trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع عشر: الأثر الكلامي في تطور الظاهرة


إن الـدارس لتاريخ الفكـر الإسلامي عامة يجـد أن أكبـر غريبة وفـدت عليه وامتـزجت بـه وتـركت فـيـه أبـلغ الأثر - شكلا ومضمونا - هي ظاهـرة الغـزو الـفـلسـفي الإغـريـقي !!
        حقا إن أكبر حرب نـفسية وفكرية أثيرت على الإسلام هي الغزو الفكري الحديث ، الذي وفـد مع الحملات الصليبية المسماة " الاستعمار " .
        غير أن هـذا الغـزو - وإن كان لا مبرر لقـبوله على الإطلاق - له تـفسيـر معـقـول ، وهـو التـفاوت الكبير في مستوى التـقدم الحضاري بين الأمتين المتصارعتين .
فأمة تعاني من ضعف مزمن في كل مجالات الحياة ليس غريبا أن تخضع لغزو أمة قوية قاهـرة حققت - وفق سنة الله الكونية - من الكشوفات والصناعات ما لم يكن الخيال البشري يحلم به من قبـل .
        أما الظاهـرة المستعصية على العـقـل ، الغريبة في تاريخ الإنسانية ، فهي أن تـتـقـبل أمة حية قوية تملك مصدرا مستـقلا للمعرفة والثـقافة غـزوا فكريا من أمة بائدة .
        ويكون الأمر أكثر استعصاء وغـرابة إذا كانت الأمة المتـقـبلة للغـزو هي أمة الوحي النـقي والتوحيد الخالص ، اللذين فـتحت بهما قلوب الأمم ، وحطمت طواغـيت العالم ، وبلغت من الاستعلاء بالحق ما لم تبلغه أمة قط ومع ذلك تتـقبـل الغزو من تـراث مندثر لأمة مشركة منـقـرضة !!
        ولست في معـرض الحديث عن أسباب تـقبـل هـذا الغـزو المدمر ، لكنني لا أرى بـدا من التعرض لذكر سببين رئيسين له - إن لم يكونا السببين الرئيسين - وهـما :
1- التـخـطيط التآمـري لأعـداء الإسلام :
        الذي انتهج أمكر الأساليب , ومنها " الغزو من الداخل " , وما ظاهـرة الزندقة إلا رأس من رؤوس أفاعي الظلام ، التي أكل الحـقـد قـلوبها فـقـذفته سموما من الآراء والبدع والفـلسفات الهـدامة .
        والمتأمل لرؤوس الضلالة يجد طائفة منهم تـنتمي للأديان والفـلسفات التي سحـقها الإسلام وحرر منها العباد مثـل :
        بشر المريسي ( يهودى )   كما نص عليه الدرامى والإمام أحمد وغيرهما . ، عبدالله بن المقفع ( مجوسي ) ، إبراهـيم الـنظام (بـرهـمي )   ذكر بعض العلماء أنه كان يخفى برهميته بالاعتزال ليفسد دين الإسلام ، وكتبه تدل على ذلك ، انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (10 /452) . ، عـبدك الصوفي ( ثيوصوفي )   والثيوصوفية هى أصل الصوفية ومعناها الحكماء الإلهيون ، وقد ذكره الملطي ضمن الزنادقة . ، جابر بن حيان ( ؟ ) .
        وقـد عرف الهدامون كيف يـدخـلون من أوسع الأبواب بالتدسس إلى السلطة الحاكمة والتأثير فيها لكي تتـقبـل هـذه الأفكار ، والناس من بعد لهم تبع .
        وهـكـذا وقع لخالد بن يزيد الأموي والمأمون العباسي - وإن كان الأول أقل - وغيرهما ممن أغرته هـذه الفـلسفات ، على أن هـذا السبـب يظل أقل السببين شأنا ، فإن الأمة الإسلامية متى كانـت مستـقيمة عـلى الإيمان لم يضرها كيد كائد ولا عـداوة حاقد بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [ آل عمران:120].
        2- الـمنهج التوفـيـقي : 
        إن الإيمان بالله ورسوله يحتم على الأمة الإسلامية أن تـتمسك بمصدر الحق المعصوم ، الذي مَنَّ الله به عـليها دون سائـر الأمم ، وألا تـتـلقى من غيره فيما كـفاهـا مؤونتـه ، بـل تحكـمه في كل ما تأخذ وما تـذر ، وهـذا أصل قطعي كـلي تضافـرت لـلدلالة عـليـه الآيات والأحاديث .
        ومنها : عن جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهـل الكتب ، فـقـرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغـضب فقال : ((  أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقـد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وسلم - كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني  ))   حديث صحيح ، رواه أحمد (3/ 387) ،
        فهذا الموقـف يرسم منهج التعامل مع الوحي المنسوخ ، فكيـف بالـفكـر البشري الـمحض الذي سـماه الله تـعـالـى ( هـوى وظناً وخرصاً وإفكا ) وهي كلها أسماء يـدخل في مسماها دخولا أوليا ما يسمى " الفلسفة الميتافيزيقية " وما تـفـرع عـنها . وحسبك أن الله تعالى قال :
مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [ الكهف:51].
        فهذه الآية نسفـت كل النظريات والـفـلسفات المخالـفة لـلوحي - الكوني منها والإنساني - ووسمت أصحابها باسم ( المضلين ) ، وما كانوا دائما إلا كذلك  !
        وعلى هـذا المنهج سار عمر بن الخطاب - نفسه - فإنه " لما فتحـت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة ، كتـب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذن في شأنها وتـنقيلها للمسلمين ، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء ، فإن يكن ما فيها هـدى فـقـد هـدانا الله بأهـدى منه ، وإن يكن ظلالا فقـد كـفانا الله ! فطرحوها في الماء أو في النار   ((مقدمة ابن خلدون)) (ص 480) . ،" .
        وعليه كذلك كان موقـف أئمة الإسلام وعلماء الملة، كالأئمة الأربعة ووكيع وابن المبارك والسفيانين والفضيل .
وغيرهم ممن سبقهم أو لحقهم.   انظر : ((صون المنطق والكلام)) للسيوطي ، و ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر : ((فصل ذم الجدال والكلام)) .
وعلى هذا ثبتت الطائـفة المنصورة " أهـل السنة والجماعة " في كل العـصور ، فقد تعرضت كتب الفلسفة والمنطق   وتسمى أيضا " علوم الأوائل " أو " علوم اليونان " . لـلحرق والمصادرة في عصور متعاقبة   كعصور المرابطين والأيوبيين. ، ولاحقها علماء الإسلام بالفتاوى المدمرة ، حتى إن كتب الفقه سطرت أن الوقف إذا وقـف على طلبة العلم لا يدخـل فيه أصحاب الكلام   انظر : ((شرح الطحاوية)) . بل نص بعضهم على جواز إزالة النجاسة بكتب الفلسفة والمنطق وإن كنت لا أراه احتراما للحرف العربي . .
        وقد تجـلى هـذا الموقف الأصيل أعظم ما تجـلى في موقـف إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، الذي حقـق أعظم انتصار في التاريخ الـفـكري في الإسلام   وإن أردت التأكد من أنه لا مبالغة في هذا الوصف ، فانظر التقدير البالغ الذي أوقعه الله له في قلوب الأمة خاصتها وعامتها ، فبعد أن اشتغلوا بتعذيبه – كما فعل المعتصم – انقلب الحال إلى الإجلال الفائق والحرص البالغ على أن يشرفهم بزيارته ، وبعض من لم يدركه منهم أوصى أن يدفن بجوار قبره ، أو كان معظما لتلاميذه من بعده . انظر ترجمة الإمام في ((سير أعلام النبلاء)) ، و ((البداية والنهاية)) ، و ((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي . .وهـو سجين أعزل ، وما ذلـك إلا لأنه يمثـل منهج الوحي في مقابل الخرص والهـوى والخرافة .
        ولكن المنهج التوفيقي   أو التركيبي! وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من التركيب أو التوفيق الجمع، فإن أصحابه كثيرا ما يردون على النهجين كليهما (منهج أهل السنة ومنهج الفلاسفة) . - وهـو منهج ابتـليت به الأمة الإسلامية قديما وحديثا - عكر على هـذا المنهج الحازم الحاسم مواقـفه وأفـسد كثيرا - في حين أراد إصلاحا وتوفيقا !
        هـذا المنهج - الذي انتهجه الأشاعرة والماتريدية - يرى إمكان الجمع بين الوحي والفـلسفة ، بين منهج القرآن ومنهج اليونان   انظر مثالا حيا كلام الدكتور البوطي في مقدمة كتابه ((كبرى اليقينيات)) . ، والخـروج بموقـف أو رأي وسط بينهما أو مركب منهما !!
        ويظهـر ذلك بوضوح في تعامله مع نصوص الوحي كتابا وسنة ؛ فهـو يـقـرر جزما وجـوب الأخذ ببعض الآيات والأحاديث على ظاهـرهـا المجمع عليه المعروف عند السلف ، في حين يـقـرر أيضا - عـلى الدرجة نـفسها من الجزم والإيجاب - تأويل بعضها الآخر بما لم ينقل عن السلف ، بل قام إجماعهم على خلافه ، ولا يتحرج أصحابه من ذكر الإجماع ومستنده النصي، ثم التصريح بمخالفتـه بقول يعلمون أنه منقول عن اليونان !!
        وهـذا المنهج - فوق أنه محكوم عليه شرعاً بالخطل والضلال  -  هـو خطأ بيـِّـن بالفطرة العلمية المحضة ؛ لأنه يقوم عـلى غير معيار موضوعي متميز ، وحسبـك إقـرار أصحابه قاطبة بأن التأويل ظني ؛ ولهـذا يختـلـفون فيه اختلافا شديداً حتى لا يكاد يجمعهم أحيانا إلا مخالفة دلالة النص التي يسمونها ظاهـراً - وإن كان " نصاً " لا يـقـبـل الاحتمال - وهـذا ينطبق على نصوص الإيمان والـقـدر كـنصوص من الـصـفـات سـواء .
ولهـذا شهـد الخط البياني لهـذا المنهج تذبذباً شديداً ، ثم انحيازاً تاماً في النهاية إلى جانـب الـفـلسفة   مما يوضح أن مؤسسيه الأوائل كابن كلاب والمحاسبي كانوا أقرب إلى منهج الوحي ممن جاء بعدهم كالباقلاني والبغدادي وابن فورك، وهؤلاء كانوا أقرب إليه ممن جاء بعدهم كأبي المعالي الجويني والغزالي، وهؤلاء أقرب من الذين مالوا بعدهم إلى التفلسف ميلا شديدا كالفخر الرازي، ثم هو وأمثاله أفضل ممن سار على منهجه مع انقطاع صلتهم بالوحي تقريبا كالآمدي والأرموي والإيجي (صاحب المواقف) وبين هذه الطبقات أعلام ممن تردد وتذبذب ووافق هؤلاء في شيء وأنكر عليهم شيئا أو أشياء. وانظر ((مقدمة ابن خلدون)) (ص464) ،!
        كما أن هـذا المنهج - بحسب أفراده - يشهـد تـنقلات وتطورات عجيبة تـلـفـت نظـر كل دارس لأعلامه وأئمتـه ، فالواحد منهم يبتـدئ معتـزلياً ، وينتهي سنياً صرفا أو فـلسفـيا صرفا ، يتردد بينهما فيناقـض في كتاب ما قاله في الآخر ، وخيرهـم من يرجع إلى مذهـب الـسلف عند الاحتضار أو قبيله   كحال أبي المعالي والغزالي والرازي وغيرهم . !!
ولهذا كانـت أصولهم - المتـفق عليها بينهم - عرضة لتـفسيرات مختـلـفة ( مثـل معاني الصفات ، والكلام النـفـسي ، والكسب .. )
ولا شك أن لهـذا تـفسيره كظاهـرة نـفسية عامة في الاختلافات العقائدية والسياسية وغيرهـا ، وأياً كان هـذا التـفسيـر فإن حـلول الوسط في خلاف بين حق محض صراح وباطـل محض صراح هي بالبداهـة تـرجيح للباطل وهـضم للحق .
        بل مجرد الخروج عن مصدر المعرفة المعصوم " الوحي" هـو الضلال بعينه أياً كان المصدر الآخر .
        وعلى أي حال أصبح هـذا المنهج واقعة بعد أن كانت الأمة قـبله فريقين متـنافرين :
1- أهـل السنة والجماعة - ومعهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وصريح العـقـل ، مجمعين على الدعوة إلى المنهج الناصع المستـقـيم .
2- رؤوس الضلالة من الجهمية والـقـدرية والزنادقة والمتـفـلسـفة ، وهـؤلاء معهم فـلسفات وجدليات وتـنطعات ترجموهـا عن أمم الشـرك والضلال ، وضربوا لأجلها كتاب الله بعضه ببعض حين خلطوها بتحريف للمحكم وفهم سـقـيم لـلمتشابـه .
في غمرة العـداء الصارم والمعترك الصاخب ظهـر الفكر التوفيقي وبـزغ قرنه ، فدعا أصحابه إلى التوسط بين هـذا وذاك ، فاتهموا أهـل السنة بأنهم متمسكون بالظواهـر النـقـلـية معادون للدلائـل العقـلية ، واتهموا الآخرين - بحق - بأنهم معادون للنـقـل مـقـدسون للعقـل ، ورأوا - هـم - أن الصحيح هـو وجوب الأخـذ ببعض أصول أهـل السنة مع وجوب تأويـل بعضها الآخر لمخالفة صريح العـقـل بزعمهم !! وكذلـك وجـوب الأخذ ببعض ما يدعـو إليه الآخرون من العقـليات ورد البعض الآخر !!
        وهـكذا جعـلوا - وهـم لا يشعرون - فـلسفة اليونان ، وآراء الصابئين والبراهمة ، وخرافات المجوس والنصارى تـقف موقف الند المنافس لما أنزل الله من الوحي المحفوظ المعصوم !!
        وبعثوا تـلك الرمم الفكرية البالية لتشاطر هـدى الله عقول المسلمين وتـقاسمه قلوبهم .   وهذا هو الأصل الذي نشأت منه أكبر مشكلة منهجية يعاني منها هذا المنهج التركيبى ، وهي ما أسموه (تعارض العقل وكيفية العمل عند ذلك) ، وهو الذي هدمه شيخ الإسلام بكتابه الفذ : ((موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)) ومفتتحا إياه بذكر رؤوس هذا المنهج وقانونهم في التعارض .
        وليس هذا فحسب ، بل من أخطر نتائج هذا المنهج أنه حطم وحدة التجمع الضخم الذي كان أهـل السنة والجماعة يحظون به دون سائر الفرق ؛ حيث كانت الفرق الأخرى - كالشيعة والمعتـزلة - لا تمثـل إلا مستـنقعات جانبية على ضفـتي تيار السنة الكبير .
        ولكن هـذا المنهج جنى على ذلـك جناية كبرى - لا سيما وكثير من رؤوسه ينتسبون للسنة ونصرتها - ، فانقسم الرأي وتـفسخ الموقف ، واستصغـرت الأمة خطر ما يدعو إليه هؤلاء ، استكبارها له نـفـسه حين كان دعاته هم أعداء السنة الصرحاء .
حتى جماهـير الأمة وعامتها اختـلط عليهم الأمر وانـقسم الولاء , فما كان لهم من قبـل أن يقارنوا بين الكتاب والسنة وبين زندقة الفرس والهنود والصابئين ، ولا أن يعتـقدوا كون ابن أبي دؤاد وبشر وجهم وغيلان والنظام أعلم بدين الله واتبع للحق وأهـدى سبيلا من مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والحسن وسفيان والفضيل .
فلما ظهـر المتمسحون بالسنة , المعظمون ظاهـرا لأولئك السلف , مؤيدين لأولئك المبتدعة في كثير من أصولهم فتر العداء أو اضـمحل ، وتشتت الولاء وهاج الرأي بين التجمع السني نفسه !!
        وهـذا الموقـف تجلى بوضوح في المسألة المهمة لنا هـنا وهي مسألة الإيمان , وبخاصة " العمل " .
فقد ظهـر أصحاب المنهج التوفيقي والخلاف في المسألة دائـر بين فريقين :
1- الأول : الأمة كلها - تـقريباً - غير أنها كانـت على مذهـبين :
أ- الغالبية العظمى : وهم متمسكون بما أجمعـت عليه القرون المفضلة ، وصرحت به نصوص الوحي القطعية من أن الإيمان قول وعمل - على ما سبق شرحه - .
ب- طائفة معدودة من الفقهاء تتـفق مع الأولى في أهمية العمل ووجوبه فضلا عن اتـفاقها معها في أن من لم يـقـر بالإيمان بـلسانه أو لم يقم بقلبه شيء من أعماله (كالرضا واليقين والصدق والإخلاص ) كافـر لا إيمان له ، ولكن انقدحت لديهم شبهة في كون الأعمال - أعمال الجوارح - تدخل في مسمى الإيمان ، وفهموا خطأ أن القول بزيادتـه ونـقـصانه موافـق لقول الخوارج ، ولهم على ذلـك تأويلات وتعـللات .. وهـؤلاء هم المسمون مرجئة أهـل السنة أو مرجئة الفقها .
2- الفريق الآخر : غلاة المرجئة ، وهم الجهمية - حينئذ - ومن شابههم ، ولهم في الإيمان قول اتـفـقـت الأمة على شذوذه وعدم الاعتداد به ، وعدم اعتباره في الخلاف ، بل أخرجهم أئمة الإسلام الكبار من فرق الأمة الثنتين والسبعين الضالة ، وعدوهم أكفـر من اليهود والنصارى والمجوس لمسائل ذهـبوا إليها منها هذه المسألة .
فقـد كان مذهـبهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة بالـقـلب ؛ فكـل من عرف الله بـقـلبه فهـو عندهم مؤمن تام الإيمان   ولهذا ألزمهم أهل السنة بالقول بإيمان إبليس وفرعون وأهل الكتاب .. وكل من دلت النصوص على أنه يعرف الله بقلبه !! أي وإن لم يعمل .
        فلما ظهـر دعاة المنهج التوفيقي التوسطي وطبقوا منهجهم في التوفيق بين هـذه المذاهـب , أخذوا من الجهمية أن الإيمان محـله الـقـلب وحده وأنه يقع " كاملا " فيه ، وأن النطق بالشهادة فضلاً عن سائـر الأركان غير داخل فيه وإنما هـو شرط ظاهـري فقط ، أي شرط لإجراء أحكام الإسلام الظاهـرة عـلى قائله !!
        وأخـذوا من أهـل السنة عن أحكام المرتدين وتاركي الدين كله أو بعض أركانه أو بعض واجباتـه ، وتعـرض فاعل ذلك للوعيد ونحو ذلك .. حتى إن الواحد من أصحاب هـذا المنهج ربما يكتب بما يوافق الجهمية - باعتباره متكلما- ، فإذا كتب باعتباره فقيها ذكـر كلام علماء السنة ونـقـل أقوالهم كأي فـقيه منهم !!
على أن هذا الحكم لم يخرجوا به نتيجة توسطهم في هذه المسألة بمفردها ، بل هـو مقـرون ومرتبط بتوسطهم في
مسألة أكـثر شهـرة في التاريخ , وهـي مسألة خلق القـرآن .
و بيان ذلك : أن مسألة خلق القرآن كانت أشهـر المسائل الخلافية وأعظمها   وإن لم تكن هي الوحيدة في الفتنة ، بل هي مثال بارز للخلاف بين منهجين متناقضين (منهج الوحي ومنهج الهوى) ، وقد جرت المناظرة بين الإمام أحمد وبين رؤوس المبتدعة المؤيدين بالسلطة في مسائل أخرى غيرها، وكان الإمام يرد القضية كلها إلى أصل واحد وهو الإتيان بدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف في حين كان أولئك يمارون بالعقليات ويجادلون بالمتشابهات . وبها امتحنـت الأمة كلها وتعـرض علماؤها شرقاً وغرباً للأذى والسجن والـقـتـل ، وشغـلت أذهان الناس وأوقاتهم وعلومهم وكتبهم ، وكان الخلاف فيها حاسماً واضحاً بين فريـقـين :
1- علماء الأمة قاطبة ؛ وهم مجمعون على ما كانت عليه الأمة قبل هذه البدعة من اعتـقاد أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق .
2- الفرقة الكلامية الشاذة ومعها السلطة الغاشمة ؛ ورأيها أن القرآن مخلوق .
ورغماً عما نزل من البلاء والزلزلة والفتـنة ثبتت الأمة وانتصرت في النهاية تبعا لثبات الإمام أحمد رضي الله عنه، وانتصر منهج الوحي انـتـصاراً حاسماً ، وانـدحـرت أفاعي الابتداع، وكمنـت شياطين المكر بذلة . ولكن المنهج التوفيقي لم يدع فرحة الأمة بالنصر تتم وتماسكها على الحق يكمل، فقد نبغ دعاته - وعلى رأسهم عبدالله بن سعيد بن كلاب   المعروف بالقطان - برأي توفيقي مبتدع لم يقل به أحد من الفريقين المتخاصمين وهو أن كلام الله نوعان :
أ- نفسي : وهـو صفة أزلية قديمة قائمة بالنفـس ، وهـذا غير مخلوق ( موافقة لأهـل السنة ) .
ت - لفظي : وهـو الكلام المسطور في المصحف ، وهـذا مخلوق   ثم منهم من قال : إنه حكاية لكلام الله ، ومن قال : إنه عبارة عنه ، ومنهم من قال : إن المتكلم به وناظمه هو جبريل ، ومن قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم . انظر مثلا : ((الإنصاف))   للبقلاني . ( موافقة منهم للمبتدعة ) .
فعاد الاضطراب إلى الأمة وظهـر الـتـشويش ، وانـقسمت وحدة المسلمين التي كانت متماسكة صفاً واحداً مع علماء السنة ، وما بعض أهـل الكلام والمشتغلين إلى هـذا الرأي الجديد ، ثم شاع حتى كاد يغـلب أكثـر معاهـد العلم في العصور الأخيرة .
وهكذا أصبح القول بالكلام النفسي من أعظم أصول المذهب التوفيقي، تبعا لضخامة المعركة الدائرة حينئذ في هذه المسألة الكبرى ، وكان طبيعياً أن يظهر أثره في الأصول الأخرى , ومنها "الإيمان" , فقد دخل أصحابه في مخاضة فلسفية في موضوع الكلام أهو ما يقوله اللسان أم يدور في النفس فقط ؟ وما العلاقة بينهما حينئذ ؟ والمتكلم أهـو من فعـل الكلام ؟ أم من قام به الكلام ؟ .. إلى آخر هذا التـفـلـسف   انظر : ((الإرشاد)) للجويني ، (وهو من أقدم كتبهم الشارحة للمسألة ببسط) من (ص99 – 137)  وهم من أوضح ما كتبوا في هذا الموضوع ، أما المتأخرون فكلامهم في المسألة ألغاز ومعميات فلسفية!! .
فلما جاؤوا لمبحث الإيمان وتـفسيره أهـو الإقـرار بالـلسان أم الإقرار بالـقـلـب وحده أم بهما معا أم بهما مع ضم غيرهما - استصحبوا ذلك الأصل وطبقوه وردوا هـذا له - فكان من أوليات ذلك إسقاط كون العمل من الإيمان ، وتطبيق مذهبهم في التأويل على ما ورد في ذلك من نصوص !!
يقول أبو المعالي الجويني في باب الأسماء والأحكام بعد أن أطال النفـس في تـقرير صحة مذهـبهم في الكلام النفسي : " اعلموا أن غرضنا في هـذا الفصل يستدعي تـقديم ذكر حقيقة الإيمان ، وهـذا مما اختـلفت فيه مذاهب الإسلاميين :
1- فذهـبت الخوارج إلى أن الإيمان هـو الطاعة ومال إلى ذلـك كثير من المعتـزلة ..
2- وصار أصحاب الحديث إلى أن الإيمان معرفة بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان .
3- وذهـب بعض القدماء   هو جهم بن صفوان وكأنه ترك التصريح به لعلمه أنه لا اعتداد بخلافه. . إلى أن الإيمان هـو المعرفة في القلب والإقرار بها .
4-وذهـبت الكرامية إلى أن الإيمان هـو الإقرار بالـلسان فحسب…
والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان : التصديق بالله تعالى ؛ فالمؤمن بالله من صدقه ، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم ، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتـقاد "   ((الإرشاد)) (ص 396- 397) . .
ثم قال : " وقد يشهد لما ذكرناه إجماع على افتـقار الصلوات ونحوهـا من العبادات إلى تـقديم الإيمان ، فلو كانت أجزاء من الإيمان لامتـنع إطلاق ذلك   السلف يشترطون صحة إيمان القلب لصحة عمل الجارحة، والإيمان حقيقة عندهم مركبة منهما ، وما المانع من تقدم بعض أجزاء الشيء على بعض . .
فإن استدل من سمى الطاعات إيماناً بقوله تعالى :  وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [ البقرة:143]
        قالوا : المراد بذلك - أي الإيمان - الصلوات المؤداة إلى بيت المقدس.
        وربما يستدلون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( الإيمان بضع وتسعون   كذا فيه ، ومع قلة بضاعة الجويني في الحديث أرى أن الخطأ من المحقق الذي رجح هذه على ما في النسخ الأخرى (انظر هامشه) . . خصلة ، أولها شهادة أن لا إله إلا الله ، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق)
قلنا : أما الإيمان في الآية التي استروحتم إليها فهو محمول على التصديق ، والمراد : وما كان الله ليضيع تصديقكم نبيكم فيما بلغكم من الصلاة إلى القبلتين   وهذا باطل ، لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يخافوا ضياع تصديقهم فهو ثابت في الحالين ، وإنما خافوا ضياع صلاتهم إلى القبلة الأولى . !! وأما الحديث فهـو من الآحاد   هذا أصل كبير من أصول الضلال ينبني عليه رد أكثر السنة ، والجويني هنا وفي سائر كتبه ينقل عن الجهم. والجبائي والفلاسفة وغيرهم ، فهل وصله كلامهم تواترا أم أنه لا يشترط التواتر إلا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام غيره مقبول آحاده ومتواتره ؟! ، ثم هـو مؤول   هذا أصل آخر كسابقه ، وما رأينا الجويني أول كلام أحد من الفلاسفة أو المبتدعة وصرفه عن ظاهرة، فلماذا تأويل النصوص فقط ؟! ، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا دل عليه أو كان منه بسبب   يريد بذلك أنه "مجاز" وهو أصل منهجهم البدعي ؛ لأن مرادهم به تحريف النصوص وإبطال ظواهرها . .
ويقول الكمال بن الهمام - من أئمة الحنفية المتأخرين - في كتابه الذي ألفـه عـلى منوال الرسالة القدسية للغزالي :
" اختـلفـوا في التصديق بالقـلب الذي هـو جزء مفهوم الإيمان أو تمامه أهـو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النـفسي ؟ فقيل بالأول ، ودفع بالقطع بكـفـر كثير من أهـل الكتاب مع علمهم بحقية رسالته عليه الصلاة والسلام وما جاء به ، كما أخبر عنهم تعالى بقـوله :
        الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 146].
        وبأن الإيمان مكلف به ، والتكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية ، والعلم مما يثبت بلا اختيار , كمن وقعـت مشاهدته على من ادعى النبوة وأظهر المعجزة فـلزم نفـسه عند ذلـك العلم بصدقه.
        وذهب إمام الحرمين وغيره إلى أنه من قبيل الكلام النـفـسي .
        قال صاحب (الغنية) : اختـلف جواب أبي الحسن - أي الأشعري - في معنى التصديق ؛ فقال مرة : هـو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه ، وقال مرة : التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح دونها ، وارتضاه القاضي - أي الباقلاني -؛ فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر ، ثم يعبر عن تصديق القـلـب بالـلسان   كما قالوا في كلام الله تعالى ! فالقرآن عندهم تعبيرا أو حكاية عن القول النفسي . . انتهى .
        قال : وظاهـر عبارة الشيخ أبي الحسن أنه كلام النفس مشروط بالمعرفة ، ويحتمل أنه من المجموع من المعرفة وذلـك الكلام النـفـسي .
        فلا بد في تحقيق الإيمان من المعرفة- أعني مطابقة دعوى النبي للواقع - ومن آخر هـو الاستسلام والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستـلزم للإجلال وعدم الاستخفاف, لما ذكرنا من ثبوت مجرد تـلـك المعـرفة مع قيام الكـفـر .
        قال : ثم جعـل بعض أهـل العلم الاستسلام والانقياد الذي هـو معنى الإسلام داخلا في معـنى التصديق ، وأطلق بعضهم اسم المترادف على الإسلام والإيمان   أى بناء على دخول الإسلام في معنى التصديق ، ومن هنا يظهر مخالفته لقول أهل السنة والجماعة ،  سواء في أصل حقيقة كل من الإسلام والإيمان أو في ترادفهما وتلازمهما . .
        والأظهـر أنهما متلازما المفهـوم ، فلا يكون إيمان في الخارج شرعا بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان .
وأن التصديق قول للنـفس غير المعرفة ؛ لأن المفهوم منه لغة نسبة الصدق إلى القائل ، وهـو فعل ، والمعرفة من قبيل الكيف المقابل لمقولة الـفـعـل .
        قال : فلزم خروج كـل من الانقياد - الذى هـو الإسلام - والمعرفة عن مفهـوم التصديق وثبوت اعتبارهـما شرعاً في الإيمان ؛ إما عـلى أنهما جزءان لمفهومه شرعا أو شرطان لاعتباره شرعاً ، وهـو الأوجه "   ((المسايرة)) (ص194- 196) الحاشية السفلى . .
        وقد علق صاحب الحاشية " قاسم بن قطلوبغا " المتوفى 878 هـ عليه قائلا : " قـلت : لم يتكلم المصنف عـلى قول الشيخ أبي الحسن: أن التصديق هـو المعرفة بـوجوده وإلهيته وقدمه .
        والظاهـر أن الشيخ أبا الحسن أراد المعرفة النـفسية المكـتسبة بالاختيار ؛ لأنها هي التي تكون تصديقا ، لا المعرفة التي ذهـب إليها جهم وبعض القدرية ؛ لأن أبا حنيفة رحمه الله أبطل أن تكون إيماناً - كما نـقله عنه الأئمة من أصحابنا - وأنه قد أطبق العلماء على بطلانه " .
        وذكر أيضا أنه لم يظهـر له دخول الاستسلام والانقياد في الـقـول النـفـسي وقال : " والظاهـر من قول أبي الحسن : ( التصديق قول في النـفس غيـر أنه يتضمن المعرفة) أنه التركيب الخبري ولا يصح بدونها أي لا يكون تصديق بدون الإذعان والـقـبول لتـلك النسبة .
        والحاصل أن الشيخ أبا الحسن فسر مرة بما هـو من مقول الكيف ومرة بما هـو من مقول الفـعـل . والثاني مرتضى القاضي وصاحب (الغنية) "   ((المسايرة)) (ص197 –198) ويلاحظ أنه على كلا التفسيرين لم يخرجه عما في القلب ، ومن هنا تظهر موافقته لقول جهم في الأصل ، والمأخذ كما نص على ذلك شيخ الإسلام في ((الإيمان)) (ص113) على أن النقل عن الأشعري مضطرب في هذه المسألة خاصة ، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام في ((الإيمان الأوسط)) لكن لا خلاف في أن قول أكثر الصحابة المتقدمين وكل المتأخرين هو ما نقلناه أعلاه . وانظر رسالة الزميل هادي طالبي : أبو الحسن الأشعري . وعلى أية حال ليس في اشتراطهم الإذعان بالمعنى الذي قرروه ما يبعدهم كثيرا عن قول جهم ، بل غايته أنهم يثبتون أن جهما لا يشترط شيئا على مجرد المعرفة الواقعة بلا اختيار ولا كسب من العبد ، وهم يشترطونها – على قول - ، ولم يظهر حتى الآن ما يدل على أن جهما كان يعتقد إيمان إبليس وأهل الكتاب ، بل الظاهر أن هذا لازم مذهبه ، وعليه فلا فرق بينه وبينهم إذ هذا لازم لهم أيضا أي مع وقوع المعرفة الاختيارية الكسبية ، والله اعلم . .
        هـذا غيـض من فيـض من كلامهم في حقيقـة الإيمان وتـفسيرها تـفسيرا موافقا لـقولهم في الكلام النفـسي عامة ، ومتمشيا مع المقـولات الفـلسفية مع الإعراض عن النصوص الواردة فيه ، فكان طبيعيا ألا يدخلوا العمل فيه بمرة ، وهـذا هـو المطـلوب .
        وقد سبق قريبا التـنبيه إلى معنى الإذعان والانقياد عندهم ، فإن بعض الناس قد يفهم أنهم يريدون به العمل والامتثال , ولكن كلامهم واضح في عدم قصد ذلك وأنهم إنما يريدون به الإيمان بوجوب الفرائض لا فعلها .
        وليس هـذا فهمنا فحسب ، بل هـو ما شرحه به شارح كلام ابن الهمام نـفـسه حين قال : " الإيمان هـو التصديق بالقـلـب فـقـط : أي قبول القـلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، بحيـث تعلمه العامة من غير افتـقار إلى نظر ولا استدلال ؛ كالوحدانية والنبوة والجزاء ووجوب الصلاة والزكاة وحرمة الخمر ونحوها ".   ((المسايرة)) (ص174) .
بل قال المؤلف نفسه : " متعلق الإيمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فيجب التصديق بكل ما جاء به من اعتـقادي وعملي ؛ أعني اعتـقاد أحقية العملي " .
قال شارحه : " أعني بالتصديق الثاني اعتـقاد أنه حق وصدق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم "   (ص 204 – 205) .!!
        وكذلك يقول شارح الجوهـرة : " والإسلام أشرحن حقيقتـه (بالعمل) الصالح ؛ أعني امتثال المأمورات واجتـناب المنهيات ؛ والمراد الإذعان لتلك الأحكام وعدم ردها سواء عملها أو لم يعملها " !!
وقال " والمراد إذعان المذكورات ( الصلاة والصيام...) وتسليمها وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار "   ((تحفة المريد)) (ص60)
فالإذعان عندهم هـو جزء من الفعـل النـفـسي أو الكيف النـفـسي أو متعلق من متعلقاتها لا غير   انظر مع ما سبق المصدر نفسه (ص195) ، وقد ذكر أن القول بأنه من الكيف النفسي أي مجرد العلم والإدراك بلا عمل اختياري إرادي هو ما يومئ إليه تحقيق سعد الدين التفتازاني . ، فهـو ضد التكذيب ، أو ضد جحد الوجوب على أحسن الأحوال ، ومن الواضح أن إذعانا كهذا الذي وصفوه ليس هـو الإذعان المطلوب شرعا ، وإن كان لا بد منه في الإذعان الشرعي الذي هـو الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور على ما جاء في النصوص الكثيرة ، ومنها ما في حديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم : (( فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم ؟ قال : نعم ، وقال : فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن ؟ قال : نعم )) رواه أحمد (2/107)(5856) والطبراني (12/430)(13581) قال الهيثمي في ((المجمع)) (1/45) رجاله موثقون .
        وعلى هـذا قال الإمام أحمد رحمه الله : : من قال إنه يكون مؤمنا أو مسلما مع عدم العمل فقـد عاند الحديث !! وسيأتي في الباب الخامس بإذن الله كشف هـذه الشبهات كاملا ، وإنما المراد هـنا تبيين الأثر الكلامي في هـذه العـقيدة المخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف  فالعجب ممن ينسب إلى نفسه السنة والحديث ثم يوافقهم ، فهما عمل أحد من المكفرات (كالتشريع من دون الله) فإنه لا يكفر عندهم إلا إذا جحد أو استحل مراعاة منهم لهذا الإذعان أو التصديق المزعوم.؟ فهؤلاء – هداهم الله – يكفرون أهل الكلام أو يضللونهم في موضوع الصفات ، ويوافقونهم في موضوع الإيمان وإن كان بعضهم لا يقصد ذلك. .ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي  -  2/423


انظر أيضا: