، وتخريج الآثار هناك. .
وزعموا أن الاستواء في القرآن بمعنى الاستيلاء، واعتمدوا على قول الشاعر انظر: ((الصحاح)) للجوهري (6/2385)، و((تلخيص البيان في مجازات القرآن)) (ص: 80). :


 قد استوى بشر على العراق




من غير سيف ولا دم مهراق ورد ذكره في ((الصحاح)) للجوهري (6/2385)، و((الجامع لأحكام القرآن)) (1/255)، و((لسان العرب)) (14/414)، و((الصواعق المرسلة)) (2/674)، وغيرها.

مع أن هذا البيت مصنوع لا يعرف قائله.
- تجريد الألفاظ العربية من المعاني التي تدل عليها:
ولما كانت البدعة معقد المعتزلة ومرساها، جعلوا المفردات العربية تابعة لأغراضهم لا متبوعة، فإذا جاء لفظ دال بعربيته على معنى من المعاني يصطدم مع مقاصدهم جردوه عن معناه ومدلوله، كتجريدهم أسماء الله عن معانيها، فإنهم جعلوها أعلاماً جامدة لا معنى لها ولا دلالات لغوية، مع أنها دالة بالوضع اللغوي على صفات ثابتة له؛ فقالوا: عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، وحي بلا حياة؛ لأن إثبات معانيها التي هي الصفات يقتضي عندهم تعدد القدماء، وهذا باطل فالله تعالى بصفاته قديم، وليس شيء منها محدثاً، والشبهة هذه بنوها على توهم التفريق بين الله وبين صفاته، واعتبارها مخلوقات غيره ((مقالات الإسلاميين)) (1/244)، و((الملل والنحل)) (1/38). .
- حمل الألفاظ العربية على ما يتلاءم مع عقائدهم إن تعدد مدلولها معنى ورسماً، من غير مراعاة للسياق:
ومثال ما تعدد مدلوله معنى: اليد، فإنها تأتي لليد الحقيقية، وبمعنى النعمة والعطية، ولكن السياق هو الذي يحدد المراد، لكن المعتزلة حملوها دائماً في صفات الله على المعنى الثاني.
قال الأخفش: "وقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: 64]، فذكروا أنها العطية والنعمة، وكذلك: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] كما تقول: إن لفلان عندي يداً، أي نعمة، وقال: أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: 45] أي أولي النعم، وقد تكون اليد في وجوه: تقول: بين يدي الدار؛ يعني قدامها، وليست للدار يدان" ((معاني القرآن)) (1/261) بتحقيق د. فائز فارس. .
ومن هذا الباب ما حكي عن بعض المعتزلة في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] أنه من الكلم؛ أي: الجرح، قالوا: ويكون المعنى: "وجرح الله موسى بأظافر المحن ومخالب الفتن" انظر: ((الكشاف)) (1/314) وردها، و((مفاتيح الغيب)) (11/87)، و((اللباب في علوم الكتاب)) (7/136). . والذي ألجأهم إلى حمل "كلم" بالتشديد على "كلم" المخففة الدالة على الجرح هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله، فوقعوا في التحريف.
ومثال ما تعدد مدلوله باختلاف الرسم والضبط: لفظ الصور، فإنه جاء في القرآن مقصوداً به الذي ينفخ في القيامة، لكن المعتزلة لما كانوا لا يقرون بالسمعيات حملوا الصور على الصور فقالوا: الصور جمع صورة، بمعنى نفخ الله في صور الأرواح انظر: ((الإغفال)) لأبي علي الفارسي (2/470-475)، و((المحيط في اللغة)) (8/180)، و((المحتسب)) (2/59). .
وعلى هذا الوجه جرى تفسيرهم لقوله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: 121] بأنه بشم من أكل الشجرة، من قول العرب: غوى الفصيل: إذا أكثر من اللبن حتى يبشم، بناء على مفهوم العصمة عندهم، حيث يرون عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر، وأنه لا يجوز عليهم الخطأ مطلقاً ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 402)، وانظر رد ابن قتيبة عليهم بعد ذلك في (ص: 403) من الكتاب نفسه. .
- التصرف في معاني النصوص بالوجوه الإعرابية، والقراءات الشاذة:
فمثال الأول: ما ورد في قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: 28]؛ فإن الجمهور على إسناد الفعل لـ "أنا" وهو ضمير العظمة العائد إليه سبحانه، و "قلبه" بالفتح مفعول به كما عليه القراءة المتواترة، على معنى: جعلناه غافلاً، فالإغفال فعل الله في العبد بمشيئته وإرادته انظر: ((الغريبين)) (4/1380)، و((شفاء العليل)) (ص: 139، 181، 208) ط دار التراث. .
وخالفتهم المعتزلة، فزعموا أن المعنى: وجدناه، أو صادفناه كذلك، أو نسبناه إلى الغفلة، أو سميناه غافلاً، لا أن الله فعل به ذلك، واستندوا إلى قراءة شاذة لعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى بن سيار الأسواريان في الآية، بفتح اللام في أَغْفَلْنَا، ورفع الباء في قَلْبَهُ على أنه فاعل، بمعنى من نسينا قلبه؛ فأصبح غافلاً عنا، قالوا: هو المتعين؛ لأن الله عادل ولا يفعل القبيح، فهو منزه عنه انظر: ((المحتسب)) (2/28)، و((اختصاص)) (3/253-255)، و((تلخيص البيان في مجازات القرآن)) (ص: 144-145)، و((الكشاف)) (2/388) ط دار المعرفة، و((شفاء العليل)) (ص: 139) ط دار التراث. .
قال الزمخشري وهو ينصر هذا التفسير بعد أن ذكره: "وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وقرئ: أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ بإسناد الفعل للقلب، على معنى: حسبنا قلبه غافلاً، من أغفلته: إذا وجدته غافلاً" ((الكشاف)) (2/388) ط دار المعرفة. .
ومثال الثاني: قراءة عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد وبعض المعتزلة لقوله تعالى: مِن شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: 2] بالتنوين والنفي انظر: ((إعراب القراءات الشواذ)) (2/160)، و((البحر المحيط)) (8/530)، و((مشكل إعراب القرآن)) (2/855). ، مخالفين قراءة الجماهير بالإضافة، واعتبار مَا موصلية.
قال ابن عطية: "وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء" ((المحرر الوجيز)) (15/385). .
وكذلك تأييد ابن جني لقراءة منسوبة لإبراهيم النخعي في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] بنصب "الله"، فقال: "يشهد لهذه القراءة قوله عز وجل حكاية عن موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143]، وغيره من الآي التي فيها كلامه لله تعالى" ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها)) (1/204). .
والحامل لهم على هذا الإعراب، ومخالفة القراءات المتواترة، هو ما تدل عليه آية "سورة الكهف" من خلق الله أفعال العباد، وآية "سورة الناس" من خلق الله للشر، وهم لا يقولون بذلك، وما تدل عليه آية "سورة النساء" من إثبات صفة الكلام لله سبحانه، فاضطروا إلى الإعراب الشاذ في الموضع الأول، وإلى القراءة الشاذة في الموضعين الثاني والثالث انظر: ((الدر المصون)) (7/475-476)، و((اللباب في علوم الكتاب)) (12/471)، و((الانتصاف من الكشاف)) (2/388). .
- التصرف في دلالات الصيغ الفعلية تخريجاً على أصولهم العقدية:
وذلك كتصرفهم في صيغتي "أفعال" و"فعل" المسندتين إلى المولى عز وجل، الدالتين على خلقه لأفعال العباد، حيث أحدثوا لها دلالات أخرى، وجعلوها تدل على معنى: سماه، أو وجده، أو صادفه، أو حكم عليه، أو شهد له بذلك؛ فراراً مما تدل عليه من خلق الله لأفعال العباد، وتصرفه فيها؛ مستندين إلى قاعدتهم في العدل أنه تعالى عادل لا يظلم أحداً، وهو منزه عن فعل القبيح، ولذلك قالوا في قوله – تعالى -: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية: 23]، وقوله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: 146]، وقوله: ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم [التوبة: 127]، وقوله: خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة: 7]، ونحوها من الآيات أن معناه: سماهم ضلالا، أو وجدهم كذلك، أو حكم عليهم بالضلال ((أمالي المرتضى)) (1/312)، و((الفرق بين الفرق)) (ص: 340-341)، و((الكشاف)) (1/26-27، 57-58)، و((مفاتيح الغيب)) (2/137-141). .
واحتجوا على ذلك بقول الكميت:


فطائفة قد أكفرتني بحبكم





 وطائفة قالوا مسيء ومذنب ((أمالي المرتضى)) (1/312)، و((الفرق بين الفرق)) (ص: 340-341)، و((الكشاف)) (1/26-27، 57-58)، و((مفاتيح الغيب)) (2/137-141).

أي: وجدوني بحبكم، أو حكموا عليَّ به انظر: ((مفاتيح الغيب)) (2/137-141)، و((اللباب في علوم الكتاب)) (10/225). .
قال ابن قتيبة: "وذهب أهل القدر في قول الله – تعالى -: يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [النحل: 93] إلى أنه على جهة التسمية، والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية، وقال فريق منهم: يضلهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبين لهم ويرشدهم، فخالفوا بين الحكمين، ونحن لا نعرف في اللغة: أفعلت الرجل: نسبته، وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى: فعلت، تقول: شجعت الرجل، وجبنته، وسرقته، وخطأته، وكفرته، وفسقته، وفجرته، ولحنته... ولا يقال في شيء من هذا كله: أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك" ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 123-124)، وانظر: المزيد في ((التفسير اللغوي للقرآن الكريم)) (ص: 550-555). .
وقال أبو بكر ابن الأنباري: "هذا التأويل فاسد؛ لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل؛ لأنه لا يلزم من قولنا: "أكفر" في الحكم صحة قولنا: "أضل"، وليس كل موضع صح فيه "فعل" صح "أفعال"؛ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: كسره، ولا يجوز أن يقال: أكسره، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع" ((مفاتيح الغيب)) (16/212-213)، و((اللباب في علوم الكتاب)) (10/225) نقلاً عن ابن الأنباري، ولم أقف على هذه العبارة في كتبه الموجودة. .
وقال ابن قيم الجوزية: "وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم، ووجدهم، ففي أي لسان وأي لغة وجدتم "هديت الرجل" إذا وجدته مهتدياً، أو ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة: وجده كذلك؟ وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن واللغة؟ فإن قالوا: نحن لم نقل هذا في نحو ذلك، وإنما قلناه في نحو أضله الله، أي وجده ضالاً، كما يقال: أحمدت الرجل، وأبخلته، وأجبته، إذا وجدته كذلك، أو نسبته إليه، فيقال لفرقة التحريف: هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة، وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به، ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته، وقعد وأقعدته، وذهب وأذهبته، وسمع وأسمعته، ونام وأنمته، وكذا ضل وأضله الله، وأسعده وأشقاه، وأعطاه وأخزاه، وأماته وأحياه، وأزاغ قلبه، وأقامه إلى طاعته، وأيقظه من غلفته، وأراه آياته، وأنزله منزلاً مباركاً، وأسكنه جنته، إلى أضعاف ذلك، هل تجد فيها لفظاً واحداً معناه أنه وحده كذلك؟ تعالى الله عما يقول المحرفون. ثم انظر في كتاب: (فعل وأفعال) هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلاً عن أهل اللغة؟ ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت أضله الله، وهداه، وختم على سمعه وقلبه، وأزاغ قلبه، وصرفه عن طاعته، ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك؟! ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: 7]، ولم يقل: وأضلك، وقال في حق من خالف الرسول، وكفر بما جاء به: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية: 23]، ولم يقل: ووجده الله ضالاً" ((شفاء العليل)) (ص: 177) ط دار التراث، وانظر أيضاً منها (ص: 139). .
والقاعدة الغالبة في العربية: أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، والاختلاف في الحركات يؤدي إلى الاختلاف في المعنى انظر: ((الفروق اللغوية)) (ص: 15)، و((المثل السائر)) لابن الأثير (2/41)، و((مجموع الفتاوى)) (26/263). ، فحمل "أفعل" على "فعل" مخالف للعربية.
وحملوا معاني "هدى" و"ختم"، و"طبع"، و"غشى" وأمثالها على الحكم بذلك، أو الوسم به، أو أنه تجوز وتمثيل، لا إحداث معانيها في العباد انظر: ((الحجة)) للقراء السبعة (3/302-304)، و((تلخيص البيان في مجازات القرآن)) (ص: 11-12) و((الكشاف)) (1/26-27) ط دار المعرفة. .
وذهب الأخفش وأبو علي الفارسي إلى أن صيغة "فاعل" قد تكون من جهة واحدة، كما في قوله: يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142]، وأمثالها حرصاً منهما على نفي ما تدل عليه الآية من المفاعلة التي تقتضي وقوع المخادعة من الله على سبيل المقابلة انظر: ((معاني القرآن)) (1/38-39)، و((الحجة للقراء السبعة)) (1/312-317). .
- التصرف في دلالات الحروف والأدوات وتوجيهها حسب المذهب:
وهذا باب واسع جداً، ومنتشر لدى المعتزلة، وقد ألف الرماني كتاباً سماه كتاب (معاني الحروف) حققه الدكتور عبدالفتاح شلبي، ونشرته دار الشروق عام 1404هـ طبعة ثالثة. ذكر فيه الحروف والأدوات والمعاني التي تأتي لكل حرف وأداة من أجل هذا الهدف، وطبقه في تفسيره (الجامع لعلوم القرآن) يوجد قطعة منه في تفسير سورة آل عمران ضمن مصورات معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت عنوان "تفسير غير مفهرس- م 361 - (رقم 92)، مكتبة طشقند 3137، وقطعة أخرى بمكتبة المسجد الأقصى برقم "12"، وعنه مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة (برقم "16). ، واقتفاه الزمخشري فأخذ من ذلك قسطاً كبيراً في (الكشاف) انظر: ((الأدوات النحوية في كتب التفسير)) (ص: 733-738). .
ومثال هذا التصرف في الحروف الاختلاف في لام لِيَكُونَ من قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: 8]، فقد حملها الأخفش وقطرب وغيرهما من المعتزلة على لام العاقبة والصيرورة، وذهب الفراء أنها لام كي لكنها وقعت مكان لام التمليك انظر: ((الغريبين غريبـي القرآن والحديث)) (4/1138-1139). .
وسبب صنيع الأخفش وقطرب هو ما يتضمنه القول بلام التعليل في الآية من إثبات القدر، وسبق علم الله بالتقاط آل فرعون لموسى من البحر؛ ليكون لهم عدواً وحزناً.
قال نفطويه وهو يرد عليهما: "أما الأخفش وقطرب فإنهما رققا عن صبوح، وإنما أرادا أن ينصروا قول من يزعم أن الله لم يخلق المعاصي ولا أرادها، وأما الفراء فإنه ذكر الإعراب ونزل المعنى، واللام على الحقيقة لام "كي" لأن المعنى: أن الله تعالى علم أنه إذا أتاهم الأموال ضلوا، وعلم أن آل فرعون إذا التقطوا موسى كان لهم عدواً وحزناً، فأمكنهم الله من لقطه؛ ليمضي فيهم ما تقدم من علمه، فالمعنى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا في علم الله تعالى لا في علمهم؛ لأن الله علم ما يكون من أمره، وكذلك قول الشاعر:


.......................................





 فللموت ما تلد الوالدة

يعني في علم الله" ((الغريبين غريبـي القرآن والحديث)) (4/1138-1139). .
وأيد ابن كثير هذا فقال: "قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدواً وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص: 8]" ((تفسير القرآن العظيم)) (6/222). .
وقال الرماني "ت 384هـ" في مثال آخر: "ويقال: ما معنى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا [آل عمران: 178]؟ الجواب: إنما نملي لهم على أن عاقبة أمرهم ازدياد الإثم، وهذه لام العاقبة، والدليل عليها: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: 8]، وقال الشاعر نسبهما في ((خزانة الأدب)) (9/534) إلى سماك بن عمرو الباهلي. :


فأم سماكٍ فلا تجزعي





فللموت ما تلد الوالده


فاقسم لو قتلوا مالكا




لكنت لهم حية راصدة


وقال آخر البيت السابق البربري كما في كتاب ((اللامات)) للزجاجي (ص: 120)، وورد في ((لسان العرب)) (12/562) بلا نسبة. :


أموالنا لذوي الميراث نجمعها




ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال آخر ذكر البيت ابن الجوزي في ((زاد المسير)) (4/48)، والقرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)) (13/252). :


وللمنايا تربي كل مرضعة




وللخراب يجد الناس بنيانا

وقال البيت لعلي بن أبي طالب كما في خزانة الأدب 9/530، وصدره: "له ملك ينادي كل يوم"، ولأبي العتاهية أيضاً في ((ديوانه )) (ص: )46. :


.....................................




لدوا للموت وأبنوا للخراب

ويقال: لم لا يجوز أن تحمل لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا على الأظهر من معنى اللام، وهو الإرادة لازدياد الآثام؟ الجواب: لأنه لو أراده منهم لكانوا مطيعين له بفعله، ولأن إرادة القبيح عبث، وقد نفى الله ذلك بقوله عز وجل: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: 115]، ولأنه يرد إلى المحكم في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ [النساء: 64]".
فانظر كيف حشر الرماني كل هذه الشواهد الشعرية لإثبات أن اللام في الآية لام العاقبة، مع تنصيصه صراحة على مخالفة الظاهر من معنى اللام الدالة على التعليل، وسبب مخالفته هو فهمه الاعتزالي الخطأ في الإرادة الإلهية، فجعل كل ما يريده الله محبوباً له، وبنى عليه في الآية أن يكون مريداً لزيادة الإثم لهم، وهذا قبيح عنده، فاضطر إلى تحريف معنى اللام بجعلها لام العاقبة، وليس ذلك بصواب، بل الله يفعل ما يريد، وفعله محمود دائماً، وهو كمال لا يستلزم قبحاً ولا نقصاً كما تتوهمه المعتزلة، والإرادة هنا كونية، ولا يلزم فيها أن تكون من محبوبات الله؛ حيث يقع فيها الخير والشر، بعكس الإرادة الشرعية التي لا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال ((شفاء العليل)) (ص: 549-551)، ط دار التراث، و((التفسير اللغوي للقرآن الكريم)) (ص: 217-218). .
ومثاله من الأدوات: ما قاله الزمخشري في "لعل" عند قوله تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21]، فإنه لما ذكر أنها تأتي للترجي، وللإشفاق، وللإطماع، قال: "فإن قلت: فـ"لعل" التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليس مما ذكرناه في شيء؛ لأن قوله: خلقكم لعلكم تتقون، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم؛ لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة، وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً، ولكن "لعل" واقعة في هذه الآية موقع المجاز لا الحقيقة؛ لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حالة المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله عز وجل: ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2]، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار" ((الكشاف)) (1/45) ط دار المعرفة. .
والسر في جعله "لعل" مجازاً هو ما تقتضيه في صيغتها الرجائية من أن الله خلقهم لرجاء تقواهم، وذلك مخالف – كما ذكره – لما ذهبت إليه القدرية من أن الله خلق العباد محيرين في أفعالهم، فحملها على المجاز، وزعمه هذا ليس بصحيح، والصواب أنها واقعة موقع الحقيقة، وهي في كلام الله للتعليل المحض، ولا تصح للترجي لعدم صحة ذلك على الله، والمعنى أن خلقهم لأن يتقوه ويعبدون انظر: ((شفاء العليل)) (ص: 393) ط دار التراث، و((المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف)) (1/199). ، كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
- التصرف في سياقات اللغة العربية بالتأويل، وادعاء أن هناك محذوفاً يجب تقديره:
وهذا باب لا حدود له لدى المعتزلة، وأمثلته فوق الحصر، كتأويلهم صفة التجلي بتجلي أمر الله أو قدرته، وإتيانه في ظلل من الغمام بمجيء أمره، ونزول الله إلى السماء الدنيا بنزول أمره ورحمته، ومجيئه إلى الموقف للقضاء بمجيء أمره أو ملائكته، وهو من أكثر الوسائل التي استعملتها المعتزلة في نفي الصفات.
قال قطرب في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف: 143]: "تجلى بأمره أو قدرته، قال: وهي كقوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف: 82] يعني أمره؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يزول، كما تقول: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، وإنما تعني حكمهم" ((معاني القرآن)) (1/170). .
ولهذا جعل القاضي عبدالجبار التأويل من أصولهم فقال: "وهكذا طريقتنا في سائر المتشابه: أنه لابد من أن يكون له تأويل صحيح يخرج على مذهب العرب، من غير تكلف وتعسف" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (16/380)، وما ذهب إليه هو عين التكلف والتعسف. .
رد معاني المدلولات اللغوية الشرعية بالأساليب البلاغية المستحدثة:
وهذا أيضاً باب مشهور لدى المعتزلة، تمكنوا خلاله من التحكم في معاني النصوص الشرعية، وتوجيهها حسب الطلب الاعتقادي لديهم، بداعي المجاز والتشبيه، والكناية، والاستعارة، والمبالغة، والتجانس، ونحو ذلك.
ويعتبر الأخفش والجاحظ أول من افتتح هذا الباب، فأولا آيات الصفات بداعي المجاز، وتصرفا في ذلك تصرفاً عجيباً فراراً من إثبات أي صفة للمولى عز وجل انظر ((معاني القرآن)) للأخفش (1/47-48، 54-56)، و((رسائل الجاحظ)) (3/344-346). .
ثم تتابع عليه بعده لغويو المعتزلة كالرماني وغيره واشتهر فيما بينهم، حتى عقد ابن جني في الخصائص بابا سماه "باب ما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية"، فذكر فيه جملة من الآيات القرآنية الدالة على بعض الصفات الإلهية، وأولها بالمجاز بعد أن تهكم على أهل السنة والجماعة، ووصمهم بالتشبيه، وقلة الفهم للغة العربية، ثم قال: "وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة...، فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها، وانتشار أنحائها، جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ويعتادونه منها، وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم، وعادتهم في استعمالهم..." انظر: ((الخصائص)) (3/245-255). .
وقد قسم الرماني "ت 348هـ" البلاغة إلى عشرة أقسام في كتابه (النكت في إعجاز القرآن)، ومثل لذلك بالآيات القرآنية، وجعل من تلك الأقسام التجانس، وجعل فيه الصفات الواردة لله على وجه المقابلة مثل الاستهزاء والمخادعة، فذكر أنها استعيرت في حق المولى للدلالة على الجزاء، ومزاوجة الكلام، وليست على الحقيقة ((النكت في إعجاز القرآن)) (ص 99). ، ثم جعل من الأقسام المبالغة، فقسمها إلى ثلاثة أضرب: ثم قال: ".. الضرب الثاني: المبالغة بالصيغة العامة في موضع الخاصة، كقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الأنعام: 101]، وكقول القائل: أتاني الناس، ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة فاستكثرهم، وبالغ في العبارة عنهم" ((النكت في إعجاز القرآن)) (ص 104). . ثم قال: "الضرب الثالث: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، كقول القائل: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له، ومنه قوله عز وجل: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئاً له على المبالغة في الكلام، ومنه: فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ [النحل: 26] أي أتاهم بعظيم بأسه فجعل ذلك إتياناً له على المبالغة، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: 143]" ((النكت في إعجاز القرآن)) (ص 104-105). .
وهكذا استخدم الرماني الأساليب البلاغية لخدمة معتقداته، فنفى الصفات الإلهية بها، ودفع خلق الله لأفعال العباد بها.
وللشريف الرضي كتابان في البلاغة هما (تلخيص البيان في مجازات القرآن)، و(المجازات النبوية)، استخدمها لنفي الصفات الإلهية في القرآن والأحاديث، وسيأتي الكلام عليهما.
أما الزمخشري "ت 538هـ" فحدث عنه ولا حرج، فـ (الكشاف) يعتبر عند جمهور البلاغيين مرجعاً هاماً من مراجع البلاغة القرآنية، وقد استطاع بدهاء أن يجعل تحليلاته البلاغية للآيات في خدمة عقيدته الاعتزالية، وممن رد عليه في كثير من توجيهاته البلاغية بهاء الدين أحمد بن علي السبكي "ت 773هـ" في كتابه (عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح) ((المدرسة إلى دراسة بلاغة أهل السنة)) (ص: 49-51، 102-108)، و ((عروس الأفراح)) طبع ضمن شروح ((تلخيص المفتاح)) للخطيب القزويني، والمفتاح هو ((مفتاح العلوم)) للسكاكي. ، وانتصر فيه لمذهبه الأشعري، كما أن لابن المنير ردوداً لغوية وبلاغية على الزمخشري في (الانتصاف من الكشاف).
قال ابن تيمية: "ثم يجتهدون في تأويل هذا الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات على طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات، والاستعارات" ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/12). .
- عدم الأخذ بتفسير السلف للغة العربية ورده:
وعلى هذا الوجه ينبني ردهم تفسير السلف للاستواء بأنه العلو والارتفاع، والعرش بأنه سرير الملك، والكرسي أنه موضع القدمين، مع صحة الروايات في ذلك، وهكذا في سائر الألفاظ العربية الواردة في الكتاب والسنة.
قال الجاحظ: "كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا عن كل مسألة؛ فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبي، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم، في سبيل واحدة، فكيف أثق بتفسيرهم، وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن: 18]: إن الله عز وجل لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلي فيها، بل إنما عنى الجباه، وكل ما سجد الناس عليه، من يد، ورجل، وجبهة، وأنف وثفنة ورد ذلك عن سعيد بن جبير، والربيع، وابن الأنباري، كما في ((النكت والعيون)) (6/119)، و((زاد المسير)) (8/328)، والمراد به أعضاء السجود، قال ابن الجوزي: "فيكون المعنى لا تسجدوا عليها لغيره"، والثفنة: ما يقع على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما. ((الصحاح)) (5/2088). ، وقالوا في قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17]: إنه ليس يعني الجمال والنوق، وإنما يعني السحاب روي "الإبل" بتشديد اللام بمعنى السحاب عن أبي عمرو بن العلاء والمبرد. انظر: ((النكت والعيون)) (6/262)، و((زاد المسير)) (9/99)، و((روح المعاني)) (30/116). ، وإذا سئلوا عن قوله: وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ [الواقعة: 29]؟ قالوا: الطلح: هو الموز قال به علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم بأسانيد كثيرة. انظر: ((جامع البيان)) (27/181)، و((النكت والعيون)) (5/453-454)، و((زاد المسير)) (8/140). .... وقالوا في قوله تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1]: الويل: واد في جهنم قال بذلك محمد بن السائب الكلبي والسدي. انظر: ((الكشف والبيان)) (10/339)، و((معالم التنزيل)) (8/595)، و((زاد المسير)) (9/273). ، ثم قعدوا يصفونه، وقال آخرون: الفلق: المفطرة بلغة اليمن ورد غير منسوب في ((الجمهرة)) (3/154)، و((تهذيب اللغة)) (9/157)، و((الصحاح)) (2/796)، والمحكم (6/258)، والمفطرة: كما في ((الصحاح)) (2/796): خشبة فيها خروق تدخل فيها أرجل المحبوسين. ... وقالوا في قوله تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا [فصلت: 21] الجلود: كناية عن الفروج ورد عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وعبيدالله بن أبي جعفر، والسدي، والفراء. انظر: ((النكت والعيون)) (5/176)، و((زاد المسير)) (7/250)، و((المحرر الوجيز)) (14/175)، و((الجامع لأحكام القرآن)) (8/350). ، كأنه كان لا يرى أن كلام الجلد من أعجب العجب! وقالوا في قوله تعالى: كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ [المائدة: 75]: إن هذا إنما كان كناية عن الغائط ورد عن ابن قتيبة كما في ((تفسير غريب القرآن)) (ص: 145)، و((زاد المسير)) (2/404)، وحكاه الماوردي في ((النكت والعيون)) (2/56) من غير نسبة، قال ابن قتيبة: "وإنما نبه بأكل الطعام على عاقبته، وعلى ما يصير إليه وهو الحدث؛ لأن من أكل الطعام فلابد له من أن يحدث". ((تفسير غريب القرآن)) (ص 145)". ، كأنه لا يرى أن في الجوع وما ينال أهله من الذلة والعجز والفاقة، وأنه ليس في الحاجة إلى الغذاء، ما يكتفي به في الدلالة على أنهما مخلوقان، حتى يدعي على الكلام، ويدعي له شيئا قد أغناه الله تعالى عنه، وقالوا في قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4]، إنه إنما عنى قلبه قال به ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغيرهما. انظر: ((النكت والعيون)) (6/ 134)، و((زاد المسير)) (8/401)، و((الجامع لأحكام القرآن)) (10/63). " ((كتاب الحيوان)) (1/343- 345). .
ويظهر من هذا أن النظام وتلميذه الجاحظ خلطا بين التفاسير الصحيحة والسقيمة، فلم يبقيا شيئاً، وغرضهما هو طرح الكل؛ ما دام لا يرقى إلى عقل المعتزلة وذوقهم الذي جعلوه مقياساً للمقبول والمردود من التفاسير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم" ((مجموع الفتاوى)) (7/119). .مناهج اللغويين في تقرير العقيدة إلى نهاية القرن الرابع الهجري لمحمد الشيخ عليو - ص 64


انظر أيضا: