موسوعة الفرق

المطلب الثاني: منهج الأشاعرة في النفي في باب الصفات


إن الحديث عن منهج الأشاعرة في باب الصفات يعدُّ حديثاً شائكاً ومتشعباً, نظراً لما مرَّ به هذا المذهب من مراحل عديدة أثناء تطوره..........
والملاحظة الأولية التي يخرج بها الناظر في منهج الأشاعرة في باب الصفات, أن هذه المسألة لها خصوصية نظراً لتفاوت واضطراب أقوالهم فيها.
وخلاصة هذه الأقوال:
- أن هناك صفات اتفقوا على إثباتها, وهي الصفات السبع التي يسمونها بصفات المعاني.
- وهناك صفات اتفقوا على نفيها, وهي الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله عز وجل وقدرته.
- وهناك صفات اختلفوا فيها مثل الصفات الخبرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى, كالرضى, والغضب, والوجه, واليدين, والاستواء, وهذا قول ابن كلاب, والحارث المحاسبي, وأبي العباس القلانسي, والأشعري, وقدماء أصحابه, كأبي عبد الله ابن مجاهد, وأبي الحسن بن مهدي الطبري, والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم, وهو قول أبي بكر بن فورك, وقد حكى إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية, كالوجه واليد, وهو قول أبي القاسم القشيري, وأبي بكر البيهقي, كما هو قول القاضي أبي يعلى, وابن عقيل, والشريف أبي علي, وابن الزاغوني, وأبي الحسن التميمي وأهل بيته, كابنه أبي الفضل, ورزق الله وغيرهم, كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السنة والحديث, وليس للأشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان, بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها بل يبطل تأويلات من ينفيها, ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها, ثم لهم في التأويل والتفويض قولان: فأول قول أبي المعالي التأويل, كما ذكره في (الإرشاد) وآخرهما التفويض , كما ذكره في (الرسالة النظامية) وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم.
وأما أبو الحسن وقدماء أصحابه فهم من المثبتين لها. وقد عدَّ القاضي أبوبكر في (التمهيد) و (الإبانة) له الصفات القديمة: خمس عشرة صفة, ويسمون هذه الصفات الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية. وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة, مثل محمد بن جرير الطبري وأمثاله, وهو قول أئمة أهل السنة والحديث من السلف وأتباعهم, وهو قول الكرامية, والسَّالمية, وغيرهم.
وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية, لم يكن يظهر بينهم غيره, حتى جاء من وافق المعتزلة على نفيها, وفارق طريقة هؤلاء" انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (3/380-382).
فهذا النصُّ من شيخ الإسلام ابن تيمية يبين لنا موقف المذهب الأشعري في الصفات الزائدة على الثمانية التي يثبتونها باتفاق, وأن قدماءهم كالأشعري المؤسس وتلاميذه وكبار أتباعه يثبتون صفات زائدة على الثمانية, وأن الاقتصار على الثمانية وتأويل أو تفويض ما سواها إنما هو منهج بدأ على يد أبي المعالي الجويني, ومن جاء بعده, وهو الذي استقر عليه المذهب إلى الآن.
وقال أيضاً: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال, مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض, وتركيب الأجسام, وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها, وأمثال ذلك من المسائل" انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/97).
وأما المتأخرون من الأشعرية فقد "مالوا إلى نوع التجهم, بل الفلسفة, وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل, بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع" انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/97).
والأصل الآخر الذي اتفق عليه أيضاً قدماؤهم ومتأخروهم نفي الصفات الاختيارية عن الله عز وجل, ويعبرون عنها بنفي حلول الحوادث بذات الله عز وجل, وذلك مثل صفة الكلام, والرضى, والغضب, والفرح, والمجيء, والنزول, ونحوها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فلمَّا كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه, كالحارث المحاسبي, وأبي العباس القلانسي, وأبي الحسن الأشعري, والقضاة: أبي بكر بن الطيب, وأبي يعلى بن الفراء, وأبي جعفر السمناني, وأبي الوليد الباجي, وغيرهم من الأعيان, كأبي المعالي الجويني وأمثاله, وأبي الوفاء بن عقيل, وأبي الحسن ابن الزاغوني وأمثالهما: أن الربَّ لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته, ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث ووافقوا في ذلك للجهم بن صفوان, وأتباعه من الجهمية والمعتزلة, صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب على أحد قولين: إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه فيقولون: كلام الله مخلوق بائن عنه, لا يقوم به كلام وكذلك رضاه, وغضبه, وفرحه, ومجيئه, وإتيانه, ونزوله وغير ذلك, هو مخلوق منفصل عنه, لا يتصف الربُّ بشيء يقوم به عندهم.
وإذا قالوا هذه الأمور من صفات الفعل: فمعناه أنها منفصلة عن الله بائنة, وهي مضافة إليه, لا أنها صفات قائمة به.
ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات, وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول: آيات الصفات, وأحاديث الصفات.
وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية, ويقولون: نزوله ومجيئه, وإتيانه, وفرحه, وغضبه, ورضاه ونحو ذلك, قديم أزلي, كما يقولون: إن القرآن قديم أزلي.
ثم منهم من يجعله معنى واحداً, ومنهم من يجعله حرفاً, أو حروفاً وأصواتاً قديمة أزلية, مع كونه مرتباً في نفسه, ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده, وترتيب ماهيته" ((شرح حديث النزول)) ص: (225-227), وانظر ((مجموع الفتاوى) (6/51-52، 54).
أما الصفات التي أجمع الأشاعرة على إثباتها فهي صفات المعاني السبع: الحياة, والعلم, والقدرة, والإرادة, والسمع, والبصر, والكلام.
وأثبتوا هذه الصفات, لأن العقل دلَّ عليها دون غيرها.
ولما كانت الشبهة الرئيسة للأشاعرة في نفي الصفات الاختيارية عن الله عزَّ وجلَّ هي شبهة حلول الحوادث بذات الله عزَّ وجلَّ, ورأوا أن العقل بزعمهم يدل على ثبوت سبع صفات فقط, وجدوا أن هذه الصفات- ما عدا صفة الحياة – يلزم من إثباتها حلول الحوادث بذات الله عزَّ وجلَّ, فادَّعوا بأنهم وجدوا الحلَّ لهذه المعضلة بأن قالوا بأزلية هذه الصفات, وأنها لا زمة لذات الله عز وجل أزلاً وأبداً, ولا يتجدد لله عند وجود هذه المخلوقات نعت ولا صفة, وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم, وبين القدرة والمقدور, وهكذا في بقية الصفاتالنفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأرزقي سعيداني – ص 629
وقد ناقش شيخ الإسلام موضوع المحكم والمتشابه، وردَّ على الرازي وغيره ممن غلط في جعل الصفات من المتشابه، أو جعل ما خالف العقل فهو متشابه، أو غير ذلك من الأمور التي خاض فيها أهل الكلام. وما كتبه شيخ الإسلام في ذلك كثير، وأهمُّه ما ذكره في ثلاثة من كتبه:
أحدها: ما ذكره في نقضه لأساس التقديس للرازي – وقد يسمى كتاب الرازي (تأسيس التقديس) – وقد أطال شيخ الإسلام في ذلك، وناقض الرازي في كل ما كتبه، على طريقته في استيعاب مناقشة فصول هذا الكتاب، ولكن – للأسف الشديد – انتهت المخطوطة الموجودة قبل إتمام مباحث هذا الموضوع انظر: الجزء الثاني من مخطوطة – ((نقد التأسيس)) (ص: 199 إلى 360) حيث ينقطع الكلام بشكل مفاجئ، وهو ردٌّ على الصفحات (173-182) من أساس الرازي. وبقي من (ص: 183-192) من أساس الرازي ساقط في مخطوط نقضه لشيخ الإسلام.
الثاني: في تفسير سورة الإخلاص، وقد بلغت مباحث المحكم والمتشابه فيها أكثر من ستين صفحة طبع ((تفسير سورة الإخلاص)) مستقلا، وهو ضمن مجموع الفتاوى (جـ 17)، و((بحوث المحكم والمتشابه)) (ص: 381-443) من هذا الجزء.
الثالث: في الرسالة التي أفردها في هذا الموضوع بعنوان: الإكليل في المتشابه والتأويل ضمن ((مجموع الفتاوى)) (ج13/270-313). وضمن ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/5-36).
وخلاصة منهج شيخ الإسلام وهدفه من هذه المناقشة الدفاع عن عقيدة السلف في الأسماء والصفات وغيرها، والردُّ على المتكلمين الذين جعلوا من مسائل المحكم والمتشابه مدخلاً لتأويل نصوص الصفات وتحريفها, لتوافق عقائدهم, وأصولهم الفاسدة، ويمكن تلخيص منهجه من خلال الأمور التالية:
الأمر الأول: تحقيق مسألة: هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه؟:
وهي مسألة مهمَّة تبنى عليها مسألة المتشابه، ولذلك أطال شيخ الإسلام الكلام حولها، خاصة في تعليقه أو مناقشته للرازي، الذي ذكر هذه المسألة في أساسه قبل حديثه عن المتشابه فقال ذاكراً الخلاف فيها: "اعلم أن كثيراً من الفقهاء, والمحدثين, والصوفية يجوزون ذلك. والمتكلمون ينكرونه" ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 173) – ط الحلبي. ثم ذكر حجج المتكلمين الكثيرة، أعقبها بذكر حجج مخالفيهم، ثم قال: "هذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب وبالله التوفيق" ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 177)، وانظر (ص: 173-177).
وقد رجَّح شيخ الإسلام أدلة من يقول إنه لا يجوز أن يكون في القرآن مالا سبيل لنا إلى العلم به، وزاد على الأدلة التي أوردها الرازي أدلة أخرى كثيرة انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/200-214)، وانظر: ((أدلة أخرى عديدة في تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى)) (17/395-414). ، وإن كان قد تعقبه في بعض أدلته – مثل بعض الأدلة العقلية التي أوردها – لأنها لا تتفق مع أصوله الأشعرية انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/213-214). وشيخ الإسلام هنا لا يعارض استدلاله, وإنما يبيِّن تناقضه.
يقول شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الحجج – رادًّا على الرازي -: "هذه الحجج كما أنها دالة على فساد قول من قال: إن في القرآن ما لا سبيل لأحد إلى فهمه، بل معرفة معناه، فهي أيضا دالة على فساد قول هؤلاء المتكلمين، نفاة الصفات أو بعضها، فهي حجة على فساد قول الطائفتين، وذلك أن هؤلاء النفاة يقولون: إن التوحيد الحق الذي يستحقه الله تعالى ويجب أن يعرف به ويمتنع وصفه بنقيضه ليس هو في القرآن، ولم يدل عليه القرآن. ودلالة الخطاب المعروفة، وهو كون الرب ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، ولا يقرب من شيء, ولا يقرب منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا عنده شيء دون شيء، بل جميع الأشياء سواء، ولا يحتجب عنهم بشيء، وأنواع ذلك، فمن المعلوم أن القرآن لم يدل على شيء من ذلك، ولا بينه، بل إنما دلَّ على نقيضه، وهو إثبات الصفات (التي) تدل على أنه يقرب من غيره, ويدنو إليه، ويقرب العبد منه, ويدنو إليه، وعلى أنه عالٍ على جميع الأشياء، فوقها، وأنه ينزل منه كلامه، وتنزل الملائكة من عنده وتعرج إليه، وأمثال ذلك، وهم متفقون على أنَّ ظاهر القرآن إنما يدلُّ على الإثبات الذي هو عندهم تجسيم باطل بل كفر. وغيرهم يقول: بل دلالة القرآن على ذلك نصوص صريحة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من القرآن والرسول" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/215).
وهؤلاء المتكلمون النفاة أرادوا أن يتوصلوا بقولهم الذي وافقهم عليه شيخ الإسلام – إلى تأويل النصوص إلى معان أخرى باطلة، وقد احتجوا بالآية: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: 7] على قراءة العطف, وفسروا التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم بأنه صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. وهذا خطأ عظيم لأن التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم – على قراءة الوصل – هو التفسير، وهذا قد لا يعلمه بعض الناس لكن الراسخون في العلم يعلمونه، "فمن قال إن القرآن يجوز أن يشتمل على مالا سبيل لبعض الناس على العلم به فقد أصاب، وذلك لعجزه، لا عن نقص في دلالة القرآن، فكثير من الناس لا سبيل له على أن يعلم كثيراً من العلوم كالطبِّ, والنجوم, والتفسير, والحديث، وإن كان غيره يعلم ذلك، وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة تفسيره فقد غلط. وإن قال: لا سبيل لأحد إلى معرفة حقيقته, وكيفيته, وهيئته, ونحو ذلك فقد أصاب، فينبغي أن يعرف الفصل في هذا الباب حتى يظهر الخطأ من الصواب" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/200).
وقد أوضح شيخ الإسلام قبل ذلك ما في قول القائل: مالا سبيل لنا إلى العلم به من الإجمال ((نقض التأسيس)) (2/199).
بقي الكلام في أدلة الفريق الثاني المجوزين لوجود ما لا سبيل لنا إلى العلم به، وقد ساق الرازي أدلتهم، ثم سكت عن الترجيح بين القولين، ولذلك ردَّ عليه شيخ الإسلام قائلاً: "قلت: ذكر القولين ولم يرجح أحدهما، ولم يذكر جواب أحدهما عن حجة الآخرين, فبقيت المسألة على الوقف, والحيرة, والشك. وكذلك لما ذكر بعد هذا تقرير قول من جزم بالتأويل، فإنه هنا ذكر الخلاف في جواز ورود ما أمكن فهم معناه، وهناك ذكر قول من أوجب وقوع ذلك وجزم بالتأويل، وقد ذكر حجة كل قوم، ولم يذكر لهم جواباً عن حجة الآخرين انظر: حجة الفريقين حول جواز التأويل في ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 182-187)، ومن المؤسف أن مخطوطة نقض هذا الفصل انتهت بعد صفحات يسيرة من بداية مناقشتها. فبقيت المسألة مما تكافأت فيها الأدلة (عنده)، وأما في تفسيره فرجح المنع من التأويل، كما رجح أبو المعالي في آخر قوليه، وكما رجحه أبو حامد في آخر قوله" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/221-222). ، ثم نقل كلام الرازي في تفسيره انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/222)، وقارن بـ ((تفسير الرازي)) (7/170). وسبب هذه الحيرة والتوقف عند الرازي – كما يرى شيخ الإسلام – "أن كلا القولين اللذين حكاهما عن المتكلمين والذي حكاه عن السلف قول باطل. والذي حكاه عن السلف ليس قولهم ولا قول أحد منهم، ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/222).
وبهذا يتبين أن خلاصة رأي شيخ الإسلام أنه لابد لكل ما أنزل الله تعالى من معنى يمكن فهمه، وليس هناك فرق بين آيات الصفات وآيات الأحكام. وكثير من الصحابة والتابعين كانوا يعملون تفسير القرآن، ولا توجد آية ليس لهم فيها تفسير يوضح معناها. وتفسيرهم وفهمهم للنصوص هو الذي يرجع إليه عند الاختلاف. أما ما يدعيه أصحاب التأويلات المحرفة من أن تأويلاتهم هي المعاني الصحيحة للآيات التي أولوها، فهذا خطأ منهم انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/223).
وفي رسالة الإكليل بيَّن شيخ الإسلام "أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة, ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه"، ثم بين سبب الكلام في هذه المسألة فقال: "وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات, وآيات القدر, وغير ذلك، فقبلوها: "هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه، و(أنا) تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم" فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء. ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه. والغالب على كلا الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ [البقرة: 78] ، وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه..." ((الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى)) (13/285-286).
وهذه مشكلة المتكلمين دائماً يظنون أن قول هذه الطائفة – وقد يكون لها وجود – هو مذهب السلف، وهو ما يعبرون عنه بالتفويض, وهذا من الأخطاء الكبرى التي انتشرت وارتكبت في حقِّ السلف، وهم منها برآء.
بقيت الإشارة إلى أنَّ الرازي لما لم يرجح بين القولين حول مسألة اشتمال القرآن على مالا سبيل لنا إلى العلم به – انتقده شيخ الإسلام على توقفه, وحيرته, وشكِّه, ثمَّ ردَّ على أدلة المجوزين التي أوردها الرازي وسكت عنها. وأهمُّ هذه الأدلة:
أ- قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران: 7] والوقف لازم.
ب- الحروف المقطعة المذكورة أوائل السور.
ج- خبر: "أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله...." انظر: ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 176) – ط الحلبي.
وخلاصة ردود شيخ الإسلام عليها كما يلي:
أ- أما الآية فقد بيَّن أن فيها قراءتين مشهورتين، قال: "ونحن نسلم قراءة من قرأ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ لكن من أين لهم أنَّ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عني به المتكلمون، وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه. وهو سبحانه وتعالى لم يقل: وما يعلم معناه إلا الله، ولا قال: وما يعلم تفسيره إلا الله، ولا قال: وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله، ولا ما دل عليه إلا الله. قال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ, ولفظ التأويل له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه, حصل اشتراكٌ غلطَ بسببه كثير من الناس في فهم القرآن وغيره" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/223-224). ، وبعد كلام طويل حول التأويل وأنواعه قال: "وإذا عرف معنى لفظ التأويل ظهر فساد احتجاج هؤلاء بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ فإن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ليس هو أن لا يفهم أحد من اللفظ، بل يفهمونه وإن كان تأويله لا يعلمه إلا الله" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/224-225). ، ثم ذكر عدداً من أقوال السلف في الآية تبطل حجة هؤلاء ثم قال: "فابن إسحاق ذكر مثل ابن عباس, والضحاك, وغيرهم, الذين يقولون بالقراءتين. يقولون: له تأويل لا يعلمه إلا الله، وتأويل يعلمه الراسخون، وكذلك عامة أهل العربية الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله، كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن الأنباري، هم يتكلمون في متشابه القرآن كله, وفي تفسيره (و) معناه. (و) ليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها، فيجب أن يكون التأويل الذي اختص الله به عندهم غير ما تكلموا فيه من تفسير الآيات المتشابهة. وقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ قد يقال فيه إن المنفي هو عموم السلب لا سلب العموم، أي وما يعلم جميع التأويل إلا الله، وأما بعضه فيعلمه الراسخون كما قال ابن عباس: "وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب" أثر مشهور عن ابن عباس وأوله (التفسير على أربعة أوجه....) رواه ابن جرير (1/75 ) (71) وذكر ابن جرير أنه روي نحوه مرفوعاً، لكن بسند فيه نظر، وساقه بعد الأثر السابق، وذكر ابن كثير في آخر مقدمة تفسيره (1/18) – ط الشعب: أن ابن جرير قصد بذلك أن فيه الكلبي وهو ضعيف، وانظر: تعليق شاكر على هذا الحديث في ((تفسير الطبري)) (1/76). ، فقول الجمهور هو القراءة الصحيحة، وهو أنه لا يعلم غير الله جميع التأويل، كقوله: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: 31] أي مجموعهم، وإلا فكثير من الناس يعلم بعض جنود ربنا. وبكل حال تفسيره (و) معناه ليس داخلاً في التأويل الذي اختص الله به سواء سُمِّيَ تأويلاً أو لم يُسَمَّ" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/247).
والخلاصة أن قراءة الوقف على "إلا الله" لها وجهان:
- أما أن يكون المقصود بالتأويل الحقيقة التي تؤول إليها الأمور.
- أو يكون المقصود به جميع التأويل الذي هو التفسير، ويدل له قول ابن عباس حيث صرح بأن من التفسير ما لا يعلمه إلا الله، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام، وبهذا – مع الكلام الذي سيأتي عن الحروف المقطعة أوائل السور – يظهر الجواب عما استشكله الشنقيطي في هذا المقام والله أعلم قال الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (1/237): "وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام..." وذكر الجمع المشهور في آية آل عمران، وأن من قال: الواو عاطفة جعل معنى التأويل التفسير ومن قال هي استئنافية جعل التأويل هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر، ثم قال الشنقيطي – رحمه الله – "وهو تفصيل جيد لكن يشكل عليه أمران، الأول قول ابن عباس: التفسير على أربعة أنحاء... والثاني الحروف المقطعة". وقارن ما نقله الشنقيطي بما في ((تفسير ابن كثير)). سورة آل عمران آية 7، (1/347) – ط الحلبي – ومطبعة الاستقامة، 1376هـ.
ب- أما الحروف المقطعة أوائل السور فقد أجاب شيخ الإسلام عن دعوى أنها من المتشابه بعدة أجوبة:
أحدها: "أن هذه ليست كلاماً منظوماً فلا يدخل في مسمَّى الآيات، وعامَّة أهل مكة, والمدينة, والبصرة لا يعدُّون ذلك آية، ولكن الكوفيون يعدُّونها آية، وبكل حال فهي أسماء حروف ينطق بها غير معربة، مثل ما ينطق بألف، باء، تاء، وبأسماء العدد، واحد، اثنان، ثلاثة..." ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/248).
الثاني: أن السلف قد تكلموا في معانيها، وكلامهم في ذلك كثير مشهور، وقد ساق شيخ الإسلام بعض أقوالهم ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/248-249). أما اختيار شيخ الإسلام وترجيحه فقد حكاه عنه ابن كثير في تفسيره – سورة البقرة. آية رقم (1) الم – انظره في طبعات هذا التفسير كلها – سوى طبعة الشعب المحققة، ذات الثمانية أجزاء – فإنه ساقط منها. وهذا من عيوبها التي تجعلها لا يوثق بها.
الثالث: "أن يقال: نحن نسلم أن كثيراً من النَّاس وأكثرهم لا يعرفون معنى حروف الهجاء التي في أوائل السور فهذا صحيح، لا نزاع فيه، وإن قيل: إن أحداً من النَّاس لا يعرف ذلك, وإن الرسول نفسه لم يكن يعرف ذلك، فمن أين لهم هذا؟ فهذا النفي لابد له من دليل" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/249-250).
ج- أما حديث "إن من العلم كهيئة المكنون..." فليس له إسناد يقوم به، وعلى تقدير صحته فهو حجة عليهم, لأن فيه أن أهل العلم بالله يعلمونه انظر: تفصيل قوله حول هذا الحديث في ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/250-251)، وقارن بما سبق (ص: 749).
وبهذا يتبين ضعف حجة هؤلاء الذين يجوزون أن يكون في كلام الله مالا سبيل لنا إلى العلم به، ولذلك قال شيخ الإسلام في تفسير سورة الإخلاص ما يعتبر تلخيصاً لما سبق: "والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاماً لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما، ولا يعلمون الآخر، وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن، وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون، كان هذا الإثبات خيراً من ذلك النفي، فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه, وفهمه, وتدبره، وهذا مما يجب القطع به..." ((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى –)) (17/390، 399). وقد قال كثير من السلف إنهم يعلمون تأويل القرآن، وهذا معروف مشهور انظر: ((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى –)) (17/390-391).
الأمر الثاني: من أمور بيان شيخ الإسلام في مسألة المحكم والمتشابه – أنه إذا تبين رجحان قول من قال: إن كلام الله يمكن معرفة تفسيره والعلم به، وإنه ليس هناك في كلام الله ما لا سبيل لنا إلى العلم به – فما المقصود بالمتشابه المذكور في آية آل عمران؟
يذكر شيخ الإسلام أن في ذلك قولين:
أحدهما: أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس.
والثاني:- وهو الصحيح – أن التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثَمَّ آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد. وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم كما قال: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت [هود: 1] ((الفرقان بين الحق والباطل –مجموع الفتاوى)) (13/144).
وقد أطال شيخ الإسلام في تقرير هذا الذي رجحه وصححه، وذكر له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، مدللاً على وقوعه ووجوده عند بعض الناس انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/260-267)، وانظر: ((الصواعق المرسلة)) (1/213) – ت دخيل الله. ، وهذا التشابه النسبي أو الإضافي ليس له ضابط, فهو من جنس الاعتقادات الفاسدة، ولذلك تعددت التأويلات, وتفاوتت, فالفلاسفة والباطنية لهم تأويلات لنصوص الكتاب، والجهمية والمعتزلة يبطلون تأويلات الفلاسفة والباطنية, ويجعلون الآيات التي أولوها تأويلات قرمطية وفلسفية – آيات محكمة، لكنهم يؤولون نصوصاً أخرى يقولون إنها متشابهة، والأشاعرة يقولون إن هذه الآيات التي أولها المعتزلة هي آيات محكمة لا يجوز تأويلها، ثم يتأولون آيات أخرى. وهكذا. فكل طائفة تدعي أن المحكم ما وافق قولها, والمتشابه ما خالفه انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/267-273، 305-307).
والإمام أحمد – رحمه الله – ألف رسالته المشهورة في الردِّ على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله انظر: ((الرد على الزنادقة والجهمية – ضمن مجموع عقائد السلف – )) (ص: 52). ، ثُمَّ إنه لما ردَّ على هؤلاء في استدلالاتهم الباطلة، لم يقل هذه الآيات من المتشابه وسكت عنها، وإنما ردَّ عليهم, وبيَّن أحكامها، وفسرَّها، وذمهم على أنهم تأولوها على غير تأويلها الصحيح انظر: ((الفرقان بين الحق والباطل – مجموع الفتاوى)) (13/144)، و((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى)) (17/280-383).
وهذا الترجيح الذي رجحه شيخ الإسلام في المتشابه مبني على الأمر السابق وهو أن القرآن مما يعلم معناه، وأن آياته ليس فيها ما لا سبيل إلى العلم به.
الأمر الثالث: هل ما خالف الدليل العقلي هو المتشابه؟
سبق في بداية هذه المسألة – مسألة المحكم والمتشابه – ذكر أنَّ من حجج الرازي الذي قصد بها دعم مذهب الأشاعرة، أنه لا يجوز ترك ظاهر النص إلا بدليل، ثم ذكر أن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها موقوفة على عشرة أمور. ولذلك عوَّلَ على الدليل العقلي, وأنَّ ما خالفه فهو من المتشابه ويجب تأويله بما يوافقه.
ومسألة العقل والنقل سبق الحديث عنها، وتبين أن القول بتعارضهما، أو تقديم العقل عند توهم التعارض بينه وبين الشرع، من أعظم الباطل. وقد رد شيخ الإسلام على كلام الرازي السابق – حول التعويل على الدليل العقلي لتمييز المحكم من المتشابه, وأن الأدلة اللفظية ليست قطعية – من وجوه عديدة انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/303-357). ، تعقب فيها عبارات الرازي التي أوردها في أساسه, وبيَّن فيها خطأه وتناقضه، مبيِّناً أنَّ كلامه هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال بالسمع أصلاً – وهو ما صرح به في بعض كتبه – لأن الاحتجاج به موقوف عنده على نفي المعارض العقلي انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/308). ، ولذلك يقول شيخ الإسلام في أحد الأوجه: "إنك صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أنَّ شيئاً من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم، وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك، فإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن. (و) الظن لا يجوز التمثيل به في الأصول، فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك، بل يجب أن يكون من المتشابه، وعلى هذا فليس القرآن في الباب منقسماً عندك إلى محكم ومتشابه، ومع هذا أنه مناقض لما تقرره, فهو مخالف لصريح القرآن, والسنة, والإجماع، وهو باطل عقلاً وشرعاً" انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/309)، وانظر في الصفحة نفسها نموذجاً آخر لتناقض الرازي.
على أن قول الرازي مناقض لنصِّ آية المتشابه, لأنَّ الله سبحانه وتعالى أخبر أن من الكتاب آيات محكمات, هنَّ الأصل الذي يبنى ويردُّ إليه المتشابه، والرازي جعل الأصل الذي يردُّ إليه: العقل، بل إنه جعل القرآن كله محكمه ومتشابهه يردُّ إلى هذا الأصل, وما خالفه فهو متشابه انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط (3/309-310).
وهذه الأدلة العقلية التي يعوِّلُ عليها الرازي وأصحابه، والتي أولوا من أجلها نصوص الصفات التي دلَّ عليها القرآن هي "أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علماً ولا ظنًّا، بل جهلاً مركباً" انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/312).
والقول بأن الدلائل اللفظية لا تفيد القطع هو من أعظم السفسطة، ولذلك لا يعرف هذا القول عن طائفة معينة معروفة من طوائف بني آدم, لأنه يؤدي إلى القدح بلغة التخاطب بين الناس التي بها يكلم بعضهم بعضاً, ويفهم بعضهم عن بعض، وعامة أمور وأحوال بني آدم مبنية على هذا، من بداية تمييز الطفل وفهمه عن والديه، إلى آخر أمور البيع, والشراء, والنكاح, والطلاق, وقضاء مختلف الحوائج، ووصف بعضهم لما جرى لبعض... الخ "ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجوداً في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم، فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم، وبأن يفهم مرادهم من خطابهم، وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء، والأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم، وأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم، ثمَّ ربُّ العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بياناً، وقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4 ] انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/317).
ودعوى الرازي أن دلائل القرآن موقوفة على عشرة مقدمات ظنية باطل من وجوه انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/321) وما بعدها. ، ولو كان كما زعم لما صار القرآن نوراً وهدى, وإذا كان بعض النَّاس قد يحتاج لبعض هذه المقدمات لفهم بعض الآيات – وهذا مما لا ينكر لأنه قد يوجد من هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة – إلا أن تعميم ذلك لجميع النَّاس ولعموم الآيات هو من أظهر البهتان انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/328-329).
وقول الرازي أن المعوَّلَ عليه في تحديد المتشابه مخالفة دليل العقل أدى به إلى مقالته الأخرى الباطلة حين ذكر من حكم إنزال المتشابه مخاطبة العوام بما يناسبهم مما ظاهره التجسيم والتشبيه، ليناسب ما توهموه أو تخيلوه، وإنه يجب أن يكشف لهم في النهاية عن أحكام هذه الآيات بتأويلها بما يوافق العقول، يقول شيخ الإسلام عن الرازي، إنه "جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي، والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي، فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي، لا صفة في الخطاب، وكونه في نفسه قد أحكم, وبين, وفصل، مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جوز وقوعه في الجملة، ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العمليات، فلم يبق على قوله لنا آيات محكمات وهنّ أم الكتاب بحيث يرد المتشابه إليها، ولكن المردود إليه هو العقلي، فما وافقه أو لم يخالفه فهو المحكم، وما خالفه فهو المتشابه، وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته، ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب أي أساس التقديس. على رأي الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق، فخاطبهم بالتجسيم انظر: ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 192). مع علمه أنه باطل، وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد، وقالوا خاطبهم أيضاً بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم، وهؤلاء جعلوا الفرق أنَّ المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول" انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/274-275). موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1127

انظر أيضا: