trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: التوحيد عند الأشاعرة


هذا من أهم الأبواب التي غلط فيها أهل الكلام – وفيهم الأشاعرة – وصار كلامهم فيه مشتملاً على قليل من الحق وكثير من الباطل، ولاشك أن أسس الإسلام وقاعدته توحيد الله وحده لا شريك له.
والتوحيد والواحد والأحد عند الأشاعرة يشمل ثلاثة أمور:
1- أن الله واحد في ذاته لا قسيم له.
2- وأنه واحد في صفاته لا شبيه له.
3- وأنه واحد في أفعاله لا شريك له انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: ((مجرد مقالات الأشعري)) لابن فروك (ص: 55)، ورسالة الحرة للباقلاني – المطبوعة باسم ((الإنصاف)) – (ص: 33-34)، و((الاعتقاد للبيهقي)) (ص: 63)، و((شرح أسماء الله الحسنى)) للقشيري (ص: 215)، و((الشامل)) (ص: 345-348)، و((الإرشاد)) (ص: 52)، و((لمع الأدلة)) (ص: 86)، و((إحياء علوم الدين)) (1/33)، و((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 49)، و((نهاية الإقدام)) (ص: 90) وغيرها. .
وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية – عندهم – هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله انظر: ((أصول الدين للبغدادي)) (ص: 123)، و((الملل والنحل للشهرستاني)) (1/100)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص: 47). ......
فسر الأشاعرة معنى التوحيد والواحد بهذه الأصول الثلاثة، وقد بين شيخ الإسلام ما في قولهم من الحق والباطل كما يلي:
1- قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له:
ويفسرونه بأن معناه أنه لا ينقسم, ولا يتجزأ, ولا يتبعض, ولا يتعدد, ولا يتركب، وهذا الكلام مجمل، فإن قصد به أن الله تعالى أحد, فرد, صمد, لم يلد ولم يولد، وأنه يمتنع أن يتفرق أو يتجزأ, أو يكون قد ركب من أجزاء فهذا حق، لكن إن قصد به نفي علوه ومباينته لخلقه، وأنه لا يشار إليه ولا ينزل كما يشاء فهذا باطل انظر: ((التدمرية)) (ص: 184-185)، ت السعوي. وانظر: ((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى)) (17/449-4450). ، فأي الأمرين يقصد هؤلاء، يقول شيخ الإسلام عنهم: "ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحواً منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها, يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئاً دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلاً، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد, أو يصل إليه, أو يدنو منه, أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان مجسماً منقسماً مركباً، والبارئ منزه عندهم عن هذه المعاني" ((التسعينية)) (ص: 203-204). وانظر ((نقض التأسيس)) – المطبوع (1/474-475). ، وجماع المعاني التي قصدوها بقولهم هذا أنه تعالى عن قولهم ليس قائماً بنفسه، ولا بائناً من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يشار إليه في جهة العلو. وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية، والتحيز، والجهة، والرازي صرح بأن كل متحيز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد انظر: ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 17) – ط الحلبي. ، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفي صفات الله الخبرية، ونفي علوه على عرشه.
2- أما قولهم في تفسير التوحيد بأن معناه – أيضاً – أنه واحد في صفاته لا شبيه له، فيرى شيخ الإسلام أن هذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكنهم أجملوها، حيث جعلوا في مسمى التشبيه، وهذا من بدع أهل الكلام، إذ لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا أقوال السلف أن يجعل نفي الصفات أو بعضها من التوحيد انظر: ((التسعينية)) (ص: 204). ، مع أن أهل الكلام مضطربون في هذا، لأن كل طائفة تجعل ما تنفيه من الأسماء أو الصفات من التشبيه الذي يجب تنزيه الله عنه، فالأشاعرة أدخلوا في مسمى التوحيد هذا نفي كثير من الصفات – أي ما عدا الصفات السبع التي لم يثبت غيرها متأخروهم – والمعتزلة أدرجوا في ذلك نفي جميع الصفات، والجهمية نفوا الأسماء والصفات جميعاً، وزاد الغلاة من القرامطة والباطنية فقالوا لا يوصف بالنفي والإثبات، لأن القول بأحدهما يقتضي تشبيهاً، وهكذا انظر: ((التدمرية)) (ص: 182- 183). .
3- أما الثالث فقولهم: إن من معاني التوحيد أنه تعالى: واحد في أفعاله لا شريك له، وأن الله رب كل شيء وخالقه، ويقول شيخ الإسلام عن هذا المعنى: "وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره" ((التسعينية)) (ص: 207). ، والخطأ الذي وقع فيه الأشاعرة هنا هو أنهم فهموا أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأنه المقصود بشهادة أن لا إله إلا الله، ومن المعلوم أن هذا التوحيد  أقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم "ولكن غاية ما يقال: إن المعتزلة وغيرهم جعلوا بعض الموجودات خلقاً لغير الله، كأفعال العباد، ولكنهم يقرون بأن الله خالق العباد, وخالق قدرتهم وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم" انظر: ((التدمرية)) (ص: 180-181)، و((التسعينية)) (ص: 207). .
هذه معاني التوحيد عند الأشاعرة، ومما سبق يتبين ما في ظاهر العبارات من الحق، وما قصدوه من الباطل، مع ما وقعوا فيه من التقصير.
ب- اتباعهم لمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة في تعريف التوحيد:
وهذا من منهج شيخ الإسلام العام في ردوده على الأشاعرة، حيث إنه كثيراً ما يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية، ولذلك فهو هنا حين رد على الرازي الذي نفى الصفات بناء على أن الله أحد، واحد، أرجع أقواله إلى أقوال المعتزلة فقال: "هذا الاستدلال هو معروف قديماً من استدلال الجهمية النافية، فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد, ويزعمون أنهم هم الموحدون، فإن من أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد، وأنه يثبت تعدد القدماء، ولا يجعل القديم واحداً، فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا، وقد يسمون أنفسهم الموحدين، ويجعلون نفي الصفات داخلاً في مسمى التوحيد" انظر: ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/463). ، ثم ذكر شيخ الإسلام أن أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره ردوا على هؤلاء، وبينوا ما في أقوالهم من التلبيس والباطل، يقول الإمام أحمد – رحمه الله -: "فقالت الجهمية لنا لما وصفنا هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره, ولم يزل وقدرته؟ قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونون موحدين أبداً حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء، قلنا نحن نقول: قد كان الله ولا شيء, ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته، وضربنا لهم مثلاً في ذلك قولنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع, وكرب, وليف, وسعف, وخوص, وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم، والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالماً, قادراً, مالكاً، لا متى, ولا كيف. قال: وسمى الله رجلاً  كافراً اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: 11]، وقد كان الذي سماه وحيداً له عينان, وأذنان, ولسان, وشفتان, ويدان, ورجلان, وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيداً بجميع صفاته وكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته واحد" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/463-464)، و((كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية)) (ص: 91-92) – ضمن عقائد السلف. .
فهؤلاء الذين واجههم الإمام أحمد – رحمه الله – هم شيوخ لمن جاء بعدهم، من الجهمية, والمعتزلة, والفلاسفة, الذين يزعمون أن الواحد هو الذي لا صفة له ولا قدرة، وابن سينا الفيلسوف يعبر عن ذلك بقوله: "إن واجب الوجود واحد من كل وجه، ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم، أو يقال: ليس فيه كثرة حد, ولا كثرة كم، ويقال: ليس فيه تركيب المحدود من الجن والفصل، ولا تركيب الأجسام، ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/465). ، والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وجعلوا التوحيد أحد أصولهم الخمسة، ويبنون ذلك على أن القديم ليس معه في القدم غيره، فلو كان له صفات، للزم تعدد القدماء مع الله تعالى. فجعلوا حقيقة التوحيد نفي الصفات انظر: ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/465). .
فلما جاءت الأشعرية تلقفوا هذا الأصل عن هؤلاء، وجعلوا من مقتضيات التوحيد نفي ما ينفونه من الصفات, كالعلو, والاستواء، والوجه, واليدين, وغيرها.
وكل طائفة تجعل ما تنفيه من الصفات من مقتضيات التوحيد، وهذا اضطراب وتناقض ظاهر.
ج- الرد على الأشاعرة في قولهم في مسمى التوحيد:
وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك كما يلي:
1- بيان ما في أقوالهم من الحق والباطل – وقد تقدم بيان ذلك قريباً -.
2- أن هؤلاء الأشاعرة اتبعوا المعتزلة والجهمية في ذلك، مع أن شيخهم ابن كلاب ينكر قول من يقول: إن الواحد لا صفة له، فإنه قال بعد بيانه: أن الله بائن من خلقه، ليس داخلاً في خلقه، ولا خلقه داخلون فيه: "فإن قالوا: فيعتقبه الطول والعرض؟ قيل لهم: هذا محال، لأنه واحد لا كالآحاد، عظيم لا تقاس عظمته بالمخلوقات، كما أنه كبير عليم، لا كالعلماء، كذلك هو واحد عظيم لا كآحاد العظماء، فإن قلت: العظيم لا يكون إلا متحيزا؟ قيل لك: والعليم لا يكون إلا متحيزا، وكذلك السميع والبصير، لأنك تقيس على المخلوقات" نقلاً عن ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/468). ، يقول شيخ الإسلام معقباً: "وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك" نقلاً عن ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/468-469). . ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو, والاستواء, والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيهاً، كما أن إثباتها لا يعارض ما يقولون به من التوحيد لله تعالى.
3- أن قولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفاً في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل "لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسماً ومنقسماً, كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: 11]، وقوله تعالى: وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء: 11]، وقوله وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف: 32] – إلى قوله - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف: 37]، وقوله: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ [البقرة: 266]، وقوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]... والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل, ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد, وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد... فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسماً منقسماً, لأن ما لا يسمونه هم جسماً منقسماً ليس هو شيئاً يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه" ((درء التعارض)) (7/114-116). ، وفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصاً عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1]: "ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفساً واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/488). . ويقول معلقاً على استدلال الإمام أحمد – وقد سبق نقله قريباً -: "وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: 11]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/488). ، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوص عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ((سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان)) ((نقض التأسيس)) (1/489) والحديث رواه البخاري(358). ، وحديث نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء رواه البخاري(359) ومسلم (516). ، وحديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في واحد رواه البخاري(355) ومسلم (517). ، وحديث مروره- صلى الله عليه وسلم- بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) رواه البخاري(1361) ومسلم (292). وغيرها من الأحاديث كثير انظر: ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/489-492). ، وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم, خلافاً لما يزعمه هؤلاء.
وإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم "لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: 163] وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد – على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحداً مما ليس معروفاً في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديماً بنفسه، متصفاً بالصفات، مبايناً لغيره، مشاراً إليه. وما لم يكن مشاراً إليه أصلاً، ولا مبايناً لغيره، ولا مداخلاً له، فالعرب لا تسميه واحداً ولا أحداً، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم" ((درء التعارض)) (7/117). .
وشيخ الإسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص – في الصفات وغيرها – إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة, وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس, وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعي أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو على أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التي تلقوها عن غير المسلمين. أما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى, من الكتاب, والسنة التي تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعون إلى لغة العرب, وفهم الصحابة والسلف من خير القرون، وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الإسلام – في معرض رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: "إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 195] فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص – بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما (أخص) من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايراً له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفاً للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز, القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله, وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخاطب بها أمته، وهي لغة العرب عموماً, ولغة قريش خصوصاً"، ثم يطبق هذا على المثال المطروح فيقول: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة, وأشهرها, وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/492-493). .
فهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس, أو أرباب العلوم المختلفة في كل عصر، هي اصطلاحات لهم – ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليه – ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت, وتلاها الناس, وفسروها, وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضاً حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز, أو المشترك اللفظي, أو غيره وقد أجاب بقوله: "هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم (أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن) لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى" ((درء التعارض)) (7/119). ، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة انظرها في ((درء التعارض)) (7/120-121). قال في آخرها: "فتبين أن لفظ التوحيد, والواحد, والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد, والواحد, والأحد في القرآن, والسنة, والإجماع, وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله
ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره, وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته..." انظرها: في ((درء التعارض)) (7/122-223). . وهذا ينطبق على مسألة الواحد, والتوحيد, وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
4- أن لفظ "الأحد" لم يجئ اسماً في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم يستعمل إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كالنفي, والشرط, والاستفهام، فاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، أما استخدامه في حق غير الله مضافاً فكقوله تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: 36]، وفي النفي كقوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]، والشرط كقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ [التوبة: 6]، والاستفهام كما تقدم قريباً في حديث: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي, ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناه – ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء – لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الإثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفي كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4] لم يكن ما ليس بجسم كفواً له، ومعنى قوله تعالى: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 26]: لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله: لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن: 22] أي لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكون مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسماً كفواً له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل انظر: ((تفسير سورة الإخلاص، مجموع الفتاوى)) (17/235)، و((درء التعارض)) (7/121)، و((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/493-494)). .
5- أن قولهم باطل من جهة العقل أيضاً، يقول شيخ الإسلام: "أما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء, وأهل الفطر السليمة: إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى, ولا يدرك, ولا يحاط به, وإن سماه المسمى جسماً، وأيضاً فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحداً" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/483). ، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام, والتصوف, والفلسفة, ونبه شيخ الإسلام عليها كثيراً، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة, بالجواهر, والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان, والفرس, مكونة من المادة الكلية, والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الذهن، لأن الموجود لا يوجد إلا معيناً، فيقال وجود الواجب, وهو الله, ووجود الممكن, كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس إلا الموجودات بأعيانها انظر: ((درء التعارض)) (7/124-127). .
6- كما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقول شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة, وعقلاً, وشرعاً: "وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن, والسنة, وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات, وسلب إدراكه بالحواس, ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم, ولا يوجد نفيها في كتاب, ولا سنة, ولا عن صاحب, ولا أئمة المسلمين" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/484). . وبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصاً للدارمي في نقضه على المريسي يقول: "وهذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله "الواحد" وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد إليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير" ((نقض التأسيس)) – المطبوع – (1/487). ، فمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة – مع أنه أيضاً لا يقوم على دليل صحيح – دليل على فساد قولهم.
7- تأصيل القول في مسألة الفرق بين التشبيه والتمثيل ومدلولهما عند الإطلاق، يقول شيخ الإسلام: "وقد تنازع الناس هل لفظ "الشبه" و"المثل" بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقاً ومقيداً يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار.
والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق, لغة, وشرعاً, وعقلاً، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر, وهذا قول أكثر الناس.
وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية (وهي) في مطبوعة الجواب الصحيح وهو، ولعل الصواب ما أثبته. : أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان، فمن منع أن يشبه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد، ومن قال: إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، فرق بينهما عند الإطلاق" ((الجواب الصحيح)) (2/233)- ط المدني. ، وقد رجح شيخ الإسلام الثاني بقوله: "وهذا قول جمهور الناس؛ فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان، تشتبه في كونها ألواناً مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة، فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار مماثلة لحقيقة الماء، وإن اشتركا في أن كلًّا منهما جوهر, وجسم, وقائم بنفسه، وأيضاً فمعلوم في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبهه من بعض الوجود, وإن كان مخالفاً له في الحقيقة. قال الله تعالى: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة: 25]، وقوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7]، وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: 118] فوصف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل؛ فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) رواه البخاري (52), ومسلم (1599). ، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام، وبعضها حلال" ((الجواب الصحيح)) (2/233-234). . وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام من أن هناك فرقاً بين التشبيه والتمثيل، وأنه يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه كثيراً ما يقرره في كتبه، ويذكر له بعض الأدلة انظر: ((الرسالة الأكملية – مجموع الفتاوى)) – (6/113). ، ويذكر أن لفظ التماثل أخص من لفظ التشابه وذلك في معرض رده على الرازي حول تعريف المتشابه انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (1/261). ، ويرى أن سبب اضطراب أهل الكلام في مسألة الصفات ما يثبت منها وما ينفي، مرجعه إلى أنهم جعلوا مسمى التشبيه والتمثيل واحداً انظر: ((درء التعارض)) (5/188). .
8- أن التشبيه على قول بعض المتكلمين: إن التشبيه هو التمثيل، ثم تعريفهم للمتماثلين بأنهما: "ما سد أحدهما مسد صاحبه، وقام مقامه، وناب منابه" ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/476). ، وقد يفسرونه بأنه "يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له" ((التدمرية)) (ص: 116) – ت السعوي. ، التشبيه بهذا المعنى لا يقول به عاقل، لأنه يعلم بضرورة العقل امتناعه انظر: ((التدمرية)) (ص: 117). ، ولأن "كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة، ولو من بعض الوجوه البعيدة، ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/82). . وفي موضع آخر يعلل شيخ الإسلام الفرق بقوله: "التشابه الذي هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات، بل الموافقة في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، وأما التشابه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين، ولهذا كان أئمة أهل السنة, ومحققوا أهل الكلام يمنعون من أن يقال: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه؛ فإن مقتضى هذا كونه معدوماً" ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/447). ، "وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" ((نقض التأسيس)) – مخطوط (3/255)، وقد أحال في تفصيل القول في ذلك على بعض كتبه كالأجوبة المصرية، وجواب المسألة الصرخدية. .
ومع تقرير شيخ الإسلام لهذه المسألة، إلا أنه يبين أن المتكلمين الذي يصرحون بنفي التشبيه مطلقاً طائفتان:
طائفة: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون أن الله لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه – وهذا الذي صرح به النفاة من الجهمية – فهؤلاء يقتضي قولهم أن يكون معدوماً لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز.
وطائفة أخرى: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون به التمثيل، فهؤلاء متفقون على نفي التماثل بوجه من الوجوه، وهو قول صحيح قد دل عليه القرآن، والعقل أيضاً، فالخلاف مع هؤلاء لفظي حيث سموا التمثيل تشبيهاً انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/477). .
وعلى قول هاتين الطائفتين يكون لفظ "التشبيه" من الألفاظ المجملة، التي قد تحتمل أكثر من معنى، ومن ثم فقبل الإثبات والنفي لابد من الاستفصال عن المعنى الذي يقصده القائل.
ولكن "لفظ" "الشبه" فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو في كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما، فإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه، ولا يواطئه بوجه من الوجوه، كان هذا ممتنعاً، وكذلك إذا أريد بقول القائل: "لا يشبهه بوجه من الوجوه" هذا المعنى، بخلاف ما إذا أراد المماثلة, والمساواة, والمكافأة، أو أراد ذلك بلفظ المشاركة, والموافقة, والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه، ولا شريك له بوجه من الوجوه" ((درء التعارض)) (7/183). . ويقول أيضاً: "إن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي كذا في درء التعارض، ولعل الصواب (نفس) أو (نفي) في كليهما. ذلك القدر المشترك ليس هو نفس كذا في درء التعارض، ولعل الصواب (نفس) أو (نفي) في كليهما. التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله سبحانه وتعالى، إذ هو سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" ((درء التعارض)) (7/327). ، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة ما بين أسماء الله وصفاته, وأسماء المخلوقين وصفاتهم من الاتفاق: هل هو من قبيل المشترك اللفظي أو المتواطئ؟ وهي مسألة اهتم بها شيخ الإسلام كثيرا. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لها في المبحث التالي عند الكلام على الأسماء والصفات.
9- أن القرآن الكريم ورد بنفي التمثيل وما في معناه كالند, والشريك, والكفو، أما التشبيه فلم يرد نفيه ولا ذمه في الكتاب والسنة، ويرى شيخ الإسلام أن السبب ما في لفظ التشبيه من الإجمال, والاشتراك, والإبهام, بخلاف لفظ التمثيل انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/109). ،  ويشرح ذلك بشكل مفصل فيقول: "إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل, والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقاً هو الأنداد لرب العالمين، لكن من الناس من لا يفهم هذا, ولا يعتقد أن لفظ التشبيه يدل على التمثيل المنفي عن الله؛ إذ لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص... ومن هنا ضل فيه أكثر الناس؛ إذ ليس له حد محدود. وما هو كذا في المخطوطة، ولعل صحة العبارة (منه ما هو). منتف بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل، ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء (المقرين) في المخطوط (للتقرير)، ولعل الصواب ما أثبته. بالصانع، فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقاً، لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل, والكفو, والند, والسمي،... و ... الله ليس كمثله شيء , بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفي عنه المثل مطلقاً, ومقيداً، وكذلك الند, والكفو, والشريك، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها، و...  من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفى المثل عن نفسه بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، والسمي بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65]، والند بقوله: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً [البقرة: 22]، والكفو بقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4]، والشريك, والعديل, والمساوي, بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18]، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1]، إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 97-98]، فلا يخلو أما أن يكون النفي من ذلك مختصاً بالمماثل من كل وجه، وهو المكافئ له من كل وجه فقط, والمساوي, والمعادل, والمكافئ له من كل وجه، أو يكون النفي عامًّا في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافئ ولو من بعض الوجوه، ولا يجوز أن يكون النفي مختصاً بالقسم الأول, لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر، ولأن النبي –صلى الله عليه وسلم- ((قال له رجل ما شاء وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًّا، بل ما شاء الله وحده)) رواه النسائي في الكبرى(10825) وأحمد (1/224(1964) من حديث ابن عباس قال ابن القيم في ((الجواب الكافي)) (ص 102) ثابت وصحح إسناده أحمد شاكر في ((المسند)) (3/296) وحسن إسناده الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) 1/266. ، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل, والكفو, والند, والشريك, والعديل, ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الوجود, والحي, والعليم, والقدير، فليس مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافئة، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له ولغيره، ولما ينفي عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء, ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله، التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها ما لا يعلمه إلا الله مما لا نسبة إلى ما علموه من الأمر المشتبه المشترك إليه. والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفاً ثبوتياً كما قررنا هذا في غير هذا الموضع انظر مثلاً: ((التدمرية)) – القاعدة الأولى – (ص: 75) وما بعدها. ت السعوي. ، ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية، له فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضاً إلا هو، بخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، ومما يجب القول به شرعاً, وعقلاً بالاتفاق، ولهذا (لما) عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع وجحوده، كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/258-261). .
ومع أن التشبيه لم يرد نفيه في الكتاب والسنة إلا أن السلف رحمهم الله كانوا ينظرون إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولذلك لما وجدت بعض الفئات التي بالغت في الإثبات فشبهت الله بخلقه، - وسموا مشبهة – بادر السلف على ذم المشبهة, وقرنوا الذم لهم بذم المعطلة، ولم يمنع السلف من هذا ما وصفهم به أعداؤهم النفاة من أن إثباتهم للصفات يجعلهم مشبهة، لأن مذهبهم في الصفات وسط بين تعطيل هؤلاء, وتشبيه أولئك.
وشيخ الإسلام لما قرر أن لفظ التشبيه لم يرد نفيه في القرآن والسنة وإنما قصد بيان أن ما ادعاه هؤلاء – في تعريفهم للتوحيد من أن من معانيه أن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وأدخلوا في ذلك نفي علوه, واستوائه, وصفاته الخبرية – غير صحيح، لأن القرآن والسنة وردا بإثبات ذلك، والقول بأن إثبات هذه الصفات يقتضي تشبيهاً ينسحب إلى غيرها من الصفات التي يثبتها هؤلاء، كالعلم, والقدرة, والحياة, والسمع, والبصر، بل ينسحب إلى الأسماء الثابتة لله سبحانه وتعالى، فالأخذ بظاهر هذه العبارة – أنه واحد في صفاته لا شبيه له – يؤدي إلى نفي جميع الصفات والأسماء عن الله تعالى، لأن ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك, وقدر مميز، وأقرب مثال على ذلك الوجود، فالله موجود, والمخلوق موجود، والوجود له معنى مشترك يصدق على وجود الله, ووجود المخلوق، وإن كان وجود المخلوق ليس كوجود الله, لأن المخلوق ممكن، حادث، قابل للعدم. فهل يمكن القول بأن الله موجود بدون فهم معنى الوجود؟ إلا أن يقال بأننا خوطبنا بألغاز لها معاني أخر لا نفهمها، ولم يدل عليها الخطاب، وهو ما آل إليه أمر غلاة الصوفية, والباطنية, والقرامطة, وغيرهم من الملاحدة.
فما قرره شيخ الإسلام في هذا الباب من أن لفظ الشبه والتشبيه لفظ مجمل، ولذلك لم يرد نفيه في الكتاب والسنة، إنما هو دفاع عن الصفاتية – من هؤلاء الأشاعرة وغيرهم – في مقابل المعتزلة, والجهمية, والقرامطة, وغيرهم.
10- ومذهب السلف – رحمهم الله تعالى – مشهور في الرد على نفاة الصفات أو بعضها، يقول شيخ الإسلام عن الأشاعرة بعد كلامه عن المعتزلة الذين جعلوا نفي الصفات كالعلم, والقدرة, من التوحيد, والتنزيه عن التشبيه والتجسيم-: "ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيماً هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم، وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيداً، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك" ((التسعينية)) (ص: 304). ، ثم ساق شيخ الإسلام عدداً من الروايات المشهورة عند أئمة السلف في ذمهم لأهل الكلام, وأهل البدع, الذين يخوضون في أسماء الله وصفاته, ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة, والتابعون انظر: ((التسعينية)) (ص204-207). .
أما مسألة نفي التشبيه بإطلاق، فإمام أهل السنة أحمد بن حنبل – رحمه الله – بين ذلك في الرد على الزنادقة – كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه معلقاً على بعض أقواله، قال شيخ الإسلام: "ولهذا قال الإمام أحمد: "فقلنا إن الشيء لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئاً" ((كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية)) (ص: 68) – ضمن عقائد السلف وفيه "فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء". ، فبين الإمام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء، كما نقل الناس أن جهماً يقوله، ولهذا قال: فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئاً, أي لجميع العقلاء، فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب، بل يشترك فيه العقلاء كلهم. فهذا سؤال عن كونه موجوداً، ثم سألهم عن كونه معبوداً, فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله، وهم المسلمون قديماً وحديثاً، قال: "فإذا قيل له: فمن تعبدون؟ قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فقلنا: هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئاً، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون" ((كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية)) وفيه "قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء". ، فهنا جعل الكلام من المسلمين الذين يعبدون الله تعالى, والعبادة متضمنة لقصد المعبود وإرادته، والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به. فلما قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا: هو مجهول لا يعرف بصفة، كان قولهم هو مجهول لا يعرف بصفة تبين للمسلمين الذين يعبدون، أنهم لا يثبتون شيئا يعبدونه، وإنما هم منافقون في ذلك، لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد، فعرف المسلمون بطلان قولهم: يعبدون الله ويثبتونه، كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه، وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة، فأنكروا صفاته مطلقاً, وأنكروا أن يشبه بالأشياء بوجه من الوجوه، فأنكروا بذلك وجوده" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/263-264). .
وكلام الإمام أحمد يدل على مبلغ علم ووعي أئمة السلف رحمهم الله، ومعرفتهم بمداخل أئمة البدع الذين يزخرفون أقوالهم بعبارات التنزيه، وهم يقصدون من وراء ذلك أن يصلوا إلى ما يهدفون إليه من نشر البدع والتعطيل.
والإمام أحمد لما قرئ عليه كتاب (المحنة) – زمن المأمون – وبلغ قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، وهو خالق كل شيء، قال الإمام أحمد عند قوله ليس كمثله شيء: وهو السميع البصير. فقال إسحاق ابن إبراهيم – عامل الخليفة – ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب الله عز وجل ولم أزد في كتابه شيئاً,كما قال ووصف تبارك وتعالى انظر: ((سيرة الإمام أحمد بن حنبل، لولده صالح)) (ص: 49)، و((ذكر محنة الإمام أحمد))، لحنبل بن إسحاق بن حنبل (ص: 38) – وفي المطبوعة سقط -، و((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي (ص: 387)، و((محنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل)) لعبد الغني المقدسي (ص: 42-44). . قال أحد مترجمي الإمام أحمد معلقاً: "قلت: انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجته في إثبات الصفات من الآية التي احتجوا عليه بها، فكان الذي استدلوا به دليلاً له لا عليه رضي الله عنه" ((الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد))، تأليف محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي الحنبلي المتوفى سنة 900هـ (ص: 69). .
فالإمام أحمد كان يحذر من التعطيل, ومن التشبيه معاً، وقد نقل شيخ الإسلام عن الطبري أنه ذكر في تاريخه – قال شيخ الإسلام: لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته كأن شيخ الإسلام ابن تيمية استنكر انفراد الطبري بها، إذ لم يذكرها مترجموه، حتى الذين أفردوا كتباً لترجمته أو لمحنته. – ("أنه لما قرأ على علماء بغداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم، فيه: (لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه). أقر بذلك من أقر به، وأما أحمد فقال: لا أقول: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه انظر: ((تاريخ الطبري)) (8/639). ، وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام، واحترازه منها، مع أن كثيراً من الناس يطلق هذه العبارة، ويريد بذلك نفي المماثلة، ومقصوده صحيح، وقد يريد ما يجمع الحق والباطل، أو يريد تنزيهاً مطلقاً لا يحصل معناه" ((نقض التأسيس)) – (مخطوط 3/264). .
وقد أعاد شيخ الإسلام في (درء التعارض) ذكر رواية الطبري حول المحنة – ولم يذكر أنها مرسلة – وقال معلقاً: "والمقصود أنه ذكر في كتابه: (لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه)، فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة، وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء، وليس كمثله شيء، ونحو ذلك، أو كما قال، وأما قوله: "بوجه من الوجوه" فامتنع منها، وذلك لأنه عرف أنه مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود, ولا شيء, ولا حي, ولا عليم، ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى، وهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره, وله المثل الأعلى" ((درء التعارض)) (5/183). .
فهذه الملاحظات الدقيقة التي يبديها أئمة السلف, معلقين على مثل هذه العبارات لأجل ما فيها من الإيهام – تدل على حرصهم الشديد على تصفية العقيدة من أكدار التعطيل والتشبيه، وهذا يدل على ما في مثل عبارة الأشاعرة – حين يقولون: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وخاصة إذا أبانوا عن مقصودهم بها, وأنه إنكار علو الله واستوائه, وتأويل بقية صفاته, عدا الصفات السبع التي أثبتوها – من الإجمال, والإيهام, والضلال.
11- وأئمة الأشاعرة أقروا بأن إطلاق مثل هذه العبارات غير دقيق، وأن القول بنفي التشبيه مطلقاً يؤدي إلى إنكار صفات الله تعالى، يقول الجويني في نفي أن الله يشبه الحوادث أو يشبهه شيء منها: "والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلطت طائفة في النفي فعطلت، وغلت طائفة في الإثبات فشبهت، فأما الغلاة في النفي فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه، وقالوا عن هذا: القديم سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال: ليس بمعدوم، وكذلك لا يوصف بأنه قادر، عالم، حي، بل يقال: ليس بعاجز، ولا جاهل، ولا ميت، قال: وهذا مذهب الفلاسفة, والباطنية، فأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث" ((درء التعارض)) (5/186-187)، والنص لم أجده في الإرشاد كما قد توحي به عبارة شيخ الإسلام في أول الكلام، وللجويني كلام طويل في هذه الموضوعات – في ((الشامل))، انظر: (ص: 287-342). ، ثم قال الجويني: "فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه: أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود، والعرضية، واللونية، ثم هما مختلفان، وكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات، ويقال لهم: أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه؟، فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه, فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت" ((درء التعارض)) (5/188-189). .
فالجويني مع أنه يقول بتماثل الأجسام، وأن الاختلاف إنما هو في الأعراض، ومع ما في القول بتماثل الأجسام, وأن الثلج مماثل للنار من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، من مخالفة الحس والعقل انظر: ((درء التعارض)) (5/192). ، إلا أن قوله بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، ورده على الغلاة الذين قالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه: "تصريح بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا: إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟..." انظر: ((درء التعارض)) (5/193). .
فالجويني هنا يرد على نفسه وعلى إخوانه الأشاعرة الذين قالوا: إن القول بإثبات علو الله واستوائه على العرش يقتضي أن يكون جسماً والأجسام متماثلة. ومن ثم فسروا التوحيد بنفي التشبيه عن الله, وفسروه بتلك التفسيرات الباطلة، فهم بين أمرين، إما أن يقولوا بأن إثبات السمع, والبصر, والحياة, والقدرة لله تعالى يقتضي تشبيهاً مثل العلو واليدين، أو يقولوا بأن إثبات العلو, والاستواء, واليدين, والوجه لله لا يقتضي تشبيهاً مثل السمع, والبصر, والحياة.
ويقول الرازي عن هذا الموضوع: "فإن قيل المشاركة في صفات الكمال يقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الإلهية. قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: 60]، وقال –صلى الله عليه وسلم- ((تخلقوا بأخلاق الله))   موضوع، قال ابن تيمية في ((تلبيس الجهمية)) (6/518): لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من باب الموضوعات, وقال الألباني في ((السلسلة)) (2822): لا أصل له. ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/254 – 254)، و((كلام الرازي في أساس التقديس)) (ص: 86-87). ، قال شيخ الإسلام معلقاً على هذا الكلام: "ومن المعلوم أن المشابهة هي المشاركة في صفات الكمال – التي هي العلم والقدرة – أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/254). .
ثم ينقل شيخ الإسلام عن الرازي أنه قال في نهاية العقول، في مسألة تكفير المخالفين من أهل القبلة في حجة من كفر المشبهة، قال: "ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر, ثم (إن) المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي يذهب إلى كون الله مشبها بخلقه من كل الوجوه، أو ليس (كذلك). والأول باطل؛ لأن أحداً من العقلاء لم يذهب إلى ذلك في نهاية العقول: لم يذهب إلى كون الله تعالى مشبها لخلقه من كل الوجوه. ، ولا يجوز أن يجمعوا على تكفير من لا وجود له، بل المشبه الذي يثبت الإله على صفة بشر بها معها بخلقه كذا في نقض التأسيس. وفي نهاية العقول: على صفة تشبه فعلها لخلقه. ، والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسماً (بحيز) معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالإجماع، فالمجسم كافر" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/254.) والنص في ((نهاية العقول)) (291-أ). ، ثم قال الرازي في الجواب عن ذلك لأنه – أي الرازي – نصر عدم تكفير أهل القبلة: "قوله: المجسم مشبه، والمشبه كافر، قلنا: إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلاً بكون الله تشبهياً بخلقه من كل الوجوه، فلا شك في كفره، لكن المجسمة لا يقولون بذلك، فلا يلزم قولهم بالتجسيم قولهم بذلك، ألا ترى أن الشمس, والقمر, والنمل, والبق, أجسام، ولا يلزمنا اعترافنا باشتراكهما في الجسمية كوننا مشبهين للشمس, والقمر, والنمل, والبق، وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيهاً بخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أنه موجود وشيء, وعالم, وقادر، والحيوانات أيضاً كذلك، وذلك لا يوجب الكفر، وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان، فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول بذلك، بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/254-255)، والنص في ((نهاية العقول)) (293-أ). .
قال شيخ الإسلام معلقاً على كلام الرازي السابق بعد نقله: "وهذا تصريح منه بأن القول بكون الله شبيهاً بخلقه من بعض الوجوه داخل في قول كل المسلمين، ولا ريب أن كل موجودين فلابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى به من الآخر، وإلا فإذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلاً ولا يشتركان فيه لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/255). .
فهؤلاء أئمة الأشاعرة يعترفون بهذه الحقيقة البدهية، والعجب أنهم ينسون ذلك حين يتعرضون لبعض مسلماتهم الأخرى – كنفي العلو، أو بعض الصفات – فيصمون من يقول بها ويثبتها بالتشبيه والتجسيم، ويجعلون مذهبهم النافي لها هو التوحيد!.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/946


انظر أيضا: