trial

موسوعة الفرق

المبحث الحادي عشر: اتباع الهوى


لقد أمرنا الله عز وجل بوجوب طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووصانا سبحانه بلزوم الصراط المستقيم واتباعه، وبين سبحانه أن من خرج عن الصراط المستقيم لما تهواه نفسه فهو تائه ضال بذلك   انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية (1/19) . . قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأنعام: 153].
إنهما أمران لا ثالث لهما: إما أن يكون المرء متبعا للحق، أو يكون متبعا للهوى، يقول الإمام الشاطبي في معرض ذمه للبدع: " أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ ص: 26]، فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك   ((الاعتصام)) (ص 35) . .
وبين في موضع آخر أن اتباع الهوى من أسباب الاختلاف ووقوع الفرقة في الأمة فقال: " من أسباب الخلاف: اتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع " أهل الأهواء " لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك   ((الاعتصام)) (ص 447). .
والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [ البقرة: 26].
وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامته العذر في الخلاف، وإنما أدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق   انظر ((الموافقات)) للشاطبي (4/576)، وانظر منه (4/536). ، لذلك لم يأت في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم   انظر ((الاعتصام)) (ص 450) . .
ولقد جاء الأمر صريحا لمحمد صلى الله عليه وسلم باتباع الشرع الحنيف، والنهي عن اتباع الهوى فقال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ الجاثية: 18].
والشريعة التي جعله عليها تتضمن ما أمر به، وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة، فهو من أهواء الذين لا يعلمون، فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله على عباده من هداه.
ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك.
قال أبو العالية: تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا الإسلام يمينا وشمالا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء "   ((الاستقامة)) لابن تيمية (1/253 – 254)، وانظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/97) . .
وصدق أبو العالية رحمه الله، فهذه الأهواء المذمومة قد فرقت الأمة، وفككت كيان الجماعة المسلمة، ولقد أخبرنا عن ذلك محمد صلى الله عليه وسلم لنحذر منها، ونجانبها، ونلزم الجماعة المسلمين ، ونسلك الصراط المستقيم، ففي الحديث عن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر: ((إن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء ، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء ، كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة ، ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقا ولا مفصلا إلا دخله))   كتاب ((السنة)) لابن أبي عاصم (1/7)، وصححه الألباني. .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا : ((إن مما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ، ومضلات الأهواء))   كتاب ((السنة)) لابن أبي عاصم (1/12)، وقال الألباني: إسناده صحيح. . ولقد أنكر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على الرجل الذي قال له: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم، فقال له ابن عباس: " الهوى كله ضلالة "   كتاب ((الشريعة)) للآجري (1/444)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/130) . .
وها هو ذا عبد الله بن عمر يقول: " ما فرحت بشيء من الإسلام أشد فرحا بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء "   شرح ((أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/130) . .
وليعلم أن النهي عن اتباع الهوى نهي يشمل: هوى الشهوات وهو داء العصاة، الذي يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق كفسق الأعمال ونحوها وهو الاستمتاع بالخلاق.
وهوى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وهو يقع بالاعتقاد الباطل كالبدع ونحوها، وهو الخوض في الباطل.
وهما مذكوران في قوله تعالى: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ التوبة: 69].
ولقد كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.
والدواء لهذين الدائين يكون بالصبر واليقين كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [ السجدة: 24]. فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات "   انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/118 - 123) باختصار وتصرف، ((إعلام الموقعين)) (1/68، 136)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب الحنبلي (2/397). .
إن النهي في اتباع الأهواء ليس نهيا عن اتباع أهواء الأمم السابقة، بل يلحق به متابعة أهل الأهواء والبدع في بدعهم، أو مداهنتهم عليها والسكوت عن الإنكار عليهم تحت أي دعوى من الدعاوى الحديثة التي تزعم التقريب أو التأليف بين الفرق، وهي في حقيقتها تطالب بتنازل أهل السنة عن السنة وعن الاتباع، يقول الإمام الشوكاني رحمه الله عن قوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [ البقرة: 120].
يقول: " وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع عنه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدهان لأهل البدع والمتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا، وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك ....فهو إذ ذاك ماله من الله من ولي ولا نصير، ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك ولا شبهة "   ((فتح القدير)) للشوكاني (1/135) . .
والمتأمل لأسباب الفرقة التي تقدم ذكرها، يجد أنها تدور في رحاها بين الجهل وبين اتباع الهوى والظلم، لذلك لا اجتماع للأمة إلا بوحدتها على كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم، والتزام صراطه المستقيم علما وعملا، حقا وعدلا ، وما أحوجنا إلى سؤال الله ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " الإنسان خلق ظلوما جهولا، فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وأكله وشربه، ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل، والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم"   ((الفتاوى)) (14/27)، وانظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (8/409)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/18 – 20) . .موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص296-300


انظر أيضا: