trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من المرجئة إجمالا


يمكن عرض موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من المرجئة من خلال الفقرات التالية:
أولاً: خطورة الإرجاء.
بين شيخ الإسلام أن المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم أحسنوا، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر انظر: ((الفتاوى)) (20/111 ) . .
فالمرجئة مع قولهم بأن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش انظر: ((الفتاوى)) (17/105 ) . ، إلا أن قولهم بالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم انظر: ((الفتاوى)) ( 8/105 ) ؛ و  ((التدمرية)) ، ( ص189-190 ) ((الفتاوى)) (3/102) ؛ و  ((درء التعارض))  ( 8/23 ) ؛ و  ((جامع المسائل))  ( 5/37 ) . .
ومن المرجئة من تسترسل نفسه في المحرمات وترك الواجبات، حتى يكون من شرك الخلق انظر:  ((منهاج السنة))  ( 5/327 ) . .
وقد نبه شيخ الإسلام أيضا على أن كثيرا من المرجئة لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذما مطلقا، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة، وهذه طريقة منحرفة، خارجة عن الكتاب والسنة انظر: ((الفتاوى)) ( 12/467 ) . .
فخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف انظر: ((الفتاوى)) ( 20/111 ) . .
ثانياً: الإرجاء بدعة، وأصحابه من أهل الأهواء.
البدعة التي يعد صاحبها من أهل الأهواء هي ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، وهذا الوصف يقع على بدعة الإرجاء، كما هو واقع على بدعة الخوارج، والروافض، والقدرية.
ولذا فإن بدعة الإرجاء من البدع التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء انظر: ((الفتاوى)) ( 35/414 ) ؛ ومجموعة ((الفتاوى الكبرى)) ( 2/23 ) ؛ و   ((بيان التلبيس))  ( 2/41 ) . .
كما أن بدعة المرجئة تشارك البدع السابقة في أن لها شبها في نصوص الأنبياء، بخلاف بدع الجهمية النفاة، فإنه ليس معهم فيها دليل سمعي أصلا، ولهذا كانت آخر البدع حدوثا في الإسلام انظر: ((الفتاوى)) ( 5/228 ) ؛ و  ((منهاج السنة))  ( 5/561 ) ؛ و  ((التدمرية)) ، ( ص189-193 ) . .
ثالثا: الإرجاء من الاختلاف المذموم.
خلاف المرجئة من الاختلاف المذموم انظر:  ((منهاج السنة))  ( 5/260 ) . ، وهو نزاع مبتدع في الإسلام، مسبوق بإجماع السلف على خلافه، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعاً؛ لمخالفته النصوص المستفيضة المعلومة، وإجماع الصحابة انظر: ((الفتاوى)) ( 13/26 ) . .
رابعا: المرجئة أصناف، ولكل صنف أحكامه.
مما يلاحظ حول موقف شيخ الإسلام من المرجئة أنه لم يجعلهم في دائرة واحدة يندرجون تحت حكم واحد، بل هم عنده أصناف ثلاثة، ولكل صنف منهم أحكامه:
الصنف الأول: مرجئة الفقهاء.
وهؤلاء على أيديهم ظهر الإرجاء، وكانوا أول من أحدث هذه الثلمة في الأمة  -  نعوذ بالله من الخدلان -.
وقد كان قصدهم  -  عفا الله عنا وعنهم  -  أتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد بالوعد، وجعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارا، فهم قابلوا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فصاروا طرفا آخر انظر:  ((النبوات))  ( 1/423 ) ؛ و ((الفتاوى)) ( 13/38 )  - ( 17/446 ) . .
وإذا ما قورنت بدعة هؤلاء بغيرها من البدع في الإيمان نجد شيخ الإسلام رحمه الله يصف بدعتهم بأنها أخف البدع، وأنها من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، لكن البلاء في هذه البدعة أنها فتحت الباب لخطأ عظيم في العقائد والأعمال انظر: ((الفتاوى)) ( 3/57 ) - ( 13/38 ) ؛ و  ((الإيمان))  ( ص377 )  ((الفتاوى)) ( 7/394 ) . .
ولذا اتفقت كلمة السلف على إنكار هذه المقالة، وذم أصحابها، وتبديعهم.
وكلمة السلف متفقة أيضا على عدم تكفيرهم، ومن ظن من السلف أنهم كفروهم، فقد أخطأ عليهم.
يقول شيخ الإسلام: "ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء"   ((الإيمان))  ( ص377 ) ((الفتاوى)) ( 7/394 ) . .
ويقول رحمه الله: "ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء  -  يعني مرجئة الفقهاء -، وتبديعهم، وتغليظ القول فيهم.
ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك، وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة انظر:  ((السنة)) ، للخلال ( 3/574 )  ( رقم 988 ) . .
ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطا عظيما" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/507 ) ، " ( ص373 – 374 ) ط. ابن الجوزي. .
ويقول: "وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة، والشيعة المفضلة، ونحو ذلك.
ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع  -  من هؤلاء وغيرهم  -  خلافا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة" ((الفتاوى)) ( 3/351-352 ) ؛ ونحوه في: ((الفتاوى)) (23/348) . .
ومما يقيد لشيخ الإسلام حول موقفه من هذا الصنف اهتمامه الشديد بتحرير النزاع بين مقالتهم ومقالة السلف في الإيمان.
فهو يضعف النزاع بين الفريقين بأن "أكثره نزاع لفظي" ((الإيمان))  (ص281) ((الفتاوى)) (7/297) . ، وأن "كثيرا منه نزاع في الاسم دون الحكم" ((الفتاوى)) ( 13/38 ) . .
وقال رحمه الله: "فكان خلاف كثير من كلامم للجماعة إنما هو في الاسم، لا في الحكم"   ((شرح الأصبهانة))  ( 2/575 ) ، ( ص138 ) ت مخلوف. .
وقال أيضا: "وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي"   ((شرح الأصبهانية))  ( 2/585 ) ، ( ص143 ) ت مخلوف. .
فالمتحصل أن شيخ الإسلام يصف الخلاف بين الفريقين بأنه يسير، وأن أكثره، أو كثيرا منه، أو بعضه لفظي.
وما مضى في مباحث الكتاب المتعلقة بمرجئة الفقهاء من كلام شيخ الإسلام نفسه كفيل بكشف حقيقة نزاعهم مع السلف في مسائل الإيمان.
والذي تبين من الدراسة أن بين الفريقين مواطن اتفاق، ومواطن اختلاف على النحو التالي:
أولا: مواطن الاتفاق:
1- أن العمل المفروض واجب، وأن تارك الفرائض، وفاعل المحرمات مستحق للذم والعقاب.
2- أنه لابد في الإيمان من قول اللسان، وأن من لم يأت به مع قدرته عليه، فهو كافر.
3- أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، وأن من شتم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كافر باطنا وظاهرا.
4- أن مرتكب الكبيرة معرض للذم والوعيد، وأن أصحاب الكبائر منهم من لا يدخل النار، ومنهم من يدخلها ثم يخرج بالشفاعة.
ثانيا: مواطن الاختلاف.
1- ظنهم أن الإيمان شيء واحد لا يتعدد، ولا يتبعض، ولا يتفاضل أهله فيه.
2- حصرهم الإيمان في تصديق القلب، وقول اللسان.
3- إخراجهم أعمال القلوب من الإيمان.
4- إخراجهم أعمال الجوارح من الإيمان.
5- أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
6- أن الاستثناء في الإيمان لا يجوز.
7- مرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان.
8- ظنهم أن المرجئ هو الذي لا يوجب الفرائض، ولا اجتناب المحارم.
هذه هي مواطن اتفاق أهل السنة ومرجئة الفقهاء، واختلافهم في مسائل الإيمان، ومنها يتضح للناظر مدى الفرق بينهما، ويبقى التنبيه على مسألة مهمة حول كون النزاع لفظيا في مسألة الإيمان، وهي أن النزاع يكون كذلك في حالة تسليم المخالف بأن الإيمان الذي في القلب يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال والأعمال، ثم هو ينازع بعد ذلك في كون هذا الإيمان الظاهر جزءا من الإيمان الباطن أو لازما له، فالنزاع في هذه الجزئية يعد لفظيا على رأي شيخ الإسلام انظر ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/575-576 ) ، ( ص481-483 ) ط. ابن الجوزي. .
وأما إن كان المخالف يقول بحصول الإيمان الواجب في القلب دون فعل شيء من الواجبات الظاهرة فهذه هي بدعة الإرجاء التي أعظم السلف الكلام في أهلها انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/621 ) ، ( ص577 ) ط. ابن الجوزي، و  ((الإيمان))  ( ص206 ) ((الفتاوى)) ( 7/218 ) . .
الصنف الثاني: جهمية المرجئة.
ويندرج تحت هذا الوصف أتباع جهم، والأشعري  -  في المشهور عنه  -  وأكثر أصحابه، والماتريدية.
ومن موقف شيخ الإسلام من هذا الصنف تأكيده على ضرورة فهم مقالتهم، فإن كثيرا من المتأخرين قد خلط بين قول الجهمية وقول السلف، فتراه في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف انظر:  ((الإيمان))  ( ص347 ) ((الفتاوى)) ( 7/364 ) . .
وبين أيضا أن قول هؤلاء في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه، وهو أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم انظر:  ((الإيمان))  ( ص151-152 )  ((الفتاوى)) ( 7/258-259 ) . .
وأمام هذه المباينة حصل الخلاف في تكفير من قال بهذا القول انظر:  ((الصارم المسلول))  ( 3/974 ) . ، والذي عليه الأئمة، كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم، هو كفر من يقول بهذه المقالة انظر:  ((الإيمان))  ( ص115، 179 ) ((الفتاوى)) ( 7/120-189 ) ؛ و ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/508، ص377 ) ط. ابن الجوزي؛ و ((الفتاوى)) ( 13/47 ) ، ( 14/121 ) ؛ و  ((جامع الرسائل))  ( 1/17 ) ؛ و ((الفتاوى)) ( 3/352 ) – ( 20/104 ) . وانظر:  ((السنة)) ، لعبدالله  ( 1/114 ) ( رقم 31 ) – ( 1/116 ) ( رقم 38 ) ؛ و  ((السنة))  ، للخلال ( 5/97 ) رقم  ( 1713 )  – ( 5/122 ) رقم ( 1772، 1773 ) ؛ و  ((الإيمان)) ،  لأبي عبيد، ( ص31-32 ) . .
وهذا تكفير للمقالة، وأما أصحابها، فقد قال شيخ الإسلام: "والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة، وأمثال هؤلاء، ولم يكفر أحمد الخوارج، ولا القدرية  -  إذا أقروا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، وعموم المشيئة -، لكن حكي عنه في تكفيرهم: روايتان.
وأما المرجئة، فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم" ((الإيمان الأوسط)) ضمن ((الفتاوى)) (7/507- 508)،  (ص 374-375). .
ومع هذا كله لم ينس شيخ الإسلام رحمه الله عليه وهو يتخذ هذا الموقف من التنبيه على أن قول الجهمية بأن الفساق لا يخلدون في النار أقرب في الحكم إلى قول السلف انظر: ((الإيمان))   ( ص151 )  ((الفتاوى)) ( 7/159 ) ؛ و ((الفتاوى)) ( 16/242 ) . .
فهؤلاء الجهمية يعدون في إقرارهم بالأمر النهي والوعد والوعيد  -  وإن كانوا يضعفونه  -  من مقتصدة المرجئة الجبرية، إذا ما قورنوا بغالية المرجئة ممن ينكر العقاب بالكلية، أو ينكر الوعيد في الآخرة رأساً، كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة انظر: ((الفتاوى)) ( 16/242 ) . .
الصنف الثالث: الكرامية.
مع نقض شيخ الإسلام لمقالة الكرامية، وتبين أن قولهم في الإيمان لم يسبقهم إليه أحد، إلا أن هذا لم يحل دون التأكيد على عدم تقويلهم ما لم يقولوا به، فمن نسب غليهم الحكم على المنافق بأنه مؤمن من أهل الجنة، فقد أخطأ عليهم، فالقوم إنما نازعوا في الاسم لا الحكم انظر: ((التدمرية))  ، ( ص192-193 ) ؛ و ((شرح الأصبانية))   ( 2/586 ) ، ( ص143 )  ت مخلوف. .
وبعد، فتلك الخلاصة مركزة لموقف شيخ الإسلام من المرجئة، وما مضى في مباحث الكتاب فيه تفاصيل كاشفة لحقيقة هذا الموقف، والله تعالى أعلم.آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند  -  ص535


انظر أيضا: