trial

موسوعة الفرق

المبحث السابع: في ذكر أدلتهم وشبههم وبيان بطلانها


لقد تعلق أهل هذا القول بشبه نظرية وحجج عقلية، احتكموا إليها في هذه المسألة وردوا النزاع إليها، وهي في الحقيقة حجج إذا تدبرها العاقل بحق وجدها دعاوى لا تقوم على دليل، وحججاً لا تعتمد على برهان، وإنما تعتمد أولاً وآخراً على رأيهم القاصر، وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة العرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم" ((الفتاوى)) (7/118، 119) . .
قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام السالف يجد أنه رحمه الله يحكي ترجمة حرفية لواقع أهل البدع في مجال الحجج والبراهين، ويكشف حال هؤلاء كشفاً دقيقاً، وهو واقع يشمل عامة أهل البدع بدون استثناء؛ لأن من جاء بباطل فليس في القرآن أو السنة ما يدل على باطله أو يؤيده، إذاً فلا حجة له رأيه السقيم وفهمه القاصر للغة.
وجميع ما وقفت عليه من حجج لهؤلاء في هذه المسألة لا يخرج عما ذكره شيخ الإسلام  -  رحمه الله  -  غير أن بعضهم تكايس فأضاف في الاستدلال بعض ما وقف عليه من أحاديث موضوعة ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذباً وزوراً.
أما كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة فلا حجة لهم فيهما؛ لأنهما يدلان صراحة على زيادة الإيمان ونقصانه، فهم على هذا بين خيارين:
إما أن يدعوا قولهم ويتركوا رأيهم أتباعاً لما جاء في الكتاب والسنة، فيصيبوا الحق بهذا ويوافقوه، أو أن يعتمدوا على عقولهم ويستمسكوا برأيهم، فيفارقوا الحق ويجانبوه، ويكون بعدهم عن الحق بقدر بعدهم عما جاء في الكتاب والسنة.
وبهذا تعتبر في قلة أخطاء السلف الصالح وكثرة موافقتهم للحق والصواب في مسائل الشرع والدين، وكثرة أخطاء من بعدهم ممن لم يكن على نهجهم، لاعتصام السلف بالكتاب والسنة وتمسكهم بهما، ولاعتماد الخلف على العقول الكاسدة والآراء الفاسدة ولجوئهم إليها، وشتان بين الفريقين.
وبعد هذا التمهيد الذي لا بد منه، أعرض أهم شبه هؤلاء وأبرز دلائلهم في هذه المسألة، ثم أتبع كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف زيفها، مستمداً العون والتوفيق من الله وحده.
الشبهة الأولي:
وهي عمدة جميع من قال بهذا القول من مرجئة وخوارج ومعتزلة وغيرهم، وهي: قولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن الفرق بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة مع اتفاق الجميع على القول بهذه الشبهة، هو أن الخوارج والمعتزلة قالوا إن فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله، فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلاً بحال، ويكون يوم القيامة مخلداً في النار.
وأما المرجئة، فقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان، لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال انظر ((الفتاوى)) (18/270) . .
قلت: وقد سبق ذكر هذه الشبهة عند حكاية قول المعتزلة والخوارج، لاقتضاء المقام ذلك، وقد ذكر هناك أوجه عديدة وردود سديدة تكشف زيف هذه الشبهة وتبين بطلانها وفيه كفاية إن شاء الله.
الشبهة الثانية:
قولهم إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان حتى إن من حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات وارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغيير فيه أصلاً انظر ((شرح العقائد النسفية))  (ص125) ، و (المسامرة شرح المسايرة))  ( ص369) ، و ((النبراس شرح العقائد))  (ص402) . .
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: جعلهم الإيمان الشرعي هو التصديق القلبي فقط والعمل خارج عن مسماه قول باطل، وقد تقدم الكلام في بيان بطلانه ونقضه من خلال اللغة، والشرع في صرد هذه الرسالة.
ثانيها: لو فرض أن الإيمان هو التصديق وحده، فإنه يكون تصديقاً مخصوصاً، بمعنى أنه يشمل تصديق القلب واللسان والجوارح، إذ إن أفعال الجوارح تسمى تصديقاً كما دل على ذلك الشرع، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ومدرك ذلك لا محالو، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)) رواه البخاري (6243), ومسلم (2657), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
وجاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال" رواه ابن أبي شيبة في ((الإيمان))  (ص31) . .
فالعمل يصدق أن في القلب إيماناً، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيماناً؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وقد ذكر شيخ الإسلام أنه قال بهذا القول أي: أن أفعال الجوارح تسمى تصديقاً أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، وأطال في شرح ذلك وبيانه انظر ((الفتاوى)) (7/293)  وما بعدها، وانظر ((شرح العقيدة الطحاوية))  (2/478) . .
قال شيخ الإسلام: "واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق في القلب، والعمل يصدق القول..." ((الصارم المسلول))  (ص524) . .
فإذا علم هذا، وعلم معه أنه لا خلاف بين أهل السنة والمرجئة في أن الأعمال تتفاضل وتزيد وتنقص، تبين من ذلك وجه هذا الرد ووجاهته.
ثالثها: قولهم: "وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان" غير صحيح، بل باطل؛ لأن الزيادة والنقصان فيه متصورة عقلاً ثابتة شرعاً واقعة عرقاً؛ لأن كل مصدق بشيء يجد في نفسه تفاوتاً في التصديق من وقت لآخر بحسب تعدد الأدلة وقوة البراهين، وقد سبق الكلام على هذا والاحتجاج له في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه وبين هناك أن الإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة من جهة التصديق، وذكر ما يدل على ذلك من نصوص الشرع ومن أقوال أهل العلم.
رابعها: أن محققي هؤلاء تعقبوا هذا القول، ونبهوا على غلطه وذلك للقطع عندهم بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي صلى الله عليه وسلم أو كتصديق جبريل عليه السلام أو كتصديق الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وقد اختار هذا القول النووي انظر ((شرح مسلم))  للنووي (1/142) . ، وعزاه التفتازاني لبعض المحققين انظر ((المواقف في علم الكلام))  (ص388) . ، وقال الإيجي في المواقف إنه الحق وذكر أن ذلك يتبين من وجهين:
الأول: القوة والضعف وعدم القول بالتفاوت يتقضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء، وهذا باطل إجماعاً.
الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثبا عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص دالة على قبوله لهما انظر ((المواقف في علم الكلام))  (ص388) . .
خامسها: أن يقال ما المانع من تفاوت التصديق وقبوله للزيادة والنقصان كما هو الشأن في تفاوت الناس في الأمور الأخرى غير التصديق، وقد نظر أهل العلم له بقوة البصر وضعفه، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الأخفش والأعشى ومن يرى الخط الثخين دون الرفيع إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة وآخر بضده" انظر ((شرح العقيدة الطحاوية))  لابن أبي العز  (2/463) . .
ومثل هذا التفاوت في الإبصار بين الناس التفاوت في التصديق بينهم، بل إن تفاوتهم في التصديق أعظم من تفاوتهم في أي شيء آخر انظر ((الفتاوى)) (ص7/569) . .
سادسها: أن يقال لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم السلام. واللازم باطل فكذا الملزوم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول عند ذكر قول محققي هؤلاء في هذه المسألة وانظر  ((روح المعاني))  للألوسي (9/165) . .
سابعها: أن يقال إن تفاوت التصديق في القلوب أمر يعلمه كل إنسان من نفسه فكل أحد يعلم أن ما قام في قلبه من التصديق واليقين في حين أقوى منه في بعض الأحيان، ومن ثم كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة وما قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس انظر ((شرح صحيح البخاري))  للنووي (1/112) ضمن  ((مجموع شروح البخاري)) . .
وفي هذه الأوجه كفاية، وليطالع معها ما سبق ذكره في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه من تدليل ونقول عن السلف في ذلك.
الشبهة الثالثة:
قولهم إن الزيادة والنقصان لا يدخلان إلا في شيء مخلوق، فمن قال إن الإيمان يزيد وينقص فالإيمان إذاً عنده مخلوق انظر ((السواد الأعظم))  لابن الحكيم السمرقندي  (ص: 33) . .
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: سبق بيان أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتفاضل من جهتين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، وسبق التدليل على ذلك وانظر ((الفتاوى)) لابن تيمية (13/15)  وما بعدها. . ولم يقل أحد ممن يعتد بكلامه أو يعتبر بقوله إنه يلزم من إثبات الزيادة والنقصان أن يكون الإيمان مخلوقاً ولم يقل أحد إنه يلزم من ذلك أن يكون غير مخلوق، وإنما طرح هذا من ابتلي ببعض الأهواء وأشرب ببعض البدع، ومن السؤالات التي طرحها أهل البدع قديماً على السنة والجماعة قولهم هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
وأشفى جواب في ذلك وأوفاه هو ما نقل عن الإيمان أحمد رحمه الله أنه سئل عن ذلك فأجاب بقوله: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق" ((طبقات الحنابلة))  لابن أبي يعلى (1/94) و ((لوامع الأنوار البهية)) للسفاريني  (1/446) . .
فبالتفصيل يستبين السبيل، فإن الإيمان يقصد به أمران: أمر الرب وفعل العبد، فما كان منه من أمر الرب فهو غير مخلوق بل صفة من صفات الخالق اللائقة بجلاله وكماله سحبانه، وأما ما كان منه من فعل العبد كالحركات فهو مخلوق.
قال شيخ الإسلام: "وإذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قي له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئاً من صفات الله وكلامه كقوله: "لا إله إلا الله" وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد وصفاتهم مخلوقة ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل" ((الفتاوى)) (7/664) . .
وقال الذهبي: "لا يجوز أن يقال الإيمان والإقرار والقراءة والتلفظ بالقرآن غير مخلوق فإن الله خلق العباد وأعمالهم والإيمان قول وعمل والقراءة والتلفظ من كسب القاري، والمقروء الملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله داخلة في القرآن وما كان في القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا وأفعالنا مخلوقة" ((السير))  (14/39 ، 40) ، وانظر ((السير))  أيضاً (12/630) . .
وعليه من قال إن الإيمان مخلوق أو قال غير مخلوق فهو مبتدع في كلا الحالين، إلا أن يفصل القول، ويعطي كل ذي حق حقه.
ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: "من قال الإيمان مخلوق فهو كافر ومن قال قديم فهو مبتدع".
قال الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله موضحاً هذا القول: "وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تستمل على قراءة وتسبيح وذكر الله عز وجل ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع" انظر ((ذيل طبقات الحنابلة))  لابن رجب (2/34) ، وانظر أيضاً ((مجموعة الرسائل والمسائل))  لابن تيمية ( 3/395) . .
قلت: وبهذا البيان والتفصيل تزول شبهة هذا الملبس والله المستعان.
الشبهة الرابعة:
قولهم إن الإيمان إنما يزيد وبغلبته على ضده وينقص بغلبة ضده عليه، قولوا والإيمان لا يحصل إلا بعد الغلبة على الكفر فلا يضامه حتى يقال إنه يغلب عليه انظر ((الذريعة إلى مكارم الشريعة))  للأصفهاني (ص130) ، وانظر ((شرح الفقه الأكبر))  لفخر الإسلام علي بن محمد بن حسين ق33/أ. .
قلت: وهذه الشبهة مبنية على أن الإيمان عندهم لا يجتمع مع شيء من الكفر أو النفاق في القلب الواحد، فإن وجد الإيمان فلا وجد لشيء من الكفر في القلب، وكذلك لا وجود لشيء من النفاق، ولهذا قالوا: هنا: إنه إنما يزيد بغلبته على ضده وهو الكفر وينقص بغلبة ضده  -  وهو الكفر  -  عليه، أما أن يضامه ويجتمعان فمحال.
قال شيخ الإسلام: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم  -  أي المرجئة  -  في هذا إعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين، كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة" ((الفتاوى)) (7/404) . .
يقصد بذلك إجماع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص ويقبل التفاضل ويتبعض كما هو ظاهر من دلالات النصوص.
ولكن هؤلاء لما قالوا هذا القول المخالف للنص والإجماع، وتوهموا أن قولهم هذا مجمع عليه بين أهل العلم، وقعوا فيما وقعوا فيه من مخالفات لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا لغلط الذي وقعوا فيه هو في الحقيقة سبب غلطهم في كثير من مسائل الشرع والدين ، "يقول الإنسان قولاً مخالفاً للنص والإجماع القديم حقيقة، ويكون معتقداً أنه متمسك بالنص والإجماع".
فإذا تبينت مخالفة هذا القول للنص والإجماع علم بطلانه، ثم إن قولهم إن الإيمان لا يجتمع معه شيء من الكفر أو شيء من النفاق غلط بين، ومخالف لكثير من النصوص الدالة على إمكان اجتماع شيء من الكفر أو النفاق مع الإيمان.
قال شيخ الإسلام في كلام له: "وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذبك وإذا أئتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) رواه البخاري (34), ومسلم (58), من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. . وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق)) رواه مسلم (1910), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) رواه البخاري (30), ومسلم (1661). وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة، والاستسقاء بالنجوم)) رواه مسلم (934) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) رواه البخاري (6044), ومسلم (64) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ..." ((الفتاوى)) (7/520) . .
ثم أطال شيخ الإسلام رحمه الله في الاحتجاج لذلك، بما لا يدع مجالاً لمنصف وناشد حق أن يتردد في إمكان اجتماع شيء من الكفر والنفاق مع الإيمان، فيكون بذلك مؤمناً ناقص الإيمان أو مؤمناً ضعيف الإيمان، فلا يقال إنه ذاهب الإيمان لوقوعه في بعض هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، ومن قال بخلاف ذلك فقد حكم على جميع الأمة إلا النزر القليل بالكفر لكثرة الكذب وإخلاف الوعد وضعف الأمانة ووجود السباب والفجور، والطعن في الأنساب والنياحة على الميت وغير ذلك من الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال وإن سماها المشارع كفراً فهي كفر عملي لا تخرج صاحبها من الملة، ودل أيضاً على إمكان وجود هذه الأمور المنصوص على أنها كفر في المسلمين، وبهذا تنتقض شبهة هؤلاء، والله أعلم.
ومما تنقض به هذه الشبهة قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: 106].
فهؤلاء ليسوا مؤمنين كما أنهم ليسوا كفاراً، فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وبهذه الآية احتج أيوب السختياني لنقض قول المرجئة هذا.
فقد روى ابن بطة بإسناده إلى سلام بن أبي مطيع قال شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان قال: وأيوب ساكت، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ[التوبة: 106]. أمؤمنون أم كفار؟ فسكت الرجلن فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي ((الإبانة))  (2/754) . .
الشبهة الخامسة:
احتجاج بعضهم ببعض الأحاديث المذكوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحتجون بهذه الأحاديث صنفان:
الأول: واضعوا هذه الأحاديث فجميعهم من المرجئة كما سيأتي بيان ذلك، وقد وضعوها للاحتجاج بها على مذهبهم الباطل.
الثاني: أناس آخرون من المرجئة ليس عندهم تمييز بين الصحيح والسقيم رأوا هذه الأحاديث واغتروا بها لموافقتها أهواءهم انظر ((السواد الأعظم))  لابن الحكيم السمرقندي (ص34) ، و ((النبراس شرح العقائد))  (ص: 402) ، و ((عمدة القاري))  (1/110) . .
وجملة ما وقفت عليه في هذا من أحاديث ستة أحاديث، ويفرغ من أمرها بمعرفة كذبها على النبي صلى الله عليه وسلم واختلاقها عليه، وقد قمت بدراسة هذه الأحاديث ونقدها، وبينت أنها جميعها مكذوبة مفتراة على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بالنقل عن أئمة هذا الشأن من علماء الجرح والتعديل.
ثم إني وجت أن جميع واضعي هذه الروايات والذين تولوا كبرها وتحملوا وزرها من المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد نص أهل العلم على أنهم من الكذبة، وستأتي تراجمهم وأقوال علماء الجرح والتعديل فيهم عند ذكر روايتهم، وقد أوغل هؤلاء في الضلال حينما تجرأوا على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعماً لمذهبهم الباطل وتأييداً له، وتعرضوا بذلك لوعيد الله وأليم عقابه.
وقد قال تعالى عن الكذبة بعامة: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل: 105].
وقال صلى الله عليه وسلم عن عاقبة الكذب عليه بخاصة، وأنه ليس ككذب على أي أحد: ((إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار)) رواه البخاري (1291), ومسلم (4), من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. .
ولا نقول إلا قاتل الله الهوى فكم فعل بأهله من الأفاعيل، وكم أدخلهم في مزالق ومعاطب مردية، حتى بلغ بهم على الكذب على خير الخلق عليه الصلاة والسلام نصرة لباطلهم وترويجاً له. ثم إليك تلك الروايات مسوقة مع كلام أهل العلم عليها:
1- حديث مأمون بن أحمد السلمي، قال حدثنا أحمد بن عبدالله الجويباري، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).
موضوع مأمون والجويباري كذابان.
فمأمون: قال عنه أبو نعيم: "خبيث وضاع يأتي عن الثقات مثل هشام بن عمار ودحيم بالموضوعات، مثله يستحق من الله ومن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين اللعنة".
وقال ابن حبان: "كان دجالاً من الدجاجلة، ظاهر أحواله مذهب الكرامية..." وقال الذهبي: "له طامات وفضائح" انظر ((المجروحين))  لابن حبان (3/45) ، و ((الضعفاء))  لأبي نعيم (ص150) ، و ((الضعفاء والمجروحين))  لابن الجوزي  (3/32) ، و ((الأباطيل))  للجورقاني  (1/41) ، و ((المغني في الضعفاء))  للذهبي 2 (/141) ، و ((ديوان الضعفاء))  له  (ص335) ، و ((الميزان))  له (3/429) ، و ((اللسان))  لابن حجر  (5/7) . .
وأحمد بن عبدالله الجويباري: قال عنه النسائي والدارقطني: "كذاب"، وقال الجوزجاني: "كان يضع الحديث، ما أدري حسب إيمانه"، وقال أبو حاتك: "دجال من الدجالين، كذاب يضع على الذين يروي عنهم ما لم يحدثوا به، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"، وقال ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده"، وقال أبو سعيد النقاش: "لا نعرف أحداً أكثر وضعاً منه"، وقال الحاكم: "هذا كذاب خبيث لا تحلرواية حديثه بوجه"، وقال البيهقي: "أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث"، وقال الذهبي: "كذاب ممن يضرب المثل بكذبه" انظر ((الضعفاء))  للنسائي (ص22) ، و  ((أحوال الرجال))  للجوزجاني (ص206) ، و ((المجروحين))  لابن حبان (1/142) ، و ((الضعفاء والمتروكين))  للدارقطني (ص114) ، و ((الضعفاء والمجروحين))  لابن الجوزي (1/78) ، و ((المغني في الضعفاء))  للذهبي  (1/83) ، و ((ديوان الضعفاء))  له (ص 6) ، و ((الميزان))  له ( 1/106) ، و ((اللسان))  لابن حجر (1/193) . .
فحديثهما موضوع بيقين، قال ابن الجوزي: "هذا من موضعات الجويباري والذي رواه عنه وهو مأمون فقد اسمه، وإنه احد الوضاعين، ذكر أنه وضع مائة ألف حديث" ((الموضوعات))  (1/132) . .
وقد وضع مأمون هذا حديثاً في الإيمان فروى عن عبدالله بن مالك بن سليمان عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان قول والعمل شرائعه)).
قال ابن حبان: "فمما وضع على الثقات أنه روى عن عبدالله بن مالك..." فذكره ((المجروحين))  (3/45)  ونقله الذهبي في ((الميزان))  (3/429) . .
وقال ابن الجوزي: "وهذا من موضوعات مأمون بلا شك، وقد ذكرنا أنه من الكذابين" ((الموضوعات))  (1/133) . .
2- حديث محمد بن كرام، قال حدثنا أحمد بن عبدالله الشيباني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).
موضوع. محمد بن كرام: ساقط الحديث، وأحمد بن عبدالله الشيباني هو الجويباري كذاب خبيث تقدم ذكره.
قال الحافظ بن عدي: "كان يضع الأحاديث لابن كرام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبدالله الشيباني" رواه الجورقاني في ((الإباطيل))  (1/19) ، وابن الجوزي في ((الموضوعات))  ( 1/132) . .
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله ورفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).
فكتب محمد بن إسماعيل البخاري على ظهر كتابه: "من حدث هذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل" رواه الجورقاني في ((الأبطايل))  (1/19) ، وابن الجوزي في ((الموضوعات))  (1/132) ، والحاكم في "تاريخه" كما في ((اللآلئ))  للسيوطي (11/39) ، وذكره الزركشي في ((التذكرة))  (ص32) ، وفي ((المعتبر))  (ص300)  ونقله عنه جمع. .
وقال الجورقاني بعد أن ساق الحديث بإسناده: "هذا حديث موضوع باطل، وليس له أصل، وهو من موضوعات أحمد بن عبدالله الجويباري، وأحمد بن عبدالله هذا كان خبيثاً دجالاً من الدجاجلة، كذاباً، يوري عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف حديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه" ((الأباطيل))  (1/18) . .
3- حديث أبي مطيع البلخي، قال حدثناه حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة: ((أن وفد ثقيف جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الإيمان هل يزيد وينقص؟ قال: لا، زيادته كفر ونقصانه شرك)).
موضوع. فيه أبو مطيع البلخي وأبو المهزم وكلاهما متروك والمتهم فيه هو أبو مطيع.
أما الأول وهو أبو مطيع الحكم بن عبدالله البلخي فقد قال عنه أحمد: "لا ينبغي أن يروى عنه شيء"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه"، وقال البخاري: "ضعيف صاحب رأي"، وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها"، وقال أبو حاتم: "كان مرجئاً كذاباً"، وقال الفلاس والدراقطني: "ضعيف"، وقال الجورقاني: "كان أبو مطيع من رؤساء المرجئة ممن يضع الحديث" انظر ((التاريخ الكبير))  للبخاري ( 4/574) ، و ((الضعفاء))  للنسائي (ص113) ، و ((الجرح والتعديل))  لابن أبي حاتم (3/121) ، و ((المجروحين))  لابن حبان ( 1/250) ، و ((الكامل في الضعفاء))  لابن عدي (2/631) ، و ((الضعفاء والمجروحين))  لابن الجوزي ( 1/227) ، والميزان للذهبي (1/574) ، و ((اللسان))  لابن حجر (2/335) . .
وأما الأخر: وهو أبو المهزم بتشديد الزاي المسكورة التميمي البصري فقد قال عنه ابن معين: "ضعيف"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال أبو زرعة: "ليس بقوي شعبة يوهنه"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث"، وقال النسائي: "متروك"، وقال مسلم بن إبراهيم عن شعبة: "رأيت أبا المهزم ولو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً"، وفي رواية عنه: "لوضع"، وقال علي بن الجنيد: "شبه المتروك"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه ينكر عندهم"، وقال ابن حجر: "متروك" انظر ((التاريخ الكبير))  للبخاري  (8/339) ، و ((الضعفاء الصغير))  له (ص121) ، و ((الضعفاء))  للنسائي (ص111) ، و ((المجروحين))  لابن حبان ( 3/9 )  ، و ((الميزان))  للذهبي ( 4/426) ، و ((الكاشف))  له (3/337) ، و ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (12/248) ، و ((تقريب التهذيب))  له (2/478) . .
وواضع الحديث هو أبو مطيع كما تقدم.
قال الحاكم: "إسناده فيه ظلمات، والحديث باطل، والذي تولى كبره أبو مطيع" ذكره ابن حجر في ((اللسان))  ( 4/146) ، والسيوطي في ((اللآلئ))  (ص 38) . .
وقال الجورقاني: "هذا حديث موضوع باطل لا أصل له، وهو من موضوعات أبي مطيع البلخي" ((الأباطيل))  (1/21) . .
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع باطل بلا شك، وهو من وضع أبي مطيع" ((الموضوعات))  ( 1/131) . .
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد" ((الميزان))  (3/42) . .
4- حديث عثمان بن عبدالله الأموي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال:
((قدم وفد من ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله جئناك نسألك عن الإيمان، أيزيد أو ينقص قال: الإيمان مثبت في القلوب كالجبال الرواسي وزيادته ونقصانه كفر)).
موضوع. فيه عثمان الأموي، وأبو المهزم.
أما أبو المهزم فتقدم ذكره.
وأما عثمان بن عبدالله الأموي فقال عنه الأزدي: "لا يحتج بحديثه"، وقال ابن عدي: "حدث بمناكير عن الثقات وله أحاديث موضوعات"، وقال ابن حبان: "يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً"، وقال الدارقطني: "متروك الحديث"، وقال مرة: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات" انظر ((المجروحين))  لابن حبان (2/103) ، و ((الكامل في الضعفاء))  لابن عدي (5/1823) ، و ((الضعفاء والمتروكين))  لابن الجوزي (2/170) ، و ((المغني في الضعفاء))  للذهبي  (1/603) ، و ((الميزان))  له ( 3/41) ، و ((اللسان))  لابن حجر  (4/143) . .
قلت: أما واضع هذا الحديث فهو أبو مطيع البلخي المتقدم في الحديث الذي قبله، فسرقه عثمان بن عبدالله هذا منه فحدث به.
قال ابن حبان: "هذا شيء وضعه أبو مطيع البخي فسرقه هذا الشيخ وحدث عنه" ((المجروحين))  (2/103) . وقال الجورقاني بعد أن روى الحديث: "هذا حدث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس هذا الحديث أصل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن عبدالله هذا كذاب، فسرق هذا الحديث عن أبي مطيع البلخي، فواه عن حماد ابن سلمة، وهذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي عن حماد بن سلمة" ((الأباطيل))  ( 1/23) . .
وقال ابن الجوزي: "وقد سرق هذا الحديث من أبي مطيع، أبو عمرو عثمان بن عبدالله بن عمرو... وغير لفظه، فرواه عن حماد بن أبي المهزم عن أبي هريرة..." ثم ساق لفظه   ((الموضوعات))  (1/131) . .
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد، فسرقه هذا الشيخ منه" ((الميزان))  (3/42) . .
5- حديث محمد بن القاسم الطايكاني: عن عبدالعزيز بن خالد عن سفيان الثوري عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن، فارقوا دين الله، وانتحلوا الكفر، وخاصموا في الله، طهر الله الأرض منهم ألا ولا صلاة لهم، ألا ولا صوم لهم، ألا ولا زكاة لهم، ألا ولا حج لهم، ألا ولا بر لهم، هم براء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله برئ منهم)).
موضوع. فيه محمد بن القاسم الطايكاني كذاب وهو واضعه.
قال ابن حبان: "روي عن أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب"، وقال الحاكم: "من رؤوس المرجئة يضع الحديث على مذهبهم"، وقال: "حدث بأحاديث موضوعة"، وكذا قال أبو نعيم، وقال الجورقاني: "كان يضع الحديث ويكذب"، وقال الذهبي: "كان يضع الحديث" انظر  ((المجروحين))  لابن حبان ( 2/311) ، و ((الضعفاء والمتروكين))  لابن الجوزي (3/93) ، و ((المغني في الضعفاء))  للذهبي (1/625) ، و ((ديوان الضعفاء))  له (ص285) ، و ((الميزان))  له  (4/11) ، و ((اللسان))  لابن حجر  (5/343) . .
قال الجورقاني وقد روي الحديث: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمدبن القاسم الطايكاني، ومحمد بن القاسم هذا كان كذاباً خبيثاً"   ((الأباطيل))  ( 1/24) . .
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضو، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني"   ((الموضوعات))  ( 1/133) . .
وقال السيوطي: "موضوع آفته الطايكاني، كذاب خبيث من المرجئة، كان يضع الحديث لمذهبه"   ((اللآليء))  (1/40) . .
6- حديث محمد بن تميم السعدي الفريابي، من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((من قال الإيمان يزيد وينقص قد خرج من أمر الله، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب)).
موضوع. وآفته محمد بن تميم، وهو واضعه.
قال فيه ابن حبان: "كان يضع الحديث"ن وقال الحاكم: "كذاب خبيث"، وقال النقاش: "وضع غير حديث"، وقال أبو نعيم: "كذاب وضاع" انظر  ((المجروحين))  لابن حبان  (2/306) ، و ((الضعفاء))  لابن نعيم (ص145) ، و ((الضعفاء والمتروكين))  لابن الجوزي  (3/44) ، و ((المغني في الضعفاء))  للذهبي  (2/170) ، و ((الميزان))  له  (3/494) ، و ((اللسان))  لابن حجر ( 5/98) . .
قال ابن الجوزي: "وضعه ابن تميم"   ((الموضوعات))  (1/135)  وأقره السيوطي في ((اللآليء))  ( 1/42) وتصحفت فيه هذه الكلمة تصحفاً مشيناً فكتب بدلاً من "وضعه ابن تميم"، "وضعفه محمد بن تميم"؟ فصار بهذا التصحيف إماماً في الجرح بدل أن يكون وضاعاً. .
وقال ابن عراق: "وهو من وضع محمد بن تميم" ((تنزيه الشريعة))  ( ص150) . .
قلت: فجميع الأحاديث المروية في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص باطلة موضوعة بلا ريب.
ولهذا قعد ذلك ابن القيم في مناره المنيف، فقال: "وكل حديث فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق" ((المنار المنيف))  ( ص119) . .
ويكفي في بطلان تلك الروايات مصادمتها الصريحة لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، فهي باطلة لا وجه لها من الصحة.
ومع هذا فقد قال ملا علي القارئ بعد أن نقل هذه القاعدة عن ابن القيم: "ومعنى اللفظ الأول  -  أي: الإيمان لا يزيد ولا ينقص  -  صحيح عند المحققين من المتأخرين" ((الأسرار المرفوعة))  (ص344) . !!
قلت: وأي صحة لما خالف وصادم نصوص الكتاب والسنة، فنصوص الكتاب والسنة صريحة بأنه يزيد وينقص، وهذه الأباطيل صريحة بأنه لا يزيد ولا ينقص، فهل من توفيق بين ضدين أو جمع بين نقيضين، لا ريب أن ذلك محال.


شتان بين الحالتين فإن ترد




جمعاً فما الضدان يجتمعان

ثم إن من العجب حقاً أن يلتمس لتلك الأحاديث الأباطيل معنى من الصحة وقد افتراها أناس سمتهم الكذب وديدنهم الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإفتراء ليه، أو من كان كذلك يتطلب لأقواله وأحاديثه المفتراة معنى من الصحة!.
وقد أحسن عندما قيد تصحيح معناه بالمتأخرين، إذ إن المتقدمين من سلفنا الصالح أهل السنة والجماعة لا ريب عندهم في بطلان مثل هذا، ولهذا ضمنوا مؤلفاتهم في السنة باب زيادة الإيمان ونقصانه وأوردوا تحته الأدلة الكثيرة عليه، المبطلة لما خالفه، أما المتأخرون فلا عبرة بأقوالهم ولا اعتداد بها ما خالفت النص، وهؤلاء الذين وصفهم القارئ بالمحققين جاءوا بما ناقض التحقيق، بل والعقول الرزينة والفطر السليمة، وكيف يوصف ما جاء على الضدين تماماً لما في القرآن والسنة بأنه تحقيق؟
أما السلف الصالح أهل العلم والإيمان فعندهم أن هذا القول بدعة محدثة وليس من التحقيق في شيء كما سبق أن مر معنا في أقوال السلف، بل هو عندهم من الكذب والتلفيق؛ ولهذا يقول عبدالله بن إدريس: "كذاب من زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص" رواه الخطيب في "تاريخه "  (13/383) . .زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص 371


انظر أيضا: