trial

موسوعة الفرق

المطلب الأول: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند الكلابية والأشعرية


الكلابية هم أسلاف الأشعرية؛ فالأشعرية تبعوا أبا الحسن الأشعري في طوره الثاني؛ عندما كان موافقاً لابن كلاب، متبعاً لمذهبه، سالكاً لطريقته.
وقد اندمجوا فيهم – فيما بعد -، حتى آل الأمر بعد انتشار مذهب الأشعرية إلى أن يطلق اسم كل طائفة من الطائفتين على الأخرى... – فالتوافق والتطابق حاصل بينهما -، وإن كان الغالب في التسمية للأشعرية.
ويعزى السبب في ذلك إلى:
1- الارتباط الواضح في النشأة، بين الأشعرية, والكلابية.
2- نشاط من تبع الأشعري في طوره الثاني في نشر مذهبهم.
ولا ريب أن منهج المعتزلة العقلي، قد أثر بنحو مباشر أو غير مباشر، على هاتين الفرقتين من فرق المبتدعة، نتيجة كثرة احتكاك أصحابهما بالمعتزلة؛ فقد تصدى أصحاب هاتين الفرقتين للمعتزلة، في محاولة منهم للردِّ عليها، وبيان فساد أقوال معتنقيها.
لكن أصحاب هاتين الفرقتين لم تكن لديهم حصانة كافية من الكتاب والسنة، فلم يخرجوا من المعمعة سالمين، كما خرج أئمة السلف وعلماؤهم.
بل اضطرتهم حجج المعتزلة العقلية والكلامية إلى أن يسلموا لهم بعض أصولهم، وأن يلتزموا لوازم هذه الأصول، متنازل بذلك عن جزءٍ كبيرٍ من الحق الذي كان معهم قبل أن يناظروهم.
ونتيجة تسليمهم للمعتزلة ببعض أصولهم العقلية، بدأت بوادر الاختلاف والانحراف في مذهبهم، مما أبعدهم أكثر من ذي قبل عن مذهب السلف الصافي.
وكان من الأصول التي سلم الكلابية والأشاعرة للمعتزلة مضمونها، والتزموا لوازمها الفاسدة: دليل الأعراض, وحدوث الأجسام.
فالمعتزلة إذا: هم مصدر دليل الأعراض وحدوث الأجسام – بالنسبة للكلابية والأشاعرة – ومنهم أخذوه, وعنهم تلقوه انظر: ((نقض أساس التقديس)) لابن تيمية – مطبوع – (1/257). و((درء تعارض العقل والنقل)) له (7/237). .
فإنهم وافقوهم على "صحة دليل حدوث الأجسام، فلزمهم أن يقولوا بحدوث ما لا يخلو من الحوادث، ثم قالوا: وما يقوم به الحوادث لا يخلو منها" ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (3/354). وانظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/224). .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مخاطباً الأشاعرة، ومبيناً لهم موافقتهم المعتزلة على هذه الأصول الباطلة: "وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنتم فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنها، صرتم تظهرون الردَّ عليهم في بعض المواضع، مع مقاربتكم، أو موافقتكم لهم في الحقيقة" ((التسعينية)) لابن تيمية (ص: 272). .
وهذه الموافقة تفطن لها ابن رشد: حيث ذكر أنه لم يقف على كتب للمعتزلة توضح طرقهم في إثبات الصانع، وإن كان يرى أنها لا تعدو أن تكون من جنس طرق الأشاعرة.. يقول ابن رشد: "وأما المعتزلة: فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طريقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية" ((الكشف عن منهاج الأدلة)) لابن رشد (ص: 64-65). .
فأكثر الأشاعرة: سلكوا طريقة الأعراض, وحدوث الأجسام.
والملاحظ عليهم أنهم منقسمون في دليل الأعراض إلى طائفتين:
1- طائفة: ترى صحة دليل الأعراض, وحدوث الأجسام، لكنها لا توجبه، ولا تعارض به جميع نصوص الصفات؛ فتراهم يثبتون الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، ويثبتون علوَّ الله تبارك وتعالى على خلقه، مع نفيهم قيام الأفعال الاختيارية في ذاته جلَّ وعلا.
وهؤلاء هم متقدموا الكلابية والأشعرية؛ كابن كلاب، والأشعري، وغيرهما.
2- طائفة: ترى صحة دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتوجبه، وتحصر إثبات الصانع به.
وهؤلاء على قسمين:
أ- قسم رأوا أن هذا الدليل لا يقوى على معارضة جميع نصوص الصفات، فأثبتوا الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، وأثبتوا علوَّ الله على خلقه.
وخير من يمثل هذا القسم: أبو بكر الباقلاني.
ب- قسم رأوا أن هذا الدليل يعارض النصوص؛ فنفوا لأجله الصفات الخبرية جلها أو جميعها – على اختلاف بينهم، ونفوا العلو، مع نفيهم للصفات الاختيارية أيضاً.
هؤلاء هم بعض متقدمي الأشعرية؛ كابن فورك، والبغدادي، والجويني، ومن أتى بعدهم من متأخري الأشعرية.
والملاحظ على كلتا الطائفتين: اتفاقهما على نفي الصفات الاختيارية، مستندين في ذلك إلى هذا الدليل.
وقد استدلوا جميعاً على حدوث الأجسام بكونها لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادث.
فهذا إمامهم ورأسهم: ابن كلاب؛ عبدالله بن سعيد بن محمد بن كلاب، أبو محمد القطان البصري، صنف في الردِّ على الجهمية والمعتزلة مصنفات كثيرة، بيَّن فيها تناقضهم، وكشف كثيراً من عوارهم، لكنه كان أول من تأثر بهم في هذا الدليل، فاقتفى أثرهم في هذا الأصل الذي هو ينبوع البدع.
إلا أن الملاحظ عليه أنه لم يسلم لهم تسمية صفات الله تعالى أعراضاً؛ لأنَّها – على حدِّ قوله – "قديمة باقية لا تعرض ولا تزول" نقل عن ذلك شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (6/36). ، والعرض لا يبقى زمانين انظر: ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/316). و((شرح حديث النزول)) له (ص: 157). .
وسيأتي – إن شاء الله تعالى – بيان أثر هذا الدليل على مذهبه في الصفات.
والاعتماد في بيان ذلك على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعض كتب المقالات والفرق؛ لأنني لم أقف على شيء من مؤلفاته.
وممن تأثر – من الأشاعرة – بهذا الدليل، وأورده في تصانيفه: الباقلاني: فقد تلقف دليل المعتزلة، واستدل على حدوث الأجسام بعدم انفكاكها عن بعض الأكوان: كالحركة والسكون..
فالموجودات كلَّها عند الباقلاني على ضربين: قديم لم يزل، ومحدث لوجوده أول؛ لم يكن، ثم كان انظر: ((تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل)) للباقلاني (ص: 36). و((الإنصاف)) له (ص: 26-27). .
والمحدثات عنده ثلاث أقسام: جسم، وجوهر، وعرض انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 37). و((الإنصاف)) له (ص: 27). .
فالجسم هو المؤلف المركب انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 37). و((الإنصاف)) له (ص: 27). .
والجوهر هو الذي له حيز – مكان – وله قيام بذاته، ويقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضاً واحداً انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني ((ص: 37). و((الإنصاف)) له (ص: 27)، وانظر أيضاً ((الدليل القويم)) للعبدري (ص: 14). ؛ فلا يقبل من الألوان: البياض والسواد معاً في زمان ومكان واحد، ولا الحياة والموت معاً،.. إلخ.
والعرض هو الذي يعرض في الجواهر والأجسام، ويحدث في محل، ولا يصح قيامه بذاته؛ كاللون، والحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، والاتصال، والانفصال. ويستحيل بقاؤه زمانين؛ ويبطل في ثاني حال انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 38). و((الإنصاف)) له (ص: 27). و((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (ص: 329) – حيث نقل اتفاق الأشاعرة على ذلك -. و((الدليل القويم)) للعبدري (ص: 14-15). .
و "جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن هذين الجنسين؛ أعني الجواهر والأعراض، وهو محدث بأسره" ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). و((الإنصاف)) له (ص: 28). .
وقد دلَّل على حدوث العالم بحدوث الأعراض والأجسام...
وطريقته في ذلك تستند إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة:
1- مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
2- مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.
وهذا الطريقة مبنية على ثلاثة براهين يلزم إثباتها:
1- إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
2- إثبات أن الأجسام لم تسبق الحوادث.
3- إثبات أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث.
1- أما الأعراض: فقد حاول إثباتها بدليل الحركة والسكون، فقال: "والدليل على إثبات الأعراض تحرك الجسم بعد سكونه، وسكونه بعد حركته. ولابد أن يكون ذلك كذلك لنفسه أو لعلة. فلو كان متحركاً لنفسه ما جاز سكونه، وفي صحة سكونه بعد تحركه دليل على أنه متحرك لعلة؛ هي الحركة" ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 38). وانظر ((الإنصاف)) له (ص: 28). .
"والأعراض حوادث، والدليل على حدوثها: بطلان الحركة عند مجيء السكون؛ لأنها لو لم تبطل عند مجيء السكون لكانا موجودين في الجسم معاً، ولوجب لذلك أن يكون متحركاً ساكناً معاً، وذلك مما يعلم فساده ضرورة" ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). وانظر ((الإنصاف)) له (ص: 28). .
فالأعراض طارئة حادثة – كما ادعى الباقلاني -، والدليل على ذلك انقطاع السكون حين الحركة، وتوقف الحركة عند السكون.
2- وأما الأجسام: فقد دلَّل على أنها لم تسبق الأعراض، بعدم انفكاكها عنها؛ إذ لا أجسام ولا جواهر بدون أعراض، فهي بالتالي لم توجد قبلها، ولم تسبقها ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). .
"والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث: أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجوداً، فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعاً، أو متبايناً مفترقاً؛ لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة أو متباينة منزلة ثالثة: فوجب أن لا يصح أن يسبق الحوادث" ((تمهيد الأوائل)) للبقلاني (ص: 42). .
3- فالأجسام حادثة: لأنها "لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها، وما لم يسبق المحدث: محدث" ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). ؛ فالجسم "لا ينفك من الأولوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثاً. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجوداً معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجودها" ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 28). .
فأي الأمرين – وجود الأجسام مع الحوادث، أو وجودهما بعدها – ثبت، وجب به القضاء على حدوث الأجسام انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص: 42-43). .
ويمكن تلخيص طريقته هكذا:
العالم كله محدث؛ لأنه مؤلف من جواهر وأعراض.
والأعراض حوادث، ودليل ذلك: بطلان الحركة عند مجيء السكون.
والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، وما لم يسبق الحوادث: محدث مثلها.
فالعالم إذا حادث بأسره لأنه لا يخلو عن الحوادث.
والباقلاني في هذه الطريقة مقتف لآثار المعتزلة حذو القذة بالقذة، إلا أنه أورد أمراً لم يورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص: 38). .
وهذا لغاية في نفسه، سيأتي بيانها – إن شاء الله تعالى – عند توجيه استدلال المبتدعة بهذا الدليل على مذهبهم في الصفات.
وقد أتى بعد الباقلاني: عبد القاهر البغدادي، الذي قال بنحو قول سلفه، ونقل اتفاق الأشاعرة على هذا الدليل انظر ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (ص: 329). .
ودلَّل على حدوث العالم بحدوث الأجسام؛ مدَّعياً دعوى سلفه الباقلاني: أنها – أي الأجسام – لا تخلو من الأعراض الحادثة فيها، ولا تسبقها انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 59).. و((الفرق بين الفرق)) (ص: 329). ، "فإذا صح أن الأجسام لم تسبق الأعراض الحادثة وجب حدوثها؛ لأن ما لم يسبق الحوادث كان محدثاً، كما أنَّ ما لم يسبق حادثاً واحداً كان محدثاً" ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 59-60). .
واستندت طريقته إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة – كطريقة سلفه الباقلاني:
1- مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
2- مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.
3- نتيجة: الأجسام حادثة   انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 33-60). .
وقد:
1- أثبت الأعراض وأثبت حدوثها.
2- أثبت أن الأجسام لا تخلو من الحوادث، ولا تسبقها.
3- توصل إلى نتيجة مفادها: أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث، مقتفياً في ذلك آثار سلفه الباقلاني، مورداً نحواً من أدلته التي أوردها انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 33-60). .
وقد تَبِعَ الباقلاني في إيراده أمراً لم تورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 50-52). .
وكذا قال بنحو هذه الأقوال: الإسفراييني؛ فزعم أن الأجسام حادثة؛ لأنها لا تخلو من الحوادث، "وما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثاً، وما لا يستحق أن يكون محدثاً كان محدثاً مثلها" ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 154). ؛
وقد ادعى الإسفراييني أن أهل السنة والجماعة – يقصد الأشاعرة – على هذا المعتقد انظر: ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 153). .
واستدل على حدوث الأعراض، وحدوث الأجسام بأدلة قريبة من أدلة أسلافه انظر: ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 153-154). .
ثم أتى بعده أبو المعالي الجويني...
ولا بأس من التوقف عنده قليلاً لبيان موقفه من دليل الأعراض؛ لما لأقواله من وزن واعتبار عند أتباع الطائفة الأشعرية، إذ يعد الجويني من أكابر أئمة الأشاعرة المتأخرين، وأقواله مسلَّمة لديهم لا تقبل تمحيصاً، ولا مراجعة.
فالجويني سلك مسلك المعتزلة في دليل الأعراض، وعليه بنى أصل دينه.
فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن طريقة أبي المعالي الجويني: "مأخوذة في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات" كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/274). ، وعليها بنوا أصل دينهم، "وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفاً عليها، وذلك أنه موقوف على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به موقوف على معرفة المرسل، وزعموا أن المرسل لا يعرف إلا بها" كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/274). .
وقد قسم الجويني الموجود إلى قديم وحادث.
"فالقديم: هو الموجود الذي لا أول لوجوده، والحادث: هو الموجود الذي له أول" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68). .
والموجودات الحادثة تنقسم بالضرورة إلى قسمين: ما لا يفتقر إلى محل يحله، وهو الجوهر. وما يفتقر إلى محل يحله، وهو العرض.
ثم ذكر حدَّ الجوهر، وحقيقة العرض:
فعرف الجوهر بأنه:
- المتحيز،
- أو كل ذي حجم متحيز؛ أي له حظ من المساحة،
- أو ما يقبل العرض.
والحيز عنده: هو الجهة أو الناحية انظر: ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و((الإرشاد)) له (ص: 40). و((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68). .
وعرف العرض بأنه:
- ما يقوم بالجوهر، أو ما يطرأ على الجواهر: كالألوان، والطعوم، والروائح، والعلوم، والإرادات الحادثة وأضدادها، والحياة والموت.
أو ما يستحيل عليه البقاء؛ فلا يبقى وجوده انظر: ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و((الإرشاد)) له (ص: 40). و((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68). .
ولما كانت الأعراض تشمل الأكوان، فقد عرض الجويني لمعنى الكون، فذكر أنه: "ما يشمل: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 40). .
وقد بنى الجويني كلامه – في شرحه لدليل الأعراض – على مقدمتين:
الأولى: العالم حادث.
الثانية: كل حادث لابد له من محدث.
وبدأ بالمقدمة الأولى: أعني مسألة حدوث العالم، ليتوصل من خلالها إلى إثبات الصانع. وذكر "أن القول في حدوث العالم ينبني على تقديم أصول، وشرح فصول، وإيضاح عبارات واصطلاحات بين المتكلمين، ولا نتوصل إلى أغراضهم إلا بعد الوقوف على مراميهم ومعاني كلامهم" ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 34). .
وقد استعان بآراء من كان قبله، دون الإشارة على أسمائهم، ذاكراً أن العالم عندهم له مفهومان:
1- أحدهما: كل موجود سوى الله تعالى؛ ونسبه إلى سلف الأمة انظر: ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 31). و((لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة)) له (ص: 86). .
2- الثاني: عبارة عن الجواهر والأعراض. ونسبه إلى خلف الأمة انظر: ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 31). و((لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة)) له (ص: 86). .
أما طريقته في إثبات حدوث العالم: فهي مستنده إلى إثبات عدة أمور:
أ- إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
ب- إثبات قيام الأعراض بالجواهر، وإثبات استحالة تخلي الجواهر عن الأعراض.
ج- إثبات امتناع حوادث لا أول لها.
د- ويترتب على هذه الأمور: إثبات أنَّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
وقد ذكر الجويني أن إثبات الأعراض، وإثبات قيام الأعراض بالجواهر: "من أهم الأغراض في إثبات حدوث العالم" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 41). .
أولاً: إثبات الأعراض:
ذكر الجويني أن العاقل إذا رأى جوهراً ساكناً، ثم رآه متحركاً، يدرك التفرقة بين حالتي الحركة والسكون لهذا الجوهر.
"وتلك التفرقة لا تخلو: إما أن ترجع إلى ذات الجوهر. أو إلى معنى زائد على الجوهر؟ استحال أن يقال: ترجع التفرقة إلى ذات الجوهر؛ لأنَّ الجوهر في الحالتين متحد، والشيء لا يخالف نفسه، فلا يقع الافتراق إلا بين ذاتين، فصح ووضح بذلك أن التفرقة راجعة إلى معنى زائد على الجوهر، وذلك هو العرض الذي ادعيناه" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 88). وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 40-41). .
ثانياً: إثبات حدوث الأعراض:
ذكر الجويني "أنا نرى الأعراض المتضادة تتعاقب على محالها – الجواهر -، فنستيقن حدوث الطارئ منها، من حيث وجدت، ونعلم حدوث السابق منها من حيث عدمت" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89)، وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 41). .
فالجوهر يكون ساكناً، ثم تطرأ عليه الحركة؛ فحدوث الحركة مستيقن؛ لأنه طارئ.
وحدوث السكون معلوم بسبب انعدامه، ولو كان قديماً، لاستحال عدمه.
والغرض من إثبات حدوث الأعراض انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 41). :
- بيان استحالة قيام العرض بنفسه.
- بيان استحالة قيام العرض بالعرض.
- بيان استحالة انتقال العرض بل تنعدم.
- بيان استحالة انعدام القديم.
ثالثا: إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض:
الجوهر: لا يخلو عن كل جنس من الأعراض.
والعرض: إما أن يقدر له ضد، أو يقدر أنه لا ضد له؛ فالحركة ضدها السكون، والاجتماع ضده الافتراق، واللبث ضده الزوال، وهكذا.
فلو قدر أن للعرض ضدًّا: فلا يخلو الجوهر عن أحد الضدين.
أما إذا قدر أن ليس ضد للعرض؛ فالجوهر لا يخلو عن قبول واحد من جنسه، وهذا مستحيل باتفاق الأشاعرة انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 44). .
ويعلم ببديهة العقول: استحالة تعري الأجسام عن الاتصاف بالسكون، والحركة، والتأثير في المحال، والزوال، والانتقال، وكلها أعراض.
"وكل ذلك يوضح استحالة تعري الجواهر عن الأعراض" ((لمع ))الأدلة للجويني (ص: 89). وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 44). .
وثمة دليل آخر على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض، وهو دليل اضطراري مفاده أن الجواهر الشاغلة للأحياز: لا تخلو عن الاجتماع والافتراق، وهذا مما يعلم بديهة.
يقول الجويني: "والدليل على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض: أن الجواهر شاغلة للأحياز، والجواهر الشاغلة للأحياز، غير مجتمعة ولا متفرقة بحال، بل باضطرار يعلم أنها لا تخلو عن كونها مجتمعة أو متفرقة" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89). .
فالجواهر ليست ملازمة لحال واحدة أبداً، بل لا تخلو عن اجتماع، أو افتراق.
"وذلك يقضي باستحالة خلوها عن الاجتماع والافتراق" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89). .
رابعاً: إثبات استحالة حوادث لا أول لها:
هذا الكلام مبني على قولهم: "ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث".
فقد زعموا أن الأجسام لا تخلو من كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها.
وقد أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها بالطريقة التالية:
قالوا: حقيقة الحادث: ما له أول.
ولما كان حقيقة كل حادث ما له أول، كان حقيقة كل الحوادث – مهما كثرت – ما لها أول ((انظر لمع الأدلة)) للجويني (ص: 90). .
"وهكذا كالجوهر؛ فإن حقيقة الجوهر: كونه متحيزا، فبالكثرة لا يخرج عن حقيقته، ويكون الكل متحيزاً. فكذلك ههنا: إذا ثبتت الأعراض، وثبت حدوثها، وثبت استحالة تعري الجواهر عنها، وبطل قول الدهري: بأن الحوادث لا أول لها: فيترتب على ذلك أن الجواهر لا تسبق الأعراض الحادثة، وما لا يسبق الحوادث حادث على الاضطرار، من غير حاجة إلى نظر وافتكار" ((لمع الأدلة)) للجويني ((ص: 90). .
وقد احتاجوا في إثبات امتناع حوادث لا أول لها إلى الردِّ على الدهريِّ في قوله: عن الحوادث لا أول لها...
وسلكوا في الردِّ على ذلك: "برهان التطبيق": وخلاصته أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه سلسلتان؛ سلسلة من الطوفان على ما لا نهاية في القدم أيضاً. ثم يطبق بينهما، فكلما طرح من السلسلة الأولى واحد، طرح من السلسلة الثانية مقابله؛ واحد أيضاً، وهكذا.
وهنا لا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور:
1- إما أن يفرغا معاً، وهذا خلاف الفرض، ويلزم منه مساواة الناقص للزائد.
2- ألا يفرغا. وهو الفرض في القضية "حوادث لا أول لها". وهو باطل أيضاً؛ لأنه يلزم منه المساواة بين مختلفين، وهذا مستحيل؛ لتحقيق الزيادة في أحدهما.
3- أن يفرغ أحدهما قبل الآخر. فإذا فرغت السلسلة الثانية، لزم أن تفرغ السلسلة الأولى أيضاً؛ لأن بينهما قدراً متناهياً "ما بين الطوفان إلى الهجرة"، والزائد على الشيء بقدر متناهٍ، يكون متناهياً أيضاً انظر: في تحرير ذلك: ((المواقف)) للإيجي (ص: 90). و((الأربعين)) للرازي (ص: 15). و((شرح المقاصد)) للتفتازاني (2/120-122). .
وقد مثل الجويني لهذا الدليل بقوله: "مثال إثبات حوادث لا أول لها: قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهماً، إلا وأعطيك قبله ديناراً، ولا أعطيك ديناراً إلا وأعطيك قبله درهماً؛ فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه ديناراً ولا درهماً" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 47). .
خامساً: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث:
وطريقة إثبات صحة ذلك عند الجويني: "أن الحادث جائز الوجود؛ إذ يجوز تقدير وجوده بدلاً عن عدمه، ويجوز تقدير عدمه بدلاً عن وجوده. فلما اختص بالوجود الممكن بدلاً عن العدم الجائز، افتقر إلى مخصص؛ وهو الصانع تعالى" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91). .
فلما استوى الحادث في جواز وجوده، وجواز عدمه، كان لابد من مرجح يرجح أحدهما على الآخر؛ يرجح الوجود، أو يرجح العدم، وهذا مستبين على الضرورة انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 49). .
وهذا المرجح المخصص لا يخلو أن يكون واحداً من ثلاثة:
إما علة موجبة لمعلولها.
- وإما طبيعة.
- وإما فاعلاً مختاراً.
فكون المرجح المخصص علة موجبة لمعلولها: باطل؛ لأن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها.
والعلة التامة بين حالتين؛ إما أن تكون قديمة، وإما أن تكون حادثة.
فلو كانت قديمة: للزم قدم المعلول، وهو العالم؛ وهذا باطل؛ إذ الأدلة على حدوثه كثيرة.
ولو كانت حادثة: لافتقرت إلى محدث مخصص، والمحدث يفتقر إلى آخر، وهكذا، حتى ينتهي الأمر إلى إثبات حوادث لا أول لها – وهو التسلسل انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 49-50).
وقد تقدم برهان بطلانه.
وكون المرجح المخصص طبيعة: باطل أيضاً.
فيستحيل "أن يكون مخصص العالم طبيعة؛ كما صار إليه الطبائعيون" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91). ؛ لأن تلك الطبيعة لا تخلو: إما أن تكون قديمة، أو حادثة.
"فإن كانت قديمة، لزم قدم آثارها؛ فإن الطبيعة عند مثبتها لا اختيار لها، وهي موجبة آثارها عند ارتفاع الموانع. وقد صح حدوثها" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91). وانظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 50). ، فإن كانت الطبيعة قديمة لزم قدم آثارها، وقد وضح حدوث العالم.
"وإن كانت الطبيعة حادثة، افتقرت إلى طبيعة أخرى، ثم الكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في هذه الطبيعة، وينساق هذا القول إلى إثبات حوادث لا أول لها، وقد تبين بطلان ذلك" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 92). .
"فوضح بذلك أن مخصص العالم: صانع، مختار، موصوف بالاقتدار والاختيار" ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 92). .
وبهذه البراهين والدعاوى توصل الجويني إلى إثبات حدوث العالم متبعاً في ذلك طريقة أسلافه من المعتزلة، ومن اتبعهم..
وقد أثبت ذلك بإثبات حدوث الأجسام، مستنداً إلى أصل الأصول في هذا الدليل – عندهم-؛ وهو: "ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث"، أو "ما لا يسبق الحوادث فهو حادث"....
وقد سلك المتأخرون في ذلك مسلك المتقدمين، وتلخصت طريقتهم بأن:
العالم ينقسم إلى جواهر وأعراض.
وأن الأعراض لا تبقى زمانين متتاليين، بل يطرأ عليها التغير والتحول؛ فهي حادثة. والجواهر لا تتعرى عن الأعراض؛ بل هي ملازمة لها.
نتيجة:
1- ما دامت الجواهر لا تنفك عن الأعراض؛ فهي حادثة بحدوثها؛ لأن ما لازم الحادث، فهو حادث.
2- ما دام العالم مكوناً من الجواهر والأعراض – وقد ثبت حدوثها -؛ فالعالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث.
فالنتيجة التي توصل إليها هؤلاء – أعني الأشاعرة – بعد كل هذه المقدمات، كالنتيجة التي سبقهم إليها أسلافهم من الجهمية والمعتزلة؛ وهي الاستدلال على حدوث العالم بحدوث ما فيه من جواهر وأعراض، ومن ثم الاستدلال بحدوث العالم على وجود الله سبحانه وتعالى.الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 1/377
وجه استدلال الكلابية والأشعرية بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفات
سبق الكلام عن تلقف الكلابية والأشعرية لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتلقيهم له عن الجهمية والمعتزلة، وقولهم – مثل أسلافهم-: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو من الحوادث ولا يسبقها، يكون معها، أو بعدها. وما كان من الحادث، أو بعده، فهو حادث، وطريقتهم في ذلك قريبة من طريقة الجهمية والمعتزلة انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (9/132). وكتاب ((النبوات)) له (ص: 198). .
بيد أنهم خالفوا الجهمية، والمعتزلة – أسلافهم في هذا الباب – في تسمية الصفات أعراضاً؛ فنفوا أن تسمى كذلك، زاعمين أن العرض لا يبقى زمانين، أما صفات الله الذاتية الأزلية فهي باقية انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 157-158). و((مجموع الفتاوى)) له (12/316). و((النبوات)) له (ص: 202). و((نقض أساس التقديس)) – مطبوع – له (1/102). و((درء تعارض العقل والنقل)) له (1/306، 3/434). .
وقد نقل الرازي اتفاق الأشعرية جميعاً على أن: "العرض لا يبقى زمانين" نقل ذلك في كتابه ((محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين)) (ص: 265). ، وتبعه الإيجي على نقل هذا الإجماع نقل ذلك في كتابه ((المواقف في علم الكلام)) (ص: 101). .
والكلابية والأشعرية قالوا بإبطال حوادث لا أول لها؛ زاعمين أن القول بحوادث لا أول لها يستلزم التسلسل.
وقولهم بامتناع حوادث لا أول لها: حدا بهم في الحقيقة إلى نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى، والمتعلقة بمشيئته واختياره انظر: كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/129). و((رسالة في الصفات الاختيارية)) له – ضمن ((جامع الرسائل والمسائل)) (2/6-10). و((درء تعارض العقل والنقل)) له (8/173). .
فالنزول، والاستواء، والمجيء، والإتيان والرضى، والغضب، والفرح، والضحك،.. إلخ: كلها عند هؤلاء لا تقوم بالله تعالى متعلقة بمشيئته – جلَّ وعلا – وقدرته انظر ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 63). – وانظره ((ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/411). .
وهم وإن خالفوا المعتزلة في جواز قيام الصفات بالله تعالى، وفي تسمية الصفات أعراضاً – فقالوا: نحن نقول بقيام الصفات بالله تعالى، ولا نسميها أعراضاً؛ لأن صفات الله عندنا باقية بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات – إلا أنهم سموا الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته حوادث، وقالوا بنفيها، طرداً لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا: لو قامت به، للزم ألا يخلو منها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
فصرحوا – إذا – بامتناع قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى.
وقد استندوا في ذلك إلى أصلهم: ما يقبل الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث كان حادثاً انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 158). و((مجموع الفتاوى)) له (12/316). وكتاب ((الصفدية)) له (1/129). و((الاستقامة)) له (1/16). و((درء تعارض العقل والنقل)) له (1/354-355، 5/186، 245-246، 9/72). و((الفتاوى المصرية)) له (6/443، 444، 552-556، 645). و((رسالة في الصفات الاختيارية له – ضمن جامع الرسائل والمسائل)) (2/4، 6، 7-). و((الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال)) له (ص: 4). و((منهاج السنة النبوية)) له (2/108). و((شرح العقيدة الأصفهانية)) له (ص: 70). .
ولهم مع هذه الصفات – أعني الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته – مسلكان؛ منهم من سلكهما معاً، ومنهم من سلك أحدهما..
وهذان المسلكان هما انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 63-64). وانظره ضمن ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/411-412). و((الفتاوى المصرية)) له (6/443). و((رسالة في الصفات الاختيارية)) له – ضمن ((جامع الرسائل والمسائل)) (2/4). :
"الأول": إثبات هذه الصفات، على أنها صفة أزلية قديمة مع الله تعالى، لا تتعلق بمشيئة الله وإرادته؛ فلا يتجدد له فيها حال كما يشاء.
فالرضى – مثلاً ليس بفعل يتعلق بمشيئة الله – عند هؤلاء – بمعنى أنه يرضى متى شاء على من شاء، بل هو أزلي من صفات الذات.
"الثاني" جعل مقتضى الصفة مفعولاً منفصلاً عن الله، لا يقوم بذاته..
فالنزول – مثلاً – ليس فعلاً لازماً – عند هؤلاء -، بل يجعلونه كأفعاله المتعدية؛ من الخلق والإحسان، مفعولاً منفصلاً عنه، ويزعمون أن الله يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً.
وصفة الخلق – التي أحالوا الأفعال اللازمة عليها، وجعلوها مثلها – لا يثبتونها على أنها فعل يقوم بالله تعالى يتعلق بمشيئته وقدرته – جل وعلا -، بل هي مفعول منفصل عنه أيضاً؛ لأن الله – بزعمهم – خلق الخلق، فلم تحل بذاته حوادث؛ إذ الخلق هو المخلوق.
وهذا الأصل: "الخلق هو المخلوق"، أو "الفعل هو المفعول": معناه: أن صفة الخلق، أو الفعل: لم تقم بالله، ولا تقوم به جلَّ وعلا.
ويقولون: إنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان؛ إمَّا قديماً، وإمَّا حادثاً.
فإن كان قديماً لزم قدم المخلوق.
وإن كان حادثاً، لزم أن تقوم به الحوادث.
ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر،.. وهكذا؛ يلزم التسلسل، وهو باطل.
وهم "يفسرون أفعاله – تعالى – المتعدية؛ مثل قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام: 1]، وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته القديمة، وإرادته القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته.. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته.. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة هي المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه، من غير تجدد أمر وجودي، بل حاله قبل أن يخلق، وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة، وهي أمر عدمي لا وجودي" ((شرح حديث النزول)) (ص: 42). وانظره ضمن ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/378)- وانظر كتاب ((الصفدية)) له (2/101). .
وهذه النسبة أو الإضافة؛ كقول القائل: بيت الله، وناقة الله: إضافة تشريف، وانتساب إلى الله تعالى، من غير أن تقوم بذاته تعالى صفة.
ويعد ابن كلاب أول من قال بهذا الأصل – الخلق هو المخلوق -، بعد تلقية له عن المعتزلة كما تقدم.
وعنه أخذه تلاميذه، وعنهم أخذ أبو الحسن الأشعري الذي تكونت من أتباعه نواة مذهب الأشعرية.الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/5


انظر أيضا: