trial

موسوعة الفرق

المطلب الرابع: أدلة الأشاعرة والجواب عنها


اعتمد الأشاعرة في نفي تعليل أفعاله تعالى بالأغراض والغايات على حجج عقلية، وقد ذكرها الرازي في كتابه (الأربعين) راجع كتاب محمد بن عمر الرازي: ((الأربعين في أصول الدين)) (ص: 249-251). . وسنورد هذه الأدلة مع إيراد جواب المثبتين للتعليل عنها.
الدليل الأول:
أن كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، كان ناقصا بذاته، مستكملا بذلك الفعل، وذلك محال في حق الله تعالى.
وتقرير ذلك:
أن من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها، كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية، وكل من كان كذلك، كان ناقصا بذاته، مستكملا بغيره، والاستكمال بالغير في حق الله تعالى محال.
وإن كان تحصيلها وعدم تحصيلها بالنسبة إليه سواء، فحينئذ لا يحصل منه ترجيح أحدهما على الآخر، ومع عدم ترجيح التحصيل يمتنع التحصيل.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
1- قولكم: إنه يكون ناقصا بذاته غير لازم؛ لأن الحكمة قبل حصولها لا تعتبر كمالا، وما ليس بكمال في وقت لا يعتبر عدمه نقصا فيه. فالكمال إذا كان مترتبا على الفعل امتنع حصوله قبل الفعل فلا يكون عدمه قبل الفعل نقصا.
2- أما قولكم: إنه يلزم من ذلك أن يكون مستكملا بغيره، إن أردتم به أن الحكمة التي فعل لأجلها حصلت له من شيء خارج عنه، فذلك باطل؛ لأنه لا رب سواه، ولم يستفد من غيره كمالا بوجه من الوجوه.
وإن أردتم أن تلك الحكمة غير له وهو مستكمل بها. فيقال: إن تلك الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرا له، فإن حكمته قائمة به، وهو الحكيم الذي له الحكمة كما أنه العليم الذي له العلم، والقدير الذي له القدرة.
الدليل الثاني:
لو كان فعله تعالى معللاً بعلة، فهذه العلة إما أن تكون قديمة، فيلزم من قدمها قدم الفعل، لأن العلة التامة يجب أن يكون معها معلولها في الزمان، وهذا خلاف ما قام عليه الدليل من أن كل ما سوى الله تعالى حادث.
وإن كانت هذه العلة حادثة، فإن حدثت لا لسبب، لزم ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح وهو محال.
وإن حدثت لسبب حادث، نقلنا الكلام إلى ذلك السبب الحادث، فإن حدث لا لعلة لزم الترجيح بلا مرجح. وإن حدث لعلة فتلك العلة لابد لها من علة أخرى وهكذا فيلزم التسلسل.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
1- قولكم: إن كانت العلة قديمة لزم من قدمها الفعل وهو محال. فالجواب: أنه لا يخلو: إما أن يكون الفعل قديم العين، أو قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما.
فإن أمكن أن يكون قديم العين، أو النوع، أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك. وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع، بل هو حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك، فالحكمة يحذى بها حذو الفعل، فما جاز على الفعل جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها.
2- إن غاية هذه الحجة لزوم التسلسل، فإنه إذا كان يفعل لعلة فهذه العلة تحتاج إلى علة أخرى وهكذا. فيقال:
إن كان هناك تسلسل فهو في الآثار المستقبلة وهو ممكن، بل واجب باتفاق جماهير المسلمين، لأن نعيم الجنة دائم لا يقف عند حد إذ ما من نعيم إلا وبعده نعيم إلى لا نهاية.
وإنما قلنا يكون التسلسل في الآثار المستقبلة، لأن الحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده.
فإذا اقتضت هذه الحكمة حكمة أخرى بعدها، كان هناك تسلسل في الحوادث المستقبلة وهو جائز، ولم ينازع فيه إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كالجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"هذا التسلسل في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل، فإذا كانت تلك الحكمة يطلب منها حكمة أخرى بعدها كان تسلسلا في المستقبل، وتلك الحكمة الحاصلة محبوبة له، وسبب لحكمة ثانية، فهو لا يزال سبحانه يحدث من الحكم ما يحبه ويجعله سببا لما يحبه" ابن تيمية، ((منهاج السنة النبوية)) (1/45). .
أما التسلسل الممنوع فهو التسلسل في العلل والفاعلين، وذلك بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله، وكذلك ما قبله إلى غير نهاية. وهذا محال باتفاق العقلاء؛ لاستلزامه اجتماع علل غير متناهية مترتبة في وقت واحد، إذ العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها زمانا.
الدليل الثالث:
أن جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين:
تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن، والله تعالى قادر على تحصيل المطلوب ابتداء بدون وسائط.
وكل من كان قادرا على تحصيل المطلوب بدون وسائط، كان توسله إلى تحصيل ذلك المطلوب بتلك الوسائط عبثا، والعبث محال في حقه تعالى.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
1- لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن يكون ممكنا وجوده بدون وجود ما يتوقف عليه.
فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع وجود الابن يوصف كونه ابنا بدون الأب، لأن وجود الملزوم بدون لازمه محال.
فإذا كان الأمران مقدورين لم يكن العدول عن أحدهما إلى الآخر عبثا إلا إذا تساويا من كل وجه. ولا يمكن تساويهما؛ فإن إرسال الرسل لهداية الناس، والله قادر على هدايتهم بدون إرسال الرسل، ولكن إرسالهم وعدم إرسالهم لا يتساويان؛ ذلك أن إرسالهم به قطع الله حجة من لم يؤمن.
ومما تقدم يتبين بطلان قولهم: من كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء كان توسله إلى تحصيله بواسطة عبثا؛ وذلك لأن الواسطة إذا كانت شرطا أو سببا كان لابد من وجودها، لأن المشروط متوقف على شرطه، وكذلك المسبب متوقف على سببه، فإيجادها لفائدة لا عبثا، لأن العبث هو ما لا فائدة له.
ثم إن قولكم: إن العبث على الله محال، يلزم منه ألا يفعل الله إلا لحكمة.
2- قولكم: إن جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن، إذا أردتم به أن حكمة الله هي ما ذكرتم فهي دعوى بلا برهان، لأن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك لأن ما ذكر غرض المخلوق، أما الخالق سبحانه فهو غني بذاته عن كل ما سواه، حكمته سبحانه لا تشابه حكمة المخلوقين، كما أن إرادته وسائر صفاته لا تشابه صفات المخلوقين.
فحكمته سبحانه أجل وأعلى من أن يقال: إنها تحصيل لذة، أو دفع ألم وحزن.
الدليل الرابع:
لو كانت أفعاله معللة بالأغراض والحكم، ما خلا فعل من أفعاله عن الحكمة، لكن التالي باطل: لأننا نشاهد في هذه الدنيا من أنواع الكفر والشرور والفتن الكثير، فما هي الحكمة في إيجادها؟
وأي حكمة في تعذيب الكفار تعذيبا دائما في الآخرة؟ بل وأي حكمة في إيلام الأطفال والبهائم؟ فدل ذلك أنه تعالى إنما يفعل بمحض المشيئة وصرف الإرادة كل الأدلة المذكورة أوردها الرازي في كتاب ((الأربعين في أصول الدين)) (ص: 249-251). .
وأجيب عن هذا الدليل بالتالي:
1- أن الحكمة إنما تتعلق بالوجود والحدوث. والكفر والشرور وأنواع المعاصي إنما هي نتيجة لترك ما أمر الله، فهي عقوبة على ترك داعي الفطرة وعدم الطاعة.
ونحن عندما التزمنا الحكمة إنما التزمناها فيما يفعله الله ويوجده، أما ما يتركه فهو وإن كان لحكمة إلا أنه لا يدخل في كلامنا فلا يرد علينا، فإذا ترك العبد ونفسه نتيجة عصيانه، ففعل الشر كان حدوث الشر بسبب أنه وكل العبد لنفسه، ولم يخلق فيه قدرة الطاعة، وهذا لا يدخل تحت الفعل، فالشر لا ينسب إلى الله لأنه عدم الخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء كاسمه.
فحينما نقول: إن أفعال الرب تعالى واقعة بحكمة وغاية محمودة لم يرد علينا تركه.
والله سبحانه وتعالى قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، ولكنه يتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب إليه، فلما كان وجوده يستلزم فوات ما هو أحب إليه فإنه يتركه.
2- أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات، والمتقابلات؛ كخلق الليل والنهار، والعلو السفل، والطيب والخبيث، والحلو والمر، والبرد والحر، والألم واللذة، والمرض والصحة، والحياة والموت.
فخلق هذه المتقابلات دليل على الحكمة الباهرة والملك التام، والقدرة القاهرة.
وصفات الله سبحانه وتعالى لكل صفة منها مقتضيات وآثار هي مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في نفسها، لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها، فلا يجوز تعطيلها.
فإن صفة القدرة تستدعي مقدورا.
وصفة الخالق تستدعي مخلوقا.
وكذلك صفة الوهاب، الرزاق، المعطي المانع، الضار، النافع، المعز، المذل، الرحيم الجبار، كلها تقتضي آثارها وأحكامها.
فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق، والمرزوق، المرحوم، المعز، المذل، لم يظهر كمالها.
كما أن صفاته تعالى اقتضت أن يكون الخلق مؤمن وكافر، ومطيع وعاص. وإن كان الكفر نتيجة خذلان الله تعالى، فلا ظلم من الله تعالى إذا لم يمنع العبد حقا له بعدم توفيقه. والعصيان قد يكون عقوبة على ذنب اقترفه العبد فاقتضت صفاته ذلك ليكون من العاصي تضرع وإنابة إلى الله.
ومن المؤمن المطيع شكر له تعالى على هدايته وتوفيقه له. ولا شك أن التوبة والشكر نافعان، منفعتهما ترجع إلى العبد، وهما محبوبان لله عز وجل.
ولو كان الخلق كلهم مطيعين لتعطل أثر كثير من الصفات. وكيف كان يظهر أثر صفة العفو، والمغفرة، والانتقام، والقهر؟
3- وأما ما قلتم من تعذيب البهائم والأطفال ونحوه، فإننا لم نقل إن حكمة الله يجب – أو يمكن – إطلاع الخلق عليها في كل فعل له تعالى؛ فحكمة الله أعظم وأجل من أن يحاط بها. وقد يكون إخفاء الحكمة لحكمة جليلة.
وعلى هذا فما ذكرتم من الصور مشتمل على حكم جليلة، وإن خفيت علينا كما قال الله لملائكته: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30].
وإنما يلزمنا قولكم إذا ادعينا أن جميع الحكم معلومة ظاهرة للخلق، ونحن لا ندعي ذلك، بل نعتقد أنه لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة، سواء ظهرت أو خفيت راجع في الرد على أدلة نفاة التعليل كتاب ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 435-461). .
النتيجة
إذا تأملنا أدلة الأشاعرة على نفي التعليل نجد أنها مجرد شبهات، لا تستند إلى نص من كتاب أو سنة، بل عولوا فيها على عقولهم، والعقل البشري ليس في إمكانه معرفة الصواب في كل شيء.
والواجب أن يخضع العقل في معرفة ذلك لما جاء في النصوص المعصومة عن الله ورسوله.
أما الأدلة التي يعول فيها على العقل وحده فقد تتضارب وتتناقض، ويتنازع أصحابها، ولا أدل على ذلك من اختلاف المعتمدين على العقل في أكثر المسائل. وعلى سبيل المثال مسألة تعليل أفعاله تعالى التي نحن بصددها فنجد المعتمدين على الأدلة العقلية اختلفوا فيها:
فالفلاسفة والأشاعرة ينفون أن تكون أفعاله تعالى لغاية وغرض؛ لئلا يلزم أن يكون ناقصا قبل ذلك ومستكملا بذلك الغرض.
والمعتزلة يوجبون تعليل أفعاله بالأغراض؛ لأن من يفعل لا لغرض يكون عابثا، والبعث قبح يتنزه الله عنه، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقد اضطر نفاة التعليل إلى تأول النصوص الدالة على التعليل، وصرفها عن معانيها بغير دليل سوى أن عقولهم لم تقبلها.
وخلاصة القول في الحكمة والتعليل:
أن الحق هو ما عليه السلف ومن وافقهم وهو:
أن أفعاله تعالى تعلل بالحكم والغايات الحميدة، التي تعود على الخلق بالمصالح والمنافع، ويعود إلى الله تعالى حبه ورضاه لتلك الحكم، وهذه الحكم مقصودة ويفعل لأجل حصولها، كما تدل عليه النصوص من القرآن الكريم والسنة. وقد أوردنا بعضها عند ذكر أدلتها على إثبات التعليل. والله أعلم.الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 75


انظر أيضا: