trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه عند مرجئة الفقهاء


لم تختلف كلمة المرجئة، فقهائهم ومتكلميهم، في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ووافقهم  -  يعني الخوارج والمعتزلة  -  المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض، ولا يتفاضل، فلا يزيد ولا ينقص، وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" ((شرح الأصبهانية)) (2/574) ، (ص138) ت مخلوف؛ ونحوه في: ((منهاج السنة)) (5/204-205) . .
ويقول أيضا: "لكن بعض الناس قال: إن إيمان الخلق مستو، فلا يتفاضل إيمان أبو بكر وعمر وإيمان الفساق؛ بناء على أن التصديق بالقلب واللسان، أو بالقلب، وذلك لا يتفاضل" ((الفتاوى)) (6/479) . .
وعن فقهاء المرجئة خاصة يقول رحمه الله تعالى:
"وأنكر حماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/507) ، (ص372) ط. ابن الجوزي. .
وهذا المذهب لمرجئة الفقهاء في زيادة الإيمان ونقصانه دل عليه أيضا أثر معقل العبسي، وقد تقدم بعضه، ومما جاء فيه قول معقل لعطاء:
"فقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة.
فقال  -  أي عطاء -: أوليس قد قال الله فيما أنزل: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4]، فما هذا الإيمان الذي زادهم؟" ((الإيمان)) (ص193) ((الفتاوى)) (7/205) مختصرا. .
ونقل شيخ الإسلام ما أورده الإمام أحمد عليهم في إنكارهم زيادة الإيمان، حيث يقول رحمه الله:
"قال الإمام أحمد: فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة الإيمان من أجل أنهم لا يدرون ما زيادته، وأنها غير محدودة.
فما يقولون في أنبياء الله، وكتبه، ورسله؟ هل يقرون بهم في الجملة؟ ويزعمون أنه من الإيمان؟
فإذا قالوا: نعم.
قيل لهم: هل تجدونهم، وتعرفون عددهم؟ أليس إنما يصيرون في ذلك إلى الإقرار بهم في الجملة، ثم يكفون عن عددهم؟ فكذلك زيادة الإيمان.
وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى زيادته  -  يعني الإيمان  -  لا يمنعهم من الإقرار بها في الجملة، كما أنهم يؤمنون بالأنبياء والكتب، وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل" ((الإيمان)) (ص391) ((الفتاوى)) (7/409) ؛ والنقل عن الإمام أحمد من رسالته إلى أبي عبدالرحمن الجوزجاني: ذكرها الخلال في ((السنة)) (4/22-28 برقم 1103) . .
ثم إن فقهاء المرجئة انفردوا عن المرجئة في هذه المسألة بإثبات الزيادة في الإيمان حال نزول الآيات، فلما اكتمل الدين لم تعد هناك زيادة.
يقول شيخ الإسلام عنهم: "قالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما" ((الإيمان)) (ص184) ((الفتاوى)) (7/195) ؛ وفي كون هذا هو توجيه فقهاء المرجئة راجع: ((شرح العقائد)) النسفية، (ص81) ؛ و ((تبصرة الأدلة)) (2/809) ؛ وقد ارتضاه بعض المتكلمين، كما في ((أصول الدين)) ، للغزنوي، (ص257) ؛ و ((شرح المقاصد)) (5/214) . .
وهذا الذي فهمه فقهاء المرجئة مردود بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد أثبتوا زيادة الإيمان ونقصانه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله، فأثبتوا الزيادة بعد كمال الدين انظر: ((الإيمان)) (ص212) ((الفتاوى)) (7/225) . .
وكمال الدين في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] لا يعني أن الإيمان لا يتفاضل، بل المراد بالإكمال هنا كما قال شيخ الإسلام: "أي في التشريع بالأمر والنهي، ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، ونقصان دينها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس هو نقصا مما أمرت به، فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين" ((الإيمان)) (ص219-220) ((الفتاوى)) (232-233) ؛ وانظر: ((شرح الأصبهانية)) (2/577-578، ص139-140) ت مخلوف. .
وبعد هذا، فإن منشأ الغلط في هذه المسألة كما مر في أول كلام شيخ الإسلام عائد إلى أصلهم البدعي المشهور أن الإيمان شيء واحد، لا يتبعض، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، فلما جعلوا الإيمان شيئا واحدا جعلوا الناس فيه متساوين من حيث ما يجب عليهم، ومن حيث ما يقع منهن، فلا يمكن أن يأتي أحد بإيمان لا يأت به الآخر، فالإيمان في حق الجميع واحد، وكل من آمن فقد أتى به.
وقالوا إن هذا مثل ما لو تلفظ الفاسق بالشهادتين، أو قرأ فاتحة الكتاب، كان لفظه كلفظ غيره من الناس انظر: ((الفتاوى)) (13/52) . .
يقول شيخ الإسلام: "وأصل هؤلاء  -  يعني المرجئة  -  أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل، بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع العباد فيما أوجبه الرب من الإيمان، وفيما يفعله العبد من الأعمال.
فغلطوا في هذا وهذا، ثم تفرقوا كما تقدم، وصار المرجئة على ثلاثة أقوال:
فعلماؤهم وأئمتهم أحسنهم قولا، وهو أن قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان.
وقالت الجهمية: هو تصديق القلب فقط، وقالت الكرامية: هو القول فقط" ((الفتاوى)) (13/55) . .
ويقول: "ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة؛ لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم" ((الإيمان))  ( ص387) ((الفتاوى)) (7/404) ؛ ونحوه في: ((الفتاوى)) (20/86) ؛ و ((النبوات))  ( 1/580) . .
فبناء على هذا الأصل منع المرجئة زيادة الإيمان ونقصانه، وفسروا الزيادة والنقصان بأن المراد زيادة الأعمال الظاهرة ونقصانها، وهي عندهم ليست من الإيمان، فتكون زيادة الإيمان ونقصانه عندهم زيادة ثمراته ونتائجه انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/562، ص458) ط. ابن الجوزي؛ و ((الإيمان))  ( ص390) ((الفتاوى)) ( 7/408) ؛ و ((الفتاوى)) (7/671-18/271) . .
وأما عند أهل السنة، فإن الزيادة والنقصان تدخل فيما يؤمر به المكلف من أمر ونهى، وفيما يقع منه من قول وعمل، ظاهر وباطن.
يقول شيخ الإسلام بعد حكاية قول الجهمية والمرجئة الفقهاء في مسمى الإيمان:
"وأنكر كل هذه الطوائف أنه ينقض، والصحابة قد ثبت عنهم أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول أئمة السنة،...،
وذلك أن أصل أهل السنة أن الإيمان يتفاضل مع وجهين:
من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد" ((الفتاوى)) (13/50-51) . .
ثم شرع رحمه الله في شرح التفاضل في هاتين الجهتين على النحو التالي:
الجهة الأولى: وقوع التفاضل من جهة أمر الرب.
يقول شيخ الإسلام شارحا التفاضل في هذا الوجه:
"فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص.
فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به، كالقبلة، فكان من الإيمان في الأمر الأول الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة.
وأيضا من وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل.
وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة وجب عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها.
فلم يتساوى الناس فيما أمروا به من الإيمان، وهذا من أصول غلط المرجئة، فإنهم ظنوا أنه شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين، فقالوا:
إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، كما أنه تلفظ الفاسق بالشهادتين أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس.
فيقال لهم: قد تبين أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، ويتباينون فيه تباينا عظيما.
فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر، ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم.
وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق، والإقرار، فإن الناس وإن كان عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول، فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلا، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به.
فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر به من الزكاة، ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فجيب عليه من العلم والإيمان والعمل ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلا على غيره"، ثم قال:
"وبالجملة فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: ((ناقصات عقل، ودين)) رواه البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, ومسلم (79) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. ، وقال في نقصان عقلها ودينها: ((أنها إذا حاضت لا تصوم، ولا تصلي)) "، ثم ختم هذا الوجه بقوله:
"فهذا يبين تفاضل الإيمان في نفس الأمر به، وفي نفس الأخبار التي يجب التصديق بها" ((الفتاوى)) (13/51-55)  باختصار. .
ويقول رحمه الله: "وهؤلاء  -  يعني المرجئة  -  غلطوا من وجوه:
أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.
وليس الأمر كذلك، فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمه محمد، وأوجب على أمة محمد من الأيمان ما لم يوجبه على غيرهم.
والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن.
والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلا ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر مجملا، فإنه لابد من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول أو مات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث، وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة، فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر، ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
وأيضا لو قدر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول، وكل ما نهى عنه، وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل في الحج، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة.
فصار ما يجب من الإيمان تصديقا وعملا على أشخاص ما لا يجب على آخرين" ((الإيمان))  (ص184-185)  ((الفتاوى))  (7/196) ؛ وتكرر كلام شيخ الإسلام حول هذا المعنى. انظر: ((الإيمان))  (ص219-220، 390-391)  ((الفتاوى)) ( 7/232-233، 408 – 409) ؛ و ((شرح الأصبهانية))  (2/577-578) ،  (ص139-140) ت مخلوف؛ و ((الفتاوى)) (12/476-18/277) . .
وحاصل هذا الوجه أن تفاضل الناس فيما أمروا به يتنوع بحسب الأحوال التالية:
الأول: أن الإيمان الواجب على أتباع الأنبياء المتقدمين، ليس كالواجب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
الثاني: الإيمان الواجب قبل نزول القرآن، ليس كالإيمان الواجب بعد نزوله.
الثالث: الإيمان الواجب على من عرف الدين مفصلا، ليس كالإيمان الواجب على من عرفه مجملا.
الرابع: الإيمان الواجب على الملائكة، ليس كالإيمان الواجب على غيرهم، وما يجب على العلماء ليس كالذي يجب على غيرهم، وكذلك الأمراء، وكذا من وجبت عليه بعض الواجبات يلزمه معرفة أحكامها.
الجهة الثانية: وقوع التفاضل من جهة فعل العبد.
وكلام شيخ الإسلام في تقرير التفاضل في هذه الجهة كثير، حيث ذكر أن التفاضل في الإيمان من هذه الجهة يكون من وجوه متعددة، ذكر منها ثمانية وجوه توسع رحمه الله في ذكرها في: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/562-574) ، (ص458-481) ط. ابن الجوزي، و ((الإيمان))  (ص220-224)  ((الفتاوى)) (7/233-237) . ، وهذا تلخيص لها:
الوجه الأول: زيادة الأعمال الظاهرة ونقصانها.
فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/562، 574، ص458، 481) ط. ابن الجوزي وانظر: ((الإيمان))  (ص222) ((الفتاوى)) (7/235) . وأما الشهادتان باللسان، فإنها لا تزيد ولا تنقص. انظر: ((الإيمان))  ( ص246) ((الفتاوى)) (7/256) ؛ و ((السنة))  للخلال ( 3/581)  (رقم 10079) . .
الوجه الثاني: زيادة أعمال القلوب ونقصها.
فأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله تعالى، وخوفه، ورجائه، وإخلاص الدين له، والتصديق بأخباره، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وسلامة القلوب من الرياء، والكبر، والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، كلها من الإيمان وهي مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلا عظيما انظر: مجموعة ((الفتاوى الكبرى)) ( 2/20) ؛ و ((الإيمان))  (ص222)  ((الفتاوى)) 7/235؛ و ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/563) ، (ص458) ط. ابن الجوزي. .
ويقوى كذلك كلما ازداد العبد تدبر للقرآن، وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغالا به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب انظر: مجموعة ((الفتاوى الكبرى)) ( 2/20) . .
وقد جاء في الصحيحين عن النبي ص أنه قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوهله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) رواه البخاري (16) ومسلم (43) من حديث أنس رضي الله عنه. .
وقال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ إلى قوله: َحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ [التوبة: 24].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله إني لأخشاكم لله)) رواه البخاري (16), من حديث أنس رضي الله عنه, بلفظ: (..أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له...). ، وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده. ووالده، والناس أجمعين)) رواه البخاري (15), ومسلم (44) من حديث أنس رضي الله عنه. ، وقال له عمر(( يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فلأنت أحب إلى من نفسي، قال: الآن يا عمر)) رواه البخاري (6632) من حديث عبد الله بن هشام رضي الله عنه. .
وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية، وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: 165].
وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة.
ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه؛ لما يجدون من ذلك في أنفسهم.
ومن هذا قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173]، وإنما زادهم طمأنينة وسكونا، وقال صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا)) انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى))  (7/563 – 564) ، (ص458-460) ط. دار ابن الجوزي؛ وانظر مزيد بيان حول هذا الوجه في: ((الفتاوى)) (6/479 – 481 – 13/55 – 18/277 – 22/606 – 25/282 – 27/424) . .
الوجه الثالث: أن نفس التصديق والعلم الذي في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل.
فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار، والأمم، وصدقه في ذلك كله.
وليس من التزم طاعته مجملا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به، كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/564، ص460) ط. ابن الجوزي؛ و ((الإيمان))  (ص220) ((الفتاوى)) ( 7/233) ؛ و ((الفتاوى)) (6/480) . .
الوجه الرابع: أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، كما يتفاضل سائر صفات الحي، من القدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة، والسواد، والبياض، ونحو ذلك، وعامة الصفات التي يتصف بها الموصوفون تقبل التفاضل انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/564-565) ، (ص460 – 461) ط. دار ابن الجوزي؛ و ((الإيمان))  (ص390)  ((الفتاوى)) (7/407) . .
فالعلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه انظر: ((الإيمان))  (ص221)  ((الفتاوى)) (7/234) . .
وما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر.
والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، ورضاه بمرضيه، وسخطه لمسخوطه، وإرادته لمراده، وكراهيته لمكروهه، ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/564-565) ، (ص461) ط. ابن الجوزي. .
وأيضا فإن التصديق المستلزم عمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله وخشيته، والرغبة في الجنة والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول أكمل انظر: ((الإيمان))  (ص221)  ((الفتاوى)) (7/234) . .
والمعرفة نفسها تختلف بالإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور، ومع الغفلة، فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، كالمجملة التي غفل عنها، وإذا حصل ما يريبه فيها ذكرها في قلبه ثم رغب إلى الله في كشف الريب انظر: ((الإيمان))  (ص391)  ((الفتاوى)) (7/408-409) ، وانظر أيضا: ((الإيمان))  (ص388، 390) ((الفتاوى)) ( 7/406، 407) ، و ((الفتاوى)) ( 10/722) . .
الوجه الخامس: أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها.
فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، وتبين فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، بل من حصل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة منن تعارضه الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث.
ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها، ليس كالعلم الذي هو حاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبه المعارضة له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت كان أوجب لكماله وقوته وتمامه انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) (7/565 – 566) ، (ص462) ط. ابن الجوزي. .
الوجه السادس: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته، وذكره واستحضاره، كما يحصل النقص من جهة الغفلة عنه، والإعراض.
والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب هي صفات وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها.
والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحقيقه، والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون حال العالم بالشيء في ذكره له.
قال عمير بن حبيب الخطمي رضي الله عنه: الإيمان يزيد وينقص، قالوا: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/566، ص462-463) ط. ابن الجوزي؛ وانظر أيضا: ((الإيمان))  ( ص222-223)  ((الفتاوى)) ( 7/235-236) ؛ و ((شرح الأصبهانية))  ( 2/580، ص140)  ت مخلوف؛ و ((الفتاوى)) (6/480 – 18/278) . .
الوجه السابع: أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلا وتفاوتا من الإيمان.
فكل ما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله، فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/566، ص 463) ط. ابن الجوزي. .
الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه انظر: ((الإيمان))  ( ص224)  ((الفتاوى)) (7/237) . .
وبمعرفة وقوع التفاضل من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد من خلال الوجوه السابقة يبطل بحمد الله أصل المرجئة أن الإيمان لا يتفاضل، والله تعالى أعلم.آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 425


انظر أيضا: