موسوعة الفرق

المبحث الرابع: آثارها


خلفت الأكبرية آثاراً سيئة في الدين والمجتمع، فقد تبدلت الأرض غير الأرض، من جراء هذا المذهب، ولا غرو في ذلك، إذ كان مؤسسه الملك أكبر حاكم بلاد الهند بلا منازع، وفي يده السلطة، والقوة، ويحمل الناس على مذهبه بالرغب والرهب، وقد قيل: (الناس على دين ملوكهم)، هذا، وأهم آثار هذا المذهب أوجزها فيما يلي:
أولاً: غربة الإسلام:
فقد أصبح الإسلام غريباً، وصار أهله غرباء في بلاد الهند من جراء هذا المذهب، ولم تعد للإسلام قوة في البلاد – كما كان سابقاً – كما ذهبت هيبته من قلوب كثير من المسلمين، يصور الإمام السرهندي – وهو الذي تصدى لهذا المذهب الخطير – هذه الغربة فيقول: (فقد أجرى الكفار أحكامهم في دار الإسلام على الملأ بطريقة الغلبة والاستيلاء، حتى عجز المسلمون عن إظهار أحكام الإسلام، بحيث من أظهره قتلوه، وا ويلاه، وا مصيبتاه، ويا حسرتاه، ويا حزناه، على ما صار مصدقو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم محبوب رب العالمين، أذلاء حقيرين، عديمي المقدار، ومنكروه في غاية العز، والاعتبار، والمسلمون في تعزية الإسلام مع قلوب مجروحة، والمعاندون يرشون الملح على جراحاتهم بالسخرية، والاستهزاء، وشمس الهداية مستورة تحت أفق الضلالة، ونور الحق منزو، ومنعزل في حجب الباطل...) ((المنتخبات من مكتوبات الإمام السرهندي)) (ص: 14)، طبعة 1398هـ، مكتبة أيشيق، استانبول، تركية.
ويقول في موضع آخر من مكتوباته: (الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، وقد بلغت غربة الإسلام حداً، يطعن الكفار في الإسلام بين ملأ، ويذمون المسلمين، ويجرون أحكام الكفر بلا تحاش، ويمدحون أهله في الأزقة، والأسواق، والمسلمون عاجزون، ممنوعون من إجراء أحكام الإسلام، ومطعون فيهم إتيان أحكام الشرائع عند هؤلاء الكفرة اللئام) ((المنتخبات من مكتوبات الإمام السرهندي)) (ص: 25).
يتبين من خلال هذه النصوص مدى الغربة التي وصل إليها الإسلام في بلاد الهند من غلبة الكفر على الإسلام، وسيطرة الشر على الخير إبان غلبة الأكبرية، ومما زاد الطين بلة، والوضع سوءاً، أن تطاولت أعناق الرافضة، وصارت لهم صولة وجولة في تصريف شؤون البلاد، فكانت كفتهم هي الراجحة، وأهل السنة مغلوبون انظر: ((أئمة تلبيس)) (2/87).
وبلغ الأمر إلى هذا الحد أنه لما مات الملك أكبر عام 1014هـ، وخلف من بعده ولده سليم وتلقب بـ جهانكير، فاقتفى أثر أبيه، وحذا حذوه في سياسته، وعين كبير دعاة الروافض نور الله الشستري رئيساً للقضاة، ويدل ما آل إليه الأمر في عصر الملك أكبر وبداية عهد ولده جهانكير من المذهب الأكبري ما كتبه الإمام ولي الله الدهلوي حيث قال: (... وتولى السلطنة بعده أي همايون) ولده أكبر فتزندق، وارتفعت راية الجهل، وثاب من كل أوب أهل الملل المختلفة، والمذاهب الباطلة، وعظمت الفتنة، وتولى بعده ولده جهانكير وكان ماجناً مدمناً للخمر، فرفعت الهنود رؤوسها، ونصبت الروافض رؤوسها) انظر: ((نزهة الخواطر)) (6/398-415).
ثانياً: أثرها في الحياة الاجتماعية:
من الآثار الضارة للمذهب الأكبري: إن الحياة الاجتماعية في هذا العصر قد اصطبغت بالصبغة الهندوكية الوثنية أيما اصطباغ، ولم يبق للإسلام فيها عين ولا أثر، حتى أبنية المساجد المبنية في بداية عهده كانت أشبه بمعابد الهنادك منها بالمساجد.
ومن مظاهر الارتداد الاجتماعي أن كلمة (الله أكبر) أصبحت شعاراً للكتاب والمصنفين، يبدؤون بها كتاباتهم، يريدون بذلك تأليه الملك أكبر ولو من طرف خفي انظر: ((تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند)) (ص: 89).
كما درج مؤلفون آخرون في مقدمة كتاباتهم بعد الحمد لله –تعالى- والثناء عليه، يذكرون الملك أكبر بالتبجيل والتكريم، والألقاب الطويلة، ولم يكونوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه.
ومخطوطات هذا العصر الموجودة في الخزانة الملكية وغيرها، من المكتبات، شاهدة على ذلك، وكذلك جميع التوقيعات والإمضاءات مفتتحة بهذا الشعار –الله أكبر- وخالية من (بسم الله الرحمن الرحيم)، وكان من عادة الكتاب المسلمين أنهم يبدؤون كتبهم بالثناء على الله –تعالى- بما هو أهله، والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الكتاب المنتمين إلى المذهب الأكبري وتلامذتهم ربما يشرعون في كتاباتهم بأسماء آلهة المشركين، لا سيما إذا كانت الكتب مترجمة من السنسكريتية أو الهندية، وذلك تحقيقاً للوحدة الثقافية – على حد زعمهم.
وهذه الوحدة الثقافية والصبغة الهندوكية هي التي كانت ولا تزال بلاء عظيماً على الإسلام والمسلمين في هذه البلاد، وقد تأصلت جذور الشجرة في المجتمع الإسلامي الهندي؛ وآتت أكلها حينما حمل زعماء الهنادكة في الربع الثاني من القرن الحالي الميلادي لواء القومية الهندوكية الوثنية القديمة، المصبوغة بصبغة الديانة البرهمية؛ وقد تجلت هذه الظاهرة في أجلى مظاهرها حينما قدموا تقريراً بشأن دستور البلاد، وحقوق أهلها في الإصلاحات التي وعدت بتنفيذها الحكومة البريطانية، وذلك عام 1347هـ الموافق 1928م.
ثالثاً: أثرها في الحياة العلمية والسياسية:
وقد تأثر مجال التعليم تأثراً مباشراً بهذا المذهب، إذ أصدر الملك مرسوماً بمنع التعليم الإسلامي، واللغة العربية، وتطهير الفارسية من الكلمات العربية، وبعد صدور هذا المرسوم أصبح من العسير جداً تعليم العلوم الشرعية، واللغة العربية، ووضعت العلوم العقلية، والنجوم، والحكمة، والطب، والرياضة، والشعر، والقصة مكانها، وأوقفت الرواتب والجرايات الشهرية لمدرسي العلوم الشرعية، فكسدت أسواق هذه العلوم، وتوقف تخرج الفقهاء، والقضاة، والأئمة، والخطباء انظر: ((دين إلهي اور اس كا بس منظر)) (ص: 219).
وكانت هذه أولى ضربة قاصمة لظهر التعليم الإسلامي في بلاد الهند، وكانت لها آثار بعيدة المدى في طول البلاد وعرضها، وكان مقدمة لتقسيم التعليم، وشجع الاستعمار فيما بعد هذا الاتجاه، وانقسم التعليم إلى ديني لم يهتم بالعلوم العصرية، وعصري لم يبال بالعلوم الشرعية؛ فكانت النتيجة غير مرضية في حياة المسلمين كما لا يخفى انظر: ((أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية)) (ص: 115، 132، 133).
وهكذا كان أثرها واضحاً في مجال السياسة، إذ خطا العلمانيون في دول شبه القارة الهندية خطوات الملك أكبر في بلاد الهند، وجعلوه أنموذجاً في فصل الدين عن الدولة على أساس اعتقاد عظمة الملك أكبر، والنزوع إلى براءة ساحته من كل تهمة؛ لأنه هو وحده من بين ملوك المسلمين يتفق مع الاتجاه العلماني الحديث، والتحرر من ربقة الدين، ويجدر لأن يتخذ زعيماً، أو مثلاً كاملاً للسياسة اللادينية، المجردة من الدين والعقيدة انظر: ((الإمام السرهندي)) (ص: 64).

انظر أيضا: