trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: الاستثناء في الإيمان عند مرجئة الفقهاء


اختلفت مذاهب الناس في الاستثناء في الإيمان، وقد حكاها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال:
"وصار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال:
قول: أنه يجب الاستثناء، ومن لم يستثن كان مبتدعا.
وقول: أن الاستثناء محظور، فإنه يتقضي الشك في الإيمان.
والقول الثالث  -  أوسطها وأعدلها -: أنه يجوز الاستثناء باعتبار، وتركه باعتبار" ((الفتاوى)) (13/40) . .
ومرجئة الفقهاء من القائلين بتحريم الاستثناء في الإيمان، فلا يجوز عندهم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وما شابه ذلك من الألفاظ الدالة على تعليق الإيمان بالمشيئة.
يقول شيخ الإسلام: "وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه، تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/507) ، (ص372) ط. ابن الجوزي. .
ويقول: "وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء في الإيمان" ((مجموع الفتاوى)) (13/42) ؛ وانظر منها ( 7/666 – 35/313) . .
وأما حجتهم على ما ذهبوا إليه في الاستثناء، فذكرها شيخ الإسلام متبعا لها بالجواب والرد، وهذا عرض لذلك:
أولاً: قالوا: إن الإيمان هو الإيمان الموجود فينا، ونحن نقطع بأنا مصدقون، فالاستثناء شك انظر: ((الفتاوى)) (13/40) . .
وهذه حجة مشتركة بين المانعين للاستثناء من المرجئة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله يقينا، وهذا مستند من قال: أنا مؤمن حقا، فإنه أراد بذلك ما يعلمه من نفسه من التصديق الجازم" ((الإيمان))  ( ص290)  ((الفتاوى)) (7/306) . .
ويقول: "وقالت المرجئة، والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه  -  يعني الإيمان -، بل هو شك" ((الفتاوى)) (7/666) . .
والجواب عن هذا بأن المستثنى لم يرد وقوعه على أصل الإيمان، ولا على ما يجب الجزم به، ثم لو أراد وقوعه على ما يجب الجزم به لجاز له ذلك، وقد تقدم بحمد الله تحرير ذلك.
وقد نبه شيخ الإسلام على أن جزم المرجئة في الإيمان مبني على كونهم يرون أن الإيمان شيء متماثل في جميع أهله، مثل كون كل إنسان له رأس، فيقول: أحدهم: أنا مؤمن حقا، وأنا مؤمن عند الله، ونحو ذلك.
ومن جزم بالإيمان على هذا الوجه، فقد أخرج الأعمال الباطنة والظاهرة عن الإيمان، وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة والتابعين، ومن اتبعهم من سائر المسلمين انظر: ((الإيمان))  ( ص358- 359)  ((الفتاوى)) (7/375) . .
ثانيا: قالوا إن الإيمان إذا علق بالشرط فإنه كسائر المعلقات لا يحصل إلا عند حصول الشرط، والإيمان قد حصل، فلا حاجة لتعليقه بشرط المشيئة.
وقالوا: لأن الاستثناء عقب الكلام يرفع الكلام، فكذلك الاستثناء عقب الإيمان يرفع الإيمان انظر: ((الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية)) ، لأبي عذبة، تحقيق عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأولى 1409هـ، دار عالم الكتب ببيروت، (ص10) . .
وهذه الشبهة تكلم عليها شيخ الإسلام رحمه الله بكلام مطول هذا ملخصه:
قال رحمه الله: "وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء في الإيمان، بكون الأعمال منه، ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم، بل يكتفون بالإيمان.
وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على الشرط؛ لأن المعلق على الشرط لا يوجد إلا عند وجوده، كما قالوا في قوله: أنت طالق إن شاء الله.
فإذا علق الإيمان بالشرط، كسائر المعلقات بالشرط، لا يحصل إلا عند حصول الشرط.
قالوا: وشرط المشيئة الذي يترجاه القائل لا يتحقق حصوله إلى يوم القيامة، فإذا علق العزم بالفعل على التصديق والإقرار، فقد ظهرت المشيئة، وصح العقد، فلا معنى للاستثناء.
ولأن الاستثناء عقيب الكلام يرفع الكلام، فلا يبقى الإقرار بالإيمان والعقد مؤمنا، وربما يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على الإيمان بقاء التصديق، وذلك يزيله.
قلت: فتعليلهم في المسألة إنما يتوجه فيمن يعلق إنشاء الإيمان على المشيئة، كالذي يريد الدخول في الإسلام، فيقال له: آمن، فيقول: أنا أؤمن إن شاء الله، أو: آمنت إن شاء الله، أو: أسلمت إن شاء الله، أو: أشهد إن شاء الله أن لا إله إلا الله، وأشهد إن شاء الله أن محمدا رسول الله.
والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء، وإنما كان استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان"، ثم ذكر رحمه الله دوافع الاستثناء عند من استثنى، وتقدم بيانها، ثم قال:
"وأما الإنشاء فلم يستثن فيه أحد، ولا شرع الاستثناء فيه، بل كل من آمن وأسلم، آمن وأسلم جزما بلا تعليق.
فتبين أن النزاع في المسألة قد يكون لفظيا، فإن الذي حرمه هؤلاء، غير الذي استحسنه وأمر به أولئك"، ثم قال شيخ الإسلام:
"وما أعرف أحدا أنشأ الإيمان، فعلقه على المشيئة، فإذا علقه:
فإن كان مقصوده أنا مؤمن إن شاء الله: أنا أؤمن بعد ذلك، فهذا لم يصر مؤمنا.
مثل الذي يقال له: هل تصير من أهل دين الإسلام؟
فقال: أصير إن شاء الله، فهذا لم يسلم، بل هو باق على الكفر.
وإن كان قصده: أني قد آمنت، وإيماني بمشيئة الله، صار مؤمنا.
لكن إطلاق اللفظ يحتمل هذا وهذا، فلا يجوز إطلاق مثل هذا اللفظ في الإنشاء.
وأيضا، فإن الأصل أنه إنما يعلق بالمشيئة ما كان مستقبلا، فأما الماضي، والحاضر، فلا يعلق بالمشيئة.
والذين استثنوا لم يستثنوا في الإنشاء كما تقدم، كيف، وقد أمروا أن يقولوا: قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ [البقرة: 136]، وقال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: 285]، فأخبر أنهم آمنوا، فوقع الإيمان منهم قطعا بلا استثناء.
وعلى كل أحد أن يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا، كما أمر الله بلا استثناء، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ما استثنى قط أحد من السلف في مثل هذا.
وإنما الكلام إذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن، كما يخبر عن نفسه بأنه بر، تقي".
ثم ذكر رحمه الله أن هذا أحد مآخذ السلف في الاستثناء، وذكر المآخذ الأخرى لهم، ثم ختم جوابه بقوله:
"والمقصود هنا أن النزاع في هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس المنازعة في كثير من الأحكام، وكلهم من أهل الإيمان والقرآن" ((الفتاوى)) (13/42-47) باختصار. .
ثالثاً: مما احتج به مانعوا الاستثناء حديث الحارث بن مالك، وحديث الوفد، وما روي عن صاحب معاذ بن جبل.
فأما حديث الحارث بن مالك رضي الله عنه، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال صلى الله عليه وسلم: انظر ما تقول، إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك، قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزا، أو كأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها. قال صلى الله عليه وسلم: أبصرت، فالزم، عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه)) رواه الطبراني (3/266) (3367), وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (6/170) (30425), قال البيهقي في ((شعب الإيمان)) (7/3420): منقطع, وقال ابن حجر في ((الإصابة)) (1/290): [فيه] يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا, وقال الألباني في ((الإيمان)) لابن أبي شيبة (115): معضل وله طرق أخرى مرسلة وبعضها موصول. .
وأما حديث الوفد الذين قاموا على النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه أنهم قالوا: نحن المؤمنون، قال صلى الله عليه وسلم: ((فما علامة إيمانكم)) قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (4/272): إسناده ضعيف. ، ثم ذكر الحديث.
وأما أثر صاحب معاذ، وهو ابن عميرة الزبيدي، فملخصه أنه لما حضرت معاذا رضي الله عنه الوفاة أوصى صاحبه هذا بالأخذ عن ابن مسعود، وبالحذر من زلة العالم، فلما مات معاذ ذهب صاحبه إلى ابن مسعود، فنودي بالصلاة فقال صاحب معاذ: قوموا إلى هذه الدعوة، حق لكل مؤمن سمعه أن يجيبه، فقال له أصحاب عبدالله: وإنك لمؤمن؟ قال: نعم، إني لمؤمن، فتغامزوا به، فلما خرج ابن مسعود، قيل له ذلك، فقال لابن عميرة مثل قولهم، فنكس ابن عميرة رأسه وبكى، وقال: رحم الله معاذا.
فأخبر به ابن مسعود، فقال له: إنك لمؤمن؟ قال: نعم، قال: فتقول: إنك من أهل الجنة؟ قال ابن عميرة: رحم الله معاذا، فإنه أوصاني أن أحذر زلة العالم، والأخذ بحكم المنافق، قال: فهل من زلة رأيت؟ قال: نشدتك بالله، أليس النبي صلى الله عليه وسلم كان والناس يومئذ على ثلاث فرق: مؤمن في السر والعلانية، وكافر في السر والعلانية، ومنافق في السر ومؤمن في العلانية، فمن أي الثلاث أنت؟ قال: أما أنا فإذا ناشدتني بالله، فإني مؤمن في السر والعلانية، قال: فلم لمتني حيث قلت إني مؤمن؟ قال: أجل هذه زلتي، فادفنوها علي، فرحم الله معاذا.
فالمانعون للاستثناء ظنوا أن هذه الأخبار تدل على ما ذهبوا إليه انظر: ((الإيمان))  (ص399)  ((الفتاوى)) (7/417) ؛ و ((الفتاوى)) (7/669، 13/40). ، وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك وجهين:
الوجه الأول: عدم ثبوت الأخبار.
الوجه الثاني: أنها لو صحت، فيحمل القطع بالإيمان فيها على أصله لا كماله، ونحو ذلك من الآخذ المسوغة للقطع بالإيمان.
يقول شيخ الإسلام مبينا هذين الوجهين:
"وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن، فيصح إذا عني أصل الإيمان دون كماله، والدخول فيه دون تمامه.
كما يقول: أنا حاج وصائم لمن شرع في ذلك، وكما يطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا.
فإن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة.
وعلى هذا يخرج ما روي عن صاحب معاذ بن جبل، وما روي في حديث الحارث الذي قال: أنا مؤمن حقا، وفي حديث الوفد الذي قالوا: نحن المؤمنون حقا.
وإن كان في الإسنادين نظرا" ((الفتاوى)) (7/669) . .
وبخصوص أثر معاذ، فإن الإمام أحمد ضعفه، وأنكر رجوع ابن مسعود رضي الله عنه عن الاستثناء.
فإن عبدالله بن مسعود وأصحابه كانوا يستثنون، ولما قيل لابن مسعود ( إن قوما يقولون: إنا مؤمنون؟
قال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟
وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة؟
وفي رواية: قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن؟
قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم.
فقال له عبدالله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية ) ؟ انظر: ((الإيمان))  (ص399)  ((الفتاوى)) (7/417) ؛ و ((الفتاوى)) (13/40) .   آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 459


انظر أيضا: