موسوعة الفرق

المبحث الثاني: الأطوار التي مر بها التصوف  


 لقد مر التصوف بمراحل مختلفة، إذ بدأ بالزهد والزهاد في البصرة وأمثالها من أمصار المسلمين، ثم تحول بعد ذلك إلى طرق صوفية لكل منها معالمها المتميزة، ومن ثم صارت تنحرف عن الإسلام وتعاليمه رويداً رويداً.
ويمكن أن نميز في الصوفية ثلاث مراحل واضحة نوجزها فيما يأتي:
المرحلة الأولى:
وكان يغلب على أصحابها جانب العبادة والبعد عن الناس، مع التزامهم بآداب الشريعة، وقد يغلب على بعضهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، وكان من هؤلاء في المدينة: عامر بن عبد الله بن الزبير، الذي كان يواصل في صومه ثلاثاً ويقول له والده: رأيت أبا بكر وعمر ولم يكونا هكذا ((سير أعلام النبلاء)) الذهبي (5/219).
وكان في البصرة طلق بن حبيب العنزي، وعطاء السلمي الذي بكى حتى عمش ((سير أعلام النبلاء)) الذهبي (14/601).
ومن هؤلاء الزهاد: إبراهيم بن سيار وبشر بن الحارث الحافي كان قد فاق أهل عصره في الزهد وحسن الطريقة واستقامة المذهب وعزوف النفس كما قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ((تاريخ بغداد)) (7/67-80).
ومن هؤلاء جنيد بن محمد الجنيد، الذي ينقل عنه الخطيب البغدادي قوله: (علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ الكتاب ولم يكتب الحديث ولم يتفقه، فلا يقتدى به) ((تاريخ بغداد)) (7/241-249). وانظر: ((التصوف في ميزان البحث والتحقيق)) عبد القادر بن حبيب السندي/ توزيع مكتبة ابن القيم، طبعة 1410 من ص43 – 104 حيث ترجم لعدد من معتدلي الصوفية.
(إن هؤلاء كانت مقاصدهم حسنة، غير أنهم على غير الجادة وفيهم من كان لقلة علمه، يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري) ((التصوف  المنشأ والمصادر)) إحسان إلهي ظهير (ص: 46).
ومن هذا الزهد المشروع نسبياً انتقل بعضهم إلى تأليف الكتب، يدعو فيها إلى أمور لم تكن عند الزهاد السابقين، كترك الزواج مثلاً، ومن هؤلاء: مالك بن دينار الذي امتنع عن الزواج، وعن أكل اللحم إلا من أضحيته، وكثيراً ما كان يقرأ في كتب السابقين كالتوراة والإنجيل.
ويعتبر من أقطاب هذه المرحلة: رابعة العدوية، التي استحدثت قصة الحب الإلهي والعشق الإلهي.
فهؤلاء من أوائل الصوفية الذين اتخذوا طريقة، جمعوا فيها بين الزهد والتعمق والتشدد، والتفتيش عن الوساوس والخطرات، مما لم يكن على عهد السلف الأول.
وإذا كان الصفاء الروحي يأتي بدون تكلف عند السلف نتيجة التربية المتكاملة، فنحن هنا بصدد تشدد وتكلف لحضور هذا الصفاء، وبصدد تنقير وتفتيش عن الإخلاص يصل إلى حد الوساوس.
ومما استحدث في هذه المرحلة: الاستماع إلى القصائد الزهدية مع استعمال الألحان المطربة، وصنفت الكتب التي تجمع أخبار الزهد والزهاد، ولكنها تخلط بين الصحيح وغيره، وتدعو إلى الفقر، وتنقل عن أهل الكتاب، مثل كتب الحارث المحاسبي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي والرسالة للقشيري انظر: ((الصوفية، نشأتها وتطورها) محمد العبدة، طارق عبد الحليم، دار الأرقم – الكويت، 1406هـ. (ص: 22-27).
وعلى كل (فإن هذه المذاهب قد ظهرت فيما بعد القرون المفضلة رويداً رويداً، وكان أصحابها الأولون قد انفردوا بما أتوا من الزهد والورع، الذي لم يكن عليه رسول الله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وإلى هذا يشير قوله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: 27]
والحقيقة إن لفظ الصوفية لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك) ((الصوفية والفقراء)) ابن تيمية، ط دار الفتح – القاهرة، (ص: 5).
وربما كان الصوفية صادقين في زهدهم في هذه المرحلة، مع بعدهم عن الدنيا، إلا أن التشدد الذي فرضوه على أنفسهم لم يأمر به الشارع، ويبدو أن هناك تأثيراً للنصارى في تكوين القناعات بتعذيب الجسد كي تصفوا الروح ((الصوفية)) محمد العبدة – طارق عبد الحليم، (ص: 29).
هذه البداية للتصوف بقيت مقبولة إلى حد ما، ولكن ليت الأمر وقف عند هذا الحد، وإنما بدأت تغزو الصوفية مصطلحات غامضة، وطقوس غريبة، وانحرافات عن الشريعة، وهذا ما ظهر جلياً في المرحلة التالية، وخلال طرق منظمة، لها مشايخها وطقوسها، بعد القرن الثالث الهجري.
المرحلة الثانية:
وقد أدخل فيها المتصوفة مصطلحات غامضة فتحدثوا عن الفناء والبقاء، وعلم الإشارة في المكاشفات، والمآل في ذلك إلى الذوق.
وفي هذه المرحلة: نشأ لديهم ما يسمى بعلم الظاهر والباطن وأعلنوا سقوط التكاليف الشريعة عن أوليائهم، لاطلاعهم على علم الحقيقة وبسبب الكشف والإلهام، وزعموا الاطلاع على علم الغيب فكثرت الأساطير والخرافات عندهم.
ولعل عقائد  الشيعة – والباطنية خاصة – قد خالطت عقائد القوم، كما أن الأديان القديمة وفلسفة اليونان، قد تغلغلت في عقائد المتصوفة من خلال الطريقة ورموزها ومصطلحاتها.
(وقد ظهر هذا التصوف بصورة مذهب مخصوص، وطائفة مخصوصة عند الموالي والأعاجم، عن سذاجة حيناً، وأحقاد لهدم الإسلام حيناً آخر، فأدخلوا اليهودية والمسيحية وأفكارهما في الإسلام، ناهيك عن الزرادشتية والمجوسية والبوذية، وفلسفة اليونان الأفلاطونية، يقصدون إبطال الشريعة والتفريق بينها وبين الحقيقة، مع إشاعة الأساطير والأباطيل باسم الكرامات والخوارق، ولم يظهر التصوف مذهباً ومشرباً، ولم ترج مصطلحاته الخاصة وأصوله وقواعهده إلا في القرن الثالث الهجري، وما بعده) ((التصوف المنشأ والمصادر)) إحسان إلهي ظهير (ص: 43-45) بتصرف يسير.
وقد كان معظم أقطاب التصوف من هذه الطبقة منهم: أبو الحسن الشاذلي، وأبو يزيد البسطامي، وأحمد الرفاعي، وأحمد البدوي، وعبد القادر الجيلاني والتيجاني والنقشبندي...
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر، كتب كتاباً في تميجد الشاذلي وطريقته.
ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله سبحانه كلم الشاذلي على جبل زغوان، وهو الجبل الذي اعتكف الشاذلي في قمته، وتعبد فيه وتحنث، يذكر ذلك نقلاً عن صاحب كتاب (درة الأسرار) انظر: ((المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي)) د. عبد الحليم محمود (ص: 32) طبعة دار الكتب الحديثة – القاهرة.
وينقل أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم الشاذلي من داخل حجرته الشريفة (فلما قدم المدينة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه، عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم تتسليماً، فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي... فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة: (يا علي ادخل) انظر: ((المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي)) د. عبد الحليم محمود (ص: 83) طبعة دار الكتب الحديثة – القاهرة.
فمن كانت هذه مكانته لا يستبعد أن يقول: (لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة) وإني لأستغرب كيف ينقل شيخ الجامع الأزهر هذه الأساطير وهو الذي تخرج من فرنسا أيضاً، إلا أن التربية الصوفية كثيراً ما تلغى فيها العقول.
والطريقة عند أقطاب التصوف، أن معظمهم يوصل نسبه إلى آل البيت، (علي وأبنائه خاصة) فالرفاعي والشاذلي وأحمد البدوي والجيلاني كلهم من آل البيت، ويخاطبون جدهم رسول الله، وهو في قبره فيجيبهم. صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هكذا يزعمون، ويصدقهم أتباعهم بلا تردد.
ومما قاله الشاذلي: (أعطيت الشاذلية ثلاثاً لم تحصل لمن قبلهم ولا لمن بعدهم: الأول أنهم مختارون في اللوح المحفوظ، الثاني أن القطب منهم إلى يوم القيامة، الثالث أن المجذوب منهم يرجع إلى الصحو) ((دراسات في التصوف)) إحسان إلهي ظهير (ص: 235-248). طبعة إدارة ترجمان السنة – لاهور.
أحمد بن الرفاعي انظر: ((دراسات في التصوف)) لإحسان إليه ظهير – فصل عن الرفاعية. : المتوفى سنة 578هـ، يحاول أتباعه إثبات نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً.
يذكر صاحب القلادة أن الرفاعي لما حج عام 555هـ وقف تجاه الحجرة العطرة النبوية وقال: السلام عليكم يا جدي، فقال له عليه أفضل صلوات الله: وعليك السلام يا ولدي ((قلادة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الأكابر)) لمحمد أبي الهدى الرفاعي من (ص: 215-234)، و((التصوف)) للسندي (ص111-133) طبعة بيروت - 1400هـ. وسمع ذلك كل من في المسجد النبوي، ومد له رسول الله يده الشريفة العطرة من قبره الأزهر فقبلها، في ملأ يقرب من تسعين ألف رجل؟! ثم قالوا: (وإنكار هذه الكرامة كفر) ((القلادة)) الصفحات (104-108-109)، و((جامع كرامات الأولياء)) (1/198).
وينقل عن الرفاعي أمور غريبة، وحركات عجيبة، وقد تعلم أصحابه السحر. يقول الذهبي: (ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق، من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات) انظر: ((العبر)) للذهبي (3/75).
وقال ابن خلكان ((وفيات الأعيان)) لابن خليكان (1/172) بيروت. : (ولأتباعه أحوال عجيبة، من أكل الحيات وهي حية، والنزول إلى التنانير وهي تضطرم من النار فيطفئوها).
وقال ابن الملقن في ترجمة الرفاعي: (هو القائل: الشيخ من يمحو اسم مريده من ديوان الأشقياء، ثم قال: ودخل عليه شخص، وكان على جبهته مكتوب سطر الشقاوة فمحي ببركته) ((طبقات الأولياء)) (ص: 98)، وانظر: ((التصوف)) للسندي (ص: 111-133).
وقد ناظر ابن تيمية رحمه الله أتباع الرفاعي (البطائحية) أمام أمير دمشق، وأبان الكذب والتلبيس عند مشايخهم، واشترط عليهم أن سيدخل معهم النار على أن يغتسلوا بالخل والماء الحار، لأنهم كانوا يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم... ولما فضح أمرهم ذلوا، وطلبوا التوبة عما مضى، وسأل الأمير ابن تيمية عما يطلب منهم فقال: متابعة الكتاب والسنة) انظر: ((الفتاوى)) لابن تيمية (11/445-446).
أما أحمد البدوي: والملقب بالسيد البدوي، فقد أحاطوه بمظاهر التقديس، وجعل قريناً لرسول الله وغيره من الأنبياء، وزعموا أن شفاعته لا يصل إلى مثلها الأنبياء، وأنه يطلع على الغيب، وأن الأرض تطوى له، وأنه قادر على إحياء الموتى، وإماتة الأحياء، وأنه يخرج من قبره عندما يستغيث به أحد ممن يتعرض لقاطع طريق، وأنه يتكلم من قبره، وقد ادعى السيد البدوي أنه من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر: ((السيد البدوي دراسة نقدية)) د. عبد الله صابر – الفصل الخامس (ص: 37-45). و((التصوف في ميزان البحث والتحقيق)) للسندي (ص: 134-172).
ويبدو أن البدوي كان شخصية غامضة مريبة، لها مخطط باطني خبيث، خطط له ومهد الطريق شخصيات من رموز الشيعة الباطنية باسم التصوف والدروشة ((السيد البدوي)) د. عبد الله صابر، الفصل الرابع (ص: 26-35).
هذه نماذج من قادة التصوف عرضت لسيرة بعضها حتى يطلع القارئ على خطورة ما توصلوا إليه من أفكار وشطحات، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المراجع المطولة.
المرحلة الثالثة:
تعتبر هذه المرحلة من أخطر مراحل التصوف حيث تسربت الفلسفة اليونانية، فابتعدت بها عما سبقها من مراحل التصوف، بل جعلتها من الصوفية الخارجة عن الإسلام، إذ كان تأثير الفلاسفة قوياً بعد ترجمة كتب اليونان، وفيها نظرية الفيض والإشراق، التي ستلعب دوراً خطيراً في فكر التصوف، وخاصة عند السهروردي، وابن عربي ((الصوفية)) محمد العبدة (ص: 40-41).
وقد ذكر كثير من الباحثين، أن الأفلاطونية الحديثة هي أحد المصادر الأساسية، للتصوف، بل إنها هي المصدر الأول بالنسبة إلى القائلين بوحدة الوجود والحلول، بدءاً من أبي يزيد البسطامي، وسهل التستري وابن سبعين، وإنتهاء بابن الفارض والحلاج وابن عربي والسهروردي المقتول وغيرهم كثير.
وقد أخذ هؤلاء نظرية الفيض والمحبة والإشراق والمعرفة، مع الآراء الأخرى التي تمسكوا بها عن الأفلاطونية الحديثة.
ويرى آخرون أنها مأخوذة من البوذية، وغيرها من الديانات المحرفة كاليهودية والنصرانية ((التصوف المنشأ والمصادر)) إحسان إلهي ظهير (ص: 121).
فصار هؤلاء المتصوفة يعتقدون أنه ليس هناك فرق بين الله وخلقه، إلا أن الله تعالى كل والخلق جزؤه، وأن الله متجل في كل شيء من الكون حتى الكلاب والخنازير، فالكل مظاهره، وما في الوجود إلا الله، فهو الظاهر في الكون، والكون مظهره ((دراسات في التصوف)) إحسان إلهي ظهير (ص: 296).
يقول ابن عربي: (فلا مظهر إلا نحن، ولا ظهور لنا إلا به، فبه عرفنا أنفسنا وعرفناه، وبنا تحقق عين ما يستحق إلا له.


فلولاه لما كنا




ولولا نحن ما كانا


فإن قلنا بأن (هو)




يكون الحق إيانا


فبدانا وأخفاه




وأبداه وأخفانا


فكان الحق أكواناً




وكنا نحن أعياناً ((الفتوحات المكية)) لابن عربي (2/44-45).

تعالى الله عما يقول هؤلاء الضالون علواً كبيراً، إذ أن هؤلاء (يعتقدون أن العالم كله ظل وعكس لذات الله تعالى، فهل في الوجود إلا الله؟ والإنس والجن والشجر والحجر والدود والدواب، والطيور والسباع والكلاب والخنازير صور مختلفة للتجلي الإلهي، فكل شيء في العالمين إله عند الصوفية، وعلى ذلك نقل الطوسي عن أبي حمزة الصوفي: أنه كان إذا سمع صوتاً مثل هبوب الريح، وخرير الماء، وصياح الطيور، كان يصيح ويقول: لبيك) كتاب ((اللمع)) للطوسي (ص: 495) ط دار الكتب الحديثة بمصر.
(ونقل عن أبي الحسن النوري أنه سمع نباح الكلاب فقال: لبيك وسعديك) ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة الأندلسي.
فماذا بعد هذا من الكفر الصريح، والوقاحة مع ذات الله جل جلاله.
لقد كان عباد الأصنام يحترمونها، ويدافعون عن مقدساتهم، أما هؤلاء فقد نزلوا بأربابهم إلى أقل من عباد الأصنام بكثير بدع الاعتقاد وأخطارها على المجتمعات المعاصرة لمحمد حامد الناصر/ ص 203

انظر أيضا: