trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: نصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها


أبو الحسن علي بن مهدي الطبري:
قال الذهبي في "العلو" نقلاً عنه: "قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]: "اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم جل جلاله عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16]، وقوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55]، وقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10]، وقوله: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة: 5]
وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي استولى عليها، وقال: إن العرش يكون "الملك"، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17]، وأمية يقول:


مجدوا الله فهو للمجد أهل





ربنا في السماء أمسى كبيرا


بالبناء الأعلى الذي سبق الناس




وسوى فوق السماء سريرا

قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله.
ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما كان الباري عز وجل لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي – وقد مر – ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16]؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ [التوبة: 2]، بمعنى: على الأرض، وقال: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: 71]، فكذلك: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16]. فإن قيل: فما تقولون في قوله: وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام: 3]؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في: السَّمَاوَاتِ، ثم يبتدئ: وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ، وكيفما كان فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما...".
إلى أن قال: "وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستو عليه" أورده الذهبي في ((العلو)) (ص: 231)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في ((بيان تلبيس الجهمية)) (2/335). ا هـ.
قلت: فانظر إلى حكايته عن المعتزلة القول بأن العرش: الملك، ثم انظر إلى ما قاله عبدالقاهر البغدادي في الاستواء: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك" ((أصول الدين)) (ص: 113). ا هـ.
وانظر أيضاً إبطاله لتفسير الملك بالاستيلاء والقهر، وجعل هذا من أقوال الجهمية، ثم انظر إلى ما قاله أبو المعالي الجويني: "لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة" ((الإرشاد)) (ص40). ا هـ.
القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني:
قال في كتاب (الإنصاف): "فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال عز وجل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88]، وقال وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64]، وقوله: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: 75]، وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام؟ فقال عز وجل: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39] و تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14]، وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس" ((الإنصاف)) (ص: 24). ا هـ.
وقال الذهبي في (العلو): "قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقاً في كتابه (الإبانة) من تأليفه: فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهاً؟ قيل: قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27]، وقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.
فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قديماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود.
فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10]، وقال: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16].
قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئه قائله. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا.
وقال مثل هذا القول في كتاب (التمهيد) ((تمهيد الأوائل)) (ص295 – 298). له.
وقال في كتاب (الذب عن أبي الحسن الأشعري) كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل على السماء الدنيا كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه...".
إلى أن قال: "وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل.
قلت – أي: الذهبي معلقاً -: فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بكم غتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل" ((العلو)) (ص: 237)، و((السير)) (17/558)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (5/98-99). ا هـ.
نقل كلام أبي الحسن الأشعري في (الإبانة): "فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه، ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا قوة إلا بالله" ((العلو)) (ص: 222). ا هـ.الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص 730


انظر أيضا: