موسوعة الفرق

المبحث السابع: العصمة


العصمة في تبليغ رسالات الله ضرورية للأنبياء والرسل كي لا يقع الخطأ والغلط في أداء أوامر الله ونواهيه، وأحكام الله وإرشاداته، فيدعمون ويسددون بالوحي ونزول الملائكة عليهم، فما ينطقون عن الهوى، ويجب اتباعهم في كل ما يقولونه ويأمرون به، لسلامتهم من الخطأ، والزلل بخلاف غيرهم، فإنه يمكن عليهم الخطأ والنسيان، والزلل والغلط، فلا يؤمن جانبهم من هذه الأمور كلها.
ولكن الشيعة الذين جعلوا أئمتهم كالأنبياء أو المشاركين في النبوة والمضاهين لها، اختلقوا لهم هذه المكانة، وادعوا لهم هذه المنزلة، فقالوا:
(إن الإمام يجب أن يكون معصوما  ((منهاج الكرامة ))  للحلي (ص 71) المنشور مع ((منهاج السنة النبوية))  لابن تيمية ط باكستان أيضا تلخيص الشافي للطوسي (1/ 181) قم إيران،  كمال الدين القمي (1/ 10).
وقال ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة:
(اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة عليهم السلام أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، و لا يعصون ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر.
واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل ((اعتقادات الصدوق ))  (ص 108).
وقال خاتمة محدثي الشيعة ملاّ باقر المجلسي:
(الشرط الثاني في الإمام أن يكون معصوما، وإجماع الإمامية منعقد على أن الإمام مثل النبيّ صلى الله عليه وآله معصوم من أول عمره إلى آخر عمره من جميع الذنوب الصغائر والكبائر والأحاديث المتواترة على هذا المضمون واردة ((حق اليقين ))  للمجلسي (ص 39).
ورووا في هذا الخصوص روايات مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى عليّ رضي الله عنه وأولاده.
منها ما رواها ابن بابويه القمي ((عيون أخبار الرضا ))  لابن بابويه القمي (1/64) ط طهران. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ((أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)) لم نجده في كتب الحديث المعتمدة لا الضعيفة ولا الصحيحة، وهو في الكتاب المذكور وحسب والله أعلم.
وروى المفيد في أماليه عن جعفر بن محمد أنه قال: (إن الله فرض ولايتنا وأوجب مودتنا، والله، ما نقول بأهوائنا، ولا نعمل بآرائنا، ولا نقول إلا ما قال ربنا عز وجل ((الأمالي ))  للمفيد (ص 59،  60) ط قم إيران 1403 هـ.
وقال ابن بابويه القمي في كتاب (الخصال) مفسرا قول الله عز وجل: لا ينال عهدي الظالمين، يقول في تفسير: (فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما، ولا تعلم عصمته إلا بنصّ الله عز وجل عليه كتاب ((الخصال ))  لابن بابويه القمي باب الخمسة (1/ 310) ط  كتاب ((الخصال ))  لابن بابويه القمي باب الخمسة (1/ 310) ط إيران. وبمثل ذلك قال المتصوفة في كبرائهم وأوليائهم.
وقبل أن نذكر النصوص في هذا الخصوص نورد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب عن الشيعة ومن تبعهم في ذلك من المتصوفين: (وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة فإن فيهم من ادّعى الإلهية في علي وهؤلاء شر من النصارى وفيهم من ادعى النبوة فيه ومن أثبت نبيا بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين إلا أن عليا رضي الله عنه بريء من هذه الدعوة بخلاف من ادعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله وهؤلاء الإمامية يدعون ثبوت إمامته بالنص وأنه كان معصوما هو وكثير من ذريته وأن القوم ظلموه وغصبوه ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة فإن المعصوم يجب إتباعه في كل ما يقول لا يجوز أن يخالف في شيء وهذه خاصة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى   قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[البقرة:136] فأمرنا أن نقول آمنا بما أوتى النبيون وقال تعالى   آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإليك الْمَصِيرُ[البقرة:285] وقال تعالى   وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ[البقرة:177] فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به وهذا مما اتفق عليه المسلمون أنه يجب الإيمان بكل نبي ومن كفر بنبي واحد فهو كافر ومن سبه وجب قتله باتفاق العلماء وليس كذلك من سوى الأنبياء سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقول فقد أعطاه معنى النبوة و إن لم يعطه لفظها ويقال لهذا ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتباع شريعة التوراة وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك ويقولون الشيخ محفوظ ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل لا يخالف في شيء أصلا وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية تدعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين وأصحاب ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي يقولون أنه معصوم ويقولون في خطبة الجمعة الإمام المعصوم والمهدي المعلوم ويقال أنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوماً ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإن الله تعالى  يقول  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[النساء:59] الآية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول وهذا خلاف القرآن وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى   وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[النساء:69] وقال  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا[الجن:23] فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار وبين الأبرار والفجار وبين الحق والباطل وبين الغي والرشاد والهدى والضلال وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى  ((منهاج السنة النبوية))  لشيخ الإسلام (ص 174،  175).  
وهو كما قال شيخ الإسلام أن الصوفية يعتقدون في أوليائهم ما يعتقد الشيعة في أئمتهم من تأليههم، وجعلهم أنبياء أو كالأنبياء، معصومين، ولو أنهم كثيرا ما يتجنبون عن استعمال هذه اللفظة، ويستبدلونها بالحفظ، ولا يقصدون من ورائها إلا العصمة التي يستعملها الشيعة توقيا وتحفظا من طعن الطاعنين واعتراض المعترضين، وستر لتلك الصلة الوثيقة التي تربطهم مع الشيعة، لو أن بعض المتهورين منهم لم يراعوا هذا الكتمان والإخفاء، وباحوا بهذا السر جهرا وعلنا، عارفين بأن تقيتهم هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، لأن المراد من كلتا اللفظتين واحد، لا اختلاف بينهما من حيث المدلول، فقال قائلهم:
(وأما صور تلقيات الموحدين الخطابية فهو أن تنبعث اللطفية الإنسانية مجردة عن الفكر طالبة ما لا تعلم منه إلا نسبة الوجود إليه بتقييدها به فإذا نزل هذا العقل بحضرة من الحضرات نزل إليه بحكم التدلي أو برز له أو ظهر له اسم من الأسماء الحسنى بما فيه من الأسرار فيهبه بحسب تجريده وصحة قصده وعصمته في طريقه فيرجع إلى عالم كونه عالما بما ألقي إليه من علم ربه بربه أو من علم ربه بضرب من كونه ثم ينزل نزولا آخر هكذا أبدا  الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ[الأحقاف:9] وهو خير البشر وأكثرهم عقلا وأصحهم فكرة وروية فأين الفكر هنا هيهات تلف أصحاب الأفكار والقائلون باكتساب النبوة والولاية كيف لهم ذلك والنبوة والولاية مقامان وراء طور العقل ليس للعقل فيهما كسب بل هما اختصاصان من الله تعالى  لمن شاء كتاب ((التراجم ))  لابن عربي من "مجموعة رسائله" (ص 4).
فاستعمل الشيخ الأكبر للصوفية العصمة للأنبياء والأولياء، وسوّى بينهما، ولم ير الفرق في كونهما مصطفين مختارين من قبل الله عز وجل، ومنزلتهما ومكانتهما لا تدركان بالعقل، ومنصبهما لا يكتسب.
وقال في مقام آخر: (إن من شرط الإمام الباطن (يعني الولي) أن يكون معصوما، وليس الظاهر إن كان غيره مقام العصمة   ((الفتوحات المكية))  لابن عربي (3/ 183).
وبمثل ذلك قال أبو الحسن الشاذلي: (إن من خواص القطب إمداد الله له بالرحمة والعصمة والخلافة والنيابة كتاب ((القصد ))  للشاذلي المنقول من كتاب ((الصلة بين التصوف والتشيع))  (1/ 417).
وروى صوفي قديم أبو عبد الرحمن السلمي في (طبقات الصوفية) عن أبي بكر محمد الدينوري أنه سئل عن علامة الصوفي ما هي ؟
فقال: (أن يكون مشغولا بكل ما هو أولى به من غيره، ويكون معصوما عن المذمومات ((طبقات الصوفية ))  للسلمي (ص 109) ط مطابع الشعب القاهرة 1380 هـ.
ونقل الدكتور عبد الحليم محمود عن صوفي متقدم أبي بكر الواسطي المتوفى 320هـ أنه قسّم المتصوفة على ثلاثة أقسام، فقال: (الناس على ثلاث طبقات، الطبقة الأولى: منّ الله عليهم بأنوار الهداية، فهم معصومون من الكفر والشرك والنفاق.
والطبقة الثانية: منّ الله عليهم بأنوار العناية فهم معصومون من الصغائر والكبائر.
والطبقة الثالثة: منّ الله عليهم بالكفاية فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة وحركات أهل الفضيلة انظر ((غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية ))  للنفزي الرندي (1/ 160) حاشية (رقم 2) لعبد الحليم محمود الطبعة الأولى القاهرة 1970.
ويزيل السهروردي عبد القاهر في عوارفه بعض الحجاب عن ذلك السرّ الذي طالما أخفاه على تشيّعهم، ومصدر تصوفهم، ومنبع أفكارهم، فيقول: (الشيخ للمريدين أمين الإلهام، كما أن جبريل أمين الوحي، فكما لا يخون جبريل في الوحي، لا يخون الشيخ في الإلهام، وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى فالشيخ مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، لا يتكلم بهوى النفس  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي (ص 404) ط دار الكتاب العربي بيروت 1983 م.
لأن الشيخ (والعرف معدن علم الله، مرضع أرواح الطالبين بنفسه، صحف أسرار ربّ العالمين بروحه، العارف وأن كان بدويا وحشيا فهو معدن العقل والعلم ((مناقب العارفين ))  للأفلاكي (1/ 286) ملحوظة: أن الدكتور الشيبي أخطأ في فهم عبارة الأفلاكي نقلا عن جلال الدين الرومي في منقبة الحلاج حيث ظنّ مقولة رسول الله المتمثل المتجسد أمام الحلاج – حسب زعم القوم – مقولة الحلاج،  متضمنة معنى العصمة لذاته انظر كتاب ((الصلة بين التصوف والتشيع ))  (1/ 419)،  وليس الأمر كذلك كما قلنا.
وهم معصومون (لأنهم أطفال في حجر الحق ((التعرف ))  للكلاباذي (ص 110 ). (كالأب الشفيق) ((الأخلاق المتبولية ))  للشعراني (3/ 261 ).
أو (كولد اللبوة في حجرها ((طبقات الشعراني))  (2 / 12 ). و (أنهم قائمون بالله، قد تولى الله أمرهم، فإذا ظهرت منهم طاعة، لم يرجوا عليها ثوابا، لأنهم لم يروا أنفسهم محلا لها، وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقلة، لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء، قيامهم بالله، ونظرهم إليه، وخوفهم هيبته، ورجاؤهم الأنس به) ((روضة التعريف ))  للسان الدين بن الخطيب (ص 423). و (أنهم لا يعرفون إبليس والشيطان) ((غيث المواهب العلية)) للنفزي الرندي (2/153)،  أيضا  ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي الحسيني (2/ 241).
(وأما خلق الله أهون عليهم من إبليس، ولولا أن الله أمرهم أن يتعوذوا منه ما تعوذوا منه  ((غيث المواهب العلية)) (2/ 153) نقلا عن أبي سليمان الداراني. ولربما استعملوا الحفظ على أوليائهم ومتصوفيهم، بدل العصمة الشيعية لأئمتهم، لكن في نفس المعنى والمقصود، فقالوا: (ومن شرط الوليّ أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما) ((الرسالة القشيرية)) (2/ 521)،  و((روضة التعريف)) (ص 521)،  ((مواقع النجوم)) لابن عربي (ص 80)،  ((غيث المواهب)) للنفزي (ص 131)،   ((جمهرة الأولياء))  (1/97)،  ((مشارق أنوار القلوب)) للدباغ (ص 103)،  ((فوائح الجمال)) لنجم الدين الكبري (ص 82) وغيرها من الكتب الكثيرة.
لأن الحق يتولى تصريفه (فيصرّفه في وظائفه وموافقاته، فيكون محفوظا فيما لله عليه، مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات، فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة  ((التعرف)) للكلاباذي (ص 147).
و (أن تصير الأشياء كلها له واحدة، فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته  أيضا ص 48.
و (لطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعدّ أيضا ص 155.
وبمثل ذلك قال القشيري: (الوليّ له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله سبحانه وتعالى  أمره، قال تعالى   وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ[الأعراف:196] ، فلا يكله إلى نفسه لحظة، بل يتولى الحق سبحانه رعايته.
والثاني: فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي، من غير أن يتخللها عصيان.
وكلا الوصفين واجب حتى يكون الوليّ وليا: يجب قيامه بحقوق الله تعالى  على الاستقصاء والاستيفاء، ودوام حفظ الله تعالى  إياه في السراء والضراء الرسالة القشيرية (2/520.
وقال أيضا: (فإن قيل: ما معنى الوليّ ؟ قيل: يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل، كالعليم والقدير وغيره فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الحق سبحانه، حفظه وحراسته على الادامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة، قال الله تعالى: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ[الأعراف:196]  أيضا (2/ 664،  665).
وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي تحت عنوان (وليّ حق الله ووليّ الله):
(فهؤلاء كلهم أولياء حقوق الله، وهم أولياء الله يصيرون إلى الله تعالى  في مراتبهم، فيحلون بها ويتنسمون روح القرب، ويعيشون في فسحة التوحيد والخروج عن رقّ النفس، قد لزموا المراتب، فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم فيه من الأعمال. فإذا صرفهم الله من المرتبة إلى عمل أبدانهم حرسهم، فيمضون مع الحرس في تلك الأعمال، ثم ينقلبون إلى مراتبهم، هذا دأبهم كتاب  ((ختم الأولياء))  للترمذي (ص 139).
وعلق ابن عجيبة على قول الشبلي: (الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى )، علق عليه بقوله: (يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم ((إيقاظ الهمم))  في شرح الحكم لابن عجيبة الحسني ص 168 الطبعة الثالثة 1982 القاهرة.
وظاهر أن من يكون هذا شأنه لا يكون إلا معصوما محضا، لذلك أن الصوفية حينما يستعملون الحفظ، لا يريدون من وراء ذلك إلا العصمة، ولذلك ذكر الهجويري كلتا اللفظتين في معنى واحد، بصورة الألفاظ المترادفة حيث حكى عن الجنيد أنه قال:
(تمنيت وقتا ما أن أرى إبليس - عليه اللعنة – وذات يوم كنت واقفا بباب المسجد، فإذا بشيخ يقبل من بعيد متجها إلي، فلما رأيته أحسست وحشة في قلبي، فلما اقترب مني قلت: من أنت أيها الشيخ، إذ لا طاقة لعيني برؤية وجهك من الوحشة، لا طاقة لقلبي بالتفكير فيك من الهيبة ؟ قال: أنا الذي تتمنى مشاهدتي. قلت: يا ملعون ! ما منعك أن تسجد لآدم ؟ قال: يا جنيد كيف تتصور أني أسجد لغيره ؟ قال الجنيد: فتحيرت في كلامه، فنوديت في سري أن: (قل له: كذبت، لو كنت خرجت عن أمره ونهيه. فسمع النداء من قلبي، فصاح وقال: أحرقتني بالله ! وغاب ((كشف المحجوب)) للهجويري ( ص 342) ترجمة عربية  للدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل ط دار النهضة بيروت 1980 م.
ثمّ علق عليها بقوله: (وفي هذه الحكاية دليل على حفظه وعصمته، لأن الله سبحانه وتعالى  يحفظ أولياءه في كل الأحوال من كيد الشيطان ((كشف المحجوب)) (ص 342).
وتؤيد وتدعم أنهم يدّعون أولياءهم ومتصوفيهم معصومين، مقولاتهم في كتبهم أنه لا يجوز الاعتراض على وليّ من أوليائهم أو على أحد من متصوفيهم، لو كان عمله يعارض الشرع، أو يظهر بصورة منكرة، فيقول الشعراني: (من دخل في صحبة شيخ، ثم اعترض عليه بعد ذلك فقد نقض عهد الصحبة انظر ((الأنوار القدسية في معرفة القواعد الصوفية)) للشعراني (1/ 174 ).
ثم نقل حكايتان خبيثتين تدلان على عقيدة القوم في مشائخهم وكونهم معصومين، فيقول:
(كان أبو سهل الصعلوكي رحمه الله يقول: كان لبعض الأشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال، فقال مريد بقلبه: كيف يبدل مجلس القرآن بمجلس قوال ؟
فناداه الشيخ: يا فلان، من قال لشيخه: لم، لم يفلح.
فقال المريد: التوبة... وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي، فلما قدّم خادمه السفرة قال له: كل معنا يا فتى، فقال: لا، إني صائم.
فقال له أبو تراب: كل، ولك أجر صوم شهر.
فقال: لا، فقال له شقيق: كل، ولك أجر صوم سنة، فقال: لا، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل، فسرق ذلك الشاب بعد سنة، فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ، ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال: من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به  ((الأنوار القدسية)) للشعراني (1/ 175،  176 ).
وبمثل ذلك قال شيخ الأزهر السابق نقلا عن سيده أحمد الدردير أنه قال: (فالآداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا، وعدم الاعتراض عليه في أيّ شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه الحرام، ويؤول ما أبهم عليه، وتقديمه على غيره، وعدم الالتجاء لغيره من الصالحين، فلا يزور وليا من أهل العصر، ولا صالحا إلا بإذنه، ولا يحضر مجلس غيره إلا بإذنه، ولا يسمع من سواه حتى يتمّ سقيه من ماء سرّ شيخه انظر كتاب ((سيدي أحمد الدردير)) للدكتور عبد الحليم محمود ص 119  ط  دار الكتب الحديثة القاهرة.
فهل هناك ضلال بعد هذا الضلال، وتسفيه للعقول بعد هذا كله ؟
ومن رجل جعل شيخا لأكبر جامعة إسلامية وأقدمها في العالم ؟
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8]
ولطرافة كلام الشيخ ننقل ههنا ما كتبه في آداب المريد، فيقول: (ومن آداب المريد للشيخ: أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه، ولا يجلس على سجادته، ولا يسبح بسبحته، ولا يجلس في المكان المعدّ له، ولا يلح عليه في أمر، ولا يسافر، ولا يتزوج، ولا يفعل فعلا من الأمور المهمة إلا بإذنه، ولا يمسك يده للسلام مثلا ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب، بل يسلم بلسانه، وينتظر بعد ذلك ما يأمر به، وأن لا يمشي أمامه ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون مشيه أمامه صونا له من مصادفة ضرر... وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته... وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه، ولا يقول: لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي كذا، وإلا لم يكن مسلما له قيادة: إذ من أعظم الشروط تسليم القيادة له ظاهرا وباطنا... وأن يجعل كلامه على ظاهره فيمتثله إلا لقرينة صارفة عن إرادة  الظاهر، فإذا قال له: اقرأ كذا، أو صلّ كذا، أو صم كذا وجب عليه المبادرة، وكذا إذا قال له وهو صائم: أفطر وجب عليه الفطر، أو قال: لا تصلّ كذا إلى غير ذلك... وأن لا يدخل عليه في خلوة إلا بإذنه، وأن لا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع لكثير   كتاب ((سيدي أحمد الدردير)) للدكتور عبد الحليم محمود (ص 119. 120،  121 ).
فلنرجع إلى موضوعنا ونقول: إن القوم يجعلون متصوفيهم معصومين حيث لا يجيزون الاعتراض عليهم، ويقولون: (من قال لأستاذه: لِمَ لا يفلح انظر ((غيث المواهب العلية)) للنفزي الرندي (1/ 197 ).
لأن (الشيخ في أهله كالنبي في أمته انظر ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص 252 )،  ((غيث المواهب))  (1/ 197، ((صوم القلب)) لعمار البدليسي مخطوط ورقة رقم 19 المنقول من ملحق كتاب ((فوائح الجمال)) لنجم الدين الكبري تعليقة رقم 22 ط ألمانيا  1957 م،  أيضا كتاب  العروة للسمناني مخطوط المنقول من  ((ختم الأولياء))  ص 489،  كذلك ((الفتوحات الإلهية)) لابن عجيبة الحسني (ص 173 ).
وعلى ذلك قال القشيري: (من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه ((الرسالة القشيرية)) (2/ 736،  أيضا ((التدبيرات الإلهية)) لابن عربي ص 226،  ((جامع الأصول)) للكمشخانوي ص 2.
وهناك حكايات ومقولات كثيرة في هذا المعنى تنبئ وتدلّ صراحة على أن عصمة المتصوفة وأوليائهم، مثل عصمة الأنبياء، وبتعبير صحيح كعصمة أئمة الشيعة، مثل الحكاية التي رواها ابن عجيبة في فتوحاته، عن بعض مشائخه قال: (رأيت يوما شخصا استحسنته فإذا لطمه وقعت على عيني، فسالت على خدي، فقلت: آه فقيل لي: لحظة بلطمة، لو زدت لزدناك  ((الفتوحات الإلهية)) ص 163.
فمن كان هذا القائل يا ترى ؟ فانظر كيف يدّعون العصمة حتى من النظر إلى أحد بتلذذ ؟
وكذلك نقل أحد الرفاعيين عن الرفاعي أنه قال: (قال لي الشيخ يعقوب: رأيت الشيطان واقفا على باب داري فهممت بضربه، فقال: أي يعقوب، أنتم أهل الإنصاف، إن في بيتكم الأحمر والأصفر (أي الذهب والفضة أو الدنانير والدراهم)، وهما لي كيف لم أجيء إلى بيتكم ؟ انظر ((قلادة الجواهر)) لمحمد أبي الهدى الرفاعي  ص 135 ط دار الكتب العلمية. بيروت.
صوفيّ رأى الشيطان وهمّ بضربه، فالمعنى أن الصوفي لا يمكن أن يغويّه الشيطان، فإذن هو معصوم عن الوقوع في المعاصي والخطايا، والزلات والسيئات.
هذا ومثل هذا كثير.
فهذه هي العقيدة الأخرى التي أخذها الصوفية من الشيعة، إن دلت على شيء دلت على روابط عتيقة بين التصوف والتشيع، وكون الأول مأخوذا عن الثاني.التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 201

انظر أيضا: