موسوعة الفرق

المطلب الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة


بنى المبتدعة مذهبهم في صفات الله تعالى على مقدمات وأقيسة عقلية جعلوها أصولا لدينهم.
وعند تأمل هذه الأصول: نجد أنها خالية عن البرهان، معطلة عن الدليل، قائمة على آراء وأهواء وفهوم أصحابها المستمدة من عقولهم القاصرة، دون اعتماد على كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين..
وقد ادعى هؤلاء أن هذه الأصول عارضت مدلول السمع؛ فأوجبوا تقديمها عليه..
ومن تلك الأصول: ما أطلق عليه اسم (دليل الأعراض وحدوث الأجسام):
فإن أصحاب هذا الدليل أرادوا أن يثبتوا وجود الله تبارك وتعالى وخلقه للمخلوقات؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (إثبات الصانع)، فادعوا أن ذلك لا يحصل إلا بالنظر ((المواقف للإيجي)) (39). ..  
والنظر المقصود: هو النظر العقلي في الأعراض، وملازمتها للأجسام دون اعتماد على الوحي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء، وعن طريقتهم  في إثبات وجود الله تبارك وتعالى: "جعلوا ذلك نظرا مخصوصا؛ وهو النظر في الأعراض، وأنها لازمة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها" ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (16/329).
وقد أوجبوا هذا النظر، أو القصد إلى النظر، والاستدلال العقلي على كل أحد، ليتمكن من إثبات الصانع، بل جعلوه أول واجب على المكلف ((التوحيد للماتريدي)) (135)، ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (55)، ((المغني في أصول العدل والتوحيد لعبد الجبار)) (4/41)، ((شرح الأصول الخمسة)) (60)، ((المختصر في أصول الدين)) (170)، ((الشامل في أصول الدين للجويني)) (97)، ((الإرشاد)) (3)، ((شرح المقاصد للتفتازاني)) (1/44)، ((المواقف في علم الكلام للإيجي)) (28)، ((إشارات المرام في علم الكلام للبياضي)) (84)، ((جوهرة التوحيد للقاني – ضمن مجموع مهمات المتون)) (11)، ((شرح الجوهرة للبيجوري)) (38)، ((شرح الجوهرة للصاوي)) (61).
يقول عبد الرحمن النيسابوري ((وفيات الأعيان لابن خلكان)) (3/133)، ((طبقات الشافعية للسبكي)) (3/223)، ((الوافي بالوفيات للصفدي)) (16/61)، ((العبر للذهبي)) (3/290)، ((سير أعلام النبلاء)) (18/585). : "أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث العالم، وإثبات العلم بالصانع. والدليل عليه: إجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى: وعلمنا عقلا أنه لا يعلم حدوث العالم، ولا الصانع إلا بالنظر، والتأمل. وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، فهو واجب" ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (55).
ثم استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (56).
ولما كان الاستدلال العقلي – الذي أوجبوه -، والنظر المخصوص – الذي ألزموا به – من الأمور التي لا يتأتى لكل أحد معرفتها بديهة، ألزموا كل مسلم بتعلم علم المنطق، حتى يستطيع إقامة البراهين على وجود الله. فمن لم يتسن له تحصيل المنطق يكون عاجزا عن إثبات وجود ربه، وتصحيح عقيدته..
لذلك قالوا: إن علم المنطق هو معيار العلم، وقانون الإسلام ((معيار العلم في فن المنطق للغزالي)) (26)، ((الصحائف الإلهية للسمرقندي)) (60).
فلابد – عندهم – من سلوك هذا الطريق المعتاص في إثبات الصانع ومعرفته – جل وعلا -؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (دليل حدوث العالم بحدوث الأجسام)، و (دليل الأعراض)، و (دليل حدوث الأجسام)، و (دليل حدوث الجواهر والأعراض)، وكلها أسماء لدليل واحد وطريقة واحدة.
وقد ابتدعت الجهمية، والمعتزلة هذا الدليل.
ثم تبعهم على ذلك:الكلابية، والأشعرية، والماتريدية، والمشبهة تأثرا بهم ((رسالة إلى أهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (185، 189، 191)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/242)، ((الاستقامة)) (1/102)، ((الصفدية)) (2/41)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/309)، ((الفتاوى المصرية)) (6/644)، ((شرح حديث النزول)) (160). ..
وجعلوه كلهم – باستثناء شيخي الكلابية والأشعرية؛ ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري - : أصل دين المسلمين، وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان، وأس اليقين، فلا يحصل إيمان ولا دين ولا علم، ولا يمكن معرفة الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا بسلوك هذه الطريق؛ طريق الاستدلال بحدوث العالم على حدوث الأجسام والأعراض.
بل ويعتقدون أن من خالفها فقد خالف دين الإسلام، وصار من الملحدين ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/303، 7/143، 382، 8/93، 228)،  ((منهاج السنة النبوية)) (1/315)، ((شرح حديث النزول)) (161)،. ((نقد أساس التقديس)) - مخطوط - القرآن (62/ب) ، ((الفرقان بين الحق والباطل)) (47)، ((الفتاوى المصرية)) (6/556)، ((علم الحديث)) (294).
فقد جعله الماتريدي الأصل الوحيد لمعرفة الله، فلا يعرف الله إلا من طريق دلالة العالم عليه..
يقول في بيان: "والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه، بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه، أو شهادة السمع،.."الخ ((التوحيد للماتريدي)) (129، 231، 233).
فلا تمكن معرفة الله – حتى ولا عن طريق الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية – بل لا بد من سلوك دليل الأعراض وحدوث الأجسام أولا –  على حد زعمه – ليوصل سالكه إلى معرفة ربه.
وكذا عبد الجبار المعتزلي : جعله أول الأصول التي يجب على المكلف معرفتها ليستقيم توحيده، فقال: "مسألة: فإن قال: فبينوا لي جمل ما يلزمه في (التوحيد) أن يعرفه، قيل له: يدور ذلك على أصول خمسة: أولها: إثبات حدوث العالم.." ((المختصر في أصول الدين لعبد الجبار)) (172).
والغزالي أيضا حصر معرفة الله تعالى بهذا الدليل، وقصرها عليه، فلا اعتقاد في الصانع لمن لا يعتقد دليل حدوث الأجسام..
يقول في معرض رده على قول الفلاسفة بقدم العالم – تحت قوله مسألة :  في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة - : "فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا" ((تهافت الفلاسفة للغزالي)) (197).
ونقل أحد علماء الأشعرية المتأخرين قول علماء طائفته في الدليل: " قال العلماء: اعلم أن حدوث العالم أصل عظيم لسائر العقائد، وأساس كبير لما يأتي من الفوائد.." ((جامع زبد العقائد التوحيدية في معرفة الذات الموصوفة العالية)) لولد عدلان (11).
لذلك نجد هؤلاء يبدؤون مؤلفاتهم - في العقيدة – بالنظر والعقليات وعلم الكلام، وتقرير أصولهم العقلية، وقواعدهم المنطقية -  على حد زعمهم - ؛ كدليل حدوث الأجسام، وغيره. ويهملون توحيد القصد والطلب، مع شدة الحاجة إليه.
وقد زعموا كلهم:
1- أن إثبات الصانع لا يعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته.
2- ويعد النظر تبين لهم أن العلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم؛ إذ الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وإذا ثبت أن العالم حادث، فلابد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود.
3- وقالوا: إن إثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام..
4- وحدوث الأجسام يعلم: بلزومها للأعراض؛  التي هي الصفات.
أو لبعضها؛ كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وهي التي تعرف بالأكوان..
وتقرير هذا – عندهم – يحتاج إلى أربع مقدمات:
أ- إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا.
أو إثبات بعضها؛ كالأكوان؛ التي هي: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق.
ب- إثبات حدوث الأعراض ثانيا.
وذلك: بإبطال ظهورها بعد الكمون.. وإبطال انتقالها من محل إلى محل.
ج- إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا.
إما عن كل جنس من أجناس الأعراض؛ بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده..
وإما عن الأكوان؛ بمعنى أنها لا تنفك عن الأعراض أو بعضها.
د - إثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا.
وإثبات حدوث الأجسام بامتناع حوادث لا أول لها مبني على مقدمتين أساسيتين:
1- المقدمة الأولى: امتناع خلو الجسم من الأعراض التي هي الصفات..
حيث زعموا أن الأجسام لا تخلو عن أعراض حادثة وصفات وأفعال تعتق عليها.
2- المقدمة الثانية: ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض – أو ما لا ينفك عن الصفات، أو ما لا يسبقها – فهو حادث؛ لأن الصفات – التي هي الأعراض – لا تكون إلا محدثة – بزعمهم.
وقد زعموا أن الأجسام لا تخلوا عن كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها ((الفرقان بين الحق والباطل)) (99)، ((الفتاوى المصرية)) (1/134، 6/519)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (3/302، 12/149)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/303)، ((علم الحديث)) (294)، ((النبوات)) (127)، ((شرح حديث النزول)) (161)، ((نقض أساس التقديس )) مطبوع (1/141، 257)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/38 )، (7/71، 242)، (8/17)، (9/132)، (10/260).
إذا: لقد استدل هؤلاء على إثبات الصانع بحدوث الأجسام:
التي يلزم من حدوثها حدوث العالم؛ لأنه أجسام وأعراض..
فيلزم من حدوث العالم إثبات الصانع؛ لأن المحدث لا بد له من محدث ((الفرقان بين الحق والباطل)) (96، 98، 102)، ((الصفدية)) (1/274) ((منهاج السنة النبوية)) (1/309)، ((الرسالة التدمرية)) (148). .
وقد بنوا ذلك على مقدمتين أساسيتين كما تقدم..
وقد اتفق المبتدعة -  في باب الصفات – كلهم على دليل الأعراض وحدوث الأجسام من حيث الجملة، ولكن اختلفت فهو مهم في هاتين المقدمتين.
فتنوعت طرقهم في الأولى منهما:
إذ اختلفوا فيما بينهم على الأصل الذي يستدل به على حدوث الأجسام:
هل يستدل على ذلك بملازمتها للأعراض جميعها، أو لبعضها كالأكوان الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، أو لبعض الأكوان: كالحركة مثلا؟.
وقد تبنت كل فرقة من فرق المبتدعة أصلا من هذه الأصول رأت أنه دليل واضح - في نظرها -  على حدوث الأجسام.
ثم بنت على هذا الأصل تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته أو بعضها، أو تشبيه صفاته – جل وعلا – بصفات خلقه..
وهذا سيتضح لاحقا – إن شاء الله.
وتنوعت عباراتهم في الثانية:
- فتارة يقولون: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (6/313، 330)، رسالة في الصفات الاختيارية - ضمن- ((جامع الرسائل)) (2/31)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (70)، ((شرح حديث النزول)) (73)، ((كتاب الصفدية)) (2/163)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (8/173)، ((النبوات)) (60)، ((الفتاوى المصرية)) (6/552)، ((قاعدة نافعة في صفة الكلام)) (33)، ((مجموعة الرسائل المنيرية)) (2/69).
- وتارة يقولون: كل ما لم يسبق الحوادث فهو حادث ((النبوات)) (60)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/121، 8/18، 334، 342، 344، 9/72)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/44)، ((قاعدة نافعة في صفة الكلام)) (34)، ((مجموعة الرسائل المنيرية)) (2/70، 74).
- وتارة يقولون: ما قامت به الحوادث فهو حادث ((الفتاوى المصرية لابن تيمية)) (6/645).
- وتارة: ما حلت به الحوادث فهو حادث ((نقض أساس التقديس)) لابن تيمية - مخطوط - (ق47/ب).
- وتارة: ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.
إلى غير ذلك من العبارات المتنوعة الألفاظ، المتقاربة المعنى.
وقد نفى المعطلة أن يكون الله تعالى جسما تقوم به الأعراض والحوادث، ونفوا بالتالي أن يكون محلا للحوادث؛ لأن من كان محلا للحوادث، فلا بد أن يكون حادثا؛ إذ الحوادث - على حد قولهم – لا تحل إلا بحادث مثلها؛ لوجوب أن يكون لها أول - في نظرهم – وهو المراد من أصلهم: (امتناع حوادث لا أول لها).
فسمَّت الجهمية والمعتزلة الصفات أعراضا.
وقالوا: لو قلنا: إن الصفات تقوم به، للزم أن يكون جسما، والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، ولا تخلو عنها، وما لا يسبق الحوادث، ولا يخلو عنها، فهو حادث.
وأطلقت الكلابية والأشعرية والماتريدية على أفعال الله تعالى اسم: حوادث.
وقالوا: لو قلنا: إن الله تقوم به الصفات والكلام، للزم قيام الحوادث به؛ لأن هذه الصفات حادثة؛ حدثت بعد أن لم تكن، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فعطلت هذه الفرق المبتدعة الله جل وعلا عن كل صفاته، أو بعضها، مستندة إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام.
ولكل فرقة من هذه الفرق توجيه خاص بها لهذا الدليل يوضح مذهبهم في الصفات، مع اتفاقهم على فحواه من حيث الجملة.
وقد أطلق شيخ الإسلام رحمه الله على (دليل الأعراض وحدوث الأجسام) الذي هو أشهر دليل عند المبتدعة: أصل أصول المبتدعة في نفي الصفات ((الفتاوى المصرية)) لابن تيمية (6/645). الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 1/317

انظر أيضا: