موسوعة الفرق

المبحث السادس: علاقتهم بالعالم الإسلامي


حاول عيسى زعيم فرقة النوبية الملائمة بين القومية السوداء (العرقية) والراديكالية والإسلام مرة واحدة. فتحدث عيسى الذي نصب نفسه إماماً عن الحضارة الأولى للعالم، والتي أقامها الرجل الأسود في أفريقيا على ضفاف النيل. واهتم بالنوبيين في جنوب مصر وشمال السودان باعتبارهم ورثة ذلك التراث الأسود. وانطلق هو الآخر - متأثراً بإليجا محمد - في تشكيل جماعته الخاصة. وقام بزيارة مكة أسوة بما فعله مالكوم إكس وإليجا محمد، ثم توجه إلى السودان حيث تبرك بزيارة قبر المهدي في أم درمان، والتقى بأسرة المهدي، وزار جزيرة أبا، معقل طائفة الأنصار، والتقط صوراً لنفسه في كل هذه الأماكن وعرض في بروكلين صور لقائه العائلي مع أفراد أسرته في السودان. مدعيا أنه من سلالة المهدي الكبير الأفريقي الذي هزم جيوش الامبراطورية البريطانية. وشرع في تنظيم الشبان السود الذين استمعوا إلى التقارير المبهرة عن رحلته وإلى التاريخ الخلاب للنوع الذي ينتمون إليه [5185]) ) قطبي مهدي أحمد: مرجع سابق, (ص: 35).
وقد سعى عيسى من وراء هذه الدعاية إلى خلق هوية جديدة للسود ـ متابعاً في ذلك إليجا محمد ـ تقف في مواجهة الهوية البيضاء وتأكيداً على هذه الهوية الجديدة علم عيسى أصحابه ارتداء الملابس التقليدية للسودانيين من الأنصار. وشيد لهم مسجداً على غرار قبر المهدي، محاولاً في كل ذلك خلق وطن جديد يستطيع السود الانتساب إليه. مما يعني أن هذه الرحلة إلى العالم الإسلامي لم تكن لمجرد التعرف على الكيفية الصحيحة التي يعايش بها الإسلام، ولكن من أجل استحضار صورة مركزة عن العالم الذي ينتسب إليه سود أمريكا. وتأكيداً على هذا الأصل الجديد زعم عيسى أن المهدي قد أتى إلى أمريكا وتزوج من امرأة أمريكية سوداء -أم عيسى- ثم عاد إلى السودان بعد مولده [5186]) ) المرجع السابق نفسه.
وعندما وصلت هذه الروايات إلى السودان، استشاطت أسرة المهدى غضباً. وفي البداية حققت أسرة المهدي في الأمر، ثم قررت إقامة دعوى قضائية ضد عيسى. وبعد مزيد من التأمل قرر الصادق المهدي، الزعيم السياسي للأسرة، أنه لا ضرر من أن يكون هناك أتباع له في أمريكا. وفي زيارة لاحقة له للولايات المتحدة وافق الصادق على دعوة الإمام عيسى للقدوم إلى مقره في بروكلين، وأضفى الشرعية على المنظمة، الأمر الذي أثار استياء كل من المسلمين السودانيين والأمريكيين. وفي هذه الأثناء لفت الصادق نظر عيسى إلى بعض التعاليم المرفوضة التي يتبعها، خاصة استخدام الإنجيل في صلواتهم وشعائرهم [5187])) قطبي مهدي: مرجع سابق, (ص: 36).
وأكدت النوبية ارتداء لبس «السنة» ـ وهو الرداء السوداني الأبيض الطويل الفضفاض ـ والعمامة للرجال، والرداء الأبيض العربي الشكل للنساء مع حجاب يغطي الوجه. وأصبح تعلم اللغة العربية أولوية كبرى. وصدرت التعليمات للأعضاء بالتحدث بالعربية مع أبنائهم حتى يشبوا وهم يعرفون الفصحى. وتمركزت حياة الجماعة حول المسجد الذي يضم في عضويته بعض مدبرات المنازل والطباخين وحراس الأمن والمدرسين والباعة المتجولين [5188])) المرجع السابق نفسه.
إلى هذا الحد حاول عيسى التمسح بالإسلام، إلا أنه سرعان ما كشف عن توجهاته الحقيقية عندما ألغى حجاب المرأة، واعتمد على (الكتاب المقدس) بجانب القرآن، وجمع نجمة داوود إلى الهلال مكوناً خليطاً دينياً يصعب تحديد هويته.
تعقيب:
هذا هو موقف فرقة النوبية من العالم الإسلامى. وهو موقف ـ كما يبدو للباحث ـ يشوبه التناقض، فتارة تتجه الفرقة إلى الإسلام محاولة استدماج تعاليمه، وتارة تتجه إلى الثقافة الأمريكية محاولة التوافق معها. وفي الحالتين لم تنجح فرقة النوبية في الملائمة بين القومية السوداء والثقافة الأمريكية والإسلام لسطحية مفاهيمها الإسلامية وعرقية منطلقاتها الأيديولوجية.

انظر أيضا: