trial

موسوعة الفرق

المبحث العاشر: التشبه بالكافرين، واتباع سننهم


لقد حذرنا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم من اتباع سنن الكافرين خاصة أهل الكتابين، وأخبرنا أن أمته ستتبع السنن الماضية الضالة، وأنها ستفترق كما افترقوا.
و في هذا بيان أن تقليد الكفرة واتباع طريقتهم وسيرتهم من أسباب الفرقة التي دبت في الأمة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة " ، قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي)).
و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها ، شبرا شبرا وذراعا بذراع . فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك)).   رواه البخاري (7319)  
و في حديث آخر عن أبي واقد الليثي أنه قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر إنها السنن قلتم – والذي نفسي بيده – كما قالت بنو إسرائيل لموسى: قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ الأعراف: 138]. لتركبن سنن من كان قبلكم)).   رواه الترمذي (2180) وأحمد (5/218) (21947) والنسائي في ((الكبرى)) (6/346) وابن حبان (15/94) (6702) والطبراني (3/244) وقال الترمذي حسن صحيح، وقال الهيثمي (7/24): فيه كثير بن عبد الله وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه، وقال الألباني صحيح.
ويقول ابن تيمية: " فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبيه بهؤلاء وهؤلاء "   ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/81، 170) . .
ولقد جاءت نصوص كثيرة تأمرنا بمخالفة الكفار، وتنهى عن التشبه بهم، ولقد خصت الفرقة بمزيد ذكر في كتاب الله عز وجل حيث جاء النهي عن مشابهة الكافرين في تفرقهم خاصة   انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/101). ، يقول الله عز وجل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 105].
ويأمر الله عز وجل نبيه بمخالفة الكافرين وعدم اتباع أهوائهم، يقول عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ الجاثية: 18]، ويقول سبحانه: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [ الرعد: 37].
والناظر لأحوال الأمة الآن يجد أن الفرقة قد دبت بين المسلمين ، وأن البدعة قد فشت فيهم، وأن في كثير منها مشابهة ومضاهاة للكافرين، مثل الغلو في الصالحين، وكتم العلم أو تحريفه كما فعلت اليهود، أو جحد الحق الذي مع المخالف كما فعلت اليهود والنصارى، والغلو في الدين والابتداع فيه من البناء على القبور، واتخاذ العبادات والأعياد التي لم يشرعها الله ولا رسوله   انظر دراسات في الأهواء والفرق والبدع لناصر العقل (ص 357 – 360)، التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلام ي لجميل اللويحق (ص 49، 52، 177، 339) . ، والذي من شأنه أن يحرف الناس عن الصراط المستقيم، ويلجئهم للسبل المفرقة للأمة.
وحاضر المسلمين اليوم شاهد على ذلك من ترك أكثرهم نصوص الوحيين وجريهم خلف الكافرين ومتابعة عوائدهم وسننهم سواء كان على مستوى الدولة في السياسة والحكم أو على مستوى الفرد في الأخلاق والسلوك مما يوهن جسد الأمة، ويبث الفرقة والاختلاف فيها كما هو واقع الآن.
ولقد بين ابن تيمية رحمه الله الحكمة من النهي عن مشابهة الكافرين، والأمر بمخالفتهم، وأن في ذلك مزيد تمسك بالصراط المستقيم فقال: " وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف .
وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة، وكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر لأمور منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما؛ في الأخلاق والأعمال.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام – الذي هو الإسلام لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا، أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقته اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين "   انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/92، 94) . .
وإن صاحب هذا التقليد للكافرين هوى في النفوس كان أدهى وأمر، وأشد تفريقا للأمة، لما في اتباع الهوى من صد عن الصراط المستقيم، كما يتضح بالآتي..موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص292-295


انظر أيضا: