trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص، والرد عليه


لقد كان الحديث في الفصل السابق عمن قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، أما الحديث في هذا الفصل فسيكون إن شاء الله عمن خالف قول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فقال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.
وجملة من وقفت على أنه قال بذلك بعد التتبع والنظر في كتب الفرق والمقالات وغيرها، مما تيسر لي الوقوف عليه هم:
1- طائفة من الأشاعرة.
2- رواية عن أبي حنيفة.
3- الغسانية.
4- النجارية.
5- الإباضية.
وتفصيل ذلك كما يلي:
أما قول الطائفة من الأشاعرة فقد أشار إليه البغدادي في "أصول الدين" فقال: "وأما من قال: إنه التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها" ((أصول الدين)) (ص252) . .
وذكر نحو قوله هذا العيني في (عمدة القاري).


ورجحت زيادة الإيمان




بما تزيد طاعة الإنسان


ونقصه بنقصها وقيل لا




وقيل لا خلف كذا قد نقلا

قال في الشرح: "ويحتمل في أن يكون النفي في كلام المصنف راجعاً إلى أقرب مذكور وهو قوله: "ونقصه بنقصها" فكأنه قال: وقيل لا ينقص فيكون مراده بهذا القيل أن الإيمان يزيد ولا ينقص..." ((تحفه المريد)) (ص51) . وانظر ((جوهرة التوحيد "ضمن مجموعة مهمات المتون")) (ص12) . .
وقال الزبيدي: "وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه يزيد ولا ينقص" ((إتحاف السادة المتقين)) (2/256) . .
ونقله عن الكشيمري الحنفي في (فيض الباري)، ونقل نحوه الكاندهلوي الحنفي في (تحفة القارئ) وقال: "وروى عن أبي حنيفة ومالك يزيد ولا ينقص".
قلت: سبق أن بينت أن مالكاً لم يقل إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما قال: يزيد وتوقف في النقصان، وفرق بين الأمرين.
ثم إن الكشميري والكندهلوي لما ذكرا نسبة هذا القول لأبي حنيفة لم يتكلما بشيء حول عدم صحة هذه النسبة إليه، بل إن الأول منهما أخذ يوجه هذا القول، فكأن هذا إقرار منه بصحة النسبة!
وعلى كل ففي صحة نسبة هذا القول لأبي حنيفة نظر.
فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم أتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم أن الإيمن يزيد ولا ينقص، ثم قال: "وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة" ((الفرق بين الفرق)) (ص203) . .
ثم خطأه في ذلك: فقال: "وهذا غلط منه عليه، لأن أبا حنيفة قال: إن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله وبما جاء من الله تعالى ورسله في الجملة دون التفصيل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه، وغسان قد قال: بأنه يزيد ولا ينقص" ((الفرق بين الفرق)) (ص203) . .
فالبغدادي يرى أن نسبة هذا القول لأبي حنيفة غلط عليه، وهذا ظاهر لأن المشهور والمعروف عنه نفي الزيادة والنقصان معاً.
لذا قال الإسفرايني: "كان يقول أي غسان الإيمان إقرار بالله ومحبة لله تعالى وتعظيم له، وهو يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان على خلاف ما قاله أبو حنيفة رحمه الله حيث قال: لا يزيد ولا ينقص" ((التبصير في الدين)) (ص101) . .
قلت: فلعل الغسانية نسبوا هذا القول لأبي حنيفة ترويجاً لمذهبهم، وإشهاراً له، ولا غرابة في هذا، فإن هذا سجية لأهل البدع وطبيعة لهم ينحلون الأئمة ما لم يقولوه ليروج باطلهم وينتشر وخصوصاً أبا حنيفة، فقد نحل رحمه الله من عقائد الجهمية والمعتزلة والماتريدية وغيرهم شيء كثير لم يقل به وإنما نسبه إليه أهل الباطل باطلاً.
هذا بشكل عام أما قول أبي حنيفة في هذه المسألة بخصوص فهو أشد من قول هؤلاء، وأكثر بعداً عن الصواب، إذ إن المشهور عنه رحمه الله، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً، هو نفي الزيادة والنقصان كليهما وسيأتي الكلام على مذهبه هذا موسعاً في الفصل القادم إن شاء الله، وإنما الذي قصدت بيانه هنا هو عدم صحة نسبة هذا القول  -  أعني أن الإيمان يزيد ولا ينقص  -  إليه.
وأما الغسانية فالقول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص مشتهر عنهم، وقد نسبه إليهم غير واحد ممن كتب في المقالات والفرق انظر ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (ص139) والتبصير في الدين للأسفريني (ص98) و ((الفرق بين الفرق)) للبغداد (ص203) . .
وأما النجارية، فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والأسفرايني والبغدادي وغيرهم انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص136) و ((التبصير في الدن))  (ص101) ، و ((الفرق بين الفرق)) (ص208) و ((الفتاوى)) لابن تيمية (7/546) . .
وأما الإباضية، فلم أقف على قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص في كتب المقالات وإنما ذكر أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي من الاباضية في كتابه مشارق أنوار العقول: "الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقاً ليس ينقص نظراً إلى إيمان كل مؤمن فإنه في ذاته غير متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره" ((مشارق الأنوار)) (ص35-36) . .
فقال المعلق على الكتاب وهو من الإباضية المعاصرين: "ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا المذهب إذا تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية..
إلى أن قال: وإذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي أو عملي كان مؤمناً كامل الإيمان، وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد إيمانه وإذا أخل بهذا الواجب أنهدم إيمانه كله" ((مشارق الأنوار)) (ص35-36) . .
وكما ترى قد وافق هذا أسلافه الخوارج بقوله: "وإذا أخل بهذا الواجب انهدم إيمانه كله".
فهم يخرجون من أخل بشيء من الأعمال عن الإيمان، لأن الإيمان عندهم كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء وعلى غيرهم عقيدتهم في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:
"ولهذه الشبهة والله اعلم امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه، كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد" ((الفتاوى)) (7/511) . .
قلت: وهذه الشبهة باطلة معلومة الفساد، وسيأتي نقضها في الفصل القادم.
فهذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن قال بهذا القول، ولهؤلاء أدلة يحتجون بها، فيما يلي أسوقها، ثم أتبع ذلك بمناقشتها وبيان بطلانها:
أدلتهم:
1- بنوا قولهم هذا على تعريفهم للإيمان:
فالإيمان عندهم هو التصديق، والتصديق عندهم لا يقبل النقص لأنه إذا قبله صار شكاً، لكنه يقبل الزيادة بناء على أن الشخص يؤمن إجمالاً ثم يزيد تصديقه بالتفاصيل انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص252) ، والنبراس ((شرح العقائد)) (ص402) ، و ((عمدة القاري)) (1/107) . .
وقد تقدم معنا قول البغدادي: "وأما من قال إنه التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه".
وقال العيني: "وقال آخرون إنه لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لا يبقى إيماناً، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: 2] ونحوها من الآيات" ((عمدة القاري)) (1/107) . .
2- احتجوا بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
قال الكشميري "وروي عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وكأنه مأخوذ مما روي عند أبي داود في تاب الفرائض عن معاذ بن جبل: "أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من السلم وقال الإسلام يزيد ولا ينقص" قيل في شرحه أي يعلو ولا يعلى" ((فيض الباري)) (1/137) . .
3- واحتجوا بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يحلق الإيمان:
قال الحليمي: "ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول أصله يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يحلق الإيمان.
والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأيدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها، وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيماناً، فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفراً" ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/69) . .
فهذا ما وقفت عليه من أدلة لهؤلاء، ولهم شبه أخرى يوافقون فيها من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيأتي ذكرها ونقضها هناك.
والرد على هذه الأدلة من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل:
1- فيقال: إن زيادة الإيمان ثابتة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهم يقولون بها، فإذا ثبتت الزيادة، فالنقصان ثابت باللزوم، لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن قبول الشيء للزيادة يستدعي قبوله للنقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص، وسبق أن نقلت عن أهل العلم الإمام أحمد وابن حزم وابن بطال والبيهقي وابن حجر وغيرهم ما يؤيد هذا، فأغنى عن إعادته هنا.
فالزيادة إن كانت ثابتة من نص القرآن منطوقاً فهي ثابتة من نصه مفهوماً، بل إن بعض أهل العلم يرى أنها ثابتة من نصه منطوقاً.
ولهذا لما قال الكشميري "وليعلم أن القرآن لا يدل بمنطوقه إلا على زيادة الإيمان، أما على نقصانه فلا، إلا أن يؤخذ عنه بالزوم، ويقال إن الإيمان إذا ثبتت فيه الزيادة أمكن فيه النقصان أيضاً" ((فيض الباري)) (1/66) . .
تعقبه الشيخ ابن عبدالحق النورفوري بقوله: "إن دلالة اللفظ على ما وضع له، أو جزئه، أو لازمه المتأخر عبارة إن سبق له، وإلا فإشارة، وعلى لازمه المتقدم اقتضاء، ولا ريب أن هذه الثلاث من المنطوق.
قال في إرشاد الفحول في الباب الثامن من المقصد الرابع منه: "والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحاً، وتارة من جهته تلويحاً، فالأول المنطوق، والثاني المفهوم، والمنطوق ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص.
والثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر.
والأول أيضاً ينقسم إلى قسمين، صريح إن دلل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام، وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة، فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود التكلم... إلخ؟" ((إرشاد الفحول)) (ص156) . .
والاستثناء في قوله  -  أي الكشميري -: "أما على نقصانه فلا إلا أن يؤخذ عنه باللزوم" متصل، فظهر أن القرآن يدل على النقصان بمنطوقه، كما يدل على الزيادة بمنطوقه، إلا أن دلالته على الزيادة من قبيل العبارة، وعلى النقصان من باب الاقتضاء أو الإشارة، فالحق أن الإيمان إذا ثبت فيه الزيادة ثبت فيه النقصان البتة لا كمال قال: أمكن فيه النقصان" ((إرشاد القاري)) (1/374) مخطوط. .
قلت: وهذا تعقب محرر جداً، ووجه آخر في الرد وهو ما جاء عن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: "نطق القرآن بزيادة الإيمان ونقصانه، قوله تعالى: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا فهذه زيادة الإيمان، وقوله تعالى: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125] فهذا نقصان الإيمان" رواه الجورقاني في ((الأباطيل)) (1/34) . .
والمقصود أن القرآن الكريم كما أنه دل على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصه، ومن أخذ بدلالته على الزيادة وترك دلالته على النقص فقد عطل القرآن عن دلالاته، وتناقض فيما يأتي ويذر.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان: "وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد مفهوم منها أن ينقصه أيضاً، كما استدل بها البخاري رحمه الله على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لاشك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله" ((أضواء البيان)) (4/29) . .
2- ويقال أيضاً إن النقص مصرح به في السنة، كما في الحديث الصحيح الثابت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) رواه البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, ومسلم (79) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. .
فهذا الحديث نص في نقصان الإيمان، فالحديث حجة قاصمة لظهر كل من قال إنه لا ينقص وشجاً في حلقه إلا أن يدع قوله، قال ابن حزم: "وقد جاء النص بذكر النقص، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور المنقول نقول الكواف أنه قال للنساء: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن)) رواه البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, ومسلم (79) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. " ((الفصل)) (3/237) . .
وأيضاً: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) رواه مسلم (49). .
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((وذلك أضعف الإيمان)) صريح أن الإيمان يضعف نقصان بلا ريب؛ ولذا احتج به أهل العلم على زيادة الإيمان ونقصانه كما سبق بيانه.
قلت: فلا مجال بعد قوله صلى الله عليه وسلم لعقل ولا رأي إلا القبول والتسليم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو صلى الله عليه وسلم يخبر بصريح العبارة أن الإيمان يضعف وينقص، فلا يجوز لمن كان يؤمن به أن يقول لا ينقص، معارضاً برأيه قول رسول الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
3- وأيضاً يقال: إن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو قول أهل السنة والجماعة الصحابة وتابعيهم بإحسان، وقد نقلت فيما سبق عن غير واحد منهم التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، فمن الصحابة عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن رواحة وأبي الدرداء وأبي هريرة وجندب بن عبدالله البجلي وعمير بن حبيب الخطمي وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن السلف عموماً عن علقمة بن قيس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد بن جبر والأوزاعي والثوري وحماد بن زيد ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم خلق كثير لا يحصون، وهذا هو الثابت عنهم لا قول لهم غيره، وهذا هو السبيل الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، والله يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى.... [النساء: 115].
وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" ((مفتاح السعادة)) لابن القيم (ص90) . .
بل لقد جاء عن بعض السلف عد هذا القول من أقوال المرجئة المذمومة، كما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عمن قال الإيمان قول بلا عمل وهو يزيد ولا ينقص قال هذا قول المرجئة.
وسئل ما المرجئة؟ قال الذين يقولون الإيمان قول، قيل: فالذي يقول الإيمان يزيد ولا ينقص! قال ما أدري ما هذا.
قلت: أي أنه قول منكر لم يعهد عن أحد من علماء السنة. وهذان الأثران عن الإمام رحمه الله رواهما عنه الخلال في السنة في باب الرد على المرجئة قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص ((السنة)) للخلال (3/569) . .
فعلم من جميع ما تقدم أن القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص قول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة فقد فارق السبيل وترك الجادة التي عليها أئمة الهدى ومصابيح الدجي الذين هم أعلم وأحكم بمسائل العلم والدين.
ويحسن أن أنقل هنا ما نقله شيخ الإسلام عن الشافعي رحمه الله في سياق آخر قال: "وما أحسن ما قاله الشافعي رضي الله عنه في رسالته "هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"" ((نقض المنطق)) (ص130) . .
فإن كانوا بهذه المثابة والمنزلة وهم كذلك، وقد اتفقوا على أن الإيمان يزيد وينقص، ومستندهم في ذلك الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يعدل عن قولهم لشبه عقلية وخيالات وهمية، ما هي إلا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور: 39] هذا على سبيل الإجمال.
أما التفصيل، فهو في نقد حججهم السالفة الذكر، ونقضها شبهة شبهة.
أولاً  -  قولهم: إن الإيمان لا ينقص:
لأنه هو التصديق، والتصديق إذا نقص صار شكاً، لكنه يزيد.
قلت: وهذا قول باطل مناقض للحق والواقع، أما الحق: فقد بينت في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الحق الذي لا ريب فيه في التصديق أنه يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ولا يلزم من ضعفه أن يكون شكاً أو كفراً حاشا وكلا، بل يضعف تصديق الشخص عن درجة اليقين الكامل إلى درجة أضعف دون أن يكون ذاهب التصديق كلية، أو مرتاباً في الأمر شركاً فيه.
وإبراهيم الخليل عليه السلام لما قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة: 260] وأراه الله، زاد تصديقه وإيمانه، وبلغ درجة الإطمئنان ولم يكن شاكاً قبل ذلك حاشاه عليه السلام فلا تلازم بين شك والنقص، فقد يوجد أحدهما دون أن يلزم من ذلك وجود الآخر، .....
وأما مناقضته للواقع: فإن الواقع يشهد لبطلان ذلك، فإن من الناس من يكون تصديقه قوياً معتمداً على الحجج والبراهين، بالغاً أعلى درجات اليقين، لا تزعزعه الشبهات ولا تصرفه، ومنهم من يكون تصديقه ضعيفاً بحيث تزعزعه الشبه وتصرفه، فإن سلم منها بقيي على تصديقه الضعيف ولا يعد شاكاً، فشتان بين هذا وذاك.
ثم إن هذا أمر يحسه كل أحد من نفسه، فإن المرء أحياناً يكون تصديقه، قوياً، وأحياناً يكون ضعيفاً، وهو في كلا الحالين مصدق، وما ذاك إلا لأن التصديق يقبل التفاضل والزيادة والنقصان في الشخص الواحد، وكذلك يتفاضل من شخص لآخر، فمن كان تصديقه أكمل فهو أفضل من الآخر الذي تصديقه أنقص، والمقصود أن التصديق كما أنه يزيد فهو ينقص بلا ريب.
أقول ما تقدم جدلاً على فرض أن الإيمان هو التصديق، أما الإيمان فهو وراء ذلك، بل هو التصديق والقول والعمل كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان ينقص بنقص العمل وبفعل المعاصي وبغير ذلك، ولا يلزم من نقصه في ذلك أن يكون شكاً أو كفراًن بل بحسب المعصية فإن كانت المعصية المرتكبة كفراً كفر، وإن كانت كبيرة نقص كمال إيمانه الواجب، وإن كان مستحباً تزكها نقص كمال إيمانه المستحب، فلا يلزم من ارتكاب المعصية كفر المرتكب، إلا على مذهب الخوارج.
ثم يقال لهؤلاء إن كان التصديق على قولكم يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أخبرونا عن حاله قبل حصول الزيادة أكان ناقصاً أو كاملاً؟
فإن كان كاملاً فما وجه الزيادة فيه وهو كامل، وإن كان ناقصاً وهو كذلك خصمتم، وبهذا يظهر تناقضهم، وتهافت قولهم، وبالله التوفيق.
ثانياً  -  أما إحتجاجهم بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
فمنتقض من وجهين:
الأول:
أن الحديث ضعيف لا يحتج به، فقد أخرجه أو داود انظر ((سنن أبي داود)) (2912). وأحمد انظر ((المسند)) (5/236) (22058). والطيالسي انظر ((مسند الطيالسي)) (1/77). والحاكم في المستدرك انظر ((المستدرك)) (4/383). والبيهقي في السنن انظر ((سنن البيهقي)) (6/254). ، والجورقاني في الأباطيل انظر ((الأباطيل)) (2/157) . كلهم من طريق عمرو بن حكيم عن عبدالله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عن معاذ بن جبل أنه أتي في ميراث يهودي وارثه مسلم، فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) فورثه منهم.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال الألباني حفظه الله: "لكنه معلول بالانقطاع، فقد أخرجه أبو داود من طريق عبدالوارث عن عمرو بن أبي حكيم الواسطي: ثنا عبدالله بن بريدة أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر: يهودي ومسلم، فورث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلاً حدثه أن معاذاً حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره، فورث المسلم.
فهذا يدل على أنا أبا الأسود لم يسمعه من معاذ، بينهما رجل لم يسم، فهو مجهول، فهو علة الحديث، وبه أعله البيهقي، فقال بعد أن ساقه من طريق أبي داود: "وهذا رجل مجهول، فهو منقطع"، وقال الحافظ في الفتح 12/43 بعد ما ذكر تصحيح الحاكم له: "وتعقب بالانقطاع بين الأسود ومعاذ، لكن سماعه منه ممكن، وزعم الجورقاني أنه باطل، وهي مجازفة".
قلت: الذي يبدو لي أن حكم الجورقاني عليه بأنه باطل، إنما هو باعتبار ما فيه من توريث المسلم من اليهودي الكافر، فإن الأحاديث الصحيحة على خلاف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) رواه أبو داود (2911) وابن ماجه (2731) من طريق عمرو بن شعيب, ورواه الترمذي (2108) من حديث جابر رضي الله عنه, والحديث سكت عنه أبو داود, وصححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (129), وقال أحمد شاكر في تحقيقه لـ((مسند أحمد)) (10/146): إسناده صحيح, وصححه الألباني. , وهو مخرج مع غيره مما في معناه في كتابي إرواء الغليل" ا هـ ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (3/252، 253) ، وانظر ((الإرواء)) (5/106) . .
والحديث أعله المناوي بالانقطاع انظر ((التيسير)) للمناوي (1/424) ، و ((فيض القدير)) له (3/179) . .
وأخرجه الجورقاني في الأباطيل (2/156) . من طريق أخرى عن محمد بن المهاجر البغدادي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عمرو بن كردي عن يحيي بن يعمر عن معاذ بن جبل: فذكره.
قال الجورقاني: هذا باطل.
وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (3/230) . ، واتهم بوضعه محمد بن المهاجر، وقال: قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقد رواه فغير إسناده ولفظه.
ونازعه في ذلك السيوطي في اللآلئ (2/442) . ، وذكر طريقه المتقدمة وطريقاً أخرى وليس فيهما محمد بن المهاجر. وعلى كل فالحديث ضعيف لا يحتج به.
الوجه الثاني:
وعلى فرض صحته، فإن الحديث معناه على غير ما فهمه هؤلاء من أنه يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما هو في باب آخر غير هذا، كما هو واضح من بيان أهل العلم للحديث.
فقد قيل في معناه: "أي: أن حكم الإسلام يغلب ومن تغليبه أن يحكم للولد بالإسلام بإسلام أحد أبويه" انظر ((سنن البيهقي))  (6/205) . قاله عبدالوارث بن سعيد.
وقال البيهقي: "وإن صح الخبر فتأويله غير ما ذهب إليه  -  يعني: معاذ في توريثه للمسلم من الكافر محتجاً لذلك بهذا الحديث  -  إنما أراد أن الإسلام في زيادة ولا ينقص بالردة" انظر ((سنن البيهقي)) (6/255) . .
وقيل: "أي: يزيد بما يفتح من البلاد، ولا ينقص بما غلب عليه الكفرة منها" انظر ((عون المعبود)) (8/123) . .
أما ما فهمه معاذ رضي الله عنه من الحديث على فرض صحته من أنه يدل على أن المسلم يرث من الكافر من غير عكس فهو معارض بالأحاديث الصحيحة الثابتة في أنه لا يتوارث أهل ملتين فلا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم)) رواه البخاري (6764), ومسلم (1614). .
وما ذهب إليه بعض أهل العلم: أنا نرث أهل الكتاب ولايرثونا، ما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق.
فمردود بأنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، بهذا أجاب الجمهور.
وعلى كل فالحديث ليس نصاً في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث انظر ((فتح الباري)) (12/50، 51) ، و ((شرح مسلم)) للنووي (11/52) . .
فالحديث لا يدل على توريث المسلم من الكافر، ولا يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص على المعنى الذي فهمه هؤلاء، بل المراد به أن الإسلام له الغلبة دائماً وأنه يعلو ولا يعلى.
وهذه اللفظة "الإسلام يعلو ولا يعلى" ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك الألباني في الإرواء فقد استوفى طرق الحديث ثم قال: "وجملة القول أن الحديث حسن مرفوعاً بمجموع طريقي عائد ومعاذ، وصحيح موقوفاً، والله أعلم" ((إرواء الغليل)) (5/106) . .
قلت: فعلى هذا المعنى يحمل حديث معاذ إن صح، والله اعلم.
وبهذا ينتقض احتجاجهم به، ولله الحمد.
ثالثا: احتجاجهم بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان... إلخ.
وقولهم هذا باطل، فهو في جملته يعارض الحق الثابت في الكتاب والسنة في الإيمان وأنه يقبل النقصان كما يقبل الزيادة، ومفاد هذه التعليلات إبطال ذلك وتقرير أن الإيمان يقبل الزيادة فقط دون النقصان.
وهذا تحكم في نصوص الشرع، وإدلاء بالعقل في مقابل النص!
فهل تكفي مثل هذه التعليلات العقلية حجة في أمر يناقض الكتاب والسنة ويخالفهما؟؟
ثم إن قولهم هذا متضمن في ثناياه أموراً باطلة عدة منها:
قولهم: "المعاصي لا تحبط الطاعات" فهذا القول هكذا ليس على إطلاقه فإن من المعاصي الشرك الأكبر وهو يحبط الطاعات بيقين، والمعصية إذا أطلقت تشمل الكفر وغيره، والله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، فكان ينبغي أن يستثنى الشرك الأكبر من هذا الإطلاق.
ثم أمر آخر وهو أن هناك من المعاصي ما هو دون الشرك إلا أنه يبطل بعض الطاعات كالذي يتبع صدقاته بالمن والأذى كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ... [البقرة: 264].
قال ابن كثير: "فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى كما تبطل صدقه من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله... " ((تفسير ابن كثير)) (1/318) . .
فالصدقة طاعة والمن والأذى معصية، والذي يتبع صدقاته بالمن والأذى تبطل طاعته، فالمعصية إذن قد تبطل بعض الطاعات، ولهذا فإن قولهم المتقدم ليس على إطلاقه وتحريره أن قال: "المعاصي التي دون الشرك لا تحبط جميع الطاعات" فإذا تبين لك فساد مقدمتهم علمت فساد نتيجتها.
وكذلك قولهم: "إذا لم تحبطها لا نقصان يلحق الإيمان".
قلت: فهذه نتيجة باطلة مبنية على مقدمة فاسدة، ثم إنه لا تلازم بين الأمرين فإن المعاصي وإن لم تحبط الطاعات فقد تؤثر على الإيمان بالنقص كما هو معلوم.
وعلى كل فنقصان الإيمان ثابت شرعاً واقع عرفاً ولا سبل إلى رده بمثل هذه التخرصات والشبه التي لا تغني من الحق شيئاً.زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص 293


انظر أيضا: