trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: الغلو في الدين، وردود الأفعال


لقد جاء الإسلام آمرا بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر   انظر في ذلك ((الفتاوى)) (3/244، 247، 250 – 252)، ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية)) (2/133) . ، حتى ميزت هذه الأمة وخصت بذلك، قال سبحانه وتعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [ البقرة: 143].
وقال سبحانه آمرا بالاستقامة والاعتدال، ناهيا عن الغلو والطغيان: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ هود: 112].
وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغلو ومجاوزة الحد المشروع لنا، فقال عليه الصلاة والسلام ناهيا عن الغلو، مبينا أنه سبب هلاك من قبلنا: ((إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))   ((سنن النسائي))، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (5/278)، سنن ابن ماجة، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (2/1008)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي له (2/640) . .
وبين عليه السلام أن هذا المتنطع الغالي المتعمق، المجاوز للحد في قوله وفعله   انظر ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (16/220). هالك لا محالة فيقول: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثا   رواه مسلم (2670). .
ويقول سبحانه وتعالى في شأن أهل الكتاب ناهيا إياهم عن الغلو: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً [ النساء: 171].
ويقول سبحانه وتعالى : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [ المائدة: 77].
ويبين الإمام الطحاوي اعتدال هذا الدين وبعده عن الغلو فيقول: " ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام . . وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس   ((شرح العقيدة الطحاوية)) (2/786)، وانظر مستفيدا كتاب ((وسطية أهل السنة بين الفرق)) لمحمد باكريم محمد باعبد الله (ص 303) . .
والناظر لأقوال الفرق المبتدعة التي فرقت الأمة بذلك يجدها خرجت بسبب الغلو والتقصير، فالمعطلة غلوا في التنزيه وقصروا في الإثبات، والمشبهة غلوا في الإثبات وقصروا في التنزيه، وكلاهما أخذ ببعض النصوص وترك بعضا، والحق في الاعتدال والجمع بين النصوص.
أما الخوارج فغلوا في إثبات الأعمال وعدها من الإيمان حتى كفروا المسلمين بمجرد المعصية، وقابلهم المرجئة فغلوا حتى أخرجوا العمل من الإيمان . فكان الغلو في ردود الأفعال سببا لأن ترد البدعة ببدعة والباطل بباطل.
يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة رحمه الله: ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر، وكثر بينهم التنازع حمل البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط, فقالوا بمذهب جهم في الجبر   ((الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية)) (ص 20)، وانظر (ص 22، 40 – 42) منه . .
ويقول ابن أبي العز الحنفي: فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي وأولئك كفروه؟ وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة. وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا . . وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم "   ((شرح العقيدة الطحاوية)) (2/799) باختصار . .
من الخطأ إذاً: أن ترد البدعة ببدعة، وينقض الباطل بباطل مثله، إنما المنهج في الرد على أهل البدع ما ذكره ابن تيمية حيث يقول: كثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة: إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة، وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة، وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا، وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا، ولا يدفع باطله بباطل أصلا، فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يخرج منه إلى باطل يخالفه: لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلا، وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادئ الرأي   ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/292) وانظر (1/254) و(7/288). .
ويذكر أن رد الباطل بباطل، والبدعة ببدعة من طرق استزلال الشيطان لبني آدم فينبغي الحذر منه فيقول: " لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد . . فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا، فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات "   انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/133 – 134) باختصار . .موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص245-247


انظر أيضا: