trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: انقطاع صلة الأشاعرة بأبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل


ومن ذلك:-
إن أبا الحسن نفسه قد تكلم في دليل المتكلمين لإثبات وجود الله، وبين أنه لا يسوغ الاستدلال به، وأن الواجب الاستدلال بدليل الآيات فقال: "ما يستدل به من أخباره عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام" ((رسالة إلى أهل الثغر)) للأشعري (ص: 185). ثم أخذ يبين صعوبة هذا المسلك وما يرد عليه من إشكالات في المقدمات الطوية الخفية، ثم بين سبب اعتماد الفلاسفة على هذه الطريقة فقال: "وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم" ((رسالة إلى أهل الثغر)) للأشعري (ص: 191). وأما المؤمنون بالرسل فإنهم قد تلقوا عنهم أقرب الطرق وأسهلها لمعرفة الله وأبعدها عن الشبه، ثم بين الحكم بأنه يحرم اتباع طريقة هؤلاء فقال: "وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول، وغلط من دفع ذلك، وبأن صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم، لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طريقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم" ((رسالة إلى أهل الثغر)) للأشعري (ص: 191). .
ومن مخالفة الأشعرية كذلك لأبي الحسن الأشعري المنهجية: اعتمادهم على المقاييس العقلية التي هي في الحقيقة في أكثرها شبهات، ومنعهم الاستدلال بالدليل النقلي مطلقاً في بعض المسائل، وفي بعضها إلا بعد العلم بعدم المعارض العقلي – فهذا يخالف ما عليه منهج الأشعري الذي نص على وجوب اتباع الطريقة الشرعية، وقوى اختياره هذا بحجج منها:
1- قال: "إن الله أغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين, ودلل على ذلك بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3] وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكمال الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به" ((رسالة إلى أهل الثغر)) للأشعري (ص: 199-200). ا هـ.
2- إن الله عز وجل قد ذم المشركين في تقليدهم لمن يعظمونه، وأمر بطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وتكفل بحفظ هذا الدين إلى آخر الزمان، ليقوم حجة على الناس لأنه قد ختم الرسالة بمحمد –صلى الله عليه وسلم- ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم للناس في حجة الوداع أنهم لن يضلوا ما تمسكوا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على كفاية الطريقة الشرعية وغناها عما سواها انظر ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 197-200). .
3- ثم بين الأشعري سلامة الأدلة الشرعية من الطعن والقدح، بدليل عدم طعن المشركين فيها – فلو كان فيها شيء من الخلل والتشبيه ونحو ذلك لسارع المشركون إلى بيانه فقال. "ولم يدع صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه على توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعناً عليه" انظر ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 202). .
ولذلك فقد سلك أبو الحسن الأشعري لإثبات الصفات طريقة شرعية بالكتاب والسنة في كتابه (الإبانة).
فمن ذلك قوله: "... وأن الله استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف كما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] وكما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14]... " ((الإبانة عن أصول الديانة)) (ص: 21-22). إلخ.
وأما في المسائل فمخالفاتهم له أيضاً كثيرة منها: أن أبا الحسن الأشعري قد أثبت صفات نفاها المتأخرون من الأشعرية فمن ذلك: الاستواء، والوجه، واليدين، والعينين، والأصابع انظر: ((الإبانة)) (ص: 26). ، والنزول انظر: ((الإبانة)) (ص: 29). ، والمجيء انظر: ((الإبانة)) (ص:30) وانظر: ((رسالته إلى أهل الثغر)) (ص: 227). ، والقرب انظر: ((الإبانة)) (ص: 30). .
وقال في رسالته إلى أهل الثغر في الإجماع العاشر مما أجمع عليه أهل السنة: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم" ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 236). .منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/661
 وقد صرح الأشعري أن أهل الحديث هم أهل الحق فقال "الحق والصواب ما عليه أهل الحديث الذين يثبتون آيات وأحاديث الصفات، القائلين بأن لله يدين ووجهاً وعينين وسمعاً وبصراً وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يجيء يوم القيامة كما أخبر، وأنه يقرب من خلقه كيف شاء لا يتأولونها" ((مقالات الإسلاميين)) (211 و 217 و 291) و((سير الأعلام)) (18/284). .
فأهل الحديث لا يتأولونها، والأشاعرة إما يحرفون المعنى ويسمونه تأويلاً، وإما يتجاهلون المعنى ويسمونه تفويضاً، وكلاهما مخالف لأهل الحديث.
4) أن ابن حجر نقد علم الكلام نقداً شديداً, ودعا إلى تركه، ومعلوم أن المذهب الأشعري قد شيدت أركانه على علم الكلام.
قال ابن حجر "ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين: ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبدالعزيز, ومالك, والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الجوهر ولا العرض.. وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد". "وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب ((فتح الباري)) (13/350-352). .
- وكان يحذر من مغالطات الجوهر والعرض، لما لها من نتائج فاسدة فيقول: "وكان مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: التوحيد. بل هو أصل ما أمر به، فلم يترك شيئاً من أمور الدين إلا بلغه، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض" ((فتح الباري)) (13/507). قال: "فالحذر من كلامهم والاكتراث بمقالاتهم فإنها سريعة التهافت".
ونقل عن أبي المظفر السمعاني "بيان فساد طريقة" المتكلمين في تقسيم الأشياء إلي جسم وجوهر وعرض. وزعمهم أن الجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما حمل العرض، والعرض ما لا يقوم بنفسه. "فجعلوا الروح من الأعراض".
وحتى الجويني فإنه صرح أن "الجوهر والعرض ألفاظ اصطلح عليها المتكلمون ولم يكن معروفاً عند السلف" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 76). .
5) أن ابن حجر ذكر أن الرازي الأشعري "أوصى بوصية تدل على أنه حسن عقيدته" ((لسان الميزان)) (4/439) (أو 4/500 ط: دار الفكر). . فعلى أي عقيدة كان وعلى أي عقيدة مات؟
وكيف يكون ابن حجر موافقاً له على عقيدته وقد كان الرازي قبل موته أشعري الاعتقاد. وهل التوبة إلا عن هذا المذهب؟
6) أن ابن حجر انتقد موقف أهل الكلام من خبر الواحد وأيد موقف أهل الحديث ووقف موقف الشافعي ((فتح الباري)) (2/6 و 68 و 13/355). .
فقد ذكر أربعة أنواع للخبر المحتف بقرائن الصحة، وأهمها آخرها وهو التلقي الرابع:
قال "وهذا التلقي وحده أقوى من إفادته العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر".
وقال الحافظ ".. منها ما أخرجاه في الصحيحين مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول" ((نزهة النظر وشرحها)) (ص: 26) ط/ مكتبة طيبة. .
7) أن ابن حجر نقل تشنيع أهل الحديث واللغة على قول المعتزلة استوى أي استولى انظر ((فتح الباري)) (13/407). . ولو كان أشعريا لوافق الأشاعرة على تأويل الاستواء بالاستيلاء الذي قلدوا فيه المعتزلة.موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 17

انظر أيضا: