trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: تاريخ ومكان نشأة المعتزلة وممن استقوا آراءهم


لقد اختلف الباحثون في وقت ظهور المعتزلة كاختلافهم في أصل تسميتهما، وأهم الأقوال في ذلك قولان:
الأول: قول من يرى أنها ابتدأت في قوم من أصحاب علي – رضي الله عنه – اعتزلوا السياسة، وانصرفوا إلى العقائد، عندما نزل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية ((المذاهب الإسلامية)) (207). .
يقول الملطي: ". . . وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي معاوية وسلم الأمر إليه اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس – وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي – ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة" ((التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع)) (41). .
القول الثاني: قول الأكثرية من الباحثين. يرى هؤلاء أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء المولود سنة (80هـ)، والمتوفى سنة (131هـ)، وقد كان ممن يحضر مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة ((الخطط)) (2/354). ، فثارت تلك المسألة التي شغلت الأذهان في ذلك العصر، وهي مسألة مرتكبي الكبيرة، وذلك أنه دخل رجل على الحسن البصري في حلقته في مسجد البصرة، وبين له مذهب الخوارج في الكبيرة، ومذهب المرجئة، وطلب منه بيان الحكم في ذلك، ففكر الحسن، وقبل إجابته قال واصل بن عطاء: أنا أقول أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق، ولا كافر بإطلاق، بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، فطرده الحسن واعتزل في ناحية من المسجد يقرر ما أجاب به على أصحابه ((الملل والنحل)) (1/52). .
والمعتزلة – في كتبهم – يرون أن مذهبهم أقدم في نشأته من واصل، فيعدون من رجال مذهبهم كثيرا من أهل البيت، ولذلك فإنهم يقولون: إن الاعتزال إنما يعود إلى علي بن أبي طالب، وإن ابنه محمد بن الحنفية أخذ عنه هذا المذهب، ثم أورثه محمد لابنه أبي هاشم أستاذ واصل، فهذا ابن المرتضى ((الأعلام)) (1/255). ينسب علي بن أبي طالب إلى الاعتزال ((المنية والأمل)) (4)، ((نشأة الأشعرية)) (121) بتصرف. .
وما يقوله المعتزلة هنا مردود؛ لأمور منها:
1- أن الروايات التي تنسب الاعتزال إلى علي بن أبي طالب لم ترد في كتب المعتزلة؛ إضافة إلى ذلك أن أسانيدها ليست صحيحة؛ مما يدل على أنها من وضعهم ((نشأة الأشعرية)) (121). .
2- ما أثر عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه كان ينهى ((نشأة الأشعرية)) (121). عن الخوض في القدر، فكيف ينهى عن شيء ينتحله؟!
3- أن ما زعمه المعتزلة – هنا – إنما هو مجرد محاولة لإثبات بعض الأصالة لمذهبهم، وأنه لم يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة إذا نسب إلى علي أو أحد بنيه ((المقالات)) (1/224)، ((الانتصار)) (180)، ((البداية لابن كثير)) (10/27)، ((الملل والنحل)) (1/113)، ((الأعلام)) (2/138). .
 والرأي الأقرب للصواب – والله أعلم – قول الأكثرية، وهو أن رأس الاعتزال هو واصل بن عطاء، وأنه نشأ في سنة ما بين (105 إلى 110) للهجرة في البصرة نتيجة للمناظرة في أمر صاحب الكبيرة ثم خروج واصل برأيه المخالف لشيخه الحسن البصري؛ وبعد ذلك أضاف إلى رأيه في مرتكب الكبيرة آراء أخرى أصبحت فيما بعد من أصول المعتزلة، ومن ثم أخذ كل عالم من علمائهم يأتي برأي حتى تكونت هذه الفرقة.
وقد استقوا آراءهم من المقالات والآراء السائدة في عصرهم آنذاك؛ وخصوصا البصرة. ففكرة الاختيار ومسئولية الإنسان عن أفعاله أخذها المعتزلة عن القدرية، وعن الجهمية أصحاب الجهم بن صفوان ((الحركات السرية في الإسلام)) (90) بتصرف. تلقف المعتزلة القول بنفي الصفات وخلق القرآن، وعدم رؤية الله بالأبصار في الآخرة، وهذا الالتقاء يفسر خلط بعض الدارسين بين الجهمية والمعتزلة والقدرية. كما أخذ المعتزلة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الخوارج. كما اتفقوا مع الشيعة في كثير من الآراء الخاصة بالإمامة، كقولهم بوجوب وجود الإمام في كل عصر فضلا عن تجويزهم للتأويل حتى إن ابن المرتضى يرجع أن واصلا وعمرو بن عبيد شيخي الاعتزال تتلمذا على أبي هاشم بن محمد بن الحنفية.
وباختصار، فإن المعتزلة لم يجدوا غضاضة في تكوين مذهبهم على أساس انتقائي للأفكار والآراء السائدة في عصرهم؛ وخصوصا آراء الفرق المخالفة ((التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع)) (42). .
أما المكان الذي نشأ فيه الاعتزال، فإنه يكاد يجمع الباحثون على أنه البصرة، ولكن بعضهم يقول: إنه نشأ بالمدينة استنادا إلى أن المعتزلة السياسيين كانوا في المدينة، وكذلك الزهاد، وعلى ما يزعمه بعض الناس من أن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، والاثنان كانا يسكنان المدينة، وبالمدينة ولد واصل بن عطاء وسكن فيها في صباه، وأخذ الاعتزال عن أبي هاشم الذي تقدم ذكره آنفا، يقول الملطي: "إن واصلا حمل الاعتزال معه من المدينة إلى البصرة" ((نشأة الأشعرية)) (121)، ((المعتزلة)) (12). .
والصحيح أن الاعتزال نشأ بالبصرة؛ أما ما ذكره، فإنما المقصود به الاعتزال السياسي واعتزال الزهاد. أما زعم بعضهم أن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، فليس بصحيح، وإنما هذا من وضع كبار المعتزلة الذين يحبون أن يكسبوا مذهبهم بعض الأصالة والقداسة في نسبته إلى ابني محمد بن الحنفية؛ لكي يصلوا من ذلك إلى نسبته إلى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كما أنه ليس هناك أسانيد تثبت صحة ما زعموه، وأيضا: فقد أثر عن علي – رضي الله عنه – النهي عن الخوض في القدر.
أما قول الملطي أن واصلا حمل الاعتزال معه من المدينة إلى البصرة فليس بصحيح؛ لأنه إما أن يكون بنى قوله على ما ذكر من وجود المعتزلة السياسيين والزهاد بالمدينة، وعلى زعم البعض أن الاعتزال أخذ عن أبي هاشم. أولاً إن كان الأول، فقد أبطلناه مسبقا، فإذا بطل الأصل، بطل ما ينبني عليه، وإن كان الآخر فممن أخذ الاعتزال في المدينة؛ حينئذ يحتاج إلى دليل ولم يبين. إذا ثبت بطلانه.
إضافة إلى ذلك: فإن واصلا كان تلميذا للحسن، وتربى على يديه ولم يفارقه إلا عندما خالفه في مسألة مرتكب الكبيرة، وأبعده الحسن عن مجلسه انظر ((نشأة الأشعرية)) (ص 12). . والله أعلم. المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 26  


انظر أيضا: