trial

موسوعة الفرق

المطلب الحادي عشر: الصفات الخبرية


ويقصد بها الصفات التي ثبتت عن طريق الخبر من الكتاب والسنة, كالوجه, واليدين, والعين، وغيرها كاليمين, والقبضة، والأصابع، والحقو, والساق.
والملاحظ في مذهب الأشاعرة تفريقهم بين الصفات السمعية القرآنية والحديثية، فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبت الصفات الواردة في القرآن: كالوجه, واليدين, والعين. أما ما لم يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها، ثم منهم من يؤولها ومنهم من يفوض معناها انظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/32). .
أما متأخرو الأشاعرة فأكثرهم يتأول جميع الصفات الخبرية، ومن أثبتها منهم – سواء كانت عنده قولاً واحداً، أو قولاً ثانياً – فوض معناها.
وبعض الأشاعرة يجعل هذه الصفات معنوية كصفات العلم, والحياة, والقدرة، ولا يفرقون بينهما إلا أن هذه ثبتت بالعقل والسمع، وتلك طريقها السمع فقط.
وأهل السنة لا يلتزمون هذا الاصطلاح, فلا يسمون هذه بالصفات الخبرية, لأن من الصفات المعنوية ما لا يعلم إلا بالخبر انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/76). .موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1224
أن الرازي استدل على وجوب تأويل الصفات الخبرية لاختلاف النصوص حيث ورد فيها: "بيده"، "أيدينا"، "بيدي"، "بأعيننا"، "على عيني" وقد ردَّ عليه شيخ الإسلام بقوله: "إن دعواه أن لله أعيناً كثيرة باطل، وذلك وإن كان قد قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14] وقال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: 37] وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48] وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: 71] وقد قال في قصة موسى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ [طه: 39-40] فقد جاء هذا بلفظ المفرد في الموضعين، فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد جاء بلفظ المفرد في موضعين، بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك، وفيه جمع بين النصين، كما في لفظ اليد بل (لو) قال القائل: الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجه قوله، وذلك أن قوله "بأعيننا" في الموضعين مضاف إلى ضمير الجمع والمراد به الله وحده بلا نزاع، ومثل هذا كثير في القرآن يسمى الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصفة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [ الفتح: 1] وقوله: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: 32] فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل: بأعيننا، وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه أفرد المضاف فقال "ولتصنع على عيني"، وجعلوا أن هذا هو الأصل والحقيقة، فإن الله واحد، سبحانه، ومن احتج بما ذكره الله عن نفسه بلفظ الجمع على العدد، فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم، كما فعل نصارى نجران...
وهذا الكلام يقال في لفظ "أيدينا" مع قوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] وقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64]، فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات، فجاء على لفظ المضاف إليه.
ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلاً بالمضاف إليه، والمعنى ظاهر، كقوله تعالى: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا [التحريم: 4] وليس لكل منهما إلا قلب، فالمعنى قلباكما، لكن النطق بلفظ الجمع أسهل، والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب، وكذلك قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] والمعنى فاقطعوا أيمانهما، إذ لا يقطع من كل واحد إلا يده اليمنى، لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب, وظهور المراد...
وإذا كان كذلك قيل: لفظ "أعيننا" ولفظ "أيدينا" مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف ضمير تثنية، فإذا كان من لغتهم ترك استحسان "قلباكما" و"يديهما" فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان "بعيننا" أو "بعينينا"، ومما عملت يدنا، أو يدانا أولى وأحرى..." ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/16-19). .
ثم إن شيخ الإسلام بين أن التثنية وردت في القرآن في صفة اليدين بشكل صريح لا يحتمل المجاز مطلقاً، وهو قوله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] فدلالة هذه الآية على الصفة أصرح من دلالة الآية الأخرى وهي قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: 71] وقد عقد مقارنة بين الآيتين، بين فيها – من وجوه عديدة – أنه لا يصح تأويل آية سورة "ص" بحال انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/20-22)، وانظر: ((التدمرية)) (ص: 73-76)، و((الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز – مجموع الفتاوى –)) (6/362-372)، و((درء التعارض)) (7/267)، و((الرسالة الأكملية – مجموع الفتاوى –)) (6/92). .
أما لفظ التثنية في العين فلم يرد في القرآن، ولكن جاء في الحديث ما يدل عليه، ونسبه الأشعري إلى أهل السنة، ولكن هذه الصفة ثابتة قد دلت عليها النصوص انظر: ((الجواب الصحيح))(3/144)، و((الواسطية – مجموع الفتاوى –)) (3/133)، و((الحموية – مجموع الفتاوى –)) (5/90-91)، وانظر ((مقالات الإسلاميين للأشعري)) (ص: 290) – ت ريتر، و((الأبانة)) (ص: 18) – فوقية. .
وكذلك صفة الوجه ثابتة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة انظر: ((الواسطية – مجموع الفتاوى –)) (3/133)، و((الحموية – مجموع الفتاوى –)) (5/98-99)، و((الرد الأقوم على ما في نصوص الحكم – مجموع الفتاوى)) (2/433)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/35-39). .
ومثلها كل صفة وردت في الكتاب والسنة الصحيحة، مثل: الأصابع انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/115-116، 142). ، والقدم انظر: ((الواسطية – مجموع الفتاوى –)) (3/193)، و((الحموية – مجموع الفتاوى –)) (5/44، 75). ، والساق انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/15-16). ، والحقو أطال شيخ الإسلام في مناقشة الرازي حول هذه الصفة. وبين أنها مثل غيرها من الصفات تثبت كما وردت. انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/127-142). ، والصورة وقد أطال في الكلام على حديث الصورة، ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/202-514). ، وغيرها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1225


انظر أيضا: