trial

موسوعة الفرق

المطلب السادس: الرد على استدلال المبتدعة بقول الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76] على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى.


زعم المبتدعة أن الخليل عليه السلام بقوله: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث..
ثم نفى صلاحيتها لأن تكون صانعة للعالم بكونها محدثة، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً..
- وقد تقدم أن مراد المبتدعة من ذلك نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ لأنها حوادث، وما قامت به الحوادث كان محلًّا لها، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً..
- فهذا مما أبعدوا فيه النجعة، وجانبوا فيه جادة الصواب..
ولا يسعفهم في ذلك برهان، لا من اللغة، ولا من واقع الحال..
- أما من اللغة:
فالأفول باتفاق أهل العلم والتفسير: هو المغيب، والاختفاء، والاحتجاب..
وهذا أمر متواتر ضروري في التفسير واللغة انظر: ((بغية المرتاد)) لابن تيمية (ص: 359). .
- فلا يعرف في لغة العرب إطلاق الأفول على الحركة والانتقال انظر من كتب ابن تيمية: ((منهاج السنة النبوية)) (2/195). و((رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل)) (2/50). و((درء تعارض العقل والنقل)) (1/313، 314، 2/216، 4/76 – 77، 8/355). و((شرح حديث النزول)) (ص: 165، 166). .
فهذا المعنى لم تعرفه العرب كما هو مبين في كتب ومعاجم اللغة..
- وكذا لم تعرف العرب أن الأفول هو التغير.
فلا يسمى المتحرك، أو المتغير في اللغة آفلاً..
- ولا يقال لمن تحرك، أو جاء، أو ذهب، أو صعد، أو نزل، أو أتى إنه آفل..
- ولا يقال للتغير الذي هو تحول عن حال إلى حال؛ كاستحالة لون الإنسان إلى الاصفرار عند المرض، واستحالة لون الشمس إلى الاصفرار عند تضيفها للغروب: إن ذلك أفول..
- وإنما المعروف أن الأفول: هو الغياب والاحتجاب..
وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب..
- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76] على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث – بزعمهم – وزعمهم أن الأفول: هو الحركة والتغير: "إن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير.
بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للغة والتفسير.
 فإن الأفول: هو المغيب.
يقال: أفلت الشمس تأفل، وتأفل أفولاً: إذا غابت.
ولم يقل أحد قط إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال إنها أفلت.
ولا أن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت.
ولا أن الماء إذا جرى يقال إنه أفل.
ولا أن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل.
ولا أن الآدميين إذا تكلموا، أو مشوا، وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا.
بل ولا قال أحد قط إن من مرض، أو اصفر وجهه، أو احمر يقال إنه أفل.
فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعاً، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن" ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (6/284، 285). وانظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) له (6/109 – 110، 313، 314، 2/216، 4/76، 77، 8/355). و((شرح حديث النزول)) له (ص: 166). و((منهاج السنة النبوية)) له (2/195). .
فالأفول – إذاً – باتفاق أهل اللغة جميعاً، وعلماء التفسير، وكل من يعرف معاني القرآن: هو المغيب، والاختفاء، والاحتجاب.
يقول الأزهري – وهو أحد علماء اللغة -: "يقال: أفلت الشمس, تأفل, وتأفل, أفلا ً,وأفولاً، فهي آفلة، وكذلك القمر يأفل إذا غاب قال الله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَ [الأنعام: 76-77]: أي غاب وغرب" ((تهذيب اللغة)) للأزهري (15/378). .
وقال ابن فارس: "أفلت الشمس: غابت ونجم أفل وكل شيء غاب فهو آفل..
- إلى أن قال:- وإبراهيم عليه السلام قال: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76]؛ حين غابت الكواكب واحتجبت" ((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/119). .
ولم يشذ عن هذا أحد من أهل اللغة انظر: ((الصحاح للجوهري)) (4/1623). و((القاموس المحيط للفيروز آبادي)) (ص: 1242). و((لسان العرب)) لابن منظور (11/18). و((المعجم الوسيط)) (ص: 21) وغير ذلك كثير. .
فعلم أن اللغة تدحض حججهم..
بل إن من يعرف معاني القرآن ليجزم أن معنى الأفول هو الغياب والاحتجاب، وليس معناه التحرك والتغير انظر مثلاً: ((معالم التنزيل)) للبغوي (2/90، 91). و((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (2/151). و((روح المعاني للألوسي)) (7/199) وغير ذلك. .
وأما من واقع الحال:
فلم يكن قصد الخليل إبراهيم عليه السلام الاستدلال بالحركة والسكون على أن هذه الكواكب حادثة لا تصلح للألوهية – كما زعم المبتدعة.
لذلك لما رآها تتحرك لم يقل: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، وإنما قال ذلك عندما غابت واحتجبت..
فمعلوم أن القمر لما بزغ، كان في بزوغه متحركاً إلى أن غاب..
وكذلك الشمس لما بزغت، كانت في بزوغها متحركة إلى أن غابت..
فلو كان إبراهيم عليه السلام يقصد الاستدلال بالحركة التي يسميها المبتدعة – تغيراً – لكان قد قال ذلك – لا أُحِبُّ الآفِلِينَ – حين رأى القمر، أو الشمس بازغين، ولما انتظر أفولهما، "بل كان نفس الحركة التي يشاهدها حين تطلع إلى أن تغيب هي الأفول" ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (2/196). .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مخاطباً المبتدعة الذين استدلوا بالأفول على الحدوث: "إن قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم؛ فإنه لما رأى كوكباً وتحرك إلى الغروب فقد تحرك، ولم يجعله آفلاً. فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة، ولم يجعلها آفلة. ولما تحركت إلى أن غابت، والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلاً" ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (6/285). وانظر من كتب ابن تيمية: المصدر نفسه (6/253) و((بغية المرتاد)) (ص: 360) ((ومنهاج السنة النبوية)) (2/196) و((شرح حديث النزول)) (ص: 166) و((درء تعارض العقل والنقل)) (1/313، 314، 2/216، 4/77، 8/356). و((رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل)) (2/50-51). .
فلو كانت الحركة التي ظهرت في الشمس – مثلاً – حين بزوغها هي الدليل على الحدوث، لكان الخليل عليه السلام من حين بزغت استدل بتلك الحركة على حدوثها، ولما انتظر إلى أن غابت..
فدل ذلك على أن الحركة ليست دليلاً على نفس مطلوبه، بل الأفول هو الدليل..
فعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم عليه السلام، وإنما نافاه التغيب والاحتجاب ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (4/77). .
- ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها في هذا الباب: أن ما استدل به المبتدعة من نفي التغير – الحركة، والسكون – الذي سموه أفولاً، على تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته الاختيارية: هو على نقيض مطلوبهم، لا على تعيين مرادهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن كان إبراهيم – عليه السلام – إنما استدل بالأفول على أنه ليس رب العالمين؛ كما زعموا: لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الأفول؛ من كونه متحركاً، منتقلاً، تحله الحوادث، بل ومن كونه جسماً متحيزاً: لم يكن دليلاً عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين وحينئذ: فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم، لا على تعيين مطلوبهم. وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية، ولا عقلية، إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم" ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (6/254). .
فقيام الحركة والانتقال بالكوكب، أو القمر، أو الشمس: لم يناف مقصود إبراهيم عليه السلام، لذلك لم ينف محبة من قامت به هذه الصفة، وإنما نفى محبة من أفل؛ فعلم أن التغيب ينافي مقصود الخليل عليه السلام؛ "فإن كان مقصوده نفي كونه رب العالمين، كان ذلك حجة عليهم لا لهم. وكانوا قد حكوا عن إبراهيم أنه لم يجعل التغير والحركة والانتقال مانعة من كون الموصوف بذلك رب العالمين، فما ذكروه لو صح كان حجة عليهم لا لهم. وبكل حال: فإبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من حبِّ المتصف بذلك، كما جعل الأفول مانعاً, فعلم أن ذلك ليس من صفات النقص التي تنافي كون المتصف بها معبوداً عند إبراهيم" ((درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية)) (4/77، 78). .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولقائل أن يقول: إن كان الخليل صلى الله عليه وسلم احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين، لزم أنه لم يكن ينفي عنه حلول الحوادث؛ لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة، وهو مما يعلم من اللغة اضطراراً. وهو حين بزغ قال: هَذَا رَبِّي، فإذا كان من حين بزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية، دلَّ على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي: الأفول" ((درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية)) (2/216). وانظر: ((رسالة في الصفات الاختيارية له – ضمن جامع الرسائل)) (2/51). .
- فالخليل عليه السلام لم ينف الربوبية عن الكوكب، أو القمر، أو الشمس: حال حركتهم وانتقالهم من مكان إلى مكان، وإنما نفى ذلك وقت غيابهم واحتجابهم..
فدل ذلك على أن رب العالمين تقوم به الأفعال الاختيارية، لا كما زعم نفاتها..
هذا لو سلمنا للمبتدعة أن إبراهيم عليه السلام كان بصدد إثبات رب العالمين.
غير أن الواقع أن الخليل عليه السلام كان يحتج بالأفول على أن من يتصف به لا يصلح أن يتخذ ربًّا يشرك به، ويدعى من دون الله.
وهكذا تبين لنا أن طريقة الخليل عليه السلام إنما كانت لنفي ألوهية الكواكب، ونفي عباداتها من دون الله تعالى، لا لإثبات حدوث العالم بدليل الحركة والسكون، ولا للاستدلال على حدوث الأجسام بتغيرها وأفولها..
واتضح أن قصة الخليل عليه السلام حجة على المبتدعة؛ سيما أولئك الذين يستندون إليها في نفي قيام أفعال الله الاختيارية بذاته جل وعلا..الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والردُّ عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/444


انظر أيضا: