trial

موسوعة الفرق

المبحث الحادي عشر: حول إرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية


المراد بالإرجاء المتقدم ذكره هو الذي ظهر على يد جماعة من فقهاء الكوفة، وقد عرف بهم، حيث سمي إرجاء الفقهاء، وسمي أهله مرجئة الفقهاء، إذ الأمة لم تكن تعرف قبل ظهوره كلاما في الإيمان مخالفا لما عليه السلف إلا ما كان على طريقة الخوارج والمعتزلة، وهو الغلو والإفراط في مفهوم الإيمان والإسلام حتى حكموا بالكفر على من هو داخل في دائرة الإسلام، أما التساهل والتفريط في ذلك، وإخراج ركن من أركان الإيمان عنه، وهو العمل، وفتح الباب لمقالات ضالة كفرية تنادي بتضييع الإيمان الذي جاءت به الشرائع، وجعله أماني، فلم يقع إلا على أيدي هذه الفئة من الفقهاء، وهم الذين كثر كلام السلف في ذم مقالتهم، والتحذير منها، وتبديع قائلها.
يقول شيخ الإسلام: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من الكوفة، ولم يكن أصحاب عبدالله  -  يعني ابن مسعود رضي الله عنه  -  من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة، فقالوا: الأعمال ليست من الإيمان" ((الفتاوى)) (13/38) . .
وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله على أن الخوض في هذه المرحلة من هذه الطائفة متعلق بالإيمان، إذ يقول: "وحدثت أيضا بدعة المرجئة في الإيمان" ((النبوات)) (2/577) . .
وأما أوائل رجال هذه المرحلة والذين ارتبط بهم نشأة هذا النوع من الإرجاء، فقط سمي شيخ الإسلام طائفة منهم، وهم:
ذر بن عبدالله الهمذاني، وحماد بن أبي سليمان، وسالم الأفطس، وطلق بن حبيب، وإبراهيم التيمي.
وأول من قال به من هؤلاء عند شيخ الإسلام هو حماد بن أبي سليمان.
يقول رحمه الله: "الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان" ((الإيمان)) (ص295)  ((الفتاوى))  (7/311)، وانظر منه، (ص281)  ((الفتاوى))  (7/297) . .
ويقول: "لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/507) (ص373ط) . ابن الجوزي. .
ولكن شيخ الإسلام نفسه نقل عن بعض السلف ما يفيد أن أول قائل بالإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية، فقد قال رضي رحمه الله:
"قال: أيوب السختياني: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة من بني هاشم يقال له: الحسن رواه ((ابن بطة في الإبانة الكبرى)) (2/903 رقم 1266) ؛ واللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (5/1003 رقم 1844) . .
وقال: زاذان: أتينا الحسن بن محمد، فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة.
فقال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب، أو أضع هذا الكتاب رواه: عبدالله في ((السنة)) (1/324-325) رقن 665؛ والخلال في ((السنة)) (4/136-137) رقم 1358؛ و ((ابن بطة في الإبانة الكبرى)) (2/ 904)  (رقم 1268) . " ((الإيمان)) (ص378) ((الفتاوى)) (7/395) . .
وقد ذكر شيخ الإسلام أن الحسن "قد وضع كتابا في الإرجاء، نقيض قول المعتزلة، ذكر هذا غير واحد من أهل العلم" ((منهاج السنة)) (8/7) . .
فثمة كتاب كتبه الحسن نقيض قول المعتزلة، وحقيقة هذا المكتوب تنجلي من خلال النظر في سيرة الحسن، فقد جاء فيها أنه كان في حلقة، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير، وأكثروا، والحسن ساكت، ثم تكلم، فقال:
قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئاً أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا، ولا يتبرأ منهم.
ثم قام، فما لبث أن كتب الرسالة التي ثبت فيها الإرجاء بعد ذلك انظر: ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) ، للحافظ المزي، تحقيق بشار عواد، مؤسسة الرسالة بيروت (6/321) ؛ و ((تاريخ الإسلام حوادث وفيات)) (81-100هـ) ، (ص 332) . .
وهذا نقل لبعد ما جاء في رسالة الحسن، لمعرفة حقيقة الإرجاء عنده، فقال قال  -  عفا الله عنه-:
"أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله، ونحثكم على أمره، ونرضى لكم طاعته، ونسخط لكم معصيته، وإن الله أنزل الكتاب بعلمه فأحكمه، وفصله وأعزه، وحفظه أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه"، ثم ذكر كلاما طويلا، ثم قال:
"فمن أراد أن يسائلنا عن أمرنا ورأينا، فإنا قوم: الله ربنا، والإسلام ديننا، والقرآن إمامنا، ومحمد نبينا، إليه نسند، ونضيف أمرنا إلى الله ورسوله.
ونرضى من أئمتنا بأبي بكر وعمر، ونرضى أن يطاعا، ونسخط أن يعصيا، ونعادي لهما من عاداهما، ونرجئ منهم أهل الفرقة الأول.
ونجاهد في أبي بكر وعمر الولاية، فإن أبا بكر وعمر لم تقتتل فيهما الأمة، ولم تختلف فيهما، ولم يشك في أمرهما، ( ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله ) .
وإنما الإرجاء ممن عاب الرجال، ولم يشهده، ثم عاب علينا الإرجاء من الأمة، وقال متى كان الإرجاء؟
قلنا: كان على عهد موسى نبي الله إذ قال له فرعون:  قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه: 51]، قال موسى وهو ينزل عليه الوحي حتى قال:  قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه: 52]، فلم يعنف بمثل حجة موسى"، ثم استمر في كلام طويل ((الإيمان)) ، للعدني، (ص147-148 رقم80) ؛ و ((تاريخ الإسلام)) "حوادث81-100" (ص333-334) . .
وكما هو ظاهر أن من مضمون الكتاب حديث عما جرى بين الصحابة بعد الفتنة بقتل عثمان  -  رضوان الله عليهم أجمعين -، والحسن هنا يكشف عن رأيه في ذلك، وأنه يرجئ أمر من دخل في الفتنة إلى الله.
فهو إذن إرجاء متعلق بالصحابة  -  رضوان الله عليهم -، لا الإرجاء المتعارف عليه، المتعلق بالإيمان وحقيقته، وعلامة العمل به.
وبهذا يتبين خبر كتاب الحسن، ويتضح مراد شيخ الإسلام بأنه نقيض قول المعتزلة.
فإن من المعلوم أن واصل بن عطاء ومن تابعه من المعتزلة يرون فيما جرى بين الأصحاب  -  رضوان الله عليهم أجميعن  -  "أن فرقة من الفريقين فسقة، لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازوا أن يكون الفسقة من الفريقين عليا وأتباعه  -  كالحسن والحسين وابن عباس وعمار بن ياسر وأبي أيوب الأنصاري وسائر من كان مع علي يوم الجمل-، وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة وطلحة والزبير وسائر أصحاب الجمل.
ثم قال في تحقيق شكه في الفريقين: لو شهد علي وطلحة أو علي والزبير أو رجل من أصحاب علي ورجل من أصحاب الجمل عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، ولو شهد رجلان من أحد الفريقين أيهما كان قبلت شهادتما" ((الفرق بين الفرق)) ، للبغدادي تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، دار المعرفة ببيروت، (ص120) ؛ وانظر: ((منهاج السنة)) (8/6) . .
"وقال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظام وأكثر القدرية: نتولى عليا وأصحابه على انفرادهم، ونتولى طلحة والزبير وأتباعهما على انفرادهم، ولكن لو شهد علي مع رجل من أصحابه قبلت شهادتهما، ولو شهد طلحة أو الزبير مع واحد من أصحابه قبلت شهادتهما، ولو شهد علي مع طلحة على باقة بقل لم نحكم بشهادتهما؛ لأن أحدهما فاسق، والفاسق مخلق في النار، وليس بمؤمن ولا كافر" ((أصول الدين)) ، للبغداد، الطبعة الثالثة 1401هـ، دار الكتب العلمية ببيروت، (ص290-291) ؛ وانظر منه، (ص335) ؛ وانظر: ((الملل والنحل)) ، للشهرستاني، تعليق أحمد فهمي محمد، الطبعة الأولى 1410هـ، دار الكتب العلمية ببيروت (1/43) . .
فهذا الضال الهالك ومن تابعه يتولون أحد الفريقين على الانفرادِ، بخلاف لو اجتمعا فيتبرؤون منهما جميعا.
وبهذا يستبين مراد شيخ الإسلام بأن ما وضعه الحسن نقيض قول المعتزلة، أي فيما يتعلق بالصحابة، ويزيد الأمر تأكيدا أن جماعة من العلماء فسروا الإرجاء عند الحسن بهذا، ومن هؤلاء الذهبي، وابن كثير، وابن حجر.
فالحافظ الذهبي رحمه الله يقول أثناء ترجمته للحسن:
"قلت: الإرجاء الذي تكلم به معناه: أنه يرجئ أمر عثمان علي إلى الله، فيفعل فيهم ما يشاء،...، وذلك أن الخوارج تولت الشيخين، وبرئت من عثمان وعلي، فعارضتهم السبائية، فبرأت من أبي بكر وعمر وعثمان، وتولت عليا وأفرطت فيه.
وقالت المرجئة الأولى: نتولى الشيخين، ونرجئ عثمان وعليا، فلا نتولاهما، ولا نتبرأ منهما" ((تاريخ الإسلام)) "حوادث ( 81-100 ) ، (ص 333) . .
وأما الحافظ ابن كثير رحمه الله، فقد نقل أن إرجاء الحسن هو "التوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم، ولا يذمهم" ((البداية والنهاية)) (12/555) . .
والحافظ ابن حجر رحمه الله يقول في معنى إرجاء الحسن: "قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور"، ثم ذكر جملة منه، ثم قال:
"فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا، وكان يرى أنه يرجأ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم" ((تهذيب التهذيب)) (1/414) . .
ومن خلال هذه النقول يتضح أن قضية الإرجاء عند السحن مجرد التوقف في الحكم لأحد الفريقين بالصواب أو الخطأ، وهذا لا علاقة له البتة في الإرجاء من حيث كونه نعتا على المخالف في مسألة الإيمان، ومع هذا فإن الحسن  -  عفا الله عنه  -  ندم على ما رقمته يداه، بل تمنى الموت قبل كتابته، والله المستعان.
ومما تقدم يتبين أنه لا تعارض بين ما قاله شيخ الإسلام من أول قائل بالإرجاء هو حماد بن أبي سليمان، مع من قال إنه الحسن؛ لأن الإرجاء الذي تكلم به الحسن ليس هو الإرجاء الذي تكلم به حماد، فإن إرجاء الحسن متعلق ببعض الصحابة، وإرجاء حماد متعلق بالإيمان كما تقدم.آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 101


انظر أيضا: