موسوعة الفرق

المطلب الثالث: أن الصفات ليست من المتشابه


وهذا هو محكُّ الخلاف ونتيجته، ولو أنَّ الكلام في المحكم والمتشابه سلم من إقحام الصفات فيه وطلب تأويلها وتحريف نصوصاً تذرعا بأنها من المتشابه، كما فعل أهل البدع والكلام – لبقي الخلاف فيه مثل غيره من مسائل علوم القرآن, كأول ما نزل, وآخر ما نزل، والمكي منه, والمدنى، وغيرها – قابلاً لتعدد الآراء واختلافها.
ومع أنَّ الكلام في الأمر الأول – المتعلق بمنع قول أن في القرآن ما لا سبيل لنا إلى العلم – شامل لموضوع الصفات، حيث أدخلوا أسماء الله وصفاته – أو بعض ذلك – في المتشابه، وبعضهم أعتقد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله – وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام لمن توهم ذلك من المتكلمين وغيرهم من خلال وجهين:
أحدهما: مناقشة من قال: إنَّ الصفات من المتشابه، وإنه لا يفهم معناه، يقول شيخ الإسلام: "نقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفي أن يعلم أحد معناه, وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا إن الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت"، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردُّوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بيِّنَة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية, ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد, والفضائل وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت..." ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/294-295). وسيأتي مزيد إيضاح لكلام الإمام أحمد عند الحديث عن مسألة "التفويض".
والسلف رحمهم الله تواتر عنهم الردُّ على تأويلات أهل الكلام، التي هي صرف للنصوص عن ظاهرها إلى ما يخالف ظاهرها، ثم إنَّهم – رحمهم الله – أثبتوا هذه الصفات ولم يتوقفوا فيها. فكيف يقال إنها عندهم من المتشابه؟ ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/296).
ومن أدلة شيخ الإسلام على أن الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه قوله بعد إيراد عدد كبير من نصوص الأسماء والصفات: "فيقال لمن ادَّعى هذه أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمَّى الله ووصف به نفسه، أم في البعض؟ فإن قلت: هذا في الجميع كان هذا عناداً ظاهراً وجحداً لما يعلم بالاضطرار منه دين الإسلام، بل كفر صريح، فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: 75] معنى، ونفهم من قوله: إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم: 47] معنى، وصبيان المسلمين، بل كل عاقل فيهم يفهم هذا" ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/297). ، ثم ردَّ على من زعم أن أسماء الله أعلام جامدة كبعض من ابتدع من أهل المغرب، ولعله يقصد ابن حزم ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/297-305). وقد سبقت الإشارة إلى هذا في مبحث الأسماء.
والثاني: إنه لو قيل: إن الصفات من المتشابه، أو فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن الإمام أحمد تسمية ما استدل به الجهمية النفاة متشابهاً – فيقال "الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إمَّا المتشابه، وإمَّا الكتاب كله... ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في القيامة ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/280-281). وأمور القيامة، وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بقوله "إنا" و "نحن" ونحو ذلك انظر: ((سيرة ابن هشام)) (2/224)، و((الروض الأنف)) (5/10). ، ويؤيده أيضاً أنه قد ثبت أنَّ في القرآن متشابهاً وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب, كما أنَّ ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإنَّ المتشابه بين الله وخلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموعود الدنيا.
وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولاً أنَّ نفي علم التأويل ليس نفياً لعلم المعنى" ((الإكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/306)، وانظر ((ظاهرة التأويل وصلتها باللغة)) (ص: 117-118). ، ثمَّ زاده شيخ الإسلام تقريراً وشرحاً بشواهد الكتاب, والسنة, وكلام الصحابة, وسائر السلف, والأئمة الذين تكلموا في نصوص الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، وحرص عبدالله بن مسعود على تعلم التفسير، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وتعلم جميع الصحابة التفسير مع التلاوة، وأقوال الأئمة، كل ذلك أدلة واضحة لمن هداه الله على إثباتها للصفات التي دلَّت عليها النصوص، مع نفي العلم بالكيفية.
وبهذا يتبين أنَّه على القول بأنَّ الصفات ليست من المتشابه مطلقاً، أو القول بأنها من المتشابه – بالمعنى السابق – ليس لأهل الكلام ولا لغيرهم دليل على زعمهم أنه يلزم فيها تفويض السلف للمعنى والكيفية، أو تأويلها بما يوافق عقولهم الفاسدة.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1140

انظر أيضا: