trial

موسوعة الفرق

المطلب الخامس: الرد على استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: هَذَا رَبِّي [الأنعام: 76] على شرعية دليل الأعراض, وحدوث الأجسام


الخليل عليه السلام لم يرد من قوله عن الكوكب، والقمر، والشمس: هَذَا رَبِّي: أن هذا هو الذي خلق السموات والأرض، وأنَّه ربُّ العالمين.
ومن تدبر قصته عليه السلام علم أنها تدل على نقيض مذهب المبتدعة..
- فهذه القصة التي جرت بين إبراهيم عليه السلام وقومه: إنَّما هي في إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية، لا في إثبات أنه جلَّ وعلا الصانع، وخالق هذا الكون..
فمن غير المعقول أن يعتقد إبراهيم عليه السلام أن الكوكب أو القمر هو خالق السموات والأرض، أو أن الشمس هي الخالقة لأنَّها أكبر – كما افترى المبتدعة عليه.
هذا لا يعتقده عاقل..
ولم يكن قصد الخليل عليه السلام من قوله: هَذَا رَبِّي: أن هذا الذي أشار إليه؛ من كوكب، أو شمس، أو قمر: أنَّه ربُّ العالمين، وأنَّه الصانع لهذا الكون؟!
حاشاه من قول ذلك – عليه السلام – بل هو أجل من أن يقول لمثل هذه الكواكب: إنَّه رب العالمين انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (1/315). .
فلم يكن بصدد إثبات الصانع، بل كان مناظراً لقومه، مستدلاً عليهم، مبيناً فساد معتقدهم في ألوهية الكواكب، وإشراكها مع الله في العبادة..
فكان عليه السلام – إذا – بصدد الاستدلال على نفي الشريك، وإبطال عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأن قومه كانوا مقرين بالصانع، ولكنهم كانوا يشركون في عبادته غيره انظر ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 167). .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين، ولا كان قوله – عليه السلام – هَذَا رَبِّي: هذا هو الذي خلق السموات والأرض؛ على أي وجه قاله؛ سواء قاله إلزاماً لقومه، أو تقديراً، أو غير ذلك. ولا قال أحد قط من الآدميين إن كوكباً من الكواكب، أو إن الشمس والقمر أبدعت السموات كلها. ولا يقول هذا عاقل. بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الأصنام الأصنام؛ كما يعبد عباد الأنبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم، وكما يعبدون آخرون للملائكة، وآخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة، أو دفع مضرة لا لاعتقادهم أنها خلقت العالم" ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 305، 306) وانظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) له (1/311 – 313، 2/216)، و((بغية المرتاد)) له (ص: 360). و((منهاج السنة النبوية)) له (2/294). و((رسالة في الصفات الاختيارية له – ضمن جامع الرسائل)) (2/51، 52، 53). .
فالمقصود أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يقرون بربوبية ربِّ العالمين، ويثبتونه جلَّ وعلا؛ فأي حاجة دعت الخليل عليه السلام إلى إقامة الحجة على قومه لإثبات ما هو ثابت مستقر عندهم انظر: ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم 4/17. و((مجموع فتاوى)) ابن تيمية (5/548 – 550، 6/548، 549). .
وإنما كان قوم إبراهيم – كما مر – يشركون بعبادة هذه الكواكب والأصنام؛ لما يرجون بعبادتها من جلب نفع، أو دفع ضر انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (4/77، 8/356). و((شرح حديث النزول)) له (ص: 166). .
ودليل إقرار قوم إبراهيم عليه السلام بربوبية ربِّ العالمين، وأنه الصانع، الخالق للسموات والأرض جل وعلا: موجود في آيات قرآنية، منها:
قول الخليل مخاطباً قومه: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 75-77]: فاستثنى ربَّ العالمين الذي كانوا يعبدونه، ويقرون بربوبيته، ولكن يشركون معه في العبادة غيره..
وكذا قول الخليل عليه السلام، ومن معه من المؤمنين يخاطبون قومهم: إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4].
فمحل النزاع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كان في إفراد الله تعالى بالعبادة وحده، وهذا ما كان يفتقر إليه مشركوا قوم إبراهيم عليه السلام..
فلم يكن الخليل عليه السلام جاهلاً بخالق السموات والأرض، ولم يكن قومه جاحدين له؛ حتى يقال إنه استدل على الصانع، أو نحو ذلك.
وسبب لجوء الخليل عليه السلام على هذه المناظرة لإقامة الحجة على قومه، وإلزامهم بعبادة الله وحده: هو هذه الجذور المتأصلة عندهم، والعقيدة المتوارثة خلفاً عن سلف في عبادة الكواكب والنجوم..
فقد وجد الخليل عليه السلام أن انتزاع هذه العقيدة من الصعوبة بمكان؛ لذلك رأى أن الحجة لابد أن تكون قوية وحكيمة حتى تكون أدعى للقبول..
ولا شك أن الاستدلال الذي يجمع بين القول والحس أقوى من الاستدلال القولي المجرد عن الحس..
لذلك كان انتظار أفول هذه الأجرام، والاستدلال بذلك على عدم صلاحيتها للألوهية أدعى لإجابة قوم إبراهيم عليه السلام من مجرد القول انظر: ((روح المعاني)) للألوسي (7/199). .
فالذي يأفل، ولا يملك أن يمنع نفسه من الاحتجاب والمغيب عن أعين عابديه، لا يصلح للعبادة.
فإذا كان لا يملك أن يمنع نفسه عن المغيب، فكيف يملك لعابده نفعاً أو ضراً؟!..
فقول الخليل عليه السلام عن الكوكب، أو الشمس، أو القمر: هَذَا رَبِّي: من نوع الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أهذا الذي تزعمون أنه ربي؟، أو أهذا الذي تعتقدونه رباً لي؟
وهذا أسلوب معروف في لغة العرب؛ من ذلك قول الله تبارك وتعالى: أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34]: أي أفهم الخالدون انظر: ((جامع البيان)) للطبري (7/250). و((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (7/26). وانظر أيضاً: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (1/110، 111، 311). .
ولو كان عنى إبراهيم عليه السلام بقوله: هَذَا رَبِّي: أي هذا رب العالمين؛ لكانت قصة إبراهيم عليه السلام حجة عليهم؛ لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين، وإنما المانع هو الأفول" ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (2/196). وانظر. ((درء تعارض العقل والنقل)) له (2/216). .
فعلم مما تقدم فساد استدلال المبتدعة بقصة الخليل عليه السلام على تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وإبعادهم النجعة في فهمهم لقوله عليه الصلاة والسلام: هَذَا رَبِّي..
فليس المراد به أن هذا رب العالمين، أو أنه خالق السموات والأرضين.الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/440

انظر أيضا: