trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: موقف علماء السلف من الإرجاء والمرجئة


يمتاز علماء السلف بأنهم هم الفئة العالمة التي لا تعبث بأصول عقيدتها الأحداث، والفتن التي مزقت الأمة إلى تيارات متعددة، وقد كانت هذه الفرق المخالفة لمنهج السلف هي إحدى نتائج هذه الفتن، وقد أوغلت الضلالة بأرباب هذه الفرق إلى ابتداع أمور مخالفة لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، ومن هذا المنطق، فقد وقف علماء السلف في وجه هؤلاء المبتدعة، وأبطلوا شبهاتهم، وبينوا المعتقد الحق الذي تدين به الأمة المسلمة".
وكلما ظهرت فتنة من الفتن أفرزت في خاتمتها إقرارات بدعية مختلفة، يقول بها من ضعف عقيدته عن مواجهة الباطل، والثبات على الدين الحق، وهذا ما حدث للخوارج عندما خرجوا على علي رضي الله عنه، ورد عليهم الشيعة، وانتحلوا الأكاذيب التي يرفعون بها الرجال إلى مصاف الألوهية، ويتبرءون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ظهرت القدرية، والتي عجزت عقولهم عن اعتقاد الرسول، والصحابة الكرام في القدر، فراموا فهما، واعتقاداً، أودى بهم إلى إنكار القدر، ثم جاءت المرجئة بعقولهم العاجزة  -  أيضا  -  عن فهم أسس العقيدة، وثوابتها أمام الفتن، والأحداث الجسام، فجنحوا إلى فصل الإيمان عن العمل، واتسعت دائرة هذا الابتداع، ليجد فيه أتابع الفرق المنحرفة مخرجاً لانسلاخهم، وبعدهم عن الدين الحق.
وبسبب هذا الواقع الأليم، أنكر علماء السلف على المرجئة مقالتهم الضالة، واعتبروها من البدع الخطرة، التي تعطي الجهلة، والفسقة، الذريعة لارتكاب المعاصي، والمنكرات، وقد أتبع السلف في الرد على المرجئة مسالك متعددة؛ من أبرزها ما يلي:
الاحتجاج عليهم بنصوص الكتاب، والسنة، وواقع الصحابة الذي يبطل دعواتهم:
فأهل البدع كلهم إنما سموا مبتدعة لمخالفتهم ما جاء في الكتاب والسنة من العقائد الصحيحة، وهؤلاء المرجئة إنما حرفوا نصوص الكتاب والسنة في الإيمان، والعمل، وتأولوها على غير وجهها الصحيح؛ تبعاً لانحرافهم، وبدعتهم؛ فهذا هو القرآن الكريم يقرن الإيمان بالعمل، في مواطن يطول حصرها، ومنها قول الله  -  تعالى -: وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: 25]، وقال  -  تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 277]، وقال  -  تعالى -: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 93]، وسمى  -  سبحانه  -  الأعمال إيماناً؛ فقال  -  سبحانه -: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 143].
وقال  -  تعالى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15].
وقال  -  تعالى -: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ [الطور: 21].
ثم ينص القرآن الكريم على زيادة الإيمان  -  أيضاً -؛ مما يبطل دعوى المرجئة أن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ فقال  -  سبحانه وتعالى  -  رداً على المنافقين سلف المبتدعة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124-125]، ويصف  -  سبحانه  -  صحابة نبيه  -  عليه السلام -، وزيادة إيمانهم في المحنة الكبرى يوم حد: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173].
ويصف  -  سبحانه  -  الفتية المؤمنين في سورة الكهف؛ فيقول: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: 13]، وقال  -  تعالى -:
لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31].
وقال  -  تعالى -: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4]، وقال  -  تعالى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ [الأنفال: 2].
أما السنة المطهرة، فقد حفلت بهذه الجوانب كثيراً؛ ولذلك صنف علماء السلف المصنفات الكثيرة في الإيمان؛ للرد على المرجئة؛ فمنها: "كتاب الإيمان"، لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت 224"، و "الإيمان" للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة "ت 235"، وقد حققهما فضيلة الشيخ الألباني: والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الطحاوي، والإمام محمد بن إسحاق بن مندة، كما حفلت الصحاح بأبواب الإيمان المليئة بالأحاديث الصحيحة؛ مثل صحيح البخاري، ومسلم، وكتب السنن المختلفة، كما ألف شيخ الإسلام كتابه "الإيمان"، وتعرض لمسائل الإيمان في مجموع فتاويه في مواطن متعددة انظر ابن منده، كتاب  ((الإيمان)) ، ( ص7 ) ، مقدمة المحقق الدكتور علي الفقي، ط2، 1406هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت. ، وقد عرضنا لجملة من هذه الأحاديث في مبحث الإيمان، والعمل، ومنها ما رواه البخاري، ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: "إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من القوم، أو: من الوفد، قالوا: ربيعة، قال: مرحبا بالقوم غير خزايا، ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة؛ فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده، قالوا: الله، ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدبا، والنقير، والمزفت، وربما قال: المقير: وقال: أحفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم)) رواه البخاري (53), ومسلم (17). .
فهذا التوجيه النبوي لهذا الوفد الكبير فيه اقتران الإيمان بالعمل، وأنه لابد من هذه الفرائض، واجتناب هذه النواهي؛ حتى يكتمل إيمانهم، وهذا الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص إذا عمل المسلم المعاصي، والمنهيات، فقد روى البخاري عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ومن في قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير))، وفي رواية أخرى أنه قال بدل كلمة ((خير)) كلمة ((إيمان)) رواه البخاري (44). .
وروى ابن أبي شيبة عن هانئ بن هانئ، قال: كنا جلوساً عند علي  -  عليه السلام -، فدخل عمار، فقال: مرحباً بالطيب المطيب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن عماراً مليء إيماناً إلى مشاشه)) رواه النسائي (8/111) (5007), وابن ماجه (147), قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (7/116): إسناده صحيح, وصححه الألباني. .
وقد أخذ التابعون عن الصحابة  -  رضوان الله عليهم  -  الفهم الصحيح لزيادة الإيمان، ونقصه؛ فعن إبراهيم بن علقمة، وكان من أصحاب عبدالله بن مسعود، أنه كان يقول لأصحابه: (أمشوا بنا نزدد إيماناً) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف))  (6/164). ، وعن الأسود بن هلال، قال: (كان معاذ بن جبل يقول للرجال من إخوانه: أجلس بناء، فنؤمن ساعة، فيجلسان، فيذكران الله، ويحمدانه) رواه البخاري تعليقا في (باب الإيمان) وابن أبي شيبة، في (المصنف) (6/164) (30365), قال ابن حجر في ((تغليق التعليق)) (2/21): موقوف صحيح, وقال الألباني في ((الإيمان)) لأبي عبيد (45): إسناده صحيح على شرط الشيخين. .
فكان السلف  -  رضوان الله عليهم  -  على هذا المعتقد الحق بالإيمان، وأن العمل ملازم له، ولا ينفك عنه، بل هو علامة دالة على صدق صاحبه؛ ولذلك ألف علماء السلف المصنفات الكبرى في شعب الإيمان، وأبوابه التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم إنها الإيمان، وإنها قول باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل الأركان ابن منده،  ((الإيمان)) ، (1/362 ) . .
وكان علماء السلف من الصحابة والتابعين، على هذا المعتقد، وذكر منهم: "عمر بن الخطاب، وعليا، وعبدالله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمارا، وأبا هريرة، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن رواحة، وأبا أمامة، وجندب بن عبدالله البجلي، وعمير بن خماشة، وعائشة  -  رضي الله عنهم  -  أجمعين، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاووسا، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وميمون بن مهران، وعمران بن عبدالعزيز، وسعيد بن جيد، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، وأيوب بن عبيد، وابن عون، وسليمان التيمي، وإبراهيم النخعي، وأبا البختري، وسعيد بن فيروز، وعبدالكريم بن مالك الجزري، وزبيد بن الحارث، والأعمش، والحكم، ومنصوراً، وحمزة الزيات، وهشام بن حسان، ومعقل بن عبدالله الجزري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وجمهرة كبيرة غيرهم" انظر اللالكائي،  ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) ، ( 5/892-893 ) ، وابن بطة،  ((الإبانة))  الكبرآن ( 2/702 ) ، وما بعدها، ت. د. رضا نعسان، رسالة مخطوطة بالجامعة. .
ومن مسالك السلف في رد بدعة المرجة: بيان فساد مذهبهم، والتحذير منهم: فقد قال الأوزاعي: "كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء اخوف عندهم على الأمة من الإرجاء" ابن سعد، ((الطبقات الكبرى)) ، ( 6/282 ) . ، وكان إبراهيم النخعي يقول عنهم: "لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة؛ لفقوا قولاً، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كبير؛ فإياك، وإياهم"، وذكر عنده المرجئة، فقال: "والله، إنهم أبغض إلى من أهل الكتاب"، ولعل قول إبراهيم النخعي بأنه أخوف على الأمة منهم من فتنة الأزراقة، كان نابعا من أن الأزارقة قالوا بتكفير مرتكب الكبيرة، فكفروا الناس في الذنوب، فكان الغلو رائدهم، وتساهلت المرجئة في القول بترك العمل، وإنه لا يضر مع الإيمان معصية مهما عظمت، فأباحت للناس فعل الموبقات، فكان غلوهم من هذا الجانب، والأزارقة يحذرون من الكبائر، ويحكمون على أصحابها بذلك التشدد، وهؤلاء يتركون الحبل على الغارب في دعواهم الباطلة، ويطمعون الفساق، ويدعون الناس بمقالتهم لفعل الكبائر، والموبقات.
وروى الطبري عن عمر بن مرة "ت 116"، قال: "نظرت في أمر هؤلاء الخوارج، فإذا شر قوم، ونظرت في أمر هؤلاء الجنشبية "الشيعة"، فإذا شر قوم، ونظرت في أمر هؤلاء المرجئة، فإذا هم أمثل، أو خير، فأنا مرجئ، قال الأعمش: قلت: يا أبا عبدالله: ولم تسمى باسم غير الإسلام؟ قال: أنا كذلك" الطبرى  ((تهذيب الآثار)) ، ( 2/184 ) . .
وروى الذهبي عن محمد بن حميد، عن معيزة قال: "لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمر بن مرة في الإرجاء، فتهافت الناس فيه" الذهبي، ((سير أعلام النبلاء)) ، ( 5/198 ) . .
ويعيب ابن أبي مليكة مقالة المرجئة الغلاة؛ فيقول: "وقد أتى على برهة من الدهر، وما أراني أدرك رجلاً يقول: أنا مؤمن، فما رضي بذلك حتى قال على إيمان جبريل، وميكائيل، وما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقول بذلك، وما زال الشيطان يتعلب بهم حتى قالوا: مؤمن، وإن نكح أمه، وأخته، وابنته؛ والله، ولقد أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً، ما مات أحد إلا وهو يخشى النفاق" الطبري،  ((تهذيب الآثار)) ، ( 2/192 ) ، وانظر اللالكائي، ( 5/955 ) . .
وقال ابن مجاهد: كنت عند عطاء بن أبي رباح، فجاء ابنه يعقوب، فقال: "يا أبتاه، إن أصحابا لنا يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فقال: يا بني، ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله" عبدالله بن أحمد،  ((السنة)) ، ( 1/345 ) ، واللالكائي، ( 5/956 ) . .
وعن سويد بن سعيد الهروي، قال: "سألنا سفيان بن عينية عن الإرجاء، فقال: يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول، وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لم شهد أن لا إله إلا الله "مصراً بقلبه على ترك الفرائض"، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل، ولا عذر، هو كفر؛ وبيان ذلك من أمر آدم  -  صلوات الله عليه -، وإبليس، وعلماء اليهود؛ أما آدم، فنهاه الله  -  عز وجل  -  عن أكل الشجرة، وحرمها عليه، فأكل منها متعمداً؛ ليكون ملكاً، أو يكون من الخالدين؛ فسمي عاصياً من غير كفر، وأما إبليس  -  لعنه الله -، فغنه فرض عليه سجدة واحدة، فجحدها متعمداً؛ فسمي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي رسول، كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته؛ فسماهم الله  -  عز وجل  -  كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم  -  عليه السلام -، وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحوداً، فهو كفر؛ مثل كفر إبليس  -  لعنه الله -، وتركهم على معرفة من غير جحود جحود، فهو كفر مثل كفر علماء اليهود" عبدالله بن أحمد،  ((السنة)) ، ( 1/347 ) . .
ومن مسالك علماء السلف مع مبتدعة المرجئة الحوار معهم، وبيان تهافت فكرتهم وبطلانها؛ فقد روى الطبري عن سلام بن أبي مطيع قال: "سمعت أيوب، وعنده رجل من المرجئة، فجعل الرجل يقول: إنما هو الكفر، والإيمان، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قول الله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: 106]، أمؤمنون أم كفار؟ قال: فسكت الرجل، قال: فقال له أيوب: اذهب، فاقرأ القرآن؛ فكل آية في القرآن فيها ذكرالنفاق فإني أخافها على نفسي"   ((تهذيب الآثار)) ، ( 2/192) . .
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: يا سفيه، ما أجهلك! ألا ترضى أن تقول: أنا مؤمن، حتى تقول: أنا مستكمل الإيمان؟ لا، والله، لا يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدي ما فرض الله عليه، ويجتنب ما حرم الله عليه، ويرضى بما قسم الله  -  عز وجل  -  له، ثم يخاف مع ذلك أن لا يقبل منه" عبدالله بن أحمد،  ((السنة)) ، (1/343 ) . .
وجاء رجل إلى ميمون بن مهران يخاصمه في الإرجاء، فبينما هما على ذلك إذ سمعا امرأة تغني، فقال ميمون: أين إيمان هذه من إيمان مريم بنت عمران؟ فانصرف الرجل، ولم يرد عليه ابن بطة،  ((الإبانة الكبرى)) ، ( 2/783 ) ، والذهبي، ((سير أعلام النبلاء)) ، ( 5/73 ) . .
ومن مسالك علماء السلف في الرد على المرجئة الغلاة تكفيرهم بما نسب لهم من الأقوال الشاذة التي تبيح المحرمات؛ فقد روى اللالكائي، وابن بطة، والطبري، عن معقل بن عبيدالله العبسي "ت 116"، قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً؛ منهم ميمون بن مهران "ت 119ط، وعبدالكريم بن مالك، فأما عبدالكريم بن مالك، فإنه عاهد الله أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت، فدخلت على عطاء بن أبي رباح "ت: 124" في نفر من أصحابي، وغذا هو يقرأ سورة يوسف، وقال: قلت له: إن لنا حاجة، فأدخلنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا، وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة، والزكاة ليستا من الدين، فقال: أوليس الله  -  عز وجل  -  يقول: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة: 5]، قال: وقتل إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة، قال: أوليس قد قال الله فيما أنزل: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4].
هذا الإيمان الذي زادهم، قال: فقلت: إنهم انتحلوك، وبلغني أن ابن درهم دخل عليك في أصحابه، فعرضوا عليك قولهم، فقبلته، فقلت هذا الأمر، فقال: لا، والله الذي لا إله إلا هو "مرتين، أو ثلاثاً"، قال: ثم قال: قدمت المدينة، فجلس إلى نافع مولى ابن عمر "ت 119"، فقلت: يا أبا عبدالله، إن لي إليك حاجة، قال: سر، أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر، قال: دعني من السر، سر لا خير فيه، فقلت: ليس من ذلك، فلما صلى العصر، فذكرت له قولهم، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))، قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بالصلاة، فريضة، ولا نصلي، وأن الخمر حرام، ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام، ونحن نريده، فنتر يده من يدي، وقال: من فعل هذا فهو كافر" عبدالله بن أحمدن  ((السنة)) ، ( 1/382 ) ، واللالكائي،  ((شرح الاعتقاد)) ، ( 5/953 ) ، والطبري،  ((تهذيب الآثار)) ، ( 2/173 ) ، وابن بطة،  ((الإبانة الكبرى)) ، ( 2/696 ) . .
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد، ووكيع، تكفير غلاة المرجئة؛ فقال: "وأما جهم، فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به، وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة، وأئمتها؛ بل أحمد، ووكيع، وغيرهما، كفروا من قال بهذا القول" ابن تيمية، ((مجموع الفتاوى)) ، ( 13/47 ) . .
وروى الخلال عن عبيدالله بن حنبل قال الحميدي "عبداللهبن الزبير بن عيسى": وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً، حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره، مستدبر القبلة، حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحداً، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر الفروض، واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين قال الله  -  عز وجل -: حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5]، قال حنبل: "قال أبو عبدالله، وسمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به" الخلال،  ((السنة)) ، ( ص586 ) ، ت. د. عطية الزهراني، ط1، 1410هـ، دار الراية، الرياض. .
ومن مسالك علماء السلف في رد بدعة القدرية نسبة مقالتهم إلى مصادر غير إسلامية، كاليهودية، والنصرانية، والصابئة؛ فقد روى عبدالله بن أحمد أن سعيد بن جبير كان يقول عن المرجئة: "إنهم يهود القبلة"   ((السنة)) ، ( 1/341 ) ، وص ( 323 ) . .
وكان قول  -  أيضاً -: "مثل المرجئة مثل الصابئين" ((السنة)) ، ( 1/1338 ) . ، ويفسر ذلك فيقول: "مثلهم مثل الصائبين، إنهم أتوا اليهود، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: التوراة، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، ثم أتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، ثم قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن بد ندين"   ((السنة)) ، ( 1/324 ) ، وعبارة ابن بطة قوله: "نحن بين بين" (1/771). .
وكان السلف لا يسلمون عليهم، ولا يجالسونهم، وينهون عن ذلك:
فقد روى ابن بطة، أن ذر بن عبدالله "أحد المرجئة" شكا سعيد بن جبير إلى أبي البحتري الطائي، فقال: "مررت، فسلمت عليهن فلم يرد علي، فقال أبو البحتري لسعيد بن جبير، فقال سعيد: إن هذا يجدد في كل يوم ديناً، لا، ولا كلمته أبدا" ابن بطة،  ((الإبانة الكبرى)) ، ( 2/774 ). .
وقال أيوب السختياني: قال لي سعيد بن جبير: "لا تجالس طلقاً "أي طلق بن حبيب، وكان مرجئيا، وقال مرة أخرى: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب، فقال: ألم أرك جلست إليه؟ لا تجالسه، قال: وكان ينتحل الإرجاء" ابن سعد، ((الطبقات)) ، ( 7/196 ) ، والذهبي، ((سير أعلام النبلاء)) ، ( 4/601 ) . ، وكان سفيان الثوري يقول: "ما كنا نأتي حماد بن أبي سليمان "ت 120هـ" إلا سرا من أصحابنا، كانوا يقولون: أتأتيه؟ أتجالسه؟ فما كنا نأتيه إلا سرا" البسوي، ((المعرفة والتاريخ)) ، (2/791 ) . ، وقال في رواية أخرى: "كنت ألقى حماد بعد ما أحدث "الإرجاء"، فما كنت أسلم عليه" البسوي،  ((المعرفة والتاريخ)) ، ( 2/791 ) . . وكان الأعمش لا يسمح بجلوسهم في حلقة الحديث التي كان يعقدها، وكان يأمر بإخراجهم من المسجد البسوي،  ((المعرفة والتاريخ)) ، ( 2/764 ) . .
وكان السلف لا يحضرون جنائزهم، ولا يصلون عليهم إذا ماتوا؛ "فعندما مات عمر بن ذر، وكان رأسا في الإرجاء، لم يشهد جنازته سفيان الثوري، ولا الحسن بن صالح ابن سعيد، ((الطبقات)) . ، وعندما توفي عبدالعزيز بن أبي رواد، فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، واصطف الناس، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء الثوري جاء الثوري، فجاء حتى خرق الصفوف، والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة، ولم يصل عليها؛ وذلك لأنه كان يرى الإرجاء" العقيلي،  ((الضعفاء الكبير)) ، ( 3/6 ) . ، وسئل عن ذلك، فقال: "والله، إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكني أردت أن أرى الناس أنه مات على بدعة" العقيلي،  ((الضعفاء الكبير)) ، ( 3/6 ) . .
هذه جملة من مواقف علماء السلف من بدعة الإرجاء، وهي تعبر عن أصالة منهج السلف، واشتهاره، وهيمنته على الأمة في هذه المرحلة، واستلهام علماء السلف، واقع الدعوة الإسلامية الأولى، بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، الذين اعتقدوا ما جاء به الكتاب، والسنة، ولم تؤثر فيهم الأحداث، والفتن، فكانوا هم أهل الحق الذي وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا يضرهم من خالفهم؛ حيث وقفوا لهذه البدع بالمرصاد، فكل البدع، صغيرة كانت أو كبيرة، فهي مرفوضة عندهم؛ لأن الأتباع لهذا الدين الحق بوضوحه، وظهوره، لا يعطي أي مبرر لأهل البدع أن يعلنوا بدعهم، أو يدعوا لها.العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي لعطا الله المعايطة - ص 601


انظر أيضا: