trial

موسوعة الفرق

المطلب الثالث: تحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة


وأصل الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة هو:
هل هناك أغراض وغايات باعثة له تعالى على الفعل، فلا يفعل إلا لعلة؟ فالمعتزلة يرون ذلك، تلك الأغراض هي مصالح العباد، أما الأشاعرة فإنهم يمنعون ذلك.
وقد رد الأشاعرة على ما احتج به المعتزلة على إثبات الغرض، وهو قولهم، بأن الفعل الخالي عن الغرض عبث، وأنه قبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه، فلابد إذن في فعله من غرض؛ نفيا للعبث ولابد أن يكون الغرض عائدا على غيره إذ لا ينتفع بالغرض، ولا يتضرر بتركه.
رد الأشاعرة عليهم، بأن العبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع، وأفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حكم ومصالح راجعة إلى مخلوقاته، لكنها ليست أسبابا باعثة لفعله، وعللا غائية لفاعليته حتى يلزم استكماله بها، بل تكون غايات ومنافع لأفعاله وآثاراً مترتبة عليها، فلا يلزم أن يكون شيء من أفعاله عبثا.
ثم إن العبث إنما يتصور في حق من تلحقه الفوائد، والله تعالى لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء. فحقيقة العبث لا تتصور في حقه تعالى.
وقالوا: إن ما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على تعليل أفعاله تعالى بالأغراض، فهو محمول على الحكم والمصالح دون الغرض والعلة الغائية الإيجي، ((المواقف)) (8/ 205). .
ولا يخفى أن إثبات حكم ومصالح مترتبة على أفعاله مع نفي أن تكون مقصودة ومطلوبة بالفعل، لا يخفى أن ذلك تكلف من الأشاعرة وتمحل. وقد مثلوا هذه الحكم غير المقصودة بمثال من يغرس غرسا لأجل الثمرة، فإنه يعلم ما يترتب عليه من المنافع من استظلال الناس بها، وانتفاعهم بأغصانها إلى غير ذلك. ولكن الباعث هل على الغرس هو الثمرة لا غير.
فكذلك الفوائد والمصالح المترتبة على فعله فإنها بمنزلة ما سوى الثمرة بالنسبة إلى الغارس الجلال الدواني، ((شرح العضدية)) (2/ 207). .
وهذا المثال لا يقره المنصفون؛ ولذا قال الإمام محمد عبده في حاشيته على شرح الجلال الدواني بعد أن قرر أن الفعل لا يسمى حكمة، إلا إذا كان مقصودا من الفاعل؛ لأن ما يترتب على عمل من أعمالك بدون قصد منك إليه لا يعد منك حكمة، بل رمية بغير رام، وأنه لا يقال لمتخبط قتل عقربا بحركات تخبطه أنه حكيم بذلك العمل.
قال معقبا على المثال الآنف الذكر- وهو أن الغارس لم يبعثه على الغرس سوى الثمرة-:
"هذا تمثيل بارد، فإنه قد مثل برجل خسيس الطبع دنيء الهمة، قد قصر كماله على بعض ما يترتب على فعله وهو غافل عن الباقي.
ثم قال: فعدم قصده لذلك إما لنقصه في ذاته أو جهله، على أنه قد قصد غاية فنيت فيها الغايات، فعدم قصده لغيرها لما أنه لم يحضره أن الغير مصلحة" محمد عبده، حاشيته على ((شرح الجلال على العضدية)) (ص: 179). .
وأما الحكمة فإنهم يرون أن أفعاله تعالى مشتملة على الحكم والمصالح جوازا، لا لزوما ولا وجوبا. ولكن هذه المصالح مترتبة على الفعل وتابعة له وليست باعثة له تعالى.الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 64
لام التعليل ورأي الأشاعرة فيها
ولما احتج القائلون بالتعليل بورود التعليل في القرآن الكريم مدلولاً عليه بلام التعليل وذلك في مثل قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن هذه اللام ليست لام التعليل بل هي لام العاقبة والصيرورة.
فليس المراد أن العبادة باعثة لله تعالى على خلق الجن والإنس، إذ لو كانت كذلك لاقتضى الأمر أن يكون تعالى مستكملا بعبادة الخلق له، ولذلك احتاج إليها فخلق الخلق من أجلها.
وإنما المراد عاقبة الأمر وصيرورة الحال؛ أي لما وجد الخلق كلفوا بالعبادة فترتب التكليف بالعبادة على وجود الخلق.
قال الشهرستاني:
"وأما الآيات في مثل قوله تعالى: وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الجاثية: 22] فهي لام المال وصيرورة الأمر، وصيرورة العاقبة لا لام التعليل، كما قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: 8]" الشهرستاني، ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) (ص: 402). .
وقال السنوسي في شرح القواعد:
"ومن الجهل بفن علم البيان أخذ المعتزلة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض من قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]. فجعلوا اللام للتعليل حقيقة ولو خالطوا فن البيان لعرفوا أن الآية من باب الاستعارة التبعية.
وأنه شبه التكليف بالعبادة في ترتبه على الخلق بالعلة الغائية، التي تترتب على الفعل، ويقصد الفعل لأجلها، فجعلت العبادة أي التكليف بها لأجل هذه الشبه علة غائية بطريق الاستعارة، فتبع ذلك استعارة اللام الموضوعة للتعليل.
ودخلت على العبادة للدلالة على العلة المجازية" نقلا عن ((رسالة الدمنهوري المخطوطة في تنزيه أفعال الله عن الأغراض)) (ص: 11). .
وقد سبق أن بينا رأى السلف في لام العاقبة وأنها لا تكون في حقه تعالى، بل تكون في حق من يجهل العاقبة للفعل الذي يقدم عليه كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: 8]".
فإن فرعون لم يكن يعلم عاقبة تربيته لموسى عليه السلام، حيث كان هلاكه على يديه. وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فلا تكون هذه اللام في حقه" انظر ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 402)، و((بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية)) لابن تيمية (1/217). .
وإذا تأملنا نجد أنه لا وجه لإنكار ورود تعليل أفعال الله تعالى في القرآن الكريم، وصرف اللام عن كونها للتعليل إلى كونها للعاقبة؛ وذلك لأن التعليل قد ورد بأدوات أخرى غير اللام، فقد وردت أداة "كي" الصريحة في التعليل، و"من أجل" وغير ذلك مما يفيد التعليل كما سبق ذكره.
وقد أقر بالتعليل غير المعتزلة كالشاطبي والتفتازاني وصدر الشريعة وغيرهم.الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 66

انظر أيضا: