trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: متابعة الأشاعرة  لمنهج المعتزلة إما صراحة وإما لزوماً


وهذا يتضح في خمس مسائل هي وانظر بعض ما ذكره السجزي في ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 173-181). :
المسألة الأولى: دليل إثبات وجود الله.
أصل هذا الدليل قد أخذه الأشاعرة عن المعتزلة – ويمكن إثبات هذه الدعوى بدليلين:-
الأول: الرجوع إلى كتب المعتزلة.
الثاني: شهادة الأشاعرة أنفسهم.
أما الدليل الأول: فإنه بالرجوع إلى كتب المعتزلة، وجد أنهم قد ذكروا طريقة في إثبات وجود الله هي الطريقة نفسها التي سلكها الأشاعرة ومعلوم أن المعتزلة قد سبقوا الأشاعرة في الظهور. وخطوات الاستدلال عند المعتزلة هي:
1- إثبات حدوث الأجسام – وهي مستندة على طريقة الأعراض، والأجسام معلومة الوجود بالضرورة انظر: ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 94). .
2- إثبات وجود الأعراض التي هي الأكوان من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 95-103). .
3- إثبات حدوث الأعراض انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 104-110). .
4- إثبات أن الأجسام لا تخلوا عن الأعراض انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 111). .
5- إثبات أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 114). .
6- إثبات امتناع تسلسل الحوادث انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 115). وبه يتم الاستدلال على حدوث الأجسام.
7- إثبات أن القديم لا يجوز عليه العدم انظر ((شرح الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار (ص: 101). .
فهذه هي مراحل إثبات وجود الله عند المعتزلة – وهي المراحل عينها التي سلكها الأشاعرة كما تقدم النقل عنهم.
وأما الدليل الثاني فيكفي شهادة اثنين منهم وهما:
1- الشاهد الأول: أبو الحسن الأشعري نفسه
2- الشاهد الثاني: أبو جعفر السمناني
المسألة الثانية: في خلق الأسماء الحسنى.
وهذه قد مضت المناقشة فيها، فإن الأشاعرة بالغوا في إظهار مخالفتهم للمعتزلة القائلين بخلق الأسماء، وأظهروا موافقتهم للسلف في أن الأسماء غير مخلوقة – ولما حققت المسألة معهم بأن الأسماء من الكلام، والكلام عندهم مخلوق، فيلزم أن تكون الأسماء مخلوقة قالوا: لا إشكال في أن التسميات مخلوقة، فإن الأسماء تطلق ويراد بها التسميات، أما الاسم فهو المسمى نفسه وهو غير مخلوق، ثم إنه لما حقق معهم أكثر في المسألة وأن هذا الجواب قد لا يستقيم إذ بعض الأسماء دالة على صفات المعاني، وبعضها على صفات الأفعال – فتكون مخلوقة – وبعضها على الذات قالوا: إذاً بعض الأسماء هي لا عين المسمى ولا هي غيره، وبعضها هي غير المسمى يقيناً وبعضها هي المسمى نفسه! فالأولى هي الدالة على صفات المعاني – والثانية دالة على الأفعال فتكون مخلوقة إذ هي غيره – والثالثة هي الدالة على الذات.
وبالجملة فإن موافقة الأشاعرة للمعتزلة هنا ظاهرة وإن بالغوا في إظهار المخالفة، وقد تقدم هذا البحث مستوفى.
المسألة الثالثة: في صفات الأفعال وبعض صفات الذات:
وهذه قد وافق فيها الأشاعرة المعتزلة موافقة صريحة، مثل صفات: الاستواء، والغضب، والفرح، والنزول، والمجيء، ومثل صفات اليدين، والوجه، والقدم والعلو، والعينين.
والغريب أنهم اتبعوا طريقة المعتزلة نفسها لنفيها، وهي طريقة التنزيه المبنية على شبهة حلول الحوادث والجسمية والتركيب.
مع التنبيه هنا على أن المتقدمين من فضلاء الأشاعرة قد أثبتوا أكثر هذه الصفات كالباقلاني والبيهقي وغيرهما.
وقد تقدم كذلك إنكار بعضهم لبعض صفات المعاني، وهما صفتا السمع والبصر وهذا يدل على أن المذهب الأشعري قد تغير كثيراً وازداد انحرافاً وخطى خطوات واسعة للاقتراب من المعتزلة خاصة بعد الجويني وعند الغزالي والرازي على وجه الخصوص.
المسألة الرابعة: اتفاقهم مع المعتزلة على خلق القرآن.
وهذا الموضوع أفردته بمسألة مستقلة لشدة خطورته، فإن الأئمة الأعلام مجمعون على تكفير من قال بخلق القرآن. والأشاعرة قد أظهروا مخالفة المعتزلة في الكلام فقالوا: إن كلام الله غير مخلوق، ولما كان هذا يتعارض مع مسألة نفي حلول الحوادث قالوا: مرادنا بقولنا الكلام غير مخلوق: الكلام النفسي، أما الألفاظ فهي مخلوقة، وهذا يشمل القرآن!! من عبارتهم: "ومذهب أهل السنة أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس مخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن. ((تحفة المريد)) (ص: 94). " اهـ.
فهذه هي الموافقة الصريحة للمعتزلة في هذه المسألة.
وهكذا حاول علماء الأشاعرة إنهاء هذه المشكلة الكبيرة بهذا التقسيم المبتدع الخارق للإجماع، ثم إنه عجب أن يكون سبب امتناع الأئمة من التصريح بخلق القرآن هو إيهام القول بخلق الكلام النفسي! فإذا كان هذا هو التعليل الصحيح فلماذا سفكت دماء عدد من العلماء؟ - ولماذ تخفى بعضهم؟ ولماذا أصر إمام أهل السنة والجماعة الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله على القول بأن القرآن كلام الله بل أصر على كلمة "غير مخلوق" وأنكر على من لم ير زيادة هذه الكلمة؟ انظر: ((السنة)) لعبدالله بن أحمد (1/179)، بل عده جهمياً. أَبَعْدَ هذا كله يقال إن الأئمة الأعلام سكتوا عن بيان مسألة قام المقتضي لبيانها، حتى تفلسف هؤلاء الأشاعرة فقالوا يجوز بيان ذلك في مقام التعليم؟، مع أن المقام زمن الأئمة قد جمع بين أمور: مقام التعليم، ومقام حفظ الأنفس، ومقام وحدة المسلمين!منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/665


انظر أيضا: