trial

موسوعة الفرق

الفصل الثاني: ترجمة لأهم أعلام الأشاعرة مع بيان منهجهم


أبو الحسن الطبري: توفي بحدود سنة 380هـ.
قال عنه السبكي: " كان من المبرزين في علم الكلام، والقوامين بتحقيقه، ... وكان مفتناً في أصناف العلوم"، وذكر الأسنوي عن أبي عبد الله الأسدي أنه قال في كتاب (مناقب الشافعي):" كان شيخنا وأستاذنا أبو الحسن بن مهدي حافظاً للفقه, والكلام, والتفاسير, والمعاني, وأيام العرب، فصيحاً مبارزاً في النظر ما شوهد في أيامه مثله، مصنفاً للكتب في أنواع العلم، صحب أبا الحسن الأشعري في البصرة مدة"، ولم يؤرخ ولادته ولا وفاته، إلا أن الصفدي ذكر أنه توفي في حدود سنة 380هـ.
عقيدته:
بما أن علي بن محمد الطبري يعتبر من تلامذة الأشعري فهو يمثل مرحلة متوسطة بين الأشعري والباقلاني، وعرض عقيدته وآرائه يفيد في بيان مستوى النقلة من المؤسس الأول إلى أتباعه من بعده، وكيف تلقى تلاميذ الأشعري أقواله، وهل تابعوه فيها من خلال المرحلة الأولى من رجوعه أم المرحلة الأخيرة؟
1- كتب أبو الحسن الطبري في بداية كتابه ما يبين سبب تأليفه حين قال: " أما بعد فإنك كتبت إليّ شكوى ما فشا بالناحية من معتقد الفرقة المنتسبة إلى الحديث، المنتحلة الأثر، حتى مالوا إلى قوم من ضعفة المسلمين بمعاهدتهم بالتلبيس والتمويه"، ثم يصف هؤلاء الذين يوردون الأخبار فقط بأنهم: "تقصر معرفتهم عن استخراج تأويلها ... لقلة عنايتهم بمعرفة مصادر الكلام وموارده، وظاهره وباطنه، ومجازه وحقيقته واستعارته، وما يجوز إطلاقه في القديم ومالا يجوز إطلاقه" ، ثم يقول عنهم:" قد قنع الواحد منهم من العلم برسمه، ومن الحديث بجمعه واسمه، فأبعد غاية هذه الطائفة أن يكتبوا أجزاء من الحديث وأجلاداً من القصص ثم يقبلوا على تفسيرها بغير ما أذن الله بها".
ثم يذكر تأثير هؤلاء بأنهم: " يتقربون إلى الرعاع والهمج من أهل الحديث بذلك، وإن من عدل عن هذا المنهج والسير فقد خالف المشايخ والقدماء والأسلاف من العلماء".
ثم يذكر نماذج من الأحاديث التي يوردونها، ويبين أنه لابد من تفسيرها بـ : " ما يوافق المعقول من الأصول، والمعمول به من اللغات".
فأبو الحسن الطبري في هذه المقدمات يعرض بأهل الحديث ويستخدم المنهج العقلي في تأويل النصوص الدالة على الإثبات دون أن يفرق بين الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة والأحاديث الثابتة، بل واضح من كلامه أن حذره من التشبيه أكثر من حذره من التعطيل.
2- يحتج على إثبات الصانع بخلق الإنسان من نطفة ثم من علقة، ثم يحتج على الوحدانية بدليل التمانع، وهذه نفسها أدلة الأشعري، ويقول: إن الله ليس بجسم, ويحتج لذلك بأن الله لم يسم نفسه به, ولا اتفق المسلمون عليه، ويعلل منع إطلاقه بأن حقيقة منع إطلاقه بأن حقيقة الجسم أن يكون طويلاً, عريضاً, عميقاً, وهذا يخالف وصف الله بأنه واحد.
3- أما مذهب أبي الحسن الطبري في الصفات فقد فصله في كتابه، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
أ - بالنسبة للصفات الخبرية فهو يثبتها مع نفي أي دلالة فيها على التجسيم أو التبعيض - على حد زعمه - فمثلاً حين يتكلم على صفة اليدين وقوله تعالى: وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67]، إن الطي أريد به الفناء والذهاب، ويذكر أدلة ذلك من الشعر ثم يقول: " ومن الناس من يقول: مطويات بيمينه أي ذاهبات بقسمه لأنه أقسم ليفنيها" .
ويقول: إن الله راء بلا عين، ويرد على أدلة من يسميهم بالمشبهة الذين أثبتوا لله عيناً, ويتأول النصوص الواردة في ذلك من الكتاب والسنة، كما يتأول " القدم" ويذكر له عدة تأويلات ولا يثبت هذه الصفة كما يليق بالله تعالى.
ب - يثبت أبو الحسن الطبري صفة الاستواء والعلو لله تعالى، يقول: " اعلم عصمنا الله وإياك من الزيغ برحمته أن الله سبحانه في السماء فوق كل شيء، مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه، وبمعنى الاستواء الاعتلاء، كما يقول: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح يعني علوته، واستوت الشمس على رأسي, واستوى الطير على قمة رأسي, بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، والقديم جل جلاله عال على عرشه لا قاعد, ولا قايم, ولا مماس له ولا مباين، والعرش ما تعقله العرب وهو السرير، يريد بذلك أيضاً على أنه في السماء عال على عرشه قوله سبحانه: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [الملك: 16]، وقوله تعالى: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55]، وقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50]، وقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]، وقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة: 5]"، ثم رد على البلخي وغيره من المعتزلة في تأويلهم الاستواء بالاستيلاء واحتجاجهم بقولهم: استوى بشر على العراق - وغيره - فقال: " فيقال لهم: ما أنكرتم أن يكون عرش الله جسماً مجسماً، خلقه وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه كما خلق في الأرض بيتاً وامتحن بني آدم بالطواف - حوله وبقصده من الآفاق، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر: 75]، وقال في موضع آخر: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17]، ففي كل هذا دلالة أن العرش ليس بالملك وأنه سرير" ، ثم قال: "ومما يدل على أن الاستواء ها هنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، وليس للعرش مزية على ما (وصفت)"، فبان بذلك فساد قوله، ثم يقال له أيضاً: "إن الاستواء ليس هو بالاستيلاء في قول العرب: استوى فلان على كذا أي استولى عليه، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما  كان الباري سبحانه لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء، وحدثنا الشيخ أبو عبد الله الأزدي الملقب بنفطويه قال: حدثنا أبو سليمان، قال كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قوله سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر، فقال له الرجل: إنما معنى استوى استولى فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك ما هذا، العرب لا تقول استوى على العرش حتى يكون فيه مضاد له، فأيهما غلب قيل: قد استولى عليه، والله سبحانه لا مضاد له، وهو مستو على عرشه كما أخبر، والاستيلاء يكون بعد المغالبة" ثم يقول: " فإن قيل فما تقول في قوله سبحانه: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: 16]، قيل له معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ [التوبة: 2]، أي على الأرض...". وكلامه في ذلك طويل حيث رد على الذين يقولون: إن الله في كل مكان، كما رد على من تأول رفع المسلمين أيديهم إلى السماء عند الدعاء بأن ذلك لأن أرزاقهم في السماء أو لأن الملائكة الحفظة في السماء، فقال: "بأن ذلك لو جاز لجاز أن تخفض أيدينا في الأرض نحو الأرض من أجل أن الله تعالى يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وأنها قرار، ومنها خلقوا وإليها يرجعون، ولأنه يحدث فيها آيات كالزلازل والرجف والخسف، ولأن الملائكة معهم في الأرض، الذين يكتبون أعمالهم، فإذا لم يجب خفض الأيدي نحو الأرض لما وصفنا لم تكن العلة في رفعها نحو السماء ما وصفه البلخي، وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستو عليه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]".
هذا رأي الطبري في مسألة العلو والاستواء، وهذه النصوص تدل على استقرار هذه المسألة وفق مذهب السلف عند تلامذة الأشعري، وهذا ما سنجده أيضاً عند الباقلاني - كما سيأتي -.
جـ- يتأول أبو الحسن الطبري النصوص الواردة في الضحك والعجب، والفرح، ففي صفة الضحك الواردة في الأحاديث يذكر المعاني المجازية للضحك مثل قول العرب ضحكت الأرض إذا تبدى نباتها، وضحك طلع النخل إذا بدا كافوره، ويقال هذا طريق ضاحك أي ظاهر واضح، ثم يقول: "فمرجع الضحك في هذا كله إلى البيان، ومعنى الخبر والله أعلم بالمراد: يضحك الله أي يبين الله ثواب هذين الرجلين المقتولين... فإذا وجدنا للضحك معنى صحيحاً تعرفه العرب في لغتها غير الكشر عن الأسنان عند حلول التعجب منه كانت إضافة ذلك إلى ربنا سبحانه أولى مما أضافت إليه المشبهة، نعوذ بالله من الحيرة في الدين وهو ولي المعونة"، وهذا تأويل واضح لهذه الصفة، وفي صفة العجب يذكر عدة تأويلات منها: أن معنى عجب ربك أي عظم عنده، وقيل معناه رضي وأثاب، وقيل: جازاه على عجبه، ولا يذكر إثبات هذه الصفة كما يليق بجلال الله وعظمته، كما يؤول الفرح بالرضا .
د- أما الصفات الاختيارية التي تقوم بالله تعالى كالنزول, والمجيء, والإتيان, فيتأولها ولا يثبتها كما يليق لله وعظمته، وهذا بناء على نفي حلول الحوادث، يقول عن النزول: "ولا يجوز حمل ذلك على النزول والنقلة... لما فيه من تفريغ مكان وشغل آخر، والقديم قد جل أن يكون موصوفاً بشيء من ذلك، كذلك وقد حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: 76]"، واحتجاجه بهذه الآية هنا هو احتجاج جمهور الأشاعرة الذين يزعمون أن إبراهيم عليه السلام استدل بتغير وتحرك النجم على أنه لا يصلح أن يكون إلهاً، وبنوا على ذلك نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى. ويقول أبو الحسن الطبري عن الإتيان والمجيء "فإن قيل: فما تقول في قوله تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 26]، وفي قوله تعالى : وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ]2 وفي قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: 210]،  وفي قوله تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:26]، وفي قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: 22]، وفي قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: 210]، قيل له: إن الله سبحانه قد صح أنه لا يجوز وصفه بالإتيان والمجيء الذي بمعنى الانتقال والزوال، إذ كان ذلك من صفات الأجسام تعالى الله أن يكون جسماً أو عرضاً، وكلام العرب واسع له ظهر وبطن لاتباع العرب في المجازات وطرق الكلام. ومعنى البيان في قوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ [النحل: 26]، الاستئصال في الهلاك والدمار بإرساك العذاب... وأما قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ،فمعناه جاء حكم ربك وأمر ربك، ألا ترى أن الخاص والعام يقول: ضرب الأمير زيداً، وإن كان الأمير لم يباشر زيداً بالضرب، بل كان ذلك بأمره وحكمه عليه، وقد قال الله تعالى في قصة لوط فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ [القمر: 37]، وإن كان الطمس للأعين للملائكة بأمر الله، وأما قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة:210]، فمعناه هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالحساب في ظلل من الغمام، يراد به بظلل من الغمام، وأن الفاء بمعنى الباء..."، هذا هو مذهبه في تأويل هذه الصفات.
4- يثبت أبو الحسن الطبري الرؤية ويرد على المعتزلة المنكرين لها، لكن الملاحظ أنه أورد سؤالاً حولها يتعلق بأنه يلزم من إثباتها المقابلة، فأجاب بما يدل على أنه يقول بأنه لا يلزم من الرؤية المقابلة، ومما قاله - وهو يرد على المعتزلة - "وقد زعمتم أن معنى ترون ربكم: تعلمون ربكم، ولم تلزموا أنفسكم أنكم تعلمونه مقابلاً لكم".
5- هذه أقوال أحد تلامذة الأشعري، ممن جاء قبل الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري، وهذه النصوص التي نقلت من كلام أبي الحسن الطبري تمثل مرحلة جاءت بين علمين مهمين من أعلام الأشاعرة.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/516
الباقلاني: ت 403 هـ.
حياته: هو الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر قاسم البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني ، لم يعرف تاريخ ولادته، كان من أهل البصرة، وسكن بغداد، وقد كانت وفاته سنة 403 هـ.
مجمل عقيدته ومنهجه، ودوره في تطوير المذهب الأشعري:
1ـ يبتدئ الباقلاني كتبه بالحديث عن المقدمات حول حقيقة العلم ومعناه، فيذكر أن حده "معرفة المعلوم على ما هو به" ((التمهيد)) (ص 6) و((الحرة)) (ص13). ، ثم يقسم العلوم إلى قسمين: علم الله القديم، وعلم الخلق، ويقسم علم الخلق إلى علم اضطرار وعلم نظر واستدلال، ثم يشرح ذلك، ثم يذكر الاستدلال فيعرفه، ثم يعرف الدليل ويقسمه إلى ثلاثة أقسام: عقلي، وسمعي شرعي، ولغوي. ثم يذكر أقسام المعلومات وأنها قسمان: معدوم وموجود ولا ثالث لهما.
ثم يقسم الموجودات ويقول: إنها ضربين: قديم لم يزل ومحدث لوجوده على أول، ثم يقسم المحدثات إلى ثلاثة أقسام: جسم مؤلف، وجوهر منفرد، وعرض موجود بالأجسام والجواهر.
فالباقلاني يقول بالجوهر الفرد ويدلل على إثباته بـ "علمنا بأن الفيل أكبر من الذرة، فلو كان لا غاية لمقادير الفيل ولا لمقادير الذرة لم يكن أحدهما أكثر مقادير من الآخر، ولو كان كذلك لم يكن أحدهما أكبر من الآخر".
كما يرى الباقلاني أن الأعراض لا يصح بقاؤها فهي لا تبقى زمانين.
2ـ ويرى أن أول الواجبات النظر فيقول: "أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد: النظر في آياته, والاعتبار بمقدوراته, والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة".
3ـ يذكر دليل حدوث العالم، ويستدل لذلك بدليل حدوث الأجسام, ويبنيه على دليل ثبوت الأعراض، فيذكر دليل ثبوت الأعراض، ثم يذكر أنها حادثة، ويستدل على ذلك ببطلان الحركة عند مجيء السكون، ثم يذكر دليل حدوث الأجسام وهو أنها لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها، وما لم يسبق المحدث، ويفصل القول في ذلك.
والباقلاني يرى ضرورة دليل حدوث الأجسام، وأن الأشعري لا يرى هذا الدليل ضرورياً وأن الرسل لم تدع إليه، وذلك في (رسالته إلى أهل الثغر)، لكن الباقلاني في شرحه لـ(اللمع) - للأشعري - يفسر كلامه في إثبات الصانع واستدلاله على ذلك بالنطفة وتغيرها, وانتقالها من حال إلى حال فيقول: "اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال على حدوث الأجسام..." ((شرح اللمع)) عن ((الدرء)) لابن تيمية (8/315) وانظر ((التمهيد)) (ص 48،49، 301)، ((الحرة)) (ص30). ، ويرى الباقلاني أن الخليل عليه السلام احتج بهذا الدليل في قوله: هَذَا رَبِّي [الأنعام:76]، والآيات بعدها.
4ـ ويحتج لإثبات الصانع بأن الكتابة لا بد لها من كاتب، ولا بد للصورة من مصور، وللبناء من بان، ويستدل أيضاً بوجود المحدثات متقدمة ومتأخرة, مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر ، كما يحتج لإثبات وحدانيته بدليل التمانع ويحتج له بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22].
5ـ أما رأيه في الصفات فيمكن توضيحه كما يلي:
أ ـ يثبت الباقلاني الصفات عموماً ولا يقتصر على إثبات الصفات السبع، ويقسم الصفات إلى صفات ذات وصفات فعل فيقول: " صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي الحياة, والعلم, والقدرة, والسمع, والبصر, والكلام, والإرادة, والبقاء, والوجه, والعينان, واليدان، والغضب, والرضى، وهما الإرادة على ما وصفناه - وهي الرحمة, والسخط, والولاية, والعداوة, والحب, والإيثار, والمشيئة - وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق من الطعوم, والروائح, والحرارة, والبرودة, وغير ذلك من المدركات، وصفات فعله هي الخلق, والرزق، والعدل، والإحسان, والتفضل والإنعام، والثواب والعقاب، والحشر والنشر، وكل صفة كان موجوداً قبل فعله لها، غير أن وصفه لنفسه بجميع ذلك قديم، لأنه كلامه الذي هو قوله: إني خالق, رازق, باسط، وهو تعالى لم يزل متكلماً بكلام غير محدث ولا مخلوق".
ويتبين من ذلك أنه يثبت الصفات لله تعالى، ولا يفرق بين الصفات العقلية والصفات الخبرية.
ب ـ يستدل للصفات السبع وهي: الحياة, والعلم, والقدرة, والسمع, والبصر, والكلام, والإرادة بأدلة نقلية وعقليه؛ ففي (التمهيد) يقتصر على الأدلة العقلية لهذه الصفات، أما في (رسالة الحرة) فيحتج بالأدلة من القرآن وبأدلة العقول.
جـ ـ يؤول صفات الغضب والرضى بأن المقصود بهما: إرادته لإثابة المرضي عنه, وعقوبة المغضوب عليه، وهو بذلك يقول بقول الأشعري - كما سبق -.
د ـ يرى أن صفة البقاء من صفات الذات لله، وأنه ليس باقياً ببقاء، فهي صفة نفسية وليست صفة زائدة على الذات.
هـ ـ يثبت الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه, واليدين, والعينين، يقول: "وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال عز وجل:كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64]، وقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وإنهما ليستا بجارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام، فقال عز وجل: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14]،وإن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس"، وفي (التمهيد) يستدل ببعض هذه الأدلة، ثم يرد على من أول اليدين بالقدرة أو النعمة فيقول: " يقال لهم: هذا باطل، لأنه قوله: " بيدي" يقتضي إثبات يدين هما صفة له، فلو كان المراد بهما القدرة، لوجب أن يكون له قدرتان, وأنتم فلا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟ وقد أجمع المسلمون، من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان، فبطل ما قلتم، وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى..." ، وكلام الباقلاني يدل على أنه في زمنه لم يكن أحد يؤول اليدين بالقدرة إلا المعتزلة، ولهذا قال لهم: "وأنتم لا تزعمون أن للباري قدرة واحدة" ، وعلى ذلك فالتأويل لهذه الصفات - أعني صفة الوجه واليدين والعين - عند الأشعرية جاء بعد الباقلاني.
و كما يثبت الباقلاني صفة العلو والاستواء لله تعالى، ويرد على الذين يؤولون الاستواء بالاستيلاء، وعلى الذين يقولون إن الله في كل مكان، يقول: " فإن قالوا: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش، كما أخبرّ في كتابه فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، وقال تعالى:إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [الملك: 16]، ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها تعالى عن ذلك، وأوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا, وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله" ، ثم يرد على من اعترض بالنصوص الدالة على أن الله في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه مع المؤمنين وغيرها من النصوص الدالة على المعية، ويبين أنه لا دلالة فيها. ثم يقول: " ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه، كما قال الشاعر:


قد استوى بشر على العراق





من غير سيف أو دم مهراق

لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادراً قاهراً، عزيزاً مقتدراً، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [لأعراف: 54]، يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن فبطل ما قالوه".
والباقلاني وإن كان يثبت الاستواء والعلو إلا أنه يرى عدم إطلاق الجهة على الله تعالى، يقول: "يجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الاخلاص: 4]، ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى تقدس عن ذلك، فإن قيل: أليس قد قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، قلنا: بلى، قد قال ذلك، ونحن نطلق ذلك وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة, لكن ننفي عنه أمارة الحدوث، ونقول: استواؤه لا يشبه استواء الخلق، ولا نقول: إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان" ، ثم ينقل عن أبي عثمان المغربي أنه قال: " كنت أعتقد شيئاً من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد وزال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا: إني قد أسلمت جديداً". ولفظ الجهة -كما سيأتي - لفظ مجمل.
زـ أما رأيه في كلام الله تعالى فهو يقول: " اعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم، ليس بمخلوق ولا مجعول ولا محدث، بل كلامه قديم، صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك من صفات الذات، ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية ..." ، ويقول: " ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة"،  و"مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة وهو القاري" ، وحقيقة الكلام عنده - على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق - " إنما هو المعنى القائم بالنفس، لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقاً، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة دون الصوت ووجوده، وتارة إشارة ورمزاً دون الحرف والأصوات ووجودهما " ، وكلام الله عنده ليس بحروف ولا أصوات، ولا يحل في شيء من المخلوقات.
هذه خلاصة أقوال الباقلاني في كلام الله، ولكن إذا كان الكلام هو المعنى القائم في النفس، فالكلام النازل علينا كلام من؟ ، سبق قبل قليل أن الباقلاني يقول: إن كلام الله مكتوب في المصاحف على الحقيقة، ومتلو بالألسن على الحقيقة، لكنه بعد ذلك يقول كلاماً خطيراً حيث يزعم... إن كلام النازل كلام جبريل، يقول الباقلاني: " ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال"، ثم يقول بعد كلام: "والنازل على الحقيقة المنتقل من قطر إلى قطر قول جبريل عليه السلام، يدل على ذلك قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ الأيات: [الحاقة 38-43]، وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ... الآيات: [التكوير:15-29]، يقول الباقلاني معلقاً على هذا: "هذا إخبار من الله تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول جبريل لا قول شاعر ولا قول كاهن"، ثم يقول - بعد كلام- "فحاصل هذا الكلام أن الصفة القديمة كالعلم والكلام ونحو ذلك من صفات الذات، لا يجوز أن تفارق الموصوف، لأن الصفة إذا فارقت الموصوف اتصف بضدها، والله تعالى متنزه عن الصفة وضدها، فافهم ذلك، فجاء من ذلك أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه، وعلمه الله النظم العربي الذي هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا، وعلم النبي أصحابه... لكن المقروء والمتلو هو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا يشبه كلام الخلق ".
وهذا كلام عجيب، ولا شك أن الباقلاني متابع في هذا الأصل لشيوخه الأشاعرة.
ح ـ أما مسألة الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، وهي المسماة بمسألة حلول الحوداث، فالباقلاني ينفيها بقوة، ويدل على ذلك:
1ـ قوله في النص السابق لما ذكر الصفات الفعلية قال: غير أن وصفه لنفسه بجميع ذلك قديم، لأنه كلامه الذي هو قوله: إني خالق، رازق، باسط، وهو تعالى لم يزل متكلماً بكلام غير محدث ولا مخلوق", فهو لا يرى أن الصفات الفعلية تقوم بالله، بل يجعل أمر الله وقوله أزلياً، وهو كلامه، أما المخلوق فهو منفصل عن الله لا يقوم به.
2ـ قوله عن صفات الله: "إنه لا يجوز حدوثها له، لأن ذلك يوجب أن تكون من جنس صفات المخلوقين، وأن تكون ذات أضداد كصفات المخلوقين، وأن يكون الباري سبحانه قبل حدوثها موصوفاً بما يضادها وينافيها من الأوصاف، ولو كان ذلك كذلك، لوجب قدم إضدادها، ولاستحال أن يكون القديم سبحانه موصوفاً بها في هذه الحال، وأن يوجد منه من ضروب الأفعال ما يدل على كونه عالماً قادراً حياً، وفي بطلان ذلك دليل على قدم هذه الصفات, وأن الله سبحانه لا يجوز أن يتغير بها ويصير له حكم لم يكن قبل وجودها، إذ لا أول لوجودها" ويقول في كلامه عن نفي السنة والنوم عن الله عز وجل: "والمعتمد في هذا أنه سبحانه ذكر السنة والنوم تنبيهاً على أن جميع الأعراض ودلالات الحدوث لا تجوز عليه".
3ـ ويقطع في هذه المسألة عند كلامه عن كلام الله والرد على القول بخلق القرآن فيقول: "ويستحيل من قولنا جميعاً أن يفعله في نفسه تعالى لأنه ليس بمحل للحوادث".
4ـ ومن ذلك قوله في صفة المجيء والإتيان فقد ذكر فيهما عدة أقوال، وكلها ذكر فيها ما يدعم قوله في نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، يقول عن المخالفين المعترضين على آيات القرآن: "واعترضوا أيضاً (بـ) قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: 22]، وقوله: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة:210]، قالوا: والمجيء والإتيان حركة وزوال, وذلك عندهم محال في صفته، فالجواب عن هذا عند بعض الأمة: أنه يجيء ويأتي بغير زوال ولا انتقال ولا تكييف، بل يجب تسليم ذلك على ما ورد وجاء به القرآن، والجواب الآخر أنه يفعل معنى يسميه مجيئاً وإتياناً، فيقال: جاء الله، بمعنى أنه فعل فعلاً كأنه جائياً ، كما يقال: أحسن الله وأنعم وتفضل، على معنى أنه فعل فعلاً استوجب به هذه الأسماء، ويمكن أن يكون أراد بذلك إتيان أمره وحكمه والأهوال الشديدة التي توعدهم بها وحذرهم من نزولها، ويكون ذلك نظيراً لقوله عز وجل: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2]، ولا خلاف في أن معنى هذه الآية: أنها أمره وحكمه إياهم ، وعقوبته ونكاله، وكذلك قوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل: 26].
فهذه ثلاثة أقوال في معنى المجيء والإتيان: أحدهما: التسليم بهاتين الصفتين بشرط نفي ما يدل على قيام الحوادث بالله بحيث تكون بغير زوال ولا انتقال.
والثاني: جعلهما من صفات الفعل المنفصلة عن الله لا تقوم به مثل خلقه الخلق وإحسانه إليهم، وهذا يوافق ما نسب إليه من قوله عن الاستواء: إنه فعل فعله الله في العرش سماه استواء، وقد سبقت الإشارة إليه، والثالث: التأويل كما هو مذهب متأخري الأشعرية.
5ـ والباقلاني ممن يقول بالأحوال، ولكنه يخالف أبا هاشم الجبائي المعتزلي - أول من قال بالحال - في قوله: إن الحال لا موجودة, ولا معدومة, ولا معلومة, ولا مجهولة، بل يرى أنها معلومة، ويرد ردوداً طويلة على الجبائي، ويقول بعد تقريره أن الحال لابد أن تكون معلومة: "وإن كانت هذه الحال معلومة، وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة استحال أن توجب حكماً, وأن تتعلق بزيد دون عمرو، وبالقديم دون المحدث، وإن كانت موجودة وجب أن تكون شيئاً وصفة متعلقة بالعالم، وهذا قولنا الذي نذهب إليه إنما يحصل الخلاف في العبارة وفي تسمية هذا الشيء علماً أو حالاً، وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه في إثبات الصفات" ، وقد عرف الشهرستاني الحال عند القاضي بأنها: " كل صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال، سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ثبوته الحياة أو لم يشترط ككون الحي حياً, وعالماً, وقادراً, وكون المتحرك متحركاً, والساكن ساكناً, والأسود والأبيض إلى غير ذلك ".
والباقلاني بذلك يعتبر من أوائل من قال بالحال من الأشاعرة، ومن المعلوم أن أبا الحسن الأشعري ممن ينكر الأحوال، والباقلاني يثبت الصفات ويقول بالأحوال إلا أنه يخص الأحوال بالأمور التي تتصف بالوجود كالعرضية, واللونية, والاجتماع, والافتراق, والقادرية, والعالمية, وغيرها مما به تتفق المتماثلات، وتختلف المختلفات، على أنه قد ذكر رجوعه عن القول بها.
6ـ أما رأيه في القدر فهو لا يختلف عن رأي الأشاعرة فهو يثبت القدر من الله تعالى وأن الله خالق كل شيء، كما أنه يقول بالموافاة وأن الله رضي في الأزل عمن علم أنه يموت مؤمناً وإن عاش أكثر عمره كافراً، وسخط في الأزل عمن علم أنه يموت كافراً وإن كان أكثر عمره مؤمناً ، وهذا بناء على أنه ينفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أما الاستطاعة والقدرة فلا تكون إلا مع الفعل، لكن الباقلاني خالف شيخه الأشعري بأن قال: إن قدرة العبد مؤثرة، يقول: "فإن قالوا: إن قلتم إن القادر منا على الفعل لا يقدر عليه إلا في حال حدوثه، ولا يقدر على تركه وفعل ضده، لزمكم أن يكون في حكم المطبوع المضطر إلى الفعل، قيل لهم: لا يجب ما قلتم لأنه ليس ها هنا مطبوع على كون شيء أو تولد عنه، أما المضطر إلى الشيء فهو المكره المحمول على الشيء الذي يوجد به، شاء أم أبى، والقدر على الفعل يؤثره ويهواه ولا يستنزل عنه برغبة ولا رهبة, فلم يجز أن يكون مضطراً مع كونه مؤثراً مختاراً..." ، وهذا يوافق ما ذكره عنه الشهرستاني، كما أنه ينفي تعليل أفعال الله كقول الأشاعرة ، ويقول بالكسب ، كما أنه يقول بإنكار الضرورة بين العلة والمعلول، ويرى إنكار السببية، وربط الأمر كله بالله، فالإحراق لا يكون بالنار وإنما يقع عندها لا بها، وهذا مبدأ السببية الذي اشتهر إنكاره عند الأشاعرة.
7ـ يثبت الرؤية بالنصوص الواردة، والله يرى لأنه موجود، ولكنه مع أنه يقول بالعلو والاستواء إلا أنه يلمح إلى أن الله تعالى يرى وليس حالاً في مكان, أو مقابلاً أو خلفاً، أو عن يمين, أو عن شمال، وهذه عبارات استخدمها نفاة العلو ممن يقول بالرؤية.
8 ـ أما الإيمان فهو عنده التصديق بالله تعالى، وهو العلم. والتصديق يوجد بالقلب، ويستدل لذلك بإجماع أهل اللغة قاطبة، وبأن الإيمان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق، كما يستدل بقوله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] وبقولهم: فلان يؤمن بالشفاعة أي يصدق ، ويرى أن "ما يوجد من اللسان وهو الإقرار، وما يوجد من الجوارح وهو العمل، فإنما ذلك عبارة في القلب ودليل عليه".
ولا ينكر الباقلاني أن يطلق القول على الإيمان بأنه عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، ويفسر ذلك بأن المقصود به الإيمان الذي ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ، كما أنه لا ينكر أن يطلق على الإيمان أنه يزيد وينقص على أن يرجع ذلك إما إلى القول والعمل دون التصديق، أو إلى الثواب والجزاء والمدح والثناء دون التصديق الذي إذا انخرم منه شيء بطل الإيمان.
9ـ أما الإمامة فيذهب فيها إلى ما يذهب إليه السلف، وله في (التمهيد) بحوث طويلة في الدفاع عن الصحابة، وخاصة عثمان وعلياً رضي الله عنهما، كما أنه يثبت إمامة الخلفاء الأربعة على الترتيب، ويرد على الرافضة ودعاواهم الباطلة.
10ـ ومن الأمور التي ركز عليها الباقلاني مسألة المعجزات، والفرق بينها وبين الكرامات والسحر، وقد فصل رأيه في ذلك في كتابه المتعلق بهذا الموضوع.
ويمكن تلخيص رأيه فيها بما يلي:
أـ أن الدلالة على صدق الرسول لا تتم إلا بالمعجزة، "فمتى أهله الله لهذه المنزلة, وأحلّه في هذه الرتبة, وألزم الأمم العلم بنبوته, والتصديق بخبره، لم يكن بد له من آية تظهر على يده ما يفصل بها المكلفون لصدقه بينه وبين الكاذب المتنبئ، وإلا لم يكن لهم إلا فعل العلم بما كلفوه من صدقه وتعظيمه، والقطع على ثبوت نبوته وطهارة سريرته سبيل... وقد اتفق على أنه لا دليل يفصل بين الصادق والكاذب في إدعاء الرسالة إلا الآيات المعجزة "، ومعنى هذا إن الدلائل الأخرى العديدة للنبوات - غير المعجز الخارق للعادة - لا يثبت بها صدق الأنبياء.
ب ـ والمعجز لا يكون معجزاً "حتى يكون مما ينفرد الله عز وجل بالقدرة عليه ولا يصح دخوله تحت قدر الخلق من الملائكة والبشر والجن، ولابد أن يكون ذلك من حقه وشرطه " ، ويعرض الباقلاني للرأي الآخر لبعض أصحابه الأشاعرة وجمهور القدرية وهو جواز أن يكون المعجز مما ينفرد الله بالقدرة عليه، كما يجوز أن يكون مما يدخل جنسه تحت قدر العباد، ومثال الأول: اختراع الأجسام, وإبداع الجوارح, والأسماع, والأبصار، ورفع العمى، والزمانة وغيرهما من العاهات. والضرب الآخر: شيء يقع مثله وما هو من جنسه تحت قدرة العباد، غير أنه يقع من الله على وجه يتعذر على العباد مثله، وذلك نحو تفريق أجزاء الجبال الصم، ورفعها إلى السماء، وتغييض ماء البحار، وحنين الجذع، ونظم القرآن... ، ويرى الباقلاني أن هذا القول ليس ببعيد ، لكنه يقيد ذلك بأن يمنعوا, وأن يرفع عنهم القدرة على فعل مثل ذلك الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويمثل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو قال: "آيتي وحجتي أنني أقوم من مكاني وأحرك يدي، وأنكم لا تستطيعون مثل ذلك، فإذا منعوا من فعل مثل ما فعله، كانت الآية له خرق العادة بخلق المنع لهم من القيام وتحريك الجوارح ورفع قدرهم على ذلك مع كونه معتاداً من أفعالهم".
جـ ـ أما شروط المعجزة عنده فهي :
1ـ أن تكون مما ينفرد الله بالقدرة عليه.
2ـ أن يكون ذلك الذي يظهر على أيديهم خارقاً للعادة.
3ـ أن يكون غير النبي صلى الله عليه وسلم ( ممنوعاً من إظهار ذلك على يده).
4ـ أن يقع عند تحدي النبي صلى الله عليه وسلم وادعائه النبوة وأن ذلك آية له.
د ـ ولكن كيف يفرق بين المعجزة وبين حيل المشعوذين وأصحاب الخوارق الشيطانية؟ يجيب الباقلاني بما أجاب به سابقاً، من أن معجزات الرسل لا يصح أن يقدر عليها إلا الله تعالى مثل إحياء الموتى, واختراع الأجسام.
وكذلك بالنسبة لما يأتي به الساحر، ولكنه يقول: "إن الساحر إذا احتج بالسحر وادعى به النبوة أبطله الله تعالى عليه بوجهين: أحدهما: أنه إذا علم ذلك في حال الساحر, وأنه سيدعي به النبوة أنساه عمل السحر جملة. والثاني: أن يجند خلق من السحرة يفعلون مثل فعله, ويعارضونه بأدق مما أورده, فينتقض بذلك ما ادعاه، أما الفرق بين المعجزة والكرامة فليس موجوداً في المطبوعة الناقصة من البيان، ولكن الباقلاني، ذكر ذلك في رسالته لأحد العلماء، وذكر فيها أن الفرق هو أن الأمر الخارق للنبي صلى الله عليه وسلم مقرون بالتحدي والاحتجاج، وأن صاحب الكرامة لا يدعي النبوة بكرامته, ولو علم الله أنه يدعي بها النبوة لما أجراها على يديه".
دور الباقلاني في تطور المذهب الأشعري:
يعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري؛ والباقلاني تلميذ لتلامذة الأشعري فهو قريب العهد به، وعلى الرغم من أن تلامذة الأشعري كانوا أقوياء وذوي تأثير واسع إلا أن أحداً منهم لم يبلغ ما وصل إليه الباقلاني، ولعل الفترة التي عاشها الأشعري وتلامذته كان السائد فيها المذهب الكلابي، فكان المذهبان متداخلين، والأشعري وغيره من معاصريه كانوا تلامذة لابن كلاب، وتلامذة هؤلاء لم يتميزوا كأشاعرة وإنما كانوا كلابية, لأن تتلمذهم لم يكن مقتصراً على الأشعري، وإنما كان عليه وعلى غيره من الكلابية، وهذا حسب الأغلب فقط.
فلما جاء الباقلاني جرد نفسه لنصرة أبي الحسن الأشعري ومذهبه، والعمل على دعمه بأوجه جديدة من الحجاج والمناظرات، وقد تمثل ذلك بعدة طرق أهمها:
1ـ أن الباقلاني ربط اسمه بالأشعري، فصار علماً عليه يذكر في نسبه فيقال: أبو بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري ، وهذا موجود في الكتب التي ترجمت له، وفي صور عناوين مخطوطات كتبه، ولحماسته في الانتساب إلى الأشعري ونصرة مذهبه عده الأشاعرة المجدد على رأس المئة الرابعة بعد الأشعري الذي يعتبرونه مجدد المئة الثالثة.
2ـ مع انتسابه إلى الأشعري وطد علاقته بالحنابلة، تبعاً لأبي الحسن الأشعري الذي أعلن في (الإبانة) رجوعه إلى قول الإمام أحمد، وقد وصل الأمر بالباقلاني إلى أنه كان يكتب أحياناً في أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يكتب: الأشعري؛ لأن الأشعري وأصحابه كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة.
وكانت علاقة الباقلاني بالتميميين الحنابلة قوية، ويذكر ابن عساكر وغيره نماذج لهذه العلاقات الوطيدة بينهم، وقد استفاد الباقلاني من ذلك سمعة طيبة عند الحنابلة مع أنه أشعري جلد، كما أن بعض الحنابلة كالتميميين مالوا إلى بعض أقوال الأشاعرة، ولا شك أن علاقتهم بالباقلاني صاحب البلاغة والفصاحة والحجج المنطقية كان لها تأثير في ذلك.
3ـ حرص الباقلاني على مناقشة المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، ومناظرتهم مناظرة علنية أمام السلاطين، ولذلك لما جاء خطاب عضد الدولة يدعوه إلى مجلسه في شيراز قال شيخ الباقلاني أبو الحسن الباهلي - وفي رواية أبو بكر بن مجاهد - وبعض أصحابه: هؤلاء قوم كفرة، فسقة، لأن الديلم كانوا روافض، لا يحل لنا أن نطأ بساطهم وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان خالصاً لله لنهضت، قال القاضي ( الباقلاني) : فقلت لهم: كذا قال ابن كلاب، والمحاسبي، ومن في عصرهم: إن المأمون فاسق، لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس، وجرى عليه بعده ما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين لهم ما هم عليه من الحجة، وأنت أيضاً أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولون بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج، فقال الشيخ: إذا شرح الله صدرك لهذا فاخرج، فخرجت مع الرسول إلى شيراز ، وكان من نتيجة ذلك تلك المناظرات مع المعتزلة في مجلس عضد الدولة، ولما انتصر عليهم قربه الملك وأمره أن يعلم ولده، فألف له (التمهيد) ، كما أن عضد الدولة أرسله إلى ملك الروم وجرت له مناظرات عديدة مع النصارى اشتهرت حكاياتها عند الناس.
فالباقلاني حين عزم على مناقشة المعتزلة، ومناظراتهم كان ذلك بناء على منهج اختطه لنفسه، ورأى أنه وسيلة لازمة لمقاومة مخالفيه من أهل البدع، ولذلك نعى على شيوخه كابن كلاب والمحاسبي حين تركوا المأمون ومن معه من أهل الاعتزال يفرضون على الناس مقالتهم الاعتزالية، وحين يضرب الباقلاني المثل بهذين كان يقصد أن تمكنهما من علم الكلام يعطيهما قدرة على مناقشة المعتزلة أصحاب الكلام والجدل العقلي, فهو يرى أن الواجب عليهما أكبر من غيرهما.
4ـ كان للباقلاني دور واضح في تطوير المذهب الأشعري، ويكاد يجمع جميع الباحثين على أن له دوراً في ذلك، يقول ابن خلدون: "وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، واقتفى طريقته من بعده تلميذه، كابن مجاهد وغيره، وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم، وهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد، والخلاء، وإن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول" ثم يعقب ابن خلدون مشيراً إلى الظروف التاريخية للقول بهذه الأمور، فيقول: "وجملت هذه الطريقة, وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية، إلا أن صور الأدلة فيها جاءت بعض الأحيان على غير الوجه القناعي لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء، لم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة لعقائد الشرع بالجملة, فكانت مهجورة عندهم لذلك" ، ويرى الدكتور إبراهيم مدكور أنه يعتبر: "الخليفة للأشعري، وأنه تأثر بالمعتزلة، فاعتنق نظرية الجوهر الفرد كما اعتنقها الأشعري، ودعمها وعمقها، وقال بفكرة الأحوال، وحاول أن يسوي بين الحال والصفة، ولا شك في أنه يعد أول من ثبت دعائم المذهب الأشعري، وأضاف إليه أسساً عقلية، وإن قال بمبدأ له خطره وهو: إن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول".
ويشير محققا (التمهيد) - أبو ريدة ومحمود الخضيري - إلى جوانب من دور الباقلاني في تطوير مذهب الأشاعرة، فيقولان: "أما القيمة الكبرى لعمل الباقلاني فهي.. كانت في التنهيج وفي بناء مذهب الأشاعرة الكلامي والاعتقادي بناء منظماً لا من حيث الطريقة المنطقية الجدل فحسب، بل من حيث وضع المقدمات التي تبنى عليها الأدلة، ومن حيث ترتيب هذه المقدمات بعضها بعد بعض على نحو يدل على امتلاك ناصية الجدل وعلى طول اعتبار في أصول الاستدلال" ، ثم يذكران قول ابن خلدون، وقبل ذلك ذكرا أن الباقلاني لم يكن "مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة المتقدمين عليه، بل قد تم على يديه توضيح بعض النقط، وتحديد بعض المفهومات، مما أدى إلى تعديل مذهب الأشعري من بعض الوجوه وإلى تقريبه من رأي المعتزلة، وهذا ما لم يغفله بعض العلماء المتقدمين" ، ثم ذكرا نماذج لتعليقات الغزالي والشهرستاني على مخالفة الباقلاني لشيخ الأشاعرة في مسائل: صفة البقاء، والحال، وتأثير القدرة الحادثة، وقد سبق ذكر ذلك عند شرح عقيدة الباقلاني وأقواله.
ويذكر أحمد صبحي أن الأشعري كان يعتمد على النقل كثيراً، لكن أتباعه عدلوا " ابتداء من الباقلاني عن الاستشهاد بدليل النقل إلا فيما ندر، مغلبين أدلة العقل.. وجاء الباقلاني ليختط منهجاً مغايراً لمنهج الأشعري دفاعاً عن المذهب، إذ وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة كالحديث عن العلم وأقسامه، وعن الموجود قديمه وحديثه، وعن الجوهر والعرض والجسم".
وهذا ما سار عليه الأشاعرة من بعده، وواضح أن الباقلاني يستشهد بالأدلة النقلية في كتبه ولكن مناقشاته العقلية تطغى عليه كثيراً، حتى وهو يعرض أن يستشهد بالنصوص.
ويرى بروكلمان أن الباقلاني أتى بآراء جديدة أخذها عن الفلسفة اليونانية، أما مكارثي فيرى أنه يتصف ببعض الأصالة في مناقشته للبيان والمعجز، وأنه عمل كثيراً على نشر المذهب الأشعري، كما يرى فتح الله خليف أنه أدخل بعض التعديلات على مذهب الأشعري.
والمسألة التي اشتهر بها الباقلاني وهي أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول لم نجد لها نصاً صريحاً فيما وصل من كتب الباقلاني، ولكن ابن خلدون ذكرها، ثم تناقلها عنه الباحثون، وقد حاول النشار، وتبعه محمد عبد الستار نصار أن يوجدا ما يدعم هذا القول في بعض مقدمات (التمهيد)، والذي يترجح أنها بنيت على قوله بوجوب المعجزات لثبوت نبوة الأنبياء, لأن بطلان المعجزة يؤدي إلى بطلان نبوة الأنبياء، أو أنها بنيت على قوله بالجوهر الفرد, وأن بطلانه يؤدي إلى بطلان دليل حدوث الأجسام.
ويتضح من خلال عرض عقيدة وأقوال الباقلاني، وأقوال الباحثين في ذلك أن الباقلاني قد طور المذهب الأشعري من خلال:
1ـ الميل في المناقشات إلى العقل، وضعف الاعتماد على النقل، وإن كان الأمر لم يصل إلى إهماله.
2ـ وضع المقدمات العقلية لمباحث العقيدة وعلم الكلام، مثل مباحث الجوهر والعرض، وأقسام العلوم، والاستدلال، والكلام عن الموجودات وأنواعها.
3ـ الميل إلى بعض أقوال المعتزلة وخاصة في بعض الصفات، وإذا كان الأشعري أخذ يبعد عن الاعتزال في آخر كتبه، فالباقلاني أعاد المنهج الأشعري ليقرب من أهل الكلام.
4ـ تقعيد بعض القواعد الكلامية، التي أصبحت فيما بعد أصول الأشاعرة, مثل القول بالجوهر الفرد، وأن العرض لا يبقى زمانين، وأنه لا يقول بالعرض.
5 ـ التركيز على مبدأ إنكار العلة والسببية التي جعلها الله في الأشياء. كذلك القول في مسألة المعجزات والفرق بينها وبين السحر والكرامات والحيل.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/526
ابن فورك: ت 406 هـ:
هو محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأنصاري، الأصبهاني، ولا يعرف تاريخ ولادته، لكن المعروف عنه أنه أقام أولاً بالعراق, ودرس بها مذهب الأشعري على أبي الحسن الباهلي - تلميذ أبي الحسن الأشعري، ثم ذهب إلى الري فسعت به الكرامية، ثم راسله أهل نيسابور فبنيت له فيها دار ومدرسة، وصار يدرس فيها وتخرج عليه جمهرة كبيرة من الفقهاء، وقد ذكر قصة له في سبب اشتغاله بعلم الكلام.
وفي آواخر عمره أنهي إلى السلطان محمود بن سبكتكين أنه يعتقد أن نبينا محمداً ليس نبياً اليوم، وأن رسالته انقطعت بموته، وقد امتحن وجرت له مناظرات مع محمود بن سبكتكين، وممن نسب إليه هذا القول ابن حزم حيث قال في الفصل: " حدثت فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (ليس هو الآن رسول الله) ولكنه كان رسول الله، وهذا قول ذهب إليه الأشعرية، وأخبرني سليمان بن خلف الباجي - وهو من مقدميهم اليوم - أن محمد بن الحسن ابن فورك الأصبهاني على هذه المسألة قتله بالسم محمود بن سبكتكين، صاحب ما دون وراء النهر من خراسان - رحمه الله-" ، ثم ذكر ابن حزم السبب الذي أدى إلى هذه المقالة ، وقد نفى السبكي بشدة نسبة هذه المقالة وشنع على ابن حزم والذهبي بسببها، وقال إن ابن فورك لما سأله ابن سبكتكين كذب الناقل، وإن السلطان عندما وضح له الأمر أمر بإعزازه وإكرامه، فلما أيست الكرامية دست له السم ، وقول ابن حزم سبق نقله قريباً وقد نسبه إلى الباجي، أما الذهبي فقال: "ونقل أبو الوليد الباجي أن السلطان محموداً سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا، فأمر بقتله بالسم" ، وهذه المسألة من المسائل التي كانت سبباً في محنة الأشعرية زمن القشيري والجويني، وقد رد القشيري نسبتها إلى الأشعرية وبين بطلان نسبتها إليهم.
والذي يظهر أنه قد وقعت بين ابن فورك وابن سبكتكين مناظرات في موضوعات متعددة, ولذلك ذكر ابن رجب مناظرة بينهما حول العلو، فروى في أثناء ترجمته لأبي الحسن العكبري أنه قال: "سمعت أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي الحافظ قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا، قال ابن فورك لمحمود، لا يجوز أن تصف الله بالفوقية، لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية، لأنه من جاز أن يكون له فوق جاز أن يكون له تحت. فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية، فتلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك، قال: فبهت".
ومن أبرز شيوخ ابن فورك إضافة إلى أبي الحسن الباهلي: عبد الله بن جعفر الأصبهاني الذي سمع منه مسند أبي داود الطيالسي، وابن خرزاد الأهوازي.
منهج ابن فورك ودوره في تطور المذهب الأشعري:
 يعتبر ابن فورك من المعاصرين للباقلاني المتوفى سنة 403هـ، وكلاهما تتلمذ على يد أبي الحسن الباهلي، تلميذ أبي الحسن الأشعري، ولكن شيوخ الباقلاني في مسائل الكلام أكثر، كما أن عناية ابن فورك بالحديث أكثر، ويكفي أن أحد تلامذته الإمام البيهقي.
وإذا كان قد مضى تفصيل مذهب وأقوال الباقلاني، فسيقتصر البحث هنا في عقيدة ومنهج ابن فورك على عرض مقارنة بينه وبين الباقلاني، إذ هما يمثلان مرحلة واحدة في مسيرة مذهب الأشاعرة.
فمن المسائل التي يوافق فيها ابن فورك الباقلاني:
1ـ الاستدلال بدليل حدوث الأجسام المسمى دليل الأعراض، وهو دليل المتكلمين المشهور، وقد أشار إليه ابن فورك عرضاً في كتابه (مشكل الحديث) فقال: "إن الخلق عرفوا الله سبحانه وتعالى بدلالاته المنصوبة، وآياته التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على حدوث الأجسام، واقتضائها محدثاً لها من حيث كانا محدثين".
2ـ نفي الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، وهي المسألة المسماة بحلول الحوادث، وقد جاءت الإشارة إلى هذه المسألة عند ابن فورك في عدة مواضع.
3ـ يثبت ابن فورك من الصفات الخبرية: الوجه ، واليدين ، والعين ، ويمنع من تأويلها، وينفي عنها أن تكون جارحة أو دالة على تجسيم أو أجزاء، وهذا ما يقوله الباقلاني - إلا أننا نرى ابن فورك يتأول ما عدا هذه الصفات الخبرية، فيتأول ما ورد من اليد، ويمين الرحمن، والكف، والقبضة، والقدم، والأصابع، والساق، ولم يجعلها مع اليدين والوجه والعين نسقاً واحداً في الإثبات مع عدم التمثيل، بل أوّل هذه ومنع تأويل تلك، وكأن ابن فورك شعر بالتناقض هنا فأورد سؤالاً وأجاب عليه حيث قال بعد إثباته صفة الوجه لله تعالى، ورده على المعتزلة الذين يتأولونه بأن معناه: أنه هو، وإن وجه الشيء قد يكون نفسه - قال: "فإن قال قائل: فإنه لا يعقل وجه، الجارحة أو بعض، أو نفس الشيء؟ قيل: في هذا جوابان: أحدهما: أنه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد، والثاني: أن الوجه على الحقيقة لا يكون نفس الشيء، لما بينا أن ذلك لا يوجد في اللغة حقيقة أيضاً، وأما إطلاق البعض على الوجه الذي هو جارحة فتوسع عندنا، وإن كان حقيقة أيضاً... واعلم أن أحد أصولنا في هذا الباب أنه كلما أطلق على الله عز وجل من هذه الأوصاف والأسماء التي قد تجري على الجوارح فينا، فإنما يجري ذلك في وصفه على طريق الصفة، إذا لم يكن وجه آخر يحمل عليه، مما يسوغ فيه التأويل، وذلك لصحة قيام الصفة بذاته، فإن قيامها مما لا يقتضي انتقاض توحيده وخروجه عما يستحقه من القدم والإلهية، فأما وصفه بذلك على الحد الذي يتوهمه المشبهة الممثلة لربها بالخلق في إثبات الجوارح والآلات، فخلاف الدين والتوحيد، وحملها على ما ذهبت إليه المعتزلة فيه إبطال فائدتها، وإخراجها عن كونها معقولة مفيدة على وجه الحق..." ، ثم يورد سؤالاً آخر فيقول: "فإن قيل: فلم لا تقولون على هذا الوصف:
"قدم" صفة و"صورة" صفة، لأن الإضافة قد حصلت في الخبر إليه على هذا الوجه؟ فقيل: "على صورته" وقيل: "قدمه" ؟ قيل: إنما لم يحمل ذلك على الصفة لامتناع المعنى فيه، وإن الصفة ليست مما يوصف بالوضع في الأماكن، وقد وجدنا لذلك تأويلاً صحيحاً قريباً، يمنع هذه الشبهة، وهو ما ذكرنا قبل أن قدم المتجبر على الله عز وجل، يضعها على النار على استحقاق العقوبة على عتوه على الله.. و إنما حملنا ما أطلق من ذكر الوجه, واليدين, والعين, على الصفة من حيث لم يوجد في واحد منها ما يستحيل ويمتنع، وليس كل ما أضيف إليه فهو عن طريق الصفة، بل ذلك ينقسم على أقسام: منها بمعنى الملك، ومنها بمعنى الفعل، ومنها بمعنى الصفة، وإنما يكشف الدليل، ويميز القرائن مواقعها على حسب ما بينا ورتبنا، فاعلمه إن شاء الله"، وواضح من منهجه هذا أن الصفة إذا كان لها وجه آخر تحمل عليه وجب حملها، بحيث لا تكون صفة لله تعالى، ومن تأمل تأويلاته لبعض الصفات الخبرية لا يجد بينها وبين تأويلات مخالفي ابن فورك لصفة اليدين والوجه والعين كبير فرق.
4ـ يؤول ابن فورك صفات النزول، والإتيان، والمجيء، والضحك، والعجب، والغضب، والفرح، وغيرها، وهذا ما نجده مماثلاً له عند الباقلاني، وهذا كله بناءً على أصلهما الذي هو أصل الأشاعرة وهو نفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية.
5ـ يثبت صفة الكلام على مذهب الأشاعرة، ويشرح بعض الأمور المتعلقة به، فيقول: "فأما كلام الله الذي هو صفة من صفات ذاته، غير بائن منه: فكلام واحد، شيء واحد، يفهم منه ويسمع مالا يحصى ولا يعد من الفوائد والمعاني، ونظير ذلك ما نقول: إن علمه واحد، ولكنه يحيط بمعلومات لا تتناهى، والذي تقع عليه الكثرة والقلة من المعلومات دون العلم..."، وما نسمعه من كلام الله هو عبارة عنه، وكلام الله ليس بحرف ولا صوت، يقول: "اعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت عندنا، وإنما العبارات عنه تارة تكون بالصوت والعبارات هي الدالة عليه، وأمارات له تظهر للخلق، ويسمعون عنها كلام الله فيفهمون المراد، فيكون ما سمع موسى عليه السلام من الأصوات مما سمع يسمى كلام الله عز وجل، ويكون ذلك في نفسه غير الكلام، ويحتمل أن يكون معناه: أن يسمي العبارة كلام الله، كما يسمي الدلالة على الشيء باسمه، وكما يسمي الواقع عن القدرة قدرة، والكائن عن الرحمة رحمة" ، ويقول في موضع آخر "وقد بينا فيما قبل أن معنى ذلك راجع إلى العبارات والدلالات، التي هي الطريق إلى الكلام وبها يفهم مراده منه، لا أنه تعالى قوله إذا تكلم الله بالوحي، أنه يتجدد له كلام، ولكنه يتجدد إسماع وإفهام بخلق عبارات ونصب دلالات، بها يفهم الكلام، ثم يقال على طريق السعة والمجاز لهذه العبارات كلام من حيث أنها دلالات عليه... واعلم أنه لا يصح على أصلنا في قولنا: إن كلام الله غير مخلوق ولا حادث بوجه أن يقول: إن الله يتكلم كلاماً بعد كلام، لأن ذلك يوجب حدوث الكلام، وإنما يتجدد الإسماع والإفهام، ونصب العبارات, وإقامة الدلالات على الكلام الذي لم يزل موجوداً, وحدوث الدلالة والعبارة لا يقتضي حدوث المدلول المعبر عنه، كما أن حدوث الذكر والدعاء لا يقتضي حدوث المذكور والمدعو".
هذه بعض المسائل التي اتفق فيها الباقلاني وابن فورك، على أن ابن فورك تميز عن الباقلاني بما يلي:
1ـ الاستدلال بالسنة في دقائق مسائل الأسماء والصفات، مع أن له رأياً في أخبار الآحاد, وأنها لا تفيد اليقين والعلم، لكنه يرى جواز ذكرها لإفادتها غلبة الظن، فهي من باب الجائز الممكن، يقول: "وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم، فإن ذلك - وإن لم يوجب العلم والقطع - فإنه يقتضي غالب ظن, وتجويز حكم، حتى يصح أن يحكم أنه من باب الجائز الممكن، دون المستحيل الممتنع، والسبيل الأمثل فيها تخريجها وتأويلها، وليس إنكارها كما فعلت المعتزلة، ولا اعتقاد التشبيه بها كما فعلت المشبهة".
والمطلع على كتاب ابن فورك في مشكل الحديث يلحظ أمرين عجيبين:
أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين: فرقة هم أهل النقلة والرواية، وحصر أسانيدها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول ونفي شبه الملبسين عنها، فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك, والفرقة الأخرى كالحرس الذين يذبون عن خزائن الملك، وواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث.
والأمر الآخر: خلطه فيما يورده بين الأحاديث الصحيحة، والضعيفة, والموضوعة، حيث جعلها نسقاً واحداً في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها - إن أشار - بكلمات ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها.
ومن الأمثلة على ذلك - وهي كثيرة - تأويله لرواية ((الحجر الأسود يمين الله في أرضه، يصافح بها من شاء من خلقه)) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (6/326) من حديث جابر, وقال البغدادي: منكر, وكذا قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (223). ، فإنه قال - دون أن يتعرض لإسناده، وهل هو مرفوع أو موقوف - : "وقد تأول أهل العلم ذلك على وجهين من التأويل: أحدهما: أن المراد بذلك الحجر أنه من نعم الله على عباده، بأن جعله سبباً يثابون على التقرب إلى الله تعالى بمصافحته، فيؤجرون على ذلك، وقد بينا أن العرب تعبر عن النعم باليمين واليد.. وزعم بعضهم: أن هذا تمثيل وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً، قبل الرجل يده، فكان الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك ليستلم ويلثم، وقد روى في الخبر أن الله عز وجل لما أوجده أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، جعل ذلك في الحجر الأسود، فلذلك يقال عنده: إيماناً بك ووفاءً بعهدك.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون قوله (( الحجر يمين الله في أرضه))، إنما إضافة إليه على طريق التعظيم للحجر، وهو فعل من أفعال الله عز وجل سماه يميناً، ونَسَبهُ إلى نفسه, وأمر الناس باستلامه ومصافحته، ليظهر طاعتهم بالائتمار وتقربهم إلى الله عز وجل، فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة". ولو أن ابن فورك بين درجته وضعفه - أو ضعف المرفوع منه - ثم بين وضوح دلالته, وأن نص الحديث يدل على أن الحجر ليس يمين الله حقيقة والتي هي صفته القائمة به لأنه قال: "في الأرض"، لما احتاج إلى هذه التأويلات.
وأحياناً يستعين ببعض الروايات الشاذة أو الضعيفة، فمثلاً حين أوّلَ أحاديث النزول بعدة تأويلات قال: "وقد روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم, بما يؤيد هذا الباب، وهو بضم الياء من "ينزل" وذكر أنه قد ضبطه عمن سمعه عنه من الثقات الضابطين" ، والروايات المتواترة جاءت بما هو مشهور، فكيف تمسك بهذه الرواية الشاذة، والمجهول رواتها؟ وفي تأويله للإتيان في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة: 210]، ذكر رواية عن مجاهد أنه قال: يأتيهم بوعده ووعيده. مع أن المأثور عن مجاهد عكس هذا.
2ـ وابن فورك يؤول الاستواء والعلو، خلافاً للباقلاني الذي يثبتهما، وقد سبق نقل كلامه في ذلك، ولأهمية قول ابن فورك في هذه المسألة في تتبع تطور المذهب الأشعري نعرض لأقواله فيها، يقول عن الاستواء في معرض رده على ابن خزيمة في كتابه (التوحيد): "ثم ذكر صاحب التصنيف باباً ترجمه باستوائه على العرش، وأوهم معنى التمكين والاستقرار، وذلك منه خطأ، لأن استواءه على العرش سبحانه ليس على معنى التمكين والاستقرار، بل هو في معنى العلو بالقهر والتدبير، وارتفاع الدرجة بالصفة على الوجه الذي يقتضي مباينة الخلق" ، وفي موضع آخر حين رد على أحمد بن إسحاق الصبغي - صاحب ابن خزيمة - أحال على تأويله للاستواء فيما سبق - والذي نقلناه قبل قليل - .
أما العلو: فله في تأويله أقوال كثيرة:
أ ـ يقول في حديث الجارية حين قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين الله؟ قالت في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)) رواه مسلم (537), من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه. .، يقول ابن فورك: "إن ظاهر اللغة تدل من لفظة أين أنها موضوعة للسؤال عن المكان، ويستخبر بها عن مكان المسؤول عنه بأين.. غير أنهم قد استعملوها عن مكان المسؤول عنه في غير هذا المعنى توسعاً أيضاً تشبيهاً بما وضع له، وذلك أنهم يقولون - عند استعلام منزلة المستعلم عند من يستعمله -: أين منزلة فلان منك، وابن فلان من الأمير، واستعملوه في استعلام الفرق بين الرتبتين بأن يقولوا: أين فلان من فلان، وليس يريدون المكان والمحل من طريق التجاوز في البقاع، بل يريدون الاستفهام عن الرتبة والمنزلة، وكذلك يقولون: لفلان عند فلان مكان ومنزلة، ومكان فلان في قلب فلان حسن، ويريدون بذلك المرتبة والدرجة في التقريب والتبعيد، والإكرام والإهانة، فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال: إن معنى قوله ((أين الله))؟ استعلام لمنزلته وقدره عندها وفي قلبها، وأشارت إلى السماء، ودلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل - إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة - : فلان في السماء، أي هو رفيع الشأن، عظيم المقدار، كذلك قولها في السماء على طريقة الإشارة إليها، تنبيهاً عن محله في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء، فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة، على نحو هذا المعنى، وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف"، وبعد أن يقرر ابن فورك مذهبه هذا وتأويله - العجيب - لهذا الحديث، يذكر قولاً آخر لبعض الأشاعرة فيقول: "ومن أصحابنا من قال: إن القائل إذا قال: إن الله في السماء، ويريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة، لا من طريق الجهة، على نحو قوله سبحانه أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: 17]، لم ينكر ذلك" ، وقد يكون قصد ببعض أصحابه: الباقلاني، الذي صرح بنفي الجهة - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
ب ـ قال في معرض رده على المعتزلة الذين يذهبون إلى أن الله في كل مكان، وبيانه أن المسلمين يطلقون أن الله فوق خلقه، وأن "في" في قوله تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ بمعنى "على" غير أنه يعقب قائلاً: "واعلم أنا إذا قلنا: إن الله عز وجل فوق ما خلق، لم يرجع به إلى فوقية المكان، والارتفاع على الأمكنة بالمسافة، والإشراف عليها بالممارسة منها، بل قولنا إنه فوقها يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يراد به أنه قاهر لها، مسؤول عليها، إثباتاً لإحاطة قدرته بها، وشمول قهره لها، وكونها تحت تدبيره، جارية على حسب علمه ومشيئته.
والوجه الثاني: أن يراد أنه فوقها على معنى أنه مباين لها بالصفة والنعت، وأن ما يجوز على المحدثات من العيب, والنقص, والعجز, والآفة, والحاجة، لا يصح شيء من ذلك عليه، ولا يجوز وصفه به، وهذا أيضاً متعارف في اللغة أن يقال: فلان فوق فلان، ويراد بذلك رفعة المرتبة والمنزلة، والله عز وجل فوق خلقه على الوجهين جميعاً".
وإنما يمتنع الوجه الثالث: وهو أن يكون على معنى التحيز في جهة الاختصاص ببقعة دون بقعة، وإذا قلنا: إنه فوق الأشياء على هذا الوجه قلنا أيضاً في تأويل إطلاق القول بأنه فيها على مثل هذا المعنى".
جـ ـ ويقول في رده على ابن خزيمة: "واعلم أنه ليس ينكر قول من قال: إن الله في السماء، لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به وهو قوله: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: 16]، ومعنى ذلك: أنه فوق السماء لا على معنى فوقية المتمكن في المكان، لأن ذلك صفة الجسم المحدود المحدث، ولكن بمعنى ما وصف به أنه فوق من طريق الرتبة, والمنزلة, والعظمة, والقدرة، ثم ذكر هذا القائل (ابن خزيمة) في ذلك قوله عز وجل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، وقوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] وهذا منه غلط، من قبل ( أن ) صعود الكلم الطيب إليه على معنى صعود من سفل إلى علو، لاستحالة ذلك في الكلام لكونه عرضاً لا يبقى، وكذلك العمل الصالح وإنما معنى صعود الكلام إليه قبوله، ووقوعه منه موضع الجزاء والثواب، وقوله: (يرفعه) لا على معنى رفع من مكان إلى مكان، ولكن رفع له على معنى أنه قد تقبل، وأن الكلام إذا اقترن به العمل الصالح قُبلا دون أن ينفرد الكلام من العمل. وأما قوله تعالى في قصة عيسى بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فمعناه: رفعه إلى الموضع الذي لا يعبد فيه إلا الله، ولا يذكر فيه غيره، لا على معنى أنه ارتفاع إليه كما يرتفع الجسم من سفل إلى جسم في علو، بأن تقرب منه بالمسافة والمساحة".
د ـ ويشير في مواضع أخرى إلى تأويله للعلو والفوقية.
هذا في كتابه الذي وصل إلينا كاملاً، وقد ذكر شيخ الإسلام - نقلاً عن كتابه في أصول الدين - ما يدل على إثبات العلو والاستواء، وأنه قال فيه: "وإن سألت أين هو فجوابنا: أنه في السماء كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال - عز من قائل – أأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: 16]، وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه، وإنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت: أين الله؟ لقالوا: إنه في السماء ولم ينكروا لفظ السؤال بأين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال: أين الله؟ فقالت: في السماء: مشيرة بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اعتقها فإنها مؤمنة)) رواه مسلم (537), من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه. ، ولو كان ذلك قولاً منكراً لم يحكم بإيمانها ولأنكره عليها، ومعنى ذلك أنه فوق السماء، لأن في معنى فوق، قال الله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ [التوبة: 2] أي فوقها ، وقال عن الاستواء"فإن قال: فعلى ما هو اليوم؟ قيل له: مستو على العرش كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]".
قال ابن تيمية معلقاً: "فيشبه - والله أعلم - أن يكون اجتهاده مختلفاً في هذه المسائل كما اختلف اجتهاد غيره، فأبو المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه، وحكى إجماع السلف على تحريمه...".
ومما سبق يمكن تلخيص دور ابن فورك في تطور المذهب الأشعري بما يلي:
1ـ العناية بالحديث والاهتمام به، مع البقاء على منهج وطريقة أهل الكلام وتأويلاتهم، وبذلك خف الحاجز الذي كان يفصل بين أهل السنة من أهل الحديث الذين يثبتون ما دلت عليه النصوص، وأهل الكلام الذين كانوا بعيدين عن الاهتمام بعلم الحديث رواية ودراية، وهذا المنهج الذي سلكه ابن فورك هو ما سنجده بشكل أقوى وأوضح عند البيهقي.
2ـ الغلو في التأويل، وكأنه صار هو الأصل، والإثبات هو القليل.
3ـ تأويل صفة الاستواء والعلو، وهذا تطور خطير وكبير في المذهب الأشعري، وإن كان - كغيره من الأشاعرة - قد أثر عنه المنع من تأويلها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/555
عبد القاهر البغدادي - ت 429هـ
هو عبد بن طاهر بن عبد الله، أبو منصور البغدادي، التميمي ، لم يحدد تاريخ ولادته، لكن المعروف عنه أنه ولد في بغداد ونشأ بها، ثم رحل مع أبيه إلى نيسابور، حيث تتلمذ على يد أبي إسحاق الإسفراييني، وكان من أبرز شيوخه، ومنهم أيضاً، إسماعيل بن نجيد، وأبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد بن عدي وغيرهم.
وقد مدحه العلماء - خاصة علماء الأشاعرة - كابن عساكر  والرازي والسبكي ، وقال فيه شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: "كان من أئمة الأصول، وصدور الإسلام، بإجماع أهل الفضل والتحصيل، بديع الترتيب، غريب التأليف والتهذيب، تراه الجلة صدراً مقدماً، وتدعوه الأئمة إماماً مُفخّماً، ومن خراب نيسابور اضطرار مثله إلى مفارقتها" ، قال السبكي " قلت: فارق نيسابور بسبب فتنة وقعت بها من التركمان" ، وكان استقراره آخر أمره في إسفراين حيث لم يبق فيها إلا يسيرا، فمات بها سنة 429هـ ودفن بجانب شيخه أبي إسحاق الإسفراييني.
منهج البغدادي ودوره في تطور المذهب الأشعري:
البغدادي أحد أعلام الأشاعرة في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس حيث كانت وفاته سنة 429هـ، وهو يمثل تقريباً مرحلة كل من الباقلاني - ت 403هـ- وابن فورك - ت 406هـ- وإن تأخر عنهما قليلاً، لكنه مثلاً يلتقي مع ابن فورك بكونهما شيخين للبيهقي، كما أنه يذكره في كتابه (أصول الدين) ، ويذكر الباقلاني أيضاً، ويصفه بقوله: "قال قاضينا" ، كما أن البغدادي ذكر أنه أدرك أبا عبد الله بن مجاهد، تلميذ أبي الحسن الأشعري.
والبغدادي يميزه كتبه خاصة "أصول الدين" إنه ينقل أقوال أصحابه من الكلابية والأشعرية، ويذكر الخلاف بينهم إن وجد، لذلك فقد يتبادر إلى الناظر أنه مقلد للأشاعرة، وممن رأى هذا الرأي عبد الرحمن بدوي الذي قال: "لقد كان عبد القاهر البغدادي - بحسب ما لدينا من مؤلفاته - عارضاً لآراء الأشاعرة أكثر من مفكراً أصيلاً، ذا آراء انفرد بها، أو براهين جديدة ساقها" ، وهذا الكلام فيه شيء من الحق لكن البغدادي - كما سيأتي - له ترجيحات خاصة تعتبر بمثابة منعطف في تطور المذهب الأشعري، صحيح أنه في غالب المسائل مقلد لشيوخه، لكن ليس فيها كلها.
والبغدادي لا يخالف من سبقه من الأشاعرة في مسائل العقيدة والكلام، فيرى أن أول الواجبات النظر، وأخبار الآحاد - إذا رواها الثقات - تقبل إذا كانت تحتمل تأويلاً يوافق المعقول، كما أنه يقول بالجزء الذي لا يتجزأ، وهو الجوهر الفرد، ويستدل له، كما يقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين، كما أنه يحتج بدليل الأعراض وحدوث الأجسام ويحتج له, ويطيل الكلام حوله، كما أنه ينفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية، وهي مسألة حلول الحوادث، ولذلك تأوّل صفات المحبة، والرحمة، والغضب، والفرح، والضحك، كما أنه قال بكلام الله الأزلي, وأنه قائم بالله, وأنه أمره, ونهيه, وخبره, ووعده, ووعيده، ويربط ذلك بمسألة حلول الحوادث، لكنه لما ذكر ما وقع من الخلاف بين الكلابية والأشعرية في أزلية الأمر والنهي، ذكر قوليهما دون ترجيح، أما الإيمان فهو عنده الطاعات فرضها ونفلها كما هو قول أهل الحديث والسنة، ويرجح هذا بعد ذكره لأقوال كل من الأشعري وابن كلاب، أما الاستثناء في الإيمان، فقد رتب الخلاف فيه ترتيباً حسناً على الخلاف في حقيقة الإيمان، وبما أنه رجح مذهب أهل الحديث فقد قال: "وكل من وافى ربه على الإيمان فهو مؤمن، ومن وافاه بغير الإيمان الذي أظهره في الدنيا، علم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمناً" ، وهذا الكلام ليس هو قول أهل الحديث الذين يجيزون الاستثناء في الإيمان إذا لم يكن شقا، أما الموافاة فهي من مسائل مذهب الأشاعرة بناءً على قولهم في منع حلول الحوادث، وأن غضب الله أو رضاه أزلي، فالكافر إذا مات على الكفر فهو مغضوب عليه غير مرضي عنه ولو عاش أغلب عمره مؤمناً، وعكسه المؤمن، أما مسألة القدر، فقد قال بالكسب وسار فيه على خطأ شيوخه في ذلك مع التجديد في العرض والاستدلال ، أما ما يتعلق بالمعجزات وشروطها، فأقواله فيها جاءت على وفق ما ذهب إليه الباقلاني.
هذه خلاصة سريعة لبعض رؤوس المسائل التي وافق فيها شيوخه الأشاعرة أما الجوانب البارزة في منهجه، كمعالم على تطور المذهب الأشعري فأهمها:
1ـ مخالفته صراحة لبعض أقوال شيخ الأشاعرة أبي الحسن الأشعري، فهو يعرض الأقوال ومنها قول الأشعري، ثم يرجح قولاً آخر قال به غيره كابن كلاب أو القلانسي، أو غيرهما، ومن ذلك مسألة إيمان المقلد، ومعنى "الإله" ، والوقف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 7]، ومخالفة البغدادي - في هذه المسائل أو غيرها - للأشعري له أهمية في تصور مدى المتابعة والتقليد لشيخهم في ذلك الزمن القريب من الأشعري، إذ أن الفرق بين وفاتيهما يتجاوز القرن بقليل، وهذه مدة زمنية قليلة نسبياً.
2ـ تبني دليل حدوث الأجسام بقوة، وهو من أدلة المعتزلة، وقد قال به بعض الأشاعرة قبل البغدادي، لكن شيخهم أبا الحسن الأشعري رأى أنه دليل لم تدع إليه الرسل - كما سبق شرح ذلك - فالبغدادي لما عرض هذا الدليل عرضه وكأنه دليل مسلم لا يجوز الاعتراض عليه، بل قال: "وكل قول لا يصح معه الاستدلال على حدوث الأجسام وعلى حدوث الجواهر فهو فاسد" ، وهذا الجزم بالقول بصحة هذا الدليل هو ما نجده إحدى مسلمات مذهب الأشاعرة فيما بعد.
3ـ تأييد القول بتجانس الأجسام كلها، وأن اختلافها في الصورة، وهذا قد قال به بعض المعتزلة، وبنوا عليه نفي صفات الله حين قالوا: إثبات الصفات تجسيم, والأجسام متماثلة.
4ـ أما مسألة الاستواء، فقد سبق بيان أن الباقلاني ومن قبله قالوا بإثباته بلا تأويل، وردوا على من أوّله بالاستيلاء، وأن ابن فورك مال فيه إلى التأويل، أما البغدادي فقد قال بالتأويل، مع أنه رد على المعتزلة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء وقال: "زعمت المعتزلة أنه بمعنى استولى كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق، أي استولى، وهذا تأويل باطل؛ لأنه يوجب أنه لم يكن مستولياً عليه قبل استوائه عليه" ، ثم عرض أقوال أصحابه الأشاعرة فقال: "واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن آية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا قول مالك بن أنس وفقهاء المدينة والأصمعي... ومنهم من قال: إن استواءه على العرش فعل أحدثه في العرش ثم سماه استواء، كما أحدث في بنيان قوم سماه إتياناً، ولم يكن ذلك نزولاً ولا حركة، وهذا قول أبي الحسن الأشعري... ومنهم من قال: إن استواءه على العرش كونه فوق العرش بلا مماسة، وهذا قول القلانسي وعبد الله بن سعيد، ذكره في كتاب (الصفات)" ، وبعد عرضه لهذه الأقوال يرجح فيقول: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثّلّ عرشُ فلان إذا ذهب ملكه... فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه" ، ويقول في موضع آخر حول معنى آية الاستواء: " معناه عندنا على الملك استوى، أي استوى الملك للإله، والعرش هاهنا بمعنى الملك...".
أما مسألة العلو فهو من نفاته، ولذلك بوب لإحدى المسائل بقوله: "المسألة السابعة من الأصل الثالث في إحالة كون الإله في مكان دون مكان " ، ثم ذكر أقوال الكرامية والمعتزلة والحلولية، ثم قال: "ودليلنا على أنه ليس في مكان بمعنى المماسة قيام الدلالة على أنه ليس بجوهر, ولا جسم, ولا ذي حد ونهاية، والمماسة لا تصح إلا من الأجسام والجواهر التي لها حدود" ، ثم ذكر أنه أفرد هذه المسألة في كتاب مفرد ، وفي موضع آخر يذكر أن الله كان ولا مكان وهو الآن على ما كان.
فالبغدادي من نفاة العلو ومؤولة الاستواء، وبهذا يتبين أن القول بذلك في المذهب الأشعري جاء قبل الجويني.
5ـ وأبرز تطور جاء على يد البغدادي هو قوله في الصفات الخبرية، وقد سبق ذكر أن الباقلاني وابن فورك ومن قبلهما أثبتوا لله الوجه, واليدين, والعين, ومنعوا من تأويلها، وابن فورك - مثلاً - وإن قال بتأويل بعض الصفات الخبرية، كالقدم, والإصبع, واليمين - كما مر - إلا أن هذه الصفات - صفات الوجه, واليدين, والعين- لم يؤولها ولم يسلك فيها ما سلكه في غيرها,
 بل نص على القول بالإثبات والمنع من التأويل، أما البغدادي فإنه قال: "المسألة الثالثة عشرة من هذا الأصل في تأويل الوجه والعين من صفاته"، ثم ذكر قول المشبهة ثم قال: "وزعم بعض الصفاتية أن الوجه والعين المضافين إلى الله تعالى صفات له، والصحيح عندنا أن وجهه ذاته، وعينه رؤيته للأشياء، وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27]، معناه ويبقى ربك، ولذلك قال: ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ، بالرفع لأنه نعت الوجه، ولو أراد الإضافة لقال ذي الجلال والإكرام، بالخفض..." ، ثم ذكر المسألة الرابعة عشرة في تأويل اليد المضافة إلى الله تعالى، وبعد أن أبطل مذهب المشبهة قال: "وزعم بعض القدرية أن اليد المضافة إليه بمعنى القدرة، وهذا التأويل لا يصح على مذهبه مع قوله: إن الله تعالى قادر بنفسه بلا قدرة، وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل، وذلك صحيح على المذهب، إذا أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء، ولذلك قال في آدم عليه السلام خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، ووجه تخصيصه آدم بذلك أن خلقه بقدرته لا على مثال له سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام، كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام، وزعم بعض أصحابنا أن يديه صفتان، وزعم القلانسي أنهما صفة واحدة " ، وكلامه هذا يدل على تأويل صريح لهذه الصفات، وقد بنى تأويله هذا على أن الله واحد فقال بعد ذكر بعض الصفات الخبرية ناسياً إثباتها إلى المشبهة: " ودليلنا على أن الله واحد في ذاته، ليس بذي أجزاء وأبعاض أنه قد صح أنه حي، قادر، عالم، مريد فلو كان ذا أجزاء وأبعاض لم يخل أن يكون في كل جزء منه حياة وقدرة وعلم وإرادة، أو تكون هذه الصفات في بعض أجزائه ..." ، ثم قال: "وأما قوله :وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27]، فمعناه ويبقى ربك... ( ثم ذكر التعليل السابق، ثم قال: "واليد المضافة إلى الله تعالى صفة له خاصة وقدرة له بها فعله" ، كما أنه أوّل القدم والإصبع.
وبهذا يتبين أن البغدادي قال بتأويل الصفات الخبرية في وقت مبكر، وأن الجويني - المولود سنة 419 هـ والمتوفى سنة 478هـ - الذي اشتهر عنه أنه أول من أوّل الصفات الخبرية قد سبق إلى ذلك من جانب بعض أعلام الأشاعرة، مع أن البغدادي يشير في مسألة تأويل اليد بالقدرة إلى أن بعض أصحابهم قد قال به، ولم يحدد القائل، وهذا يدل على أنها مسألة مطروحة عند الأشاعرة في ذلك الوقت.
6ـ ومن المعالم البارزة في منهج البغدادي، مما كان له أثر فيمن أتى بعده: صياغته لمذهب الأشاعرة على أنه مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أنه كاد يستقر في أذهان كثير ممن ينتسب إلى الفقه والعلم أن أقوال الأشاعرة تمثل المذهب الصحيح الذي هو مذهب السلف، ومحاولة البغدادي جاءت على النحو التالي:
أـ تأليفه لكتاب في (الملل والنحل)، ثم في الفرق، والأشعري وإن سبقه إلى ذلك في تأليف مقالات الإسلاميين، إلا أن أسلوبه في العرض لم يكن مرتباً بشكل واضح، وحتى ذكره لمذهب أهل الحديث كان مختصراً ، ولما ذكره أشار إلى أنه به يقول وإليه يذهب، أما البغدادي فقد عرض أقوال الفرق بمنهج واضح ومرتب، واعتمد على حديث الافتراق الوارد، وساق بعض رواياته بأسانيده هو، ثم ذكر أنه مروي عن جمع من الصحابة ، ثم حصر أعداد الفرق لتوافق ما في الحديث، فذكر اثنتين وسبعين فرقة، ثم الفرقة الثالثة والسبعين وجعلها فرقة أهل السنة والجماعة على أنهم الفرقة الناجية، الواردة في الحديث.
ولما شرح اعتقاد هذه الطائفة ذكر عقائد الأشعرية مختصرة، وفصلها في كتابه (أصول الدين)، ولما كان هذا الكتاب أول كتاب في الفرق بعد مرحلة الأشعري، وجاء مرتباً على هذه الطريقة، توهم الكثيرون أن ما عرضه من عقائد الفرقة الناجية في كتابه هذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة الذي يجب اتباعه.
ب ـ حين ذكر أصناف أهل السنة والجماعة أدخل فيهم مختلف فئات الناس على أنهم على هذا الاعتقاد الأشعري، فذكر أن منهم سالكي طرق الصفاتية من المتكلمين، الذين تبرؤا من التشبيه والتعطيل، كما ذكر أن منهم أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث وأدخل فيهم أصحاب المذاهب الأربعة وأهل الظاهر وغيرهم، كما ذكر أن منهم أهل الأدب والنحو والتصريف واللغة، فذكر أعلامهم، كما ذكر أن منهم علماء القراءات والتفسير، كما ذكر أن منهم الزهاد والصوفية، والمرابطين في الثغور، وعامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة، وبذكر هذه الأصناف كلها، ونسبتها في الاعتقاد إلى مذهب الأشاعرة يكون البغدادي قد ادعى أن انتشار المذهب الأشعري عند هؤلاء دليل على أنه الحق.
جـ ـ ولما كان مذهب الأشاعرة اعتمد على مناهج أهل الكلام، فإن البغدادي حرص على أن ينسب لأعلام الصحابة والسلف أنهم من المتكلمين، فذكر أن منهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لأنه ناظر الخوارج، وعبد الله ابن عمر لكلامه في القدرية وبراءته منهم، وعمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وأن له رسالة في الرد على القدرية، وزيد بن علي بن الحسين، والحسن البصري، والزهري، والشعبي، وجعفر الصادق، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف صاحب أبي حنيفة, ثم ذكر أعلام الكلابية والأشعرية الذين سبقوه أو عاصروه.
بهذا المنهج المتميز الذي لم يكن معهوداً في مؤلفات ذلك العصر - مع حسن العرض والترتيب والتبويب - استطاع البغدادي أن ينشر بين الناس أن المذهب الأشعري هو المذهب الصحيح، وأنه المذهب الذي يتبناه أعلام الإسلام على مختلف تخصصاتهم وميولهم، وعلى ذلك فليس الأشاعرة فرقة من فرق المسلمين، وإنما عقيدتهم هي عقيدة جمهور أهل السنة من المسلمين.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/569
البيهقي: ت 458 هـ
إذا كان الباقلاني، وابن فورك، والبغدادي، يمثلون مرحلة زمنية معينة بالنسبة للمذهب الأشعري - وقد سبق عرض دور كل واحد منهم في تطوره - فإن البيهقي المتوفى سنة 458هـ ، والقشيري المتوفى سنة 465هـ، والجويني المتوفى سنة 478هـ، يمثلون مرحلة تالية، وقد أخذ التطور في هذه المرحلة أبعاداً أخرى:
أ ـ فالبيهقي: مجدد المذهب الشافعي في الفقه، وأحد أعلام المحدثين، كان له دور في ربط المذهب الأشعري بالفقه الشافعي، ثم في دعم الأشاعرة من خلال حرصه على الحديث وروايته، ولبيان أن ذلك لا يخالف منهج الأشاعرة الكلامي.
ب ـ والقشيري أدخل التصوف في منهج وعقائد الأشاعرة.
جـ ـ والجويني خطا خطوات بالمذهب نحو الاعتزال.
والبيهقي هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الخسروجردي، البيهقي  أبو بكر، الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام ، ولد سنة 384هـ ، وتتلمذ على يد عدد كبير من الشيوخ، منهم أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن فورك، وأبو الفتح العمري - شيخه في الفقه - وأبو محمد الجويني، وأبو ذر الهروي، وعبد القاهر البغدادي، وأبو عبد الله الحليمي، وغيرهم، وكان واسع الرحلة كثير الرواية، له التصانيف المتعددة، فكان كما قال الذهبي "ممن بورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة" ، وقال: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جوّد تواليفه مثل الإمام أبي بكر" ، وقال فيه إمام الحرمين: "ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه" ، قال الذهبي معلقاً: "قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيه الحديث". أما تلاميذه فمنهم ابنه إسماعيل، وحفيده عبيد الله بن محمد بن أحمد، وأبو عبد الله الفراوي، وأبو زكريا بن منده، وغيرهم.
عقيدة البيهقي ومنهجه:
1ـ إذا كان البيهقي من المبرزين في الحديث والفقه فلماذا اهتم بالعقيدة، والتأليف فيها، ثم تأويل النصوص الواردة في الصفات؟ وإذا كان قد ألف في إثبات عذاب القبر، والرؤية، وما يتعلق بالبعث من الشفاعة, والميزان, والحوض، وهذه الأمور مما أنكرته أو أوّلته المعتزلة - والرد عليهم من سمات أهل السنة -، فلماذا حرص على التأليف في الأسماء والصفات واستقصاء جميع ما ورد في ذلك من الألفاظ والروايات وغالبها مما يؤول الأشاعرة؟ لقد ذكر البيهقي في ثنايا كتابه (الأسماء والصفات) إشارة إلى سبب تأليفه إذ قال:- في معرض تأويله الصورة- "ومعنى هذا فيما كتب إليّ الأستاذ أبو منصور محمد بن الحسن ابن أيوب الأصولي - رحمه الله - الذي كان يحثني على تصنيف هذا الكتاب، لما في الأحاديث المخرجة فيه من العون على ما كان فيه من نصرة السنة وقمع البدعة، ولم يقدر في أيام حياته لاشتغاله بتخريج الأحاديث في الفقهيات على مبسوط أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - الذي أخرجه على ترتيب مختصر أبي إبراهيم المزني - رحمه الله - ولكل أجل كتاب" ، وهذا الذي أوصى البيهقي بتأليف كتاب في الأسماء والصفات هو أحد أعلام الأشاعرة، كان من أخص تلاميذ ابن فورك حتى أنه زوجه من ابنته الكبرى ومما قيل في ترجمته أنه: "الأستاذ الإمام، حجة الدين، صاحب البيان، والحجة والبرهان، واللسان الفصيح، والنظر الصحيح، أنظر من كان في عصره، ومن تقدمه، ومن بعده على مذهب الأشعري، واتفق له أعداد من التصانيف المشهورة المقبولة عند أئمة الأصول مثل تخليص الدلائل، تتلمذ للأستاذ أبي بكر بن فورك في صباه، وتخرج به، ولزم طريقته، وجد واجتهد في فقر وقلة من ذات اليد... وكان أنفذ من الأستاذ وأشجع منه، توفي في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة " ، وعلى هذا فالبيهقي ألف كتابه استجابة لطلب أستاذه خدمة للمذهب الأشعري - الذي كان أحد أعلامه - ولذلك حشاه بالنقول
من أقوالهم وتأويلاتهم إضافة إلى تأويلاته هو، وما أدري ما قصد البيهقي بقوله السابق: "لما في الأحاديث المخرجة فيه من العون على ما كان فيه من نصرة السنة وقمع البدعة" ، هل يقصد بدعة التعطيل، أو بدعة الإثبات ورفض التأويل التي يسمونها تجسيماً أو تشبيهاً؟! الذي يترجح من خلال معرفة حال شيخ الجميع ابن فورك، وتلميذه - أبي منصور الأيوبي - وحال البيهقي في تأويلاته في كتابه هذا أنه قصد قمع بدعة الإثبات التي يزعمون أن فيها تشبيهاً، والله أعلم.
والخلاصة أن البيهقي بهذا المنهج الذي سلكه تحولت معرفته في الحديث وإمامته فيه إلى خدمة أهل التأويل لا إلى خدمة مذهب أهل الحديث والسنة، وهذا من باب العقائد دون الأحكام.
2ـ نقد البيهقي بعض الروايات والأحاديث نقداً لا يتفق مع منهج المحدثين في قبول الروايات أو ردِّها ومن ذلك ما ذكره البيهقي من أن "الصوت" لم يرد في صفة كلام الله عز وجل فقد قال بعد ذكر رواية البخاري: " ثم يناديهم بصوت..": "هذا حديث تفرد به القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل .. (ثم ذكر أن القاسم وابن عقيل لم يحتج بهما الشيخان، وأن ابن عقيل أيضاً متهم بسوء الحفظ ثم قال:) ولم يثبت صفة الصوت في كلام الله عز وجل أو في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه، وليس بنا ضرورة إلى إثباته، وقد يجوز أن يكون الصوت فيه إن كان ثابتاً راجعاً إلى غيره.." ، ثم شرع في ذكر الروايات الدالة على الصوت وتضعيفها، وهذا من مثل البيهقي المحدث كبير لا يحتمل، لأن فيه محاولة لتضعيف الأحاديث الثابتة لأجل أن تسلم الأصول الكلامية والعقلية التي يؤمن بها، وهذا منهج المتكلمين وليس منهج المحدثين، ولهذا كان تعليق الحافظ ابن حجر على كلام البيهقي بعد نقله له أقرب إلى منهج أهل الحديث من منهج البيهقي فقد قال - وهو الذي يميل إلى مذهب الأشاعرة - : "هذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أن الله لم يُسمع أحداً من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه، وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنها التي عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة ..." ، لكن تمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة  وجب الإيمان به، ثم إما التفويض وإما التأويل ، وهذا بناءً على منهج ابن حجر المخالف لمنهج أهل السنة، لأن منهجهم ليس التفويض أو التأويل، بل الإثبات للنصوص على ما دلت عليه مع نفي التشبيه والتكييف لها، والشاهد من كلام ابن حجر قوله: "وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به" فأين هو من كلام البيهقي الذي حاول تضعيف الروايات الواردة فيه؟.
وقد وقع للبيهقي ما هو شبيه بهذا في مواضع أخرى، مثل حديث ((لا شخص أغير من الله)) رواه مسلم (1499). ، فقد نقل عن الخطابي ترجيحه أن هذه اللفظة مصحفة، ثم قال البيهقي معلقاً: "ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله سبحانه شخصاً .." ((الأسماء والصفات)) (ص 287- 288). ، ثم فصل القول في تأويلها، وهذه اللفظة رواها مسلم، والبخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كما رواها غيرهما، والحري بالبيهقي المحدث أن يرد على الخطابي دعواه أنها مصحفة ويبين ثبوتها، ثم يشرحها، ويبين مذهبه فيها.
ومثله ما ذكره في باب ما ذكر في الأصابع، فإنه نقل كلاماً للخطابي حول حجية السنة إذا عارضها المعقول، كما نقل نفيه ورود الأصابع لا في كتاب ولا سنة، ولم يرد البيهقي على الخطابي في أقواله تلك، بل أورد تأويلاته وتأويلات أبي الحسن الطبري وغيره للأحاديث الواردة في ذلك، وعبارة الخطابي: إنها لم ترد في كتاب ولا سنة, ولا يجوز السكوت عنها.
3ـ اعتمد البيهقي في شرح نصوص الصفات أو تأويلها، بعد سياقه لأسانيدها اعتمد على أقوال مجموعة من علماء الأشاعرة ومنهم:
أ ـ الحليمي، وهو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، المعروف بالحليمي الجرجاني، المتوفى سنة 403هـ، وهو أحد أعلام الأشاعرة في الحديث, والفقه, والكلام، نقل عنه البيهقي كثيراً في (الجامع لشعب الإيمان)، وفي (الأسماء والصفات).
ب - أبو سليمان الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة 388هـ، وقد نقل البيهقي عنه كثيراً جداً في الأسماء والصفات، واعتمد على أقواله وتأولاته.
جـ ـ أبو الحسن الطبري - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في ترجمته -.
د ـ وغيرهم من الأشاعرة، كالأشعري، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي بكر الصبغي، والمحاسبي، وابن فورك، وغيرهم.
وكان اعتماد البيهقي على هؤلاء يتم غالباً بالنقل الحرفي من كلامهم، بذلك امتزجت كتبه الحديثية - في العقيدة - بمقولات هؤلاء، فمثلاً في كتابه (الجامع لشعب الإيمان) لما تحدث عن الشعبة الأولى وهي الإيمان بالله عز وجل، ذكر أن دليل معرفة الله تعالى هو دليل حدوث الأجسام، ثم شرحه وأطال فيه، ونقل عن الحليمي أقواله فيه، وفي مناسبة أخرى لما ذكر البيهقي حديث الجارية: أين الله؟ قالت في السماء، تكلم في تأويله بكلام عجيب, وأوّله بما يدل على أنه لا يقول بإثبات العلو لله تعالى.
4ـ دافع البيهقي عن علم الكلام، ولما ذكر أقوال الشافعي المشهورة في ذم الكلام وأهله، علق البيهقي على ذلك مبرراً ما فعله العلماء من الأخذ بالعقل أو علم الكلام، وفي مناقب الإمام أحمد له نقل عن الإمام أحمد أنه قال بتأويل بعض نصوص الصفات، ولما ذم الشافعي الصوفية دافع البيهقي عنهم، بل ونقل إباحة أنواع من السماع.
ومما ينبغي ملاحظته أن البيهقي مع أقواله الموافقة لمذهب الأشاعرة في مسائل حدوث الأجسام، وحلول الحوادث، وتأويل الاستواء, والنزول, والمجيء، والضحك, والعجب، ونفيه العلو (الجهة)، وتأويله للقدم والأصابع، وغيرها - إلا أن قال بإثبات الوجه, واليدين, والعين بلا تأويل، فهو بذلك قد خالف شيخه البغدادي.
5ـ قام البيهقي بدور عملي في الفتنة التي وقعت على الأشاعرة، المعروفة بفتنة القشيري، والتي وقعت سنة 445هـ، واستمرت سنوات، وفيها لعنت المبتدعة وفيهم الأشعرية، حتى اضطر كثير من الأشاعرة إلى الهجرة من خراسان، وكان منهم القشيري والجويني وغيرهما، وفي سنة 450هـ، حج هؤلاء ومعهم البيهقي، وفي سنة 456هـ قتل الوزير الكندري - صاحب الفتنة - وكان قد تولى ألب أرسلان واستوزر نظام الملك الذي قام بنصرة الأشاعرة وبنى لهم المدارس المعروفة.
وكان البيهقي من القلائل الذين دافعوا عن الأشعري والأشاعرة، وكتب من بلدته بيهق رسالة إلى العميد يشرح له الحال, ويمدح الأشعري وأسرته، بل ويجعله أحد المجددين، وبعد ذكر فضل أبي موسى الأشعري وقومه الأشعريين الذين انفردوا من بين الوفود بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن علم الأصول وحدوث العالم - كما يقول البيهقي - يقول: "فمن تأمل هذه الأحاديث وعرف مذهب شيخنا أبي الحسن رضي الله عنه في علم الأصول، وعلم تبحره فيه أبصر صنع الله عزت قدرته في تقديم هذا الأصل الشريف لما ذخر لعباده من هذا الفرع المنيف الذي أحيا به السنة, وأمات به البدعة, وجعله خلف حق لسلف صدق" ، ثم يأمره في آخر الرسالة بالسعي لإطفاء الفتنة، وأن يستدرك ما وقع من هذه المحنة.
فهذه الجهود العظيمة التي قام بها البيهقي في خدمة ودعم المذهب الأشعري - وهو الإمام الفقيه المحدث - توضح دوره في إعادة الثقة بهذا المذهب.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/580

القشيري: ت 465هـ
هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري النيسابوري، ولد سنة 375هـ، تتلمذ على يد مجموعة من العلماء منهم الحاكم، وابن فورك، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو إسحاق الإسفراييني وغيرهم، وتتلمذ في التصوف على شيخه أبي علي الدقاق وتزوج من ابنته.
ولما وقعت الفتنة على الأشاعرة ترك القشيري بلده واتجه إلى بغداد ثم إلى الحج بصحبة الجويني -إمام الحرمين- والبيهقي- ثم عاد بعد نهاية الفتنة إلى نيسابور حيث تولى ألب أرسلان واستوزر نظام الملك الذي كان يقدر القشيري والجويني كثيراً، فعاش القشيري بقية عمره محترماً مقدراً ذا مكانة ومنزلة عالية إلى أن توفي سنة 465هـ، ومن أبرز تلاميذه أولاده ومنهم: عبد الله، وعبد الواحد، وأبو نصر عبد الرحيم، كما تتلمذ عليه زاهر الشحامي، ومحمد بن الفضل الفراوي، وغيرهم
عقيدة القشيري ودوره في تطور المذهب الأشعري:
لم يؤلف القشيري كتاباً خاصاً في العقيدة ومسائلها، حتى كتابه (شرح أسماء الله الحسنى)، يدور على التصوف و "علم التذكير" و "الاتعاظ" كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه حين بين سبب تأليفه ، وكذلك رسالته (الشكاية) هي في الدفاع عن الأشعري وما اتهم به من أمور كانت سبباً في المحنة التي جرت على القشيري وأصحابه، أما غالب كتبه - حتى كتابه في التفسير - فهي في التصوف، ولذلك اشتهر القشيري بالتصوف أكثر من شهرته كعلم من أعلام الأشاعرة.
ومع ذلك فليس من العسير استخلاص مذهبه وآرائه في العقيدة، - التي وافق فيها المشهور من مذهب الأشاعرة - من خلال ما يشير إليه في ثنايا كتبه المختلفة.
فالقشيري ممن ينكر قيام الصفات الاختيارية بالله -وهي مسألة حلول الحوادث - ولذلك فهو يقول بأزلية المحبة، والرضا والغضب، كما أنه ينكر العلو، وينقل عن غيره من الصوفية تأويلاتهم للاستواء وأنه لا يدل على العلو، ويقول: إن الله يرى بلا مقابلة، وهو يثبت الصفات السبع مع صفة البقاء، ويستدل لبعضها بالعقل، ويتأول صفة المحبة، والضحك، وفي القدر مع إثباته له ينكر التعليل، ويقول: إن القدرة مع الفعل فقط، كما هو مذهب الأشاعرة، وحين يتحدث عن معنى "التوحيد" يرى أنه يشمل الأقسام الثلاثة المشهورة عند أهل الكلام وهو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، كما أنه يرى أن الواجب الاشتغال بالتأويل الصحيح، ويرد على من يسميهم بالحشوية، ويرى أن كثيراً ممن يناظره في زمنه ليس له تحقيق ولا تحصيل، وفي مسألة النبوة والمعجزات ينقل عن الباقلاني.
أما دور القشيري في المذهب الأشعري وتطويره فتتمثل في جانبين:
أحدهما: دفاعه عن الأشاعرة وقت المحنة التي مروا بها، وقد فاق في دفاعه عنهم أقطاب الأشاعرة في زمنه، وكتب رسالته " الشكاية " يبث فيها أشجانه, ويدافع عن الأشعري وعن الأشاعرة, ويرد على التهم الموجهة إليهم، ويصور الأمر وكأنه ليس في الأمة الإسلامية إلا الأشاعرة، والمعتزلة، وأن قول الأشاعرة إذا بطل لا يبقى إلا قول المعتزلة فهل يكون هو المعتمد؟! يقول القشيري بعد كلام طويل: " وإذا لم يكن في مسألة لأهل القبلة غير قول المعتزلة، وقول الأشعري قول زائد، فإذا بطل قول الأشعري فهل يتعين بالصحة أقوال المعتزلة، وإذا بطل القولان فهل هذا إلا تصريح بأن الحق مع غير أهل القبلة؟! وإذا لعن المعتزلة والأشعري في مسألة لا يخرج قول الأمة عن قوليهما، فهل هذا إلا لعن جميع أهل القبلة؟! ، ثم يذكر المسائل التي نقمت على الأشعري ولعن من أجلها، ويناقشها واحدة واحدة وأهم هذه المسائل:
أ ـ اتهامه مع أصحابه أنهم يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بنبيٍّ في قبره ولا رسول بعد موته، ويرد هذه التهمة ويذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم حيٌ في قبره ويذكر الأدلة على ذلك ، وهذه أيضاً أوقعت الأشاعرة في مشكلة أخرى وهي كيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حياً في قبره، وما معنى هذه الحياة وما مداها، والإجابة عن هذه الأسئلة مما يثير التساؤل حقاً، خاصة في ظل التصاق التصوف بالمذهب الأشعري، ومن المعلوم أن البيهقي ألف رسالة في حياة الأنبياء في قبورهم ولا شك أنه ألفها بسبب ما أثير في هذه المحنة.
ب ـ أن الأشعري يقول: إن الله لا يجازي المطيعين على إيمانهم وطاعتهم، ولا يعذب الكفار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم، ويرد على ذلك موضحاً مذهب الأشاعرة في القدر.
جـ ـ في مسألة كلام الله وأن موسى لم يسمع كلام الله، وأنه ليس القرآن في المصحف وقد أجاب القشيري عن ذلك موضحاً مذهب الأشاعرة.
د ـ أن الأشعري يكفر العوام الذين لا يملكون النظر والاستدلال، وقد رد القشيري على ذلك.
هـ ـ أن الاشتغال بعلم الكلام بدعة، وقد دافع القشيري عن علم الكلام، وأن القول بأنه بدعة صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم.
وبهذا الدفاع الذي جاء بأسلوب بث الشكوى برز القشيري كعلم من أعلام الأشاعرة، وكان لذلك دوره في تبني ما كان عنده من تصوف.
الجانب الآخر: إدخال التصوف في المذهب الأشعري، وربطه به، وذلك حين ألف القشيري رسالته المشهورة في التصوف وأحواله وتراجم رجاله المشهورين، فذكر في أحد فصول الرسالة، وفي ثناياها أن عقيدة أعلام التصوف هي عقيدة الأشاعرة فنسب إليهم أنهم يقولون: "إنه أحدي الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبه شيء من المخلوقات ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصه هيئة وقد، ولا يقطعه نهاية وحد، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث... ولا يُقال له: أين، ولا حيث, ولا كيف... يُرى لا عن مقابلة... خالق أكساب العباد" ، ويركز على نفي أن الله في جهة العلو، ثم يقول في أواخر الرسالة: "فإذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول، ومشايخهم أكبر الناس، وعلماؤهم أعلم الناس، فالمريد الذي له إيمان بهم: إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم فهو يساهمهم فيما خصوا به من مكاشفات الغيب، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة، وإن كان مريداً طريقة الأتباع وليس بمستقل بحاله، ويريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه وليجر على طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى به من غيرهم" ، فهو يرى أن من أراد دخول طريقة التصوف كوشف مع شيوخه، ومن لم يرد دخول طريقة التصوف فعليه بتقليدهم في العقائد لأنهم أولى من غيرهم.
ودعوى القشيري أن هذه عقائد شيوخ الصوفية ليست مسلمة، وليس هذا موضع مناقشة ذلك، ولكن الذي حدث هو تبني أعلام الأشاعرة للتصوف وتمثل ذلك بشكل واضح في الغزالي ومن جاء بعده.
على أنه يجب أن لا يغيب عن البال هنا أن هناك من الأشاعرة من سبق القشيري إلى نوع من الارتباط بالتصوف، فالمحاسبي الكلابي تصوفه مشهور، وكذلك كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الأشعري بندار خادمه، وعبد الله ابن خفيف, وكانا من المتصوفة المشهورين، وعبد القاهر البغدادي ذكر أنه: "قد اشتمل كتاب (تاريخ الصوفية) لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية ما فيهم واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنة سوى ثلاثة" ، والبغدادي يقصد بأهل السنة الأشاعرة، ولكن الذي تميز به القشيري أنه ذكر قواعد التصوف وأصوله، وأحوال المريدين، وآداب الصوفية، ودعا إلى سلوك طريقتهم، وفي أثناء ذلك نسب إليهم العقائد الأشعرية، وأنهم يخالفون المعتزلة والمشبهة.
وقد يظن البعض أن تصوف القشيري كان تصوفاً سنياً، بعيداً عن شطحات وبدع الصوفية، ولكن المتمعن في كتبه يجد غير ذلك، وقد كتبت دراسات عن القشيري وتصوفه ، ويمكن الإشارة باختصار إلى القضايا التالية في تصوفه:
أ ـ صلته بطائفة الملامتية، التي انتشرت في بلده نيسابور، وقد ترجم لبعض أعلامها، ويربط بعض الدراسين بين ما عند هذه الطائفة من كتمان لأحوالهم وما عند الرافضة من التقية، ويشير إلى أمر مستغرب وهو أن القشيري لم يرد على طائفة الملامتية الذين عظم شأنهم في زمنه.
ب ـ إيمانه بوجود القطب، والأوتاد، والأبدال، والغوث، وتفسير القرآن بما يوافق ذلك، فمثلاً يقول في قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ [الكهف: 47]، "كما تقتلع الأرض يوم القيامة بأوتادها، تسير اليوم بموت الأبدال الذين هم والقطب كجبال الأرض، إذ هم في الحقيقة أوتاد العالم" ، ويقول في قوله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ [النحل: 15]، "في الظاهر الجبال، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخلق، وبهم يرحم ربهم عباده، ومنهم أبدال ومنهم أوتاد، ومنهم القطب".
جـ ـ إقراره لما يقع للمتصوفة في حال فنائهم بربهم إلى حد أن يقول أحدهم: أنا الحق أو سبحاني، يبرر ذلك.
د ـ قوله أن "هو" اسم موضوع للإشارة، وأنه عند الصوفية إخبار عن نهاية التحقيق، وينقل عن ابن فورك أنه قال: "هو: حرفان، هاء وواو، فالهاء تخرج من أقصى الحلق، وهو آخر المخارج، والواو تخرج من الفم، وهو أول المخارج، فكأنه يشير إلى ابتداء كل حادث منه وانتهاء كل حادث إليه" ، ويقول: إن أهل الإشارة يقولون: "إن الله كاشف الأسرار يقول هو وكاشف القلوب بما عداه من الأسماء".
هـ ـ دعوته إلى أدب المريد مع الشيخ، وأنه يجب عليه أن يكون بره بشيخه أكثر من بره بوالديه، ويروي عن أبي عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول: "من قال لأستاذ: لم، لا يفلح أبداً"، ويقول بعد ذكر قصص الصوفية الغريبة: "اعلم أن هذه الألفاظ توهم ظواهرها، وإنما يقف على معانيها ومرمى القول فيها من جمع بين حقائق الأصول وبين شيء من علوم هذه الطائفة، وتحقق ولو بشظية من معانيه، وإلا وقع في الاعتراض على السادة، ونعوذ بالله من تلك العقوبة" ، ويقول بعد ذكر قصة لهم: "وهكذا سنة الله في أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ مرتبتهم".
و ـ يذكر القشيري الخلاف في الولي: هل يجوز أن يعلم أنه ولي أم لا فيقول: "كان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول: لا يجوز ذلك، لأنه يسلبه الخوف ويوجب له الأمن، وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول بجوازه" ، قال القشيري: "وهو الذي نؤثره ونقول به، وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء".
ز ـ ينصح المريدين بسلوك طريق الصوفية، ويفضلهم على أهل النقل والأثر وأرباب العقل والفكر، ويرى أن الصوفية أهل الوصال، والناس أهل الاستدلال، ويرى ليس هناك عصر من العصور إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة، وأن علماء الوقت يخضعون له ويتبركون به، ويذكر قصة لأحمد بن حنبل والشافعي مع شيبان أحد الصوفية، ويرى على المريد إذا لم يجد من يتأدب معه في بلده أن يهاجر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين، ثم يقيم عليه ولا يبرح عن سدته - أي داره - إلى وقت أن يأذن له الشيخ، ثم يعقب القشيري بكلام خطير حين يقول: "إن تقديم معرفة رب البيت - سبحانه - على زيارة البيت واجب، فلولا معرفة رب البيت ما وجبت زيارة البيت" ، وينعى على الشبان الذين يحجون من غير إشارة الشيوخ.
ح ـ إباحته للسماع، وذكره للأدلة في ذلك، ومناقشته للمخالفين.
هذه مقتطفات من منهج وأصول القشيري أحد أعلام الأشاعرة، وهي تبين مدى صلته بالصوفية وتمكنه فيها حتى صار شيخاً فيها، ومدى ثقته بعقيدة الأشاعرة حتى نسب إلى شيوخ الصوفية أنهم لا يخالفونها، ولا شك أن القشيري يمثل مدرسة كان لها الأثر الكبير في عقائد ومنهج الأشاعرة.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/591
الجويني: ت 478هـ.
أحد الأعلام المشهورين، وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية، الجويني، النيسابوري، أبو المعالي، إمام الحرمين، ولد سنة 419هـ، وتتلمذ على يد والده أبي محمد الجويني، وجماعة منهم أبو القاسم الإسفراييني الإسكاف واسمه عبد الجبار بن علي، وأبو عبد الله الخبازي: محمد بن علي بن محمد بن حسن، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني وأبو القاسم الفوراني، وابن الزكي أبو حسان محمد بن أحمد، وغيرهم، كما تتلمذ عليه مجموعة منهم أبو حامد الغزالي، وأبو طاهر إبراهيم بن المطهر الجرجاني، وإسماعيل بن أحمد أبو سعد بن أبي صالح المؤذن، وأبو القاسم الأنصاري - شارح الإرشاد - وعبد الرحيم بن عبد الكريم أبو نصر القشيري، وعلي بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراسي، وغيرهم.
اشتهر الجويني - خاصة بعد فتنة الأشاعرة والتي بسببها جاور في الحرمين وسمي إمام الحرمين - كأحد أعلام الشافعية والأشعرية بعد تدريسه في نظامية نيسابور قرابة ثلاثين عاماً إلى أن توفي سنة 478هـ,......
منهج الجويني وأثره في تطور المذهب الأشعري:
يعتبر الجويني إمام الحرمين من أعظم أعلام الأشاعرة، ولا يكاد يذكر المذهب الأشعري إلا ويسبق إلى الذهن هذا الإمام المشهور كأحد من يتمثل هذا المذهب في أقواله وكتبه، ولذلك فاستعراض عقيدته وأقواله تدل على أشعريته وموافقته لشيوخه الأشاعرة مما لا داعي لبسطه هنا، وإنما المقصود الإشارة إلى عموم منهجه الذي طور فيه هذا المذهب، ويمكن عرض ذلك من خلال ما يلي:
أ ـ تجديده في داخل المذهب الأشعري، فالجويني وإن تبنى أقوال شيوخه السابقين ونقلها إلا أنه رد أو ناقش منها ما يرى أنه يستحق الرد والمناقشة بل إمام الأشاعرة أبو الحسن الأشعري الذي يذكره الجويني غالباً بقوله: قال شيخنا أو ذهب شيخنا، ودافع عن كتابه (اللمع) فيما وجه إليه من المطاعن من قبل المعتزلة وغيرهم؛ لم يسلم من تضعيف أقواله، ومن الأشاعرة - بعد الأشعري - الذين نقل أقوالهم الجويني وناقش بعضها: الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفراييني، وابن فورك، ومن ثم فيلاحظ في منهج الجويني بهذا الخصوص ما يلي:
1 ـ إن الجويني ضعف التأويل المشهور - والمنسوب للأشعري - لبعض الصفات الفعلية مثل الاستواء, والنزول, والمجيء, من أنه فعل فعله الله في العرش سماه استواء، أو فعل يفعله كل ليلة، أو يوم القيامة سماه نزولاً أو مجيئاً، وترجيحه التأويل بالملك والغلبة بالنسبة للاستواء، وبنزول أو مجيء أمره أو بعض ملائكته.
2ـ نقده لمذهب الأشعري في مسألة تكليف مالا يطاق، يقول: "نقل الرواة عن الشيخ أبي الحسن الأشعري - رضي الله عنه - أنه كان يجوز تكليف مالا يطاق، ثم نقلوا اختلافاً عنه في وقوع ما جوزه من ذلك، وهذا سوء معرفة بمذهب الرجل، فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة، وهذا يتقرر من وجهين: أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل، والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه، وهو إذ ذاك غير مستطيع... والثاني: أن فعل العبد عنده واقع بقدرة الله تعالى، والعبد مطالب بما هو من فعل ربه ولا ينجى من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب، فإنا سنذكر سر ما نعتقده في خلق الأعمال" ، ثم رجح منع تكليف مالا يطاق، ورجح جواز ورود الصيغة به دون الطلب كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: 65]، وخلاصة قوله: "إنه يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن، ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه" ، فالجويني بهذا القول يكون قد بعد عن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة، ويزيدها إيضاحاً قوله في مسألة " قدرة العبد " هل تقارن المقدور أو تسبقه.
3ـ وفي مسألة الاستطاعة، أو القدرة الحادثة للعبد، ذكر مذهب أبي الحسن الأشعري أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه ثم قال بعد شرحه: "ومذهب أبي الحسن - رحمه الله - مختبط عندي في هذه المسألة" ، ثم قال: "ومن أنصف من نفسه علم أنه معنى القدرة التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل وهو غير مستحيل في واقع حادث في حالة الحدوث".
4- وفي مسألة أزلية كلام الله تعالى والخلاف الواقع بين الكلابية والأشعرية في أزلية الأمر والنهي- وهما من أجزاء الكلام عندهم- قال: "اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري- رضي الله عنه- مصيره إلى أن المعدوم وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو مأمور- معدوماً- بالأمر الأزلي، وقد تمادى المشغبون عليه، وانتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب، وقد سبق القلانسي  رحمه الله من قدماء الأصحاب- إلى هذا، وقال: كلام الباري تعالى في الأزل لايتصف بكونه أمراً ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لايزال عند وجود المخاطبين" ، ثم رد الجويني على القلانسي- الذي يمثل مذهبه مذهب الكلابية، ثم ذكر مسلكين لأئمة الأشاعرة في إثبات أن المعدوم مأمور، ثم ذكر طريقة أبي الحسن الأشعري في ذلك، ثم قال معلقاً: "هذا منتهى مذهب الشيخ (الأشعري) - رضي الله عنه- فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول، وقول القائل: إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس، فإنه إذا وجد، ليس معدوماً، ولاشك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا"- ثم قال بعد هذا الكلام مباشرة- معلناً حيرته في هذه المسألة العظيمة المتعلقة بكلام الله تعالى: "وإذا لاح ذلك بقي النظر في أمر بلا مأمور، وهذا معضل الأرب، فإن الأمر من الصفات المتعلقة بالنفس، وفرض متعلق لا متعلق له محال، والذي ذكره  في قيام الأمر بنا في غيبة المأمور تمويه، ولا أرى ذلك أمرا حاقاً، وإنما هو فرض تقدير- وما أرى الأمر لو كان كيف يكون- إذا حضر المٌخَاطَب قام بنفس الأمر إلحاق المتعلق به، والكلام الأزلي ليس تقديراً، فهذا مما نستخير الله تعالى فيه، وإن ساعف الزمان أملينا مجموعاً من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى" ، هذا منتهاه في مسألة من أهم المسائل التي تميز بها المذهب الأشعري.
4- ويرى الجويني أن الأشاعرة وضعوا بعض الأصول مثل: نفي التجسيم عن الله ومثل نفي العلو (الجهة)، ثم ذكر أن المعتزلة عجزوا عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسماً ، كما أن نفى الجهة لا يستقيم على أصولهم أيضاً ، والجويني بهذا الأسلوب يبرز مذهب الأشاعرة على أنه أكثر أصالة وأقوى أدلة في نفي بعض الصفات، ونفى العلو عن الله تعالى- من المعتزلة - الذين هم أهل التجهم والتعطيل، وهذا منهج للجويني في إعلاء المذهب الأشعري يعتمد على أسلوب غريب؛ إذ لو أنه ذكر أن أصول المعتزلة لا تستقيم على نفي الصفات السبع، أو الرؤية أو أن القرآن كلام الله غير مخلوق لكان هذا معتادا غير مستغرب، أما أن يذكر أن أصولهم لا تستقيم على نفي العلو, وإنما تستقيم الأدلة على أصولنا نحن الأشاعرة فهذا هو الذي يلفت الانتباه0
5-وفي مسألة أخبار الآحاد- وإفادتها للعلم ثم حجيتها في العقيدة- يسير الجويني في ركب غالب شيوخه في أنها لا تفيد العلم، وفي أحد المواضع في الشامل ذكر قولين أحدهما قول الباقلاني: إنه لا يقطع بها في القطعيات، الآخر قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الذي ذكره قائلاً: "وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن الحديث المدون في الصحاح الذي لم يعترض عليه أحد من أهل الجرح والتعديل، هو مما يقضي به في القطعيات، وليس من أصله أنه يبلغ مبلغ التواتر، إذ لو بلغه لأوجب العلم الضروري، ولكنه مما يتوجب العلم استدلالاً ونظراً" ، ثم قال الجويني: "والصحيح في ذلك طريقة القاضي" ،وفي البرهان كانت عبارة قاسية جداً فيمن يقول إن خبر الواحد العدل يفيد العلم، يقول: "ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب".
ب- تأويله للاستواء وللصفات الخبرية:
في العرض السابق لأقوال شيوخ الأشاعرة- قبل الجويني- تبين أن تأويل هذه الصفات كان موجودا قبل الجويني، وليس كما اشتهر من أنه أول من تأولها، ومع ذلك فللجويني مذهب متميز فيها، قرب فيه من مذهب المعتزلة0
ويوضح ذلك أن السابقين كابن فورك ومن بعده قالوا بنفي الجهة، ثم قالوا في الاستواء: إنه بمعنى العلو بالقهر والتدبير - كما يقول ابن فورك- أو على معنى الملك - كما يقول البغدادي - لكنهم أبطلوا تأويل المعتزلة استوى باستولى، فلما جاء الجويني ذكر أن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقال: "لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة، وذلك شائع في اللغة، إذ العرب تقول: استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك، واستعلى على الرقاب، وفائدة تخصيص العرش بالذكر أنه أعظم المخلوقات في ظن البرية، فنص تعالى عليه تنبيهاً بذكره على ما دونه، فإنه قيل: الاستواء بمعنى الغلبة ينبئ عن سبق مطامحة ومحاولة؟ قلنا: هذا باطل، إذ لو أنبأ الاستواء عن ذلك لأنبأ عنه القهر، ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق، والتزام ذلك كفر" ، ثم ذكر أنه لا يبعد تفسير الاستواء بالقصد، ثم ذكر التفويض ورده. أما في الشامل فذكر عدة أقوال فيه: منها التفويض مع القطع بنفي الجهات والمحاذيات، بحيث يكون الاستواء من الأسرار التي لا يطلع عليها الخلائق، والله تعالى مستأثر بعلمها، ثم قال: "ذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستواء: الاقتدار والقهر والغلبة، وذلك سائغ في اللغة، شائع فيها، إذ القائل يقول: استوى المالك على الإقليم، إذا احتوى على مقاليد الملك فيه، ومنه قول القائل:


قد استوى بشر على العراق





من غير سيف أو دم مهراق

وقول آخر:


ولما علونا واستوينا عليهم





 تركناهم صرعى لنسر وكاسر

ثم ذكر الاعتراض الذي أورده في الإرشاد وأجاب عنه بمثل ما أجاب به هناك ، ثم ذكر القول الآخر أنه بمعنى القصد والإرادة، وقول الأشعري أنه فعل فعله في العرش واستبعده، أما في (لمع الأدلة) - المختصر في العقائد - فلم يذكر سوى التأويل: حيث قال: "المراد بالاستواء القهر والغلبة والعلو، ومنه قول العرب: استوى فلان على المملكة - أي استعلى عليها واطردت له" ومنه قول الشاعر:
"قد استوى بشر...." ، وفي النظامية - وهي من آخر مؤلفاته - قطع بتنزيه الله عن الاختصاص ببعض الجهات، ثم ذكر أن مذهب السلف إجراؤها على الظاهر دون تأويل، وهو ما رجحه.
هذه خلاصة أقوال الجويني في الاستواء، ومنه يتبين أن ما اختاره في (لمع الأدلة) وقال بجواز القول به في الإرشاد والشامل هو قول المعتزلة، الذي رده شيوخ الجويني، كابن كلاب والأشعري والباقلاني والبيهقي وغيرهم، وبذلك يصبح الجويني أول من ارتضى هذا التأويل الاعتزالي المشهور.
أما الصفات الخبرية فقسمان: ما عدا صفة الوجه والعين واليدين، فقد تأوّله غالب الأشاعرة ومنهم أبو الحسن الطبري، والبغدادي والبيهقي وغيرهم ومشى على طريقتهم الجويني ، وذلك مثل صفة القدم، والساق، والأصابع وغيرها، فالجويني ليس في مذهبه جديد في هذا، أما صفة الوجه والعين واليدين فجمهور شيوخ الجويني من الأشاعرة على إثباتها بلا تأويل، والذي أثر عنه تأويلها عبد القاهر البغدادي - كما سبق تفصيل ذلك - ولم يقل بقول البغدادي في تأويلها أحد من تلامذته، ومنهم البيهقي الذي أثبتها بلا تأويل، فلما جاء الجويني قطع بتأويلها، وإن كان قد رجع عن ذلك عن النظامية، يقول الجويني في الإرشاد: "ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين, والعينين, والوجه صفات ثابتة للرب تعالى، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل، والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود" ، ثم شرح ذلك ورد على الذين يعتقدون أنها صفات لله تعالى لورود النصوص الصريحة بذلك ، ثم يسوق الجويني كلاماً في الرد على شيوخه الأشاعرة المثبتين لهذه الصفات نهج فيه منهج المعتزلة الذين يصفون الأشاعرة حين يثبتون بعض الصفات دون بعض بأنهم متناقضون لأن مساق الصفات واحد فإما أن تثبت جميعاً أو تؤول جميعاً، يقول الجويني هنا: "ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات (أي صفات اليدين والعين والوجه) بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء, والمجيء, والنزول, والجنب من الصفات، تمسكاً بالظاهر، فإن ساق تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضاً طريق التأويل فيما ذكرناه " ، و لاشك أن الجويني معه الحق فيما يقول، لأن تأويل شيوخه لصفات الاستواء, والنزول, والمجيء ليس بأولى من تأويل الصفات الخبرية، ودلالات النصوص واحدة.
وفي الشامل تأوّل الجويني النصوص الواردة في العين، أما في النظامية فقد رجع عن التأويل فيها كلها إلى التفويض.
ومما سبق يتبين أن الجويني وإن كان قد سبق إلى تأويل الاستواء, والوجه, واليدين, والعين - إلا أن مذهبه فيها تميز بأمرين:
الأول: اختيار تأويل الاستواء بالاستيلاء والملك - كقول المعتزلة - وهذا التأويل بالذات رده شيوخ الأشاعرة ومنهم عبد القاهر البغدادي الذي قال بعد أن رد تأويل المعتزلة بأن الصحيح تأويل العرش على معنى الملك أي أن الملك ما استوى لأحد غيره ، وهذا القول للبغدادي ليس ببعيد من قول المعتزلة، ومع ذلك فلم يجسر على مخالفة شيوخه الذين ردوا تأويل المعتزلة للاستواء، فلما جاء الجويني أزال هذا الحاجز، ورأى أنه لا فرق بين التأويلين، ولذلك نص على تأويل المعتزلة واختاره.
الثاني: التأويل الصريح لصفة الوجه واليدين والعين، مع إلزام الأشاعرة أن تأويلها لازمهم كتأويل الاستواء والنزول.
جـ ـ قربه من المعتزلة ومذهبهم:
يجمع الباحثون على تأثر الجويني بالمعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة، وما تقدم - في الفقرة السابقة - دليل واضح على قربه منهم وتأثره بهم، ومن الأدلة والشواهد على ذلك ما يلي:
1ـ إن الجويني في مسألة كلام الله والقرآن، لما شرح مذهب الأشاعرة، ورد على المعتزلة قال: "واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن ما أثبتوه وقدّروه كلاماً فهو في نفسه ثابت، إنه كلام الله تعالى إذ (لعل صوابها إذا) رد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والتسميات فإن معنى قولهم: هذه العبارات كلام الله، أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته، والكلام الذي يقضي أهل الحق بقدمه هو الكلام القائم بالنفس، والمخالفون ينكرون أصله ولا يثبتونه" ، والجويني لم يخالف في هذا بقية الأشاعرة لأنهم يفرقون بين كلام الله القائم بالنفس، وبين القرآن المتلو، فالأول قائم بالله لا يجوز انفصاله عن الله بحال، كما لا يجوز حدوثه، بل هو أزلي كأزلية الحياة والعلم كما أنه واحد ليس بحروف ولا أصوات أما الكلام المتلو فهم وإن صرحوا أنه كلام الله إلا أنهم عند التحقيق يقولون: إن هذا الكلام - بعباراته - فهمه جبريل أو غيره من الله، ولذلك فهو حكاية لكلام الله أو عبارة عنه، فالقرآن المتلو على هذا القائل به هو جبريل أو غيره - وقد ذكر ما يدل على ذلك من قوله الباقلاني - لكن الجديد في قول الجويني تصريحه بأنه لا ينكر أن تكون العبارات - أي القرآن المتلو - خلق الله، وهذا مذهب المعتزلة، وإن خالفهم في أن الكلام هو الكلام القائم بالنفس، ولتوضيح قول الجويني هذا ننقل ما ذكره الإيجي في الموقف - الذي يعتبر من أهم كتب الأشاعرة التي استقر عليها مذهبهم في القرون المتأخرة، يقول - حول صفة الكلام -: "وقالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره، كاللوح المحفوظ، وجبريل أو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حادث. وهذا لا ننكره، لكننا نثبت أمراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس... ثم نزعم أنه قديم، لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، ولو قالت المعتزلة: إنه هو إرادة فعل يصير سبباً لاعتقاد المخاطب علم المتكلم بما أخبره به، أو إرادته لما أمر به لم يكن بعيداً - لكني لم أجده في كلامهم - إذا عرفت هذا فاعلم أن ما يقوله المعتزلة: وهو خلق الأصوات والحروف، وكونها حادثة قائمة، فنحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته".
فالجويني في نصه السابق يخفف من حدة المعركة بين الأشعرية والمعتزلة في مسألة خلق القرآن، ويصرح بأن المذهب الأشعري لا يعارض قول المعتزلة، ومن ثم فالخلاف معهم في أنهم لا يثبتون الكلام النفسي.
2ـ دفاعه عن المعتزلة فيما نقل من مذاهبهم، فمثلاً في مسألة التحسين والتقبيح العقلي الذي قال به المعتزلة يقول الجويني: "واضطرب النقلة عنهم في قولهم يقبح الشيء لعينه أو يحسن، فنقل عنهم أن القبح والحسن في المعقولات من صفات أنفسها, ونقل عنهم أن القبح صفة النفس، وأن الحسن ليس كذلك، ونقل ضد هذا عن الجبائي، وكل ذلك جهل بمذهبهم، فمعنى قولهم يقبح ويحسن الشيء لعينه أنه يدرك ذلك عقلاً من غير إخبار مخبر" ، ثم رد على المعتزلة في قولهم هذا وهذا يدل على إطلاعه على كتبهم، ومعرفته بأقوالهم.
3ـ وفي مسألة المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر إليه وهو في حالة اتصال الخطاب به هل يعلم أنه مأمور، رجح الأشاعرة أنه يعلم، وقالت المعتزلة: إنه لا يعلم إلا بعد مضي زمان الإمكان الذي يسعه فعل المأمور به، وقد رجح الجويني مذهب المعتزلة وقال: "المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك".
4ـ وللجويني صلة خاصة بكتب أبي هاشم الجبائي ، الذي يرد في كتبه كثيراً، وأقرب مثال على ذلك قول الجويني بالأحوال، وتأكيده على ذلك بعد أن ذكر تردد الباقلاني في القول بها، ومما يلاحظ أن الباقلاني لما قال بالأحوال لم يوافق أبا هاشم الجبائي في أن الحال لا معدومة, ولا موجودة، ولا معلومة, ولا مجهولة - كما سبق بيان قوله - لكن الجويني وافق الجبائي في عدم اتصاف الحال بالوجود والعدم ، ولإن قطع بأنها معلومة مقدورة مرادة، مع تفسير معين لهذه المعاني.
ومن الأدلة على صلة الجويني بأبي هاشم دفاعه عنه فيما نسب إليه في مسألة تعريف العلم، وأن علم المقلد هل يعتبر علماً أم لا، يقول: "نقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل، وبيان ذلك بالمثال: إن من سبق إلى عقده أن زيداً في الدار، ولم يكن فيها، ثم استمر العقد، فدخلها زيد، فحال المعتقد لا يختلف وإن اختلف المعتقد، وعن ذلك نقل النقلة عن عبد السلام بن الجبائي - وهو أبو هاشم - أنه كان يقول: العلم بالشيء والجهل به مثلان، وأطال المحققون ألسنتهم فيه، وهذا عندي غلط عظيم في النقل، فالذي نص عليه الرجل في كتاب (الأبواب): إن العقد الصحيح مماثل للجهل، وعنى بالعقد اعتقاد المقلد".
وفي مسألة الصلاة في الدار المغصوبة ذكر قول أبي هاشم الجبائي: أنها لا تصح، وبعد كلام ذكر معارضة المعترضين لكلامه ثم قال: "وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله، وليس هو، ممن تزعه التهاويل" ، ويذكر في إحدى المسائل أنه طلع على مصنفاته.
د ـ صلته بالفلسفة وعلوم الأوائل:
لم يكن الجويني فيلسوفاً، أو متبنياً لأفكار الفلاسفة، وإنما اطلع على كتبهم واستفاد منها في تأصيل المذهب الأشعري في بحوثه الكلامية ولذلك جاء تفكيره - كما عبر البعض - متسماً بنزعة فلسفية عميقة، وتأثر الجويني بِكتب الأوائل من الفلاسفة تمثل فيما يلي:
1ـ نقوله عنهم، يقول في مسألة إحاطة الإنسان بأحكام الإلهيات وحقائقها: "أقصى إفضاء العقل إلى أمور جميلة منها، والدليل القاطع في ذلك على رأي الإسلاميين: إن ما يتصف به حادث، وموسوم بحكم النهاية، يستحيل أن يدرك حقيقة مالا يتناهى، وعبر الأوائل عن ذلك بأن قالوا: تصرف الإنسان في المعقولات بفيض ما يحتمله من العقل عليه، ويستحيل أن يدرك الجزء الكل، ويحيط جزء طبيعي له حكم عقلي بما وراء عالم الطبائع، وهذه العبارات وإن كانت مستنكرة في الإسلام، فهي محومة على الحقائق".
2ـ مسألة علم الله بالجزئيات، التي أثارت جدلاً بالنسبة للجويني، وهل وافق الفلاسفة في قولهم: إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، والحق أن عبارة الجويني موهمة وذلك حين يقول: "وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الآحاد" ، وقد شنع عليه من العلماء الإمام المازري ، وقال: "إنما سهل عليه ركوب هذا المذهب إدمانه النظر في مذهب أولئك" ، والجويني الذي قال العبارة الموهمة السابقة هو الذي يقول في نفس الكتاب "إن الرب تعالى كان عالماً في أزله تفاصيل ما يقع فيما لا يزال" ، وهذا نص في إثبات علم الله بالجزئيات، ولذلك دافع السبكي - بحق - في طبقاته عن الجويني وأطال الكلام حول هذه المسألة وأتى بالنقول من كتب الجويني الأخرى كالشامل والإرشاد، كما نبه إلى النص الذي نقلناه آنفاً من البرهان وهي نقول تدل على إثباته لعلم الله بالجزئيات.
3ـ ومن معالم تأثره بالكتب الفلسفية ما هو واضح في منهجه من التحديد الدقيق للمصطلحات في كتبه، فهو قبل أن يبدأ في الكلام في أي باب يبدأ بتعريف المصطلحات والتعريفات، وتأخذ هذه المقدمات - أحياناً - قسطاً كبيراً من كتبه، وهذا المنهج الذي سلكه الجويني ظهر جلياً في كتب متأخري الأشعرية، حيث يصل الأمر أن تبلغ المقدمات أكثر من ثلثي الكتاب قبل أن يدخل المؤلف في المقصود من الكتاب وهو البحث في الإلهيات، ومن الأمثلة على ذلك كتاب (شرح المقاصد)، و(المواقف وشروحه).
هـ ـ الفقه وأصوله عند الجويني وعلاقة ذلك بمذهبه الكلامي:
يعتبر الجويني من أئمة الشافعية، وقد سبقت الإشارة إلى أنه كتب كتاباً يفضل فيه مذهب الشافعي ويرى أنه الأحق بالاتباع، وهو ما صرح به أيضاً في البرهان.
ومن الأمور الملفتة والبارزة في منهجه إدخاله مسائل المنطق والكلام في أصول الفقه، ولما كان كتابه من الكتب الأصولية المتقدمة فقد تأثر بمنهجه هذا من جاء بعده من الأشاعرة وغيرهم, مثل الغزالي, والرازي, والآمدي وغيرهم.
يقول النشار في عرضه لمسألة إدخال المنطق الأرسطي في أصول الفقه: "أما الأشاعرة فقد احترزوا بأصولهم عن منطق أرسطوا، ونجد هذا واضحاً لدى عدو ممتاز للتراث اليوناني - أبي بكر الباقلاني - وهو شخصية ضخمة لم تبحث بعد، ولم يصل إلينا إنتاجها الأصولي إلا خلال كتب المتأخرين أيضاً".
ولكن ما لبث علم الأصول أن اتجه وجهة أخرى على يد إمام الحرمين (478هـ)، وقد كان المظنون أن إمام الحرمين سار على منهج المدرسة الكلامية الأصولية الأولى، إلا أنه تسنى لي بحث مخطوطة نادرة لكتاب (البرهان) فتبين لي أنه وإن كان إمام الحرمين خالف المنطق الأرسططاليسي في نقاط كثيرة إلا أنه تأثر به إلى حد ما، بل قد تجد عنده أول محاولة لمزج منطق أرسطو بأصول الفقه، فكما أنه خالف متكلمي أهل السنة في القول بالواسطة أولاً، ثم وافق أبا هاشم الجبائي في أقوال له كثيرة... تراه يخالفهم أيضاً في محاولته مزج المنطق الأرسططاليسي في الأصول، ويمهد الطريق بذلك لتلميذه أبي حامد الغزالي، وقد أدخل الجويني مسائل كلامية كثيرة في أصول الفقه ومنه صيغ الأمر، والكلام النفسي، وعلم الله، وتكليف ما لا يطاق، والاستطاعة، والمعجزة، والتحسين والتقبيح  وغيرها.
وـ حيرة الجويني ورجوعه:
لما كان الجويني ممن خاض في مسائل علم الكلام أكثر ممن سبقه، وما تميزت به شخصيته من استقلال واعتداد، بحيث لا يرى غضاضة في مخالفة شيوخه وتزييف أقوالهم أحياناً ولو كانوا أعلاماً كالأشعري، والباقلاني، وابن فورك، وأبي إسحاق الإسفراييني وغيرهم، لهذا ولما يحسب من قصده الحق وتجرده فقد برز في كتبه ما يدل على تراجعه عن بعض أقواله، وانتهاء الأمر عنده إلى الحيرة ويمكن عرض الشواهد التالية من كتبه.
1ـ في أثناء جواب الجويني عن المطاعن التي وجهت إلى اللمع للأشعري، ومنها استدلاله في إثبات حدث العالم بالنطفة وأنه لم يوضح الدلالة على حدثها القائم على إثبات الأعراض، وبعد مناقشات يقول الجويني: "ثم نقول: لا يتوقف ثبوت حدث العالم على إثبات الأعراض، ولكن من علم تعاقب الأحوال المتناقضة على بعض الذوات، علم استحالة عروه منها، فهذا يفضي به إلى العلم بحدث الذات، وإن لم يتعرض لكون الأحوال موجودات، وكونها أغياراً للذات، فلم يتوقف إذاً إثبات حدث الجواهر على إثبات الأعراض، هكذا قال ابن مجاهد والقاضي - رضي الله عنهما - فاستبان بما قلناه أنه لا يتوقف العلم بحدث العالم على العلم بثبوت الأعراض، فإن المقصد يثبت دون ذلك" ، فالجويني يصرح هنا بأن دليل حدوث العالم لا يتوقف على دليل حدوث الأعراض، ولكنه لما أخذ يرد على الكرامية في مسألة القول بأن الله جسم قال: "وسبيل الكلام أن يسألوا عن دلالة حدث العالم، فإن ترددوا فيها، ولم يستقلوا بإيرادها بأن عجزهم عن قاعدة الدين، وأصل المعارف، فإن السبيل الذي به تتوصل إلى معرفة المحدث ثبوت الحدث، وإن راموا ذكر الدلالة على حدث الأجسام، لم يطردوا دلالة إلا تقرر عليهم مثلها في الجسم الذي حكموا بقدمه" ، ومن أصول أدلة حدوث العالم عند الجويني أن الجواهر لا تخلو من الأعراض.
فالجويني في رده على الكرامية سد طرق إثبات حدث العالم إلا بطريق حدوث الأجسام والأعراض، وهو هناك في رده على خصوم الأشعري يصرح بأنه لا يتوقف إثبات حدوث الجواهر على حدوث الأعراض؟.
وقد رجح الجويني في إثبات الصانع إدعاء الضرورة في أن هذا العالم لابد له من خالق دون الدخول في طرائق الاستدلال، يقول الجويني بعد كلام ومناقشات حول ما ذكره الأشعري من أدلة إثبات الصانع وأن هذا الكون لابد له من خالق كما أن البناء لا بد له من بانٍ والكتابة لا بد لها من كاتب: "قال عبد الملك بن عبد الله: أسد الطرق عندي في المسألة ادعاء الضرورة، ومن لم يسلك هذا المسلك أولاً اضطرته الحاجة إلى سلوكه آخرا" ، وهذا الذي يدعي فيه الجويني الضرورة كتب حول الاستدلال له كلاماً طويلاً.
2ـ حيرته في مسألة هل المعدوم مأمور؟ وقد تقدم كلامه في ذلك حين قال: وهذا مما نستخير الله تعالى فيه.
3ـ في مسألة قدرة العبد ذكر في (الشامل), و(الإرشاد), و(لمع الأدلة) ، أنه لا تأثير لها كما هو مذهب جمهور الأشاعرة ثم رجع في النظامية إلى أن لها تأثيراً.
4ـ ومن الأمور المهمة رجوعه في نظرته إلى السلف، فإنه قال في كتابه - الكافية في الجدل - في الجواب عن الاعتراض الذي يقول: إن السلف لم يستخدموا بعض أنواع القياس في الرد على الخصم - فقال بعد ذكر عدة أجوبة: "وأيضاً فإنهم (أي السلف) لما علموا أنه قد يكون بعدهم مَن لعلَّ الله سبحانه يخصه بجودة قريحة، وزيادة فهم، وفطنة وذكاء... لم يطولوا واقتصروا على النبذة والإشارة" ، فهذه عبارات توحي بتجهيل وسلبية للسلف، لكنه يقول عنهم في الغياثي - الذي ألفه بعد النظامية - فهو في آخر كتبه، موصياً مغيث الدولة الذي هو نظام الملك - قائلاً: "والذي أذكره لائقاً بمقصود هذا الكتاب أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء وكانوا - رضي الله عنهم- ينهون عن التعرض للغوامض, والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون - رضي الله عنهم - عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلد في القرائح، هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً، وأرجحهم بياناً...".
5ـ حيرته في مسألة العلو - وقصته مع الهمذاني مشهورة - وقد صرح بالحيرة في هذه المسألة في النظامية بعد كلام طويل.
6ـ رجوعه عن علم الكلام، وهو من الأمور المشهورة التي لا ينازع فيها إلا من يحمل في قلبه تعصباً أعمى للأشاعرة وعلومهم الكلامية، ومن أقواله في رجوعه:
أ ـ ما رواه الفقيه غانم الموشيلي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام".
ب ـ ما حكاه أبو الفتح الطبري الفقيه قال: "دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور".
جـ ـ وروى عنه أنه قال: "قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها, وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني".
د ـ وقال أبو الحسن الشقيرواني الأديب -وهو من تلاميذ الجويني - : سمعت أبا المعالي يقول: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به".
وقد حاول السبكي رد هذه الأقوال المروية عن الجويني بأساليب معهودة عند السبكي حين يتعلق الأمر بالطعن على الأشاعرة.
7 ـ رجوع الجويني في النظامية.
اشتهر عن الجويني أنه رجع في النظامية وأبرز ما رجع فيه مسألتان:
أ ـ مسألة القدرة الحادثة وقوله: إنها مؤثرة بعد أن كان يرى أنها غير مؤثرة.
ب ـ مسألة الصفات الخبرية، فإنه قال: " اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقلاً اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة.." ، ورجوع الجويني في النظامية لم يكن رجوعاً كاملاً إلى مذهب السلف في جميع المسائل العقيدة وعلم الكلام، والدليل على ذلك:
1 ـ أن رجوعه بالنسبة للصفات كان إلى التفويض، وليس هذا مذهب السلف.
2ـ أن الجويني أبقى على بعض المسائل وعرضها كما هي في مذهبه الأول, ومنها مسألة حدوث الأجسام، وكلام الله، ومنع حلول الحوادث التي هي مسألة الصفات الاختيارية، والرؤية بلا مقابلة، كما أنه أوّل بعض الصفات مثل المحبة أوّلها بالإرادة، وفي الإيمان ذكر أولاً أنه التصديق، ثم ذكر عند الكلام على زيادة الإيمان ونقصانه قول السلف: إنه معرفة بالجنان, وإقرار باللسان, وعمل بالأركان، وقال: "هذا غير بعيد في التسمية"، لكنه ذكر بعده القول الآخر؛ إنه التصديق، ولم يرجح بينهما.
هذا هو الجويني في أحواله وأقواله، ومما سبق يتبين كيف خطا بالمذهب الأشعري نحو الاعتزال، والتأصيل الكلامي.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/600
أبو حامد الغزالي: ت 505هـ
هو الشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، ولد بمدينة طوس سنة 450هـ، توفي والده وهو صغير، وكان قد أوصى إلى صديق له صوفي بكفالة ولده محمد وأخيه أحمد، وأن يعنى بتعليمهما، وبقيا تحت رعاية هذا الرجل - وكان فقيراً- حتى نفد المال الذي تركه والدهما، فطلب منهما أن يذهبا إلى إحدى دور العلم، فبدأ الغزالي بالدراسة على الفقيه علي بن أحمد الراذكاني بطوس، وكان ذلك سنة 465هـ ثم رحل إلى جرجان حيث طلب العلم على الشيخ الإسماعيلي - إسماعيل بن مسعدة -  فلما  كان عام 473هـ، اتجه أبو حامد إلى نيسابور يطلب العلم على أبي المعالي الجويني - رئيس المدرسة النظامية فيها - وأصبح أشهر تلاميذه وأكثرهم نبوغاً، ولما توفي الجويني سنة 478هـ، رحل إلى عسكر نيسابور واتصل بنظام الملك هناك وناظر العلماء وبهرهم واعترفوا بمكانته، فولاه نظام الملك التدريس في نظامية بغداد، فقدم الغزالي بغداد سنة 484هـ, وصار يدرس فيها الفقه, والأصول, وعلم الكلام، فتكونت له بذلك شهرة عالية, وجاه عريض, ومنزلة رفيعة، وفي أثناء ذلك أخذ يعيش صراعاً باطنياً بينه وبين نفسه, مما أدى إلى عزوفه عما هو فيه, وميله إلى العزلة والتصوف، فرحل سنة 488هـ عن بغداد - وترك أخاه أحمد يتولى التدريس مكانه - وتوجه إلى الشام فنزل دمشق، ثم ذهب إلى بيت المقدس، واستمرت عزلته هناك قرابة عشر سنين، حيث رجع إلى بغداد وأقام زمناً يسيراً ثم ارتحل سنة 499هـ إلى نيسابور - بأمر من بعض سلاطينها - ليتولى الإمامة والتدريس في نظاميتها، ثم لم يلبث زمناً قصيراً حتى رجع إلى بلده طوس حيث بنى بجوار بيته مدرسة وخانقاه للصوفية، وأقبل على علوم الآخرة والحديث حتى توفي سنة 505هـ.....
منهج الغزالي ودوره في تطور المذهب الأشعري:
أولاً: يعتبر الغزالي أحد أعلام الأشاعرة والذين دافعوا عن المذهب الأشعري ضد مناوئيه من مختلف الطوائف، ولذلك سمى أحد أشهر كتبه الأشعرية بالاقتصاد في الاعتقاد ليكون مقتصداً ووسطاً كما يقول بين الحشوية من جهة, والمعتزلة والفلاسفة من جهة أخرى، والغزالي لم يأتِ بجديد فيما يتعلق بمذهب الأشاعرة، بل جاءت كتبه واستدلالاته ملخصة عمن سبقه من أعلام الأشاعرة مع صياغة جديدة وأسلوب سهل، والملاحظ في مذهبه تركيزه على:
1ـ قوله بصحة إيمان المقلد - خلافاً للمشهور من مذهب جمهور الأشاعرة - بل يرى أن فئات من الناس آمنوا بالله, وصدقوا برسله, واعتقدوا الحق, واشتغلوا بالعبادة أو الصناعة "فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه، ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم (أي علم الكلام بأدلته)، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني" ، وفي الأربعين يقول بعد ذكره عشرة أصول على وفق مذهب الأشاعرة: "ووراء هذه العقيدة الظاهرة رتبتان: إحداهما: معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية: معرفة أسرارها، ولباب معانيها، وحقيقة ظواهرها. والرتبتان جميعاً ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرة غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما" ، وكتاب (الأربعين) من كتب الغزالي المتأخرة التي جمعت بين إيضاح المذهب الأشعري مع آرائه الأخيرة في مسائل التصوف والكشف والذوق.
2ـ تأكيده لإنكار السببية، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها لأمرين:
الأول: إثبات المعجزات، التي هي في الحقيقة خوارق للعادات المعهودة، فحتى تربط هذه المعجزات بالله وقدرته بحيث يقلب العصا حيّة، ويشق القمر وغيرها من الأمور الخارقة لابد من ربط هذا بإنكار التلازم الذي يدعيه الفلاسفة وغيرهم بين السبب والمسبب.
والثاني: إثبات قدرة الله الشاملة، وإبطال التولد الذي قال به المعتزلة، فالفاعل والخالق لكل شيء هو الله تعالى, وهذا بناء على مذهبهم في القدر الذي يميل إلى الجبر.
وقد شرح الغزالي هذه النظرية في معرض رده على الفلاسفة، وأطال فيها ، فلما ألف معيار العلم - وهو متأخر عن مقاصد الفلاسفة والتهافت - ذكر دليل المجريات - كجزء من الأدلة اليقينية الصادقة - قال: "فإن قال قائل: كيف تعتقدون هذا يقيناً، والمتكلمون شكوا فيه وقالوا: ليس الجز سبباً للموت، ولا الأكل سبباً للشبع، ولا النار علة للإحراق، ولكن الله تعالى يخلق الاحتراق والموت والشبع عند جريان هذه الأمور؟ قلنا: قد نبهنا على غور هذا الفصل وحقيقته في كتاب (تهافت الفلاسفة) والقدر المحتاج إليه الآن، إن المتكلم إذا أخبره بأن ولده جزت رقبته لم يشك في موته وليس في العقلاء من يشك فيه، وهو معترف بحصول الموت، وباحث عن وجه الاقتران، وأما النظر في أنه هل لزوم ضروري، ليس في الإمكان تغييره؟ أو هو يحكم جريان سنة الله تعالى لنفوذ مشيئته الأزلية التي لا تحتمل التبديل والتغيير، فهو نظر في وجه الاقتران، لا في نفس الاقتران، فليفهم هذا، وليعلم أن التشكك في موت من جزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه" ، وفي التهافت قال في جواب اعتراض "ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة، يجوز أن تقع، ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها، مرة بعد أخرى، يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسيخاً لا تنفك منه " ، وهذا النصوص تدل على أن فهم الغزالي للسببية ليس كما يتصوره بعض من ينتصر للفلسفة اليونانية ، وليس أيضاً كما فهمه بعض أتباع الأشاعرة الذين أخذوا يشككون في حقائق الأشياء حتى إن بعضهم يقول: هذا ثوب إن شاء الله، ومع ذلك فالغزالي وإن استدرك على نفسه ما يبعد عنها تهمة إنكار السببية، إلا أن تأصيل هذه النظرية وشرحها كان له - على ما أظن - تأثير كبير في الفكر الصوفي - بعد الغزالي - حين أصبحت الكرامات والخوارق المزعومة للأولياء مقبولة مهما كان فيها من مخالفة للشرع والعقل.
3ـ مجيئه بقانون التأويل الكلامي حين يتعارض - وبالأصح حين يتوهم التعارض - بين العقل والنقل، والغزالي وإن كان مسبوقاً إلى هذا القانون، إلا أنه ألف فيه رسالة مستقلة كانت على إثر أسئلة سألها أحد تلاميذه، وفي هذه الرسالة ذكر فرق الناس في هذه المسألة، ورجح قول الفرقة الخامسة التي قال عنها: "هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول الجاعلة كل واحد منهما أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع، وكونه حقاً، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل، وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً.." ، وبعد أن يذكر صعوبة هذا المسلك أوصى بعدة وصايا منها: "الوصية الثانية أن لا يكذب برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع" ، وقد تأثر بهذا القانون جمهرة الأشاعرة بعد الغزالي، ومن أبرزهم تلميذه، أبو بكر بن العربي ، والرازي، وغيرهم، وهذا القانون أصبح فيما بعد أحد ركائز العقيدة الأشعرية وأخطرها وأعظمها أثراً، ولذلك أفرده شيخ الإسلام ابن تيمية بمؤلفه الكبير (درء تعارض العقل والنقل).
4ـ ومن أهم سمات منهج الغزالي أنه حول المعركة - التي كانت تدور فيما سبق بين الأشاعرة والمعتزلة - إلى معركة بين الأشاعرة والفلاسفة، وكتاب (تهافت الفلاسفة) يعتبره الأشاعرة بدءاً من الغزالي نفسه أحد الكتب المؤيدة لمذهبهم، وقد ألفه الغزالي في المرحلة التي كان فيها أستاذ المدرسة النظامية -الأشعرية- دون منازع، والذي ينبغي أن يلاحظ أمران:
أحدهما: أن الغزالي ناقش الفلاسفة بمختلف المناهج، ولذلك قال في المقدمة الثالثة في كتابه: "ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية من التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فإلزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطوراً مذهب الواقفية، ولا أتنهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل الجميع ألباً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد" ، ومع ذلك فالغزالي غلب منهج الأشاعرة، واستفاد من منهجه السابق في الهروب من تحديد مذهبه الذي يؤمن به في القضايا المطروحة ولذلك قال في جواب أحد الاعتراضات عليه: "نقول: نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين، بل خوض الهادمين المعترضين، ولذلك سمينا الكتاب (تهافت الفلاسفة) لا تمهيداً لحق، فليس يلزمنا الجواب عن هذا".
والثاني: أن الغزالي ألف هذا الكتاب بعد دراسته للفلسفة ليستفيد منها, ولا شك أنه تأثر بها أيما تأثر، أما رده عليها فبناء على العقيدة التي يظهرها للعوام -كما هو مذهبه في أن للإنسان ثلاث عقائد - ولذلك قال في مقدمة التهافت بعد ذكره لانتشار أقوال الفلاسفة وإعجابهم بأنفسهم: "فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضاً على هؤلاء الأغبياء, انتدبت لتحرير هذا الكتاب، رداً على الفلاسفة القدماء" ، وهذا يشبه موقفه من الباطنية -الذين انتشرت دعوتهم في زمنه انتشاراً عظيماً - يقول عنهم: "وكان قد نبغت نابغة التعليمية ، وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعنَّ لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطلع على ما في كنانتهم، ثم اتفق أن ورد عليَّ أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف حقيقة مذهبهم، فلم يسعني مدافعته"، ثم بين أن هذا الأمر جاء موافقاً لما في نفسه من معرفة مذهبهم - ليستفيد منه - فقال: "وصار ذلك مستحثاً من خارج ضميمة للباعث الأصلي من الباطن" ، وهذا يوافق قوله في فضائح الباطنية: "فكانت المفاتحة بالاستخدام في هذا المهم في الظاهر نعمة أجابت قبل الدعاء، ولبت قبل النداء، وإن كانت في الحقيقة ضالة كنت أنشدها، وبغية كنت أقصدها".
فدراسة الغزالي لمذهب الباطنية جاء عن رغبة باطنة في الاستفادة مما قد يكون عندهم من معارف، وهذا يشبه ما فعله مع الفلاسفة، ومما يلاحظ أنه في رده على الباطنية انطلق من منطلق أشعري، وهذا واضح في كتابيه (فضائح الباطنية) ، و(القسطاس المستقيم) - الذي هو عبارة عن مناقشة ومحاورة بينه وبين أحد دعاة التعليم من الباطنية -، وهو بهذا الكتاب يحيل على كتابيه المنطقيين (محك النظر) و (معيار العلم).
فالغزالي ينطلق في ذلك من منطلق عقيدة العوام التي هي عقيدة الأشاعرة، ولذلك يقول في جواهر القرآن عن علم محاجة الكفار ومجادلتهم: "ومنه يتشعب علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات، ويتكفل به المتكلمون، وهذا العلم شرحناه على طبقتين: سمينا الطبقة القريبة منهما الرسالة القدسية، والطبقة التي فوقها الاقتصاد في الاعتقاد، ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً  بكشف الحقائق، وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفناه في (تهافت الفلاسفة)، والذي أوردناه في الرد على الباطنية في الكتاب الملقب بـ (المستظهري), وفي كتاب (حجة الحق)، و(قواصم الباطنية)، وكتاب (مفصل الخلاف في أصول الدين)، ولهذا العلم آلة يعرف بها طريق المجادلة، بل طرق المحاجة بالبرهان الحقيقي، وقد أودعناه كتاب (محك النظر)، وكتاب (معيار العلم) على وجه لا يلفي مثله للفقهاء والمتكلمين, ولا يثق بحقيقة الحجة والشبهة من لم يحظ بهما علماً"
ثانياً: هناك مشكلة تتعلق بحقيقة مذهب الغزالي، هل هو المذهب الأشعري الذي تبناه ظاهراً ودافع عنه كثيرا، أم له مذهب آخر يذكره لخاصته وأومأ إليه في كثير من كتبه؟ يقول الغزالي في كتابه (ميزان العمل) الذي ألفه بعد (معيار العلم)، لأن السعادة عنده إنما تكون بالعلم والعمل - (ميزان العمل) من كتب الغزالي الصوفية - يقول في آخره: " لعلك تقول: كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقاً فكيف يتصور هذا؟ وإن كان بعضه حقاً فما ذلك الحق؟ فيقال لك: إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذ الناس فيه فريقان:
فريق يقول: المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب:
أحدهما: ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات.
والأخرى: ما يسار به في التعليمات والإرشادات.
والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات" .
ثم شرح هذه المراتب بقوله: " ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار: فأما المذهب بالاعتبار الأول: هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب البلد الذي فيه النشوء، وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين، فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية، انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له، والذب دونه، والذم لما سواه ... المذهب الثاني: ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على من جاء مستفيداً مسترشداً، وهذا لا يتعين على وجه واحد بل يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه.. المذهب الثالث: ما يعتقد الرجل سراً بينه وبين الله عز وجل لا يطلع عليه غير الله تعالى ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الإطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه " ، ثم ذكر قول الفريق الثاني الذين يقولون المذهب واحد، ثم ذكر أن الأولين يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب لم يجز أن يذكروا إلا مذهباً واحداً.
إن هذا الكلام يفيد في معرفة وتحليل ذلك التناقض العجيب في كتبه.
ثالثاً: الشك عند الغزالي.
وقد احتلت هذه المسألة مكاناً بارزاً لدارسي الغزالي، بل وكثرت المقارانات بينه وبين ديكارت ، صاحب الفلسفة المعروفة التي قال فيها: " أنا أفكر، إذاً فأنا موجود " ، بل أثبت أحد الباحثين أن ديكارت قد اطلع على كتاب الغزالي (المنقذ من الضلال) وأنه اقتبس منه فكرة الشك، والكلام حول شك الغزالي وكنهه وإلى أي مدى كان يطول، ولكن الثابت أن منهج الشك عند الغزالي تمثل في أمرين:
أحدهما: عملي، وهو ما عايشه وسطره بوضوح في كتابه (المنقذ من الضلال)، ويلاحظ هنا أن الغزالي يشرح ما جرى له، ولذلك سماه داءً ومرضاً.
والثاني: شك منهجي، وهو الذي أشار إليه في بعض كتبه، ومن ذلك قوله: " ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال، نعوذ بالله من ذلك " ، وهذا الشك هو الذي يذكر في أول واجب على المكلف، هل هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، وإذا كان الأول والثاني قد أخذ به بعض الأشاعرة فإن الثالث - وهو الشك- إنما يؤثر القول به عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي.
رابعاً: تصوف الغزالي وفلسفته.
بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءاً منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ - بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته -: " ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به " ثم يشرح ويوضح فيقول: " وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه " - ثم يوضح أكثر فيقول: " ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه.." ، ما نوع تصوف الغزالي الذي يقول فيه هذا الكلام - خاصة المقطع الأخير منه -؟.
لقد كان التصوف قبله متمثلاً بتصوف المحاسبي، ثم القشيري، وقد سبق حقيقة تصوفهما، وما يحمله من بدع مخالفة للسنة، فهل كان تصوف الغزالي من هذا النوع، أم كان تصوفاً من نوع آخر.
إن هناك من يدافع عن الغزالي، ويرى أن تصوفه تصوف سني، وأنه هاجم الفلاسفة والمتكلمين لنصرة طريق الصوفية، ولكن المطلع على كتبه - وما ألفه منها للخاصة – كـ(مشكاة الأنوار)، و(المعارف العقلية)، و(ميزان العمل)، و(معارج القدس)، و(روضة الطالبين)، و(المقصد الأسنى)، و(جواهر القرآن)، و(المضنون به على غير أهله)، يرى شيئاً آخر غير التصوف المعروف.
إن مفتاح معرفة شخصية الغزالي أمران:
أولهما: ما سبق نقله عنه من أن لكل رجل كامل ثلاث عقائد، إحداها ما يتظاهر به أمام العوام ويتعصب، والثانية: ما يسار به في التعليم والإرشاد - وهو يختلف بحسب حال المسترشد الطالب - ،والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه ولا يطلع عليه إلا من هو شريكه في المعرفة، إذاً الغزالي -حتماً - يخفي جوانب خاصة وسرية من عقيدته.
والثاني: جمع أقواله ولمحاته - التي يشير دائماً إلى سريتها والضن بها - ثم مقارنتها بأقوال من سبقه من الفلاسفة - المائلين إلى الإشراق والتصوف - كابن سينا وغيره، وقد تنبه إلى هذا المنهج بعض الباحثين ، ونحن هنا نذكر نماذج فقط من أقواله التي تدل على أن تصوفه كان تصوفاً فلسفياً إشراقياً، وإن هجومه على الفلاسفة في التهافت لم يكن إلا بمنهج النوع الأول من العقيدة -لكل إنسان - وهي العقيدة التي يتعصب لها ويذب عنها:
1ـ يقول الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) عن علم المكاشفة: " هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله, وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض..الخ" ثم يقول عن هذه الكشوفات التي تحصل: " وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، على سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي ..." ، إن هذا الكلام الخطير يقوله الغزالي في أهم وأشهر كتاب من كتبه، وقد ألفه في أواخر عمره بعد عزلته ورجوعه إلى بغداد، ومما يلاحظ أن لفتات كثيرة تشبه هذا الكلام جاءت متفرقة في هذا الكتاب الكبير.
2ـ ويقول في كتابه (مشكاة الأنوار) وهو من كتبه التي ألفها للمخاصة ولذلك يقول في مقدمته: " أما بعد فقد سألتني أيها الأخ الكريم.. أن أثبت إليك أسرار الأنوار الإلهية، مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية " ، ثم يقول: " ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعباً تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين، وقرعت باباً مغلقاً لا يفتح إلا للعلماء الراسخين، ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار، ولقد قال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر ..." ، وبعد أن يذكر تأويلات باطنية وفلسفية عجيبة يقسم الناس - في آخر الكتاب - إلى أصناف، ومنهم المحجوبون بمحض الأنوار، وهؤلاء أيضاً أصناف وبعد أن يذكر الصنف الأول والثاني يقول: " والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا: إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين، وعبادة له, وطاعة من عبد من عباده يسمى: ملكاً، نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك، ويكون الرب تعالى محركاً للكل بطريق الأمر، لا بطريق المباشرة، ثم في تقسيم ذلك الأمر وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الأفهام, ولا يحتمله هذا الكتاب"، ثم يقول: " فهؤلاء الأصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة، وإنما الواصلون صنف رابع تجلى لهم أن هذا " المطاع " موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ لسر لا يحتمل هذا الكتاب كشفه، وإن نسبة هذا المطاع نسبة الشمس في الأنوار..." ، وهذا المطاع هو العقل الأول عند الفلاسفة.
3ـ وفي معارج القدس - وهو من كتبه الفلسفية الخاصة - ينهج فيه نهج الفلاسفة في بحوثهم عن النفس الإنسانية، ويذكر خصائص النبوة، وأنها ثلاث: قوة التخيل, وقوة العقل، وقوة النفس - وهذا نفسه هو كلام الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة -، ويفسر الغزالي آية النور اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ [النور: 35]، بقوله: " فالمشكاة مثل العقل الهيولاني، فكما أن المشكاة مستعدة لأن يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل... ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور، نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري، ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة إليه كالسراج بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض، فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية " ، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، ومنها يتضح ما يقصده الغزالي بالأسرار، والتي يقول فيها في كتابه (المعارف العقلية): " وهذا القدر الذي كتبنا وذكرنا في هذه الأوراق نخبة أسرار غير مكتوبة، وإشارات مكنونة, ورموز مستورة.. ولا يحل أن يوضع الورد بين الحمير، ويطرح الدر في فم الخنزير" ، وقد صرح في كتابه هذا بأمور غريبة وعجيبة حقاً.
4ـ ويقول الغزالي في كتابه – (جواهر القرآن) - " وهذه العلوم الأربعة أعني علم الذات, والصفات, والأفعال, وعلم المعاد, أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر, وكثرة الشواغل والآفات, وقلة الأعوان والرفقاء, بعضَ التصانيف، لكنا لم نظهره، فإنه يكل عنه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، وهم أكثر المترسمين بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من أتقن علم الظاهر، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة حتى ارتضت نفسه, واستقامت على سواء السبيل "، ثم يقول محذراً: " وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات ".
وفي (إلجام العوام عن علم الكلام)، مع أنه كتاب في المنع من علم الكلام أن يدرس للعامة إشارات عديدة إلى مثل هذه العلوم المستورة.
5ـ وفي (روضة الطالبين): يشرح بشكل واضح كيف تتم الكشوف، والعقبات التي تحول دونها، وهي ست عقبات، وماذا يحصل لكل من تجاوز عقبة من العقبات وكيف يصل إلى السكر والفناء، وفي كلامه عن الروح ولماذا منع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من إفشاء سر الروح، قسم الناس إلى أعوام وخواص، ثم ذكر من ترقى عن العامية قليلاً من المعتزلة والأشعرية, ثم قال: " فإن قيل لمَ لا يجوز كشف السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص " ، والغزالي في (المقصد الأسني) وإن رد على الاتحادية أو أصحاب وحدة الوجود، إلا أنه ذكر أموراً فلسفية وأشار إلى سريتها، فصرح بأن الله معشوق - كما يقوله الفلاسفة - ولما أشار إلى أبدية الإنسان وأنه لا سبيل عليه للعدم قال: " وكشف ذلك بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب ".
6ـ وهذا الذي ذكره الغزالي في كتبه هو ما يؤكده تلاميذه ومنهم ابن العربي الذي يقول عنه -بعد أن لقيه وتتلمذ عليه - " ولا ينكر أحد من الإسلاميين، لا من الفقهاء، ولا من المتكلمين، أن صفاء القلب وطهارته مقصود شرعي، إنما المستنكر أن صفاءه يوجب تجلي العلوم فيه بذاته " ، ثم يقول - بعد ذكر الطائفة الثانية من المتصوفة كالمحاسبي والقشيري -: " ونجمت في آثارهما أمم انتسبت إلى الصوفية، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرف، وقالوا - كما تقدم - لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علماً دائماً مستمراً حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء ويسمع كلامهم، ووراء هذا علو ينتهي بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات إذ كان من المجوزات " ، ثم قال: " ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخر سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين... فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته, المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه، مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته؛ فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو: أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه، عند مقابلتها عرياً عن الحجب، كالمرآة في ترائي المحسوسات عند زوال الحجب "، ثم يقول ابن العربي: " قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية موجدة .. "، وهذه الأقوال موجودة في كتبه ، وقد نقلنا ما
يشبهها سابقاً.
7ـ ومن الأمور الخطيرة في مذهب الغزالي ميله إلى تأويل عذاب القبر، وعذاب النار ونعيم الجنة، بتأويلات قرمطية باطنية، حتى ذكر في المضنون به على غير أهله: أن نصوص النعيم " مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة " ، ويقول: " والرحمة الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملته أفهامهم " ، ولا يقول قائل: إن هذا في كتاب (المضنون) - وهو مشكوك في صحة نسبته إلى الغزالي - لأن الغزالي صرح بشيء من ذلك في كتابه (الأربعين) - الذي لا يشك أحد في نسبته إليه - فقال: " أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهو كذلك، ولكني أراك عاجزاً عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقاً لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون " ، ثم يضرب مثالاً، ويؤوله ثم يقول: " لعلك تقول: قد أبدعت قولاً مخالفاً للمشهور، منكراً عند الجمهور، إن زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكاً مجاوزاً حد تقليد الشرائع، فهل يمكنك -إن كان كذلك - حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور، فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم، ومحل ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم وإنما يسافر منهم الآحاد " ، ثم يذكر كيف يترقى الإنسان حتى " يفتح له باب الملكوت, فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال، وهذا العالم لا نهاية له " ، ولا شك أن مذهب الغزالي الفلسفي الصوفي قاده إلى مثل هذه التأويلات الخطيرة - نعوذ بالله من الخذلان -.
هذا هو أبو حامد الغزالي - من خلال لمحات سريعة عن منهجه وعقيدته - الذي تأثر به من جاء بعده، ويمكن تلخيص هذا التأثير بما يلي:
1ـ التأكيد على إنكار السببية، فقد تأثر به من جاء بعده، دون الانتباه إلى تحفظاته التي أوردها.
2ـ تكريس قانون التأويل الكلامي في المذهب الأشعري، وقد جاءت صياغة هذا القانون بشكل مركز على يد الرازي.
3ـ تحويل المعركة من معركة مع المعتزلة - والفلاسفة من باب أولى - إلى معركة مع الفلاسفة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من الأشاعرة لكنه هجوم من منطلق صوفي.
4ـ إنه لا مانع أن يحمل الإنسان أكثر من عقيدة - حسب الأحوال - وهذا ما نشاهد نموذجاً له عند الرازي، الذي ظهر في بعض كتبه فيلسوفاً وبعضها أشعرياً.
5ـ نقله التصوف من التصوف المعروف قبله - على ما فيه من بدع تصغر أو تكبر -إلى تصوف فلسفي إشراقي، وإذا كان هذا المذهب جاء عند الغزالي على شكل عقيدة مخفية لا يصرح بها للعوام، فإن الأشاعرة من بعده صرحوا بتبنيهم للفلسفة- أحياناً - أو لبعض آراء الفلاسفة.
6ـ كما أن المنطق الأرسطي - بقي بعد الغزالي - على ما صرح به الغزالي من أنه آلة، وأنه لا علاقة له بالعقيدة.
7ـ وأخيراً بقي الغزالي - في كتابه (الإحياء خاصة) - مرجعاً يرجع إليه فئات كثيرة من الناس على مختلف مشاربهم وعقائدهم، لأن كلاً منهم يجد في هذا الكتاب ما يوافق هواه.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/623
أعلام الأشاعرة في الفترة بين الغزالي والرازي
ـ ابن تومرت ت 524هـ.
ـ أبو بكر بن العربي ت 534هـ.
ـ الشهرستاني ت 548هـ.
ـ ابن عساكر ت 571هـ.
أما ابن تومرت فشهرته جاءت كمؤسس لدولة الموحدين، التي قامت على أنقاض دولة المرابطين - التي كانت دولة سنية -، وحادثة إحراق كتب الغزالي، وعلى رأسها الإحياء - مشهورة ، وسبب إحراقها ما حوته من تأويل وأقوال مخالفة لمذهب السلف، فلما جاء ابن تومرت- الذي ذكر أنه لقي بعض الأشاعرة في رحلته إلى المشرق ومنهم الغزالي - وبدأ ثورته ضد المرابطين أخذ يستخدم في حربهم أساليب متعددة منها رميهم بالتجسيم، وألف عقيدته المسماة المرشدة، ونجح في تأسيس دولة الموحدين فاشتهر على أنه أحد أعلام الأشاعرة، والظاهر أن تصنيفه كأحد الأعلام الذين نشروا المذهب الأشعري جاء لسببين:
أحدهما: حربه للمرابطين السنة، وكان من الأشياء التي حاربهم بها اتهامه لهم بالتجسيم والتشبيه، فهو بهذا فتح الباب لدخول التأويل الكلامي لبلاد المغرب، ولم يقتصر الأمر على هذا بل تبنى - بصفته إماماً مطاعاً - هذا الجانب، فكان لسلطته الدور الأكبر في انحسار مذهب السلف، وفشو مذاهب المتكلمين.
الثاني: تأليفه لـ(المرشدة) ، وهي عقيدة - مختصرة - مستقاة من مذهب الأشاعرة، ولم يقتصر الأمر على هذا بل كان يفرض هذه العقيدة على الناس، بحيث تدرس للعوام، مما جعلها تشتهر بسرعة.
وفيما عدا ذلك فابن تومرت يبدو أقرب ما يكون إلى مذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة، وقد كان أحد أتباعه لما كتب تاريخ ابن تومرت لا يسميه إلا الإمام المعصوم, وليس قربه من هؤلاء بأقل من قربه من الأشاعرة.
أما أبو بكر بن العربي المعافري الأشبيلي، فقد تتلمذ على الغزالي بلا شك وتأثر به وإن كان قد نقده في بعض المواضع، بل ونقد بعض شيوخ الأشاعرة كالأشعري, والباقلاني, والجويني ، لكنه مع ذلك بقي ملتزماً بمذهب الأشاعرة في الصفات وغيرها، بل ودافع عن منهجهم فقال: " فإن قيل فما عذر علمائكم في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك؟ قلنا: لم يكن هذا لأنه خفي عليهم أن كتاب الله مفتاح المعارف ومعدن الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما أرادوا وجهين: أحدهما: أن الأدلة العقلية وقعت في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشاراً إليها بالبلاغة مذكوراً في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من الفروع، فكمل العلماء ذلك الاختصار، وعبروا عن تلك الإشارة بتتمة البيان، واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإيراد... الثاني: أنهم أرادوا أن يبصروا الملاحدة ويعرفوا المبتدعة أن مجرد العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم لاحظ لهم فيها.." ، وهذا الكلام - بما فيه من لمز خفي بكتاب الله وكمال بيانه - استقاه ابن العربي من شيوخه الذين أمر بالاقتداء بهم في التأويل حين قال حول صفات اليد، والقدم، والأصابع، والنزول: " اسرد الأقوال في ذلك بقدر حفظك، وأبطل المستحيل عقلاً بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعاً بأدلة الشرع، وأبق الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورجح بين الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأت أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبداً " ، وما منهجه في كتابه (قانون التأويل) وغيره  إلا أكبر دليل على أشعريته.
وابن العربي - مع أشعريته - تميز بأمور:
1ـ منها حياته الخاصة وجهوده الكبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جرى له لما تولى القضاء أمور كثيرة سببت عداء كثير من الناس له.
2ـ تحقيقات أصولية, وحديثية, وفقهية, أودعها كتبه المختلفة في الحديث, والتفسير, والأصول.
3ـ دوره العظيم في الدفاع عن الصحابة وما جرى بينهم، والرد على مختلف الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف في هذا الباب، وقد جاء ذلك في قسم من كتابه (العواصم من القواصم).
أما الشهرستاني فقد اشتهر بكتابيه (الملل والنحل) و(نهاية الإقدام)، كما كانت له ردود على الفلاسفة في كتابه (مصارعة الفلاسفة) وأكثر ما يميز مذهبه ومنهجه:
1ـ العناية بنقل أقوال الناس، وقد تمثل هذا بوضوح في كتابه (الملل والنحل) حيث اشتهر كأحد مؤرخي الفرق في ملّية وغيرها، كما تمثل هذا أيضاً في بقية كتبه، فهو في مصارعة الفلاسفة ينقل أقوال الفلاسفة - وعلى رأسهم ابن سينا - بحروفها ثم يعقبها بالنقض والمناقشة، وكذلك فعل في كتابه نهاية الإقدام فإنه نقل أقوال أئمة الأشاعرة والمعتزلة.
2ـ عرض المذهب الأشعري - بأقوال أئمته - وقد كان عنوان كتابه (نهاية الإقدام في علم الكلام)، يحمل دلالة معينة، فيها الانتصار للأشاعرة ومذهبهم الكلامي، ولم يكن الشهرستاني صاحب منهج محدد، بل كان ناقلاً لأقوال من سبقه، حاكماً بينها في بعض الأحيان ، وفي الكتاب ردود على من يسميهم أهل التشبيه من الكرامية وغيرهم مع قسوته عليهم ، كما أن فيه ردوداً على المعتزلة وسماهم مرة بالخناثي لأنهم ليسوا مع الفلاسفة ولا الأشاعرة.
3ـ الإقرار بالحيرة حتى وهو يؤلف كتابه في علم الكلام، ولذلك قال في أول صفحة من (نهاية الإقدام)، مستشهداً.
لقد طفت في تلك المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ إلا واضعاً كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
ولم يخل الكتاب من عبارات الحيرة.
4ـ رد على الفلاسفة ردوداً قوية، لكنه مع ذلك تأثر بأقوالهم، ومن أبشع الأمور التي تأثر فيها بهم قوله بجواز وجود الجواهر العقلية, والنفوس الفلكية المجردة.
وابن عساكر  اشتهر كمدافع عن المذهب الأشعري في كتابه المشهور شهرة واسعة: " (تبيين كذب المفتري) فيما نسب إلى الإمام الأشعري، وقد كان لخلفيته الحديثية والتاريخية أثر في منهج الكتاب وقدرته على الدفاع عن أبي الحسن الأشعري، كما أن هذا الكتاب يصح أن يسمى: (طبقات الأشاعرة)، لأنه ترجم لأعلامهم منذ الأشعري وإلى عصره.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/645
فخر الدين الرازي: ت 606هـ.
هو محمد بن عمر بن الحسن بن علي، فخر الدين أبو عبد الله، القرشي البكري، الطبرستاني، الرازي، ولد سنة 544هـ، تتلمذ على والده ضياء الدين المعروف بخطيب الري، ولذلك اشتهر ولده الفخر بابن خطيب الري، ولما توفي والده تتلمذ على الكمال السمناني، ومجد الدين الجيلي الذي لازمه الفخر حتى في أسفاره وقد أخذ عنه الفلسفة كما أخذ عن أبيه ضياء الدين الفقه وعلم الكلام.
وحياة الرازي برز فيها جانبان:
الأول: رحلاته المتكررة، إلى كل من خوارزم، وطوس، وبلاد ما وراء النهر، وهراة التي استقر ومات بها، وقد جرت له في رحلاته مناظرات عديدة مع المعتزلة والكرامية وغيرهم، وكثيراً ما تشتد الخصومة بينه وبين معارضيه فيضطر إلى مغادرة المكان الذي هو فيه.
الثاني: اتصاله بالملوك والسلاطين، وتأليفه أغلب كتبه لهم، وقد استفاد من صلته بهم - خاصة خوارزم شاه وولده محمداً - مالاً وجاهاً عريضاً، وقد توفي الرازي سنة 606هـ.
أما تلاميذ الرازي فهم كثيرون - بخلاف شيوخه- ومن أبرزهم: أفضل الدين الخونجي - صاحب المنطق - وأثير الدين الأبهري ، وتاج الدين الأرموي وغيرهم....
منهج الرازي وأثره في تطور المذهب الأشعري
أولاً: يمثل الرازي مرحلة خطيرة في مسيرة المذهب الأشعري، فهذا الإمام الشافعي الأشعري  ترك مؤلفات عديدة دافع فيها عن المذهب الأشعري بكل ما يملكه من حجج عقلية، كما أنه أفاض في بعضها في دراسة الفلسفة فوافق أصحابها حيناً وخالفهم حيناً آخر، بل وصل الأمر به إلى أن يؤلف في السحر والشرك ومخاطبة النجوم. وقد اختلفت آراء الناس فيه بين مادح وقادح، ومدافع عنه منافح، وناقد له جارح، وقد انتهى في آخر عمره إلى أن الحق في الرجوع إلى مذهب أهل الحديث وهو الاستدلال بالكتاب والسنة، ولكن بقيت المشكلة في مؤلفاته الكلامية والفلسفية التي انتشرت وتلقفها المهتمون بهذه الأمور، لذلك اختلفت أقوال الناس فيه وفي مؤلفاته:
فالسبكي - على عادته في أمثاله - كال له المدح كيلاً بلا حساب، حتى وصل الأمر إلى أن يقول فيه " وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، واعتزال المعتزلي علماً أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ، وفي معيد النعم لما هاجم الفلسفة وأعلامها كابن سينا والفارابي ونصير الدين الطوسي وهاجم الذين حاولوا مزج الفلسفة بكلام علماء الإسلام أورد على نفسه هذا الاعتراض قائلاً: " فإن قلت: فقد خاض حجة الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي في علوم الفلسفة ودونوها، وخلطوها بكلام المتكلمين فهلا تنكر عليهما؟ " - ثم أجاب قائلاً -:" قلت: إن هذين إمامان جليلان، ولم يخض واحد منهما في هذه العلوم حتى صار قدوة في الدين، وضربت الأمثال باسمهما في معرفة الكلام على طريقة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فإياك أن تسمع شيئاً غير ذلك، فتضل ضلالاً مبيناً، فهذان إمامان عظيمان وكان حقاً عليهما نصر المؤمنين وإعزاز هذا الدين بدفع ترهات أولئك المبطلين، فمن وصل إلى مقامهما لا ملام عليه بالنظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور " ، وليس هذا موضع مناقشة هذه الفكرة التي يطرحها السبكي مدافعاً فيها عن شيوخه من الأشاعرة، وإنما القصد الاستشهاد بأقوال الذين دافعوا عن الرازي وفلسفته، وكان منهم ابن خلكان الذي قال عنه بعد تعداده لمؤلفاته: " وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة، فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه: وأتى فيه بما لم يسبق إليه " ، كما دافع عنه أبو حيان والصفدي وأبو شامة.
أما الذين انتقدوه فكثيرون جداً، منهم ابن جبير الذي قال عنه في رحلته - كما نقل الصفدي -: " دخلت الري فوجدت ابن خطيبها قد التفت عن السنة وشغلهم بكتب ابن سينا وأرسطو " ، ونقل أبو شامة أن الشناعات عليه قائمة بأشياء منها " أنه كان يقول: قال محمد التازي  يعني العربي: يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال محمد الرازي، يعني نفسه، ومنها أنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة " ، ثم مدحه ودافع عنه، وقال في بعض المغاربة: " يورد الشبه نقداً، ويحلها نسيئة " ، وقال الطوفي الصرصري المتوفى سنة 716هـ: " وأجمع ما رأيته من التفاسير لغالب علم التفسير كتاب القرطبي، وكتاب (مفاتيح الغيب)، ولعمري كم فيه من زلة وعيب، وحكى لي الشيخ شرف الدين النصيبي  المالكي أن شيخه الإمام الفاضل سراج الدين المغربي السرمساحي، المالكي صنف كتاب (المآخذ على مفاتيح الغيب) ، وبين ما فيه من البهرج والزيف في نحو مجلدين، وكان ينقم عليه كثيراً، خصوصاً إيراده شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من القوة وإيراد جواب أهل الحق منها على غاية ما يكون من الوحي، ولعمري إن هذا لدأبه في غالب كتبه الكلامية والحكمية، كالأربعين، والمحصل، والنهاية، والمعالم، والمباحث المشرقية، ونحوها، وبعض الناس يتهمه في هذا وينسبه إلى أنه ينصر بهذا الطريق ما يعتقده ولا يجسر على التصريح به، ولعمري إن هذا ممكن، لكنه خلاف ظاهر حاله، فإنه ما كان يخاف من قول يذهب إليه، أو اختيار ينصره، ولهذا تناقضت آراؤه في سائر كتبه، وإنما سببه عندي، أنه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحق كما صرح به في وصيته التي أملاها عند موته، فلهذا كان يستفرغ وسعه ويكد قريحته في تقرير شبه الخصوم، حتى لا يبقى لهم بعد ذلك مقال، فتضعف قريحته عن جوابها على الوجه، لاستفراغه قوتها في تقرير الشبه..." ،
وقال الذهبي عنه - وقد ترجم له في الميزان في حرف الفاء باسم الفخر - : " رأس في الذكاء والعقليات لكنه عرى عن الآثار، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وله كتاب (السر المكتوم في مخاطبة النجوم)، سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى ".
أما الشهرزوري المتوفى سنة 387هـ، تقريباً - فقد نقده نقداً لاذعاً - من منطلق فلسفي إشراقي  وقال عنه " له مصنفات في أكثر العلوم إلا أنه لا يذكر في زمرة الحكماء المحققين، ولا يعد في الرعيل الأول من المدققين، أورد على الحكماء شكوكاً وشبهاً كثيرة وما قدر أن يتخلص منها، وأكثر من جاء بعده ضل بسببها، وما قدر على التخلص منها"، ويقول عنه أيضاً: " هو شيخ مسكين، متحير في مذاهبه التي يخبط فيها خبط عشواء".
هذه أقوال الناس فيه مدحاً وذماً، ومنها يتبين كيف كان الرازي - بمؤلفاته العديدة ذا أثر واضح فيمن جاء بعده من الأشاعرة الذين رأوا فيه علماً من أعلامهم المنافحين عن مذهبهم ضد مخالفيهم من مختلف الطوائف.
ثانياً: هناك مسألة تحتاج إلى بيان، وهي أن الرازي بلا شك خاض في علم الكلام والفلسفة، فعلى أي وجه كان خوضه فيهما؟ وما خلاصة منهجه وعقيدته؟
هل كان فيلسوفاً مثل ابن سينا والفارابي وغيرهما؟ أم كان متكلماً مناهضاً للفلسفة؟ أم أنه متكلم متفلسف يؤيد الفلاسفة حيناً ويؤيد المتكلمين حيناً آخر؟ أم أنه مر بمراحل في حياته، يميل إلى الفلسفة في مرحلة ثم يتخلى عنها إلى علم الكلام في مرحلة لاحقة؟.
هذه أهم الأقوال في حقيقة منهج الرازي وعقيدته التي سطرها في كتبه، والأقوال الثلاثة الأولى منها لا تعارض بينها، لأن من وصفه بأنه فيلسوف فقد بنى قوله على كتبه الفلسفية الواضحة كـ(المباحث المشرقية) و(شرح الإشارات)، و(شرح عيون الحكمة)، وهذه كتب نهج فيها الرازي نهج الفلاسفة, وهو وإن ناقشهم فيها أحياناً, أو جعل فيها قسماً للإلهيات فذلك لأن كتب فلاسفة الإسلام نفسها فيها أشياء من هذا, ولم تخرج كتبهم عن أن تكون كتباً فلسفية، ومن قال إنه متكلم - أشعري - فقد بنى ذلك على كتب الرازي التي تبنى فيها - بقوة- مذهب الأشاعرة كـ(الأربعين) و(أساس التقديس) و(نهاية العقول) و(المعالم) وغيرها وهؤلاء جعلوا خوضه في الفلسفة مثل خوض الغزالي فيها وإنما هو للرد على الفلاسفة, ونقض أقوالهم, ومن قال إنه متكلم متفلسف فقد عبر فعلاً عن ما تحويه كتبه من موافقة لأهل الفلسفة وأهل الكلام.......
ثالثاً: من القضايا المتعلقة بمنهج الرازي أنه يعتبر من الذين خلطوا الكلام بالفلسفة، وقد انتقده في ذلك بعض متأخري الأشعرية حتى قال السنوسي في شرح السنوسية الكبرى عنه "وقد يحتمل أن يكون سبب دعائه بهذا ما علم من حاله من الولوع بحفظ آراء الفلاسفة, وأصحاب الأهواء, وتكثير الشبه لهم، وتقوية إيرادها، ومع ضعفه عن تحقيق الجواب عن كثير منها على ما يظهر من تآليفه، ولقد استرقوه في بعض العقائد فخرج إلى قريب من شنيع أهوائهم، ولهذا يحذر الشيوخ من النظر في كثير من تآليفه " ، وقال أيضاً في شرحه لعقيدته الأخرى "أم البراهين" : " وليحذر المبتدي جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة وأولع مؤلفوها بنقل هوسهم وما هو كفر صراح من عقائدهم التي ستروا نجاستها بما ينبههم على كثير من اصطلاحاتهم وعباراتهم التي أكثرها أسماء بلا مسميات، وذلك ككتب الإمام الفخر في علم الكلام، وطوالع البيضاوي, ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبة الفلاسفة "، وأشعرية الرازي لا يتطرق إليها أي شك، وهو وإن خالفهم أحياناً, أو ردّ على بعض أعلام الأشاعرة إلا أنه وضع بعض التآليف التي أصبحت فيما بعد عمدة يعتمد عليها الأشاعرة، وذلك مثل كتابه (المحصل)، والمعالم، والأربعين، والخمسين، وأساس التقديس، وهذا الأخير يعتبر من أقوى كتبه الأشعرية وأهمها, ولذلك أفرد له شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً من أهم كتبه وأكبرها - وهو وإن كان لم يصل إلينا كاملاً - إلا أن الذين ذكروه تحدثوا عنه بما يفيد أنه أكبر من (درء تعارض العقل والنقل)، وما وجد من هذا الكتاب - مطبوعاً ومخطوطاً - يدل على أن شيخ الإسلام تتبع أقوال الرازي كلمة كلمة وعبارة عبارة ونقضها وبين ما فيها من مخالفة لمذهب السلف، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة رده على الرازي مكانته ومنزلته بين أتباعه فقال: " فلهذا ذكرت ما ذكره أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، الإمام المطلق في اصطلاح المقتدين به من أهل الفلسفة والكلام، المقدم عندهم يجعلونه في زمنه ثاني الصديق في هذا المقام لما رده في ظنهم من أقاويل الفلاسفة بالحجج العظام، والمعتزلة ونحوهم، ويقولون: إن أبا حامد ونحوه لم يصل إلى تحقيق ما بلغه هذا الإمام، فضلاً عن أبي المعالي ونحوه ممن عندهم فيما يعظمونه من العلم والجدل بالوقوف على نهاية الإقدام، وأن الرازي أتى في ذلك منتهى نهاية العقول والمطالب العالية بما يعجز عنه غيره من ذوي الإقدام، حتى كان فهم ما يقوله عندهم هو غاية المرام، وإن كان فضلاؤهم مع ذلك معترفين بما في كلامه من كثرة التشكيك في الحقائق، وكثرة التناقض في الآراء والطرائق، وأنه موقع لأصحابه في الحيرة والاضطراب، غير موصل إلى تحقيق الحق الذي تسكن إليه النفوس وتطمئن إليه الألباب، لكنهم لم يروا أكمل منه في هذا الباب، فكان معهم كالملك مع الحجاب، وكان له من العظمة والمهابة في قلوب الموافقين له والمخالفين ما قد سارت به الركبان، لما له من القدرة على تركيب الاحتجاج والاعتراض في الخطاب ".
أما ما يدل على دخوله في الفلسفة فأمور:
أ ـ اهتمامه بكتب ابن سينا وغيره، ففي المباحث المشرقية اعتمد كثيراً على أقوال ابن سينا ونقلها، كما أنه شرح الإشارات، واختصرها، وشرح عيون الحكمة - وكلها لابن سينا - وقد سبق نقل كلام الرازي في مدحه وأنه قال عنه أنه أحسن من نقل كتب الأقدمين من الفلاسفة، واهتمام الرازي بهذه الكتب بحد ذاته يدل على إعجابه بها، وهو وإن نقد بعض فصولها إلا أنه في نفس الوقت وافقهم على ما في الفصول الأخرى.
ب ـ لم يقتصر الأمر على شرح كتب الفلاسفة، بل دافع عنها، حتى أنه لما ورد بخارى وسمع أن أحداً من أهلها أورد إشكالات على إشارات ابن سينا، رد عليه وناقشه في قصة ذكرها القزويني ، كما أنه دافع عن عموم الفلاسفة فقال في إحدى المناسبات: " وإذا أمكن تأويل كلام القوم على الوجه الذي فصلناه فأي حاجة بنا إلى التشنيع عليهم, وتقبيح صورة كلامهم ".
جـ ـ لما ذكر الأقوال في المعاد وهل يكون للروح أو للجسد والروح ذكر قول القائلين بالمعاد الروحاني والجسماني معاً - وقال بعد ذكر عنوان هذا الفصل - : " اعلم أن كثيراً من المحققين قالوا بهذا القول، وذلك لأنهم أرادوا الجمع بين الحكمة والشريعة" ، ثم قال بعد شرح قولهم: " فهذا المعنى لم يقم على امتناعه برهان عقلي، وهو جمع بين الحكمة النبوية والقوانين الفلسفية فوجب المصير إليه" ، ونصوص المعاد من أوضح ما ورد بيانه في القرآن، ومع ذلك فالرازي يرى وجوب المصير إلى هذا القول لموافقته للقوانين الفلسفية.
د ـ موافقته لأقوال الفلاسفة في بعض المسائل التي اختصوا بها، وهو وإن رجع عن بعضها إلا أن أقواله وترجيحاته بقيت مدونة في كتبه، ومن أهم الأمثلة على ذلك:
1ـ قوله بالعقول المجردة، وأن لكل ملك نفساً، ويرى أن دليل المتكلمين على إبطال ما قاله الفلاسفة من وجود العقول المجردة دليل ضعيف.
2ـ قوله بالمثل الأفلاطونية في بعض كتبه، فقد أثبتها في الملخص في الحكمة والمنطق، وقال في شرح الإشارات: " ما قامت الدلالة القاطعة على فسادها " ، ولكنه في المباحث المشرقية أبطلها.
3ـ وأخطر قضية قال بها ووافق فيها الفلاسفة قوله بالتنجيم وأن الكواكب أرواحاً تؤثر في الحوادث الأرضية، وكذلك قوله في السحر، وتأليفه في ذلك كتاباً مستقلاً سماه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) وقد أثار هذا الكتاب جدلاً حول صحة نسبته إليه، واختلف حوله، بين نافٍ، وشاكٍ، ومثبتٍ، وقد عرض الزركان الخلاف حوله، واستقصى أقوال العلماء في ذلك، ثم رجح صحة نسبته إليه، وممن رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متفرقة من كتبه، وكتاب (السر المكتوم) أشار إليه الرازي وأحال عليه في بعض كتبه، وقد وصل إلينا وطبع في الهند، إلا أن الذي يدل دلالة قاطعة على صحة نسبة هذا الكتاب إليه أنه ذكر هذه المسألة في كتاب من أواخر كتبه وأشهرها - ولم يتمه - وهو كتاب (المطالب العالية)، وقد قال فيه - عند حديثه عن السحر وأقسامه وهو القسم الثالث في كتاب (النبوات) - "اعلم أنا ما رأينا إنساناً عنده في هذا العلم شيء معتبر، وما رأينا كتاباً مشتملاً على أصول معتبرة في هذا الباب إلا أنا لما تأملنا حصلنا فيه أصولاً وجملاً، فمن جاء بعدنا وفاز بالفوائد والزوائد في هذا الباب فليكن شاكراً لنا, حيث رتبنا له هذه الأصول المضبوطة, والقواعد المعلومة " ، ثم يقول: " ثبت بالدلائل الفلسفية أن مبادئ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الأشكال الفلكية, والاتصالات الكوكبية، ثم إن التجارب المعتبرة في علم الأحكام (أي أحكام النجوم) انضافت إلى تلك الدلائل، فقويت تلك المقدمة جداً " ، ثم ذكر الأدلة على صحة هذا العلم وأن منها إطباق من قديم الدهر على التمسك بعلم النجوم، ثم قال بعد ذكره لوجوه صعوبة هذا العلم: " فهذا ضبط الوجوه المذكورة في بيان أن الوقوف على أحوال هذا العلم بالتمام والكمال صعب، إلا أن العقلاء اتفقوا على أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فهذا العلم وإن كان صعب المرام من هذه الوجوه إلا أن الاستقراء يدل على حصول
النفع العظيم فيه، وإذا كان كذلك وجب الاشتغال بتحصيله والاعتناء بشأنه، فإن القليل منه كثير بالنسبة لمصالح البشر " ، وله بعد ذلك كلام غريب وخطير في هذا الباب.
وقد كان من آثار هذا الشرك الصريح، أنه ذكر أن من الأنواع المعتبرة في هذا الباب اتخاذ القرابين وإراقة الدماء، فقال: " إنه لما دلت التجارب عليها وجب المصير إليها" ، بل قال بتعظيم المزارات والقبور وأن الدعاء عندها فيه فائدة فقال في معرض ذكره لحجج القائلين بأن النفس جوهر روحي مفارق - وهو ما رجحه في كتابه هذا- : " الحجة الثالثة: جرت عادة العقلاء بأنهم يذهبون إلى المزارات المشرفة، ويصلون ويتصدقون عندها، ويدعون في بعض المهمات, فيجدون آثار النفع ظاهرة، ونتائج القول لائحة، حكى أن أصحاب أرسطو كانوا كلما صعبت عليهم مسألة ذهبوا إلى قبره وبحثوا فيها كانت تنكشف لهم تلك المسألة، وقد يتفق أمثال هذا كثيراً عند قبور الأكابر من العلماء والزهاد في زماننا، ولولا أن النفوس باقية بعد البدن، وإلا لكانت تلك الاستعانة بالميت الخالي من الحس والشعور عبثاً، وذلك باطل ".
هذه أقوال هذا الإمام الذي يقتدي به الكثيرون، ولعل الرازي قد تاب من ذلك قبل وفاته ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ به من زيغ القلوب، ونسأله الثبات على دينه الحق إلى أن نلقاه.
4ـ ومن المسائل التي كان قوله فيها مضرباً، وكثيراً ما يميل فيها إلى أقوال الفلاسفة، مسألة النبوة، وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: تصوف الرازي.
تصوف الرازي قريب مما انتهى إليه تصوف الغزالي، فهو تصوف فلسفي، يقوم على أن التجرد بالرياضة مع العلم والفلسفة يقودان إلى الكشوفات المباشرة ، ولذلك حين يدلل على مذهبه في بقاء النفس الذي وافق فيه الفلاسفة يذكر منها: " أن عند الرياضيات الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة وتلوح لها الأنوار وتنكشف لها المغيبات " ، ولما وصل إلى النمط التاسع في الإشارات والتنبيهات وهو في "مقامات العارفين"، قال الرازي في شرحه: " هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب علوم الصوفية ترتيباً ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده" ، وقال معلقاً على كلامه في التفريق والجمع - وهما من اصطلاحات الصوفية-: " لقد وفق المصنف في هذا الفصل حتى جمع في هذه الألفاظ القليلة جميع مقامات السالكين إلى الله، واعلم أن السالكين إلى الله تعالى لا بد وأن يتكلفوا الإعراض عن لذات الدنيا وشهواتها، ولا يزالون في كلفة وتكلف من ذلك إلى أن يزول عن قلبهم حبها والميل إليها، وهو الدرجة الثانية إلا أن منتهى سعيهم وثمرة اجتهادهم ليس إلا محو ما سوى الله عن القلب، ..(ثم يذكر الدرجة الثالثة والرابعة، ثم يقول) فهذه درجات التخلية وهي في لسان الحكمة درجات الرياضات السلبية، وفي لسان محققي الصوفية درجات التخلق بنعوت، وأما درجات الرياضات الإيجابية المسماة عند المحققين بالترقي في مدارج الكمال فهي التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية.. وقد اتفقت كلمة العارفين على أن مقامات السالكين إلى الله لا تخلو عن الفرق والجمع، وأما الفرق ففيما سوى الله، وأما الجمع ففي الله .." ، ويرى الرازي أن المريد إذا لم يكن عالماً فلا بد له من شيخ محقق، كما يرى أن السماع له آثار في تحريك القلب ورياضته.
وأبرز الكتب التي ذكر فيها أموراً كثيرة تتعلق بالتصوف كتابه في (شرح أسماء الله الحسنى) الذي سار فيه على طريقة القشيري والغزالي في كتابيهما عن أسماء الله، وذلك في الاسم ومعناه ثم ذكر حال الصوفية والشيوخ مع هذا الاسم ودلالته عندهم، ولما ذكر الدعاء وأنه أعظم مقامات العبودية دلل على ذلك بأدلة منها " أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون دعاؤه خالصاً لوجه الله، فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقاً في معرفة الأحد امتنع أن يبقى بينه وبين الحق وساطة" ، وأطال القول في تفسير " هو" وذكر أن له هيبة عظيمة عند أرباب المكاشفات، ويقول: "إن لفظ هو.. نصيب المقربين السابقين الذين هم أرباب النفوس المطمئنة وذلك لأن لفظ هو إشارة، والإشارة تفيد تعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد" ، ويقول عن موسى والخضر، ومعلوم اعتقاد الصوفية في الخضر -: " ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتقطع على حقائق الأمور".
وإذا أضيف إلى كلامه هنا ما سبق أن ذكره حول النفوس المجردة يتبين أن تصوفه بناه على جوانب فلسفية قريبة مما ذكره ابن سينا وقد سبقت الإشارة إلى مدى إعجاب الرازي بأقواله في ذلك.
على أن مما يلفت الانتباه في تصوف الرازي - والصوفية تقول بالجبر في القدر لاستغراقهم في توحيد الربوبية - أنه صرح بالقول بالجبر فقال: " فثبت بهذا أن أفعال العباد بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان مضطر باختيار، وأنه ليس في الوجود إلا الجبر " ، وقال: " إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى، ومتى وجدت تلك الداعية كان الفعل واجب الوقوع، وإذا كان كذلك كان الجبر لازماً، بل قال في (شرح الإشارات): "إن العارف لا يكون له همة في البحث عن أحوال الخلق، ولا يغضب عند مشاهدة المنكر لعلمه بسر الله في القدر" ، وبذلك يلتقي مع غلاة الصوفية في مقالاتهم الخطيرة، وأحوالهم المبطلة للشرائع.
خامساً: حيرته, وتناقضه، ورجوعه.
يعتبر الرازي من أكثر الأشاعرة اضطراباً في أقواله، وهذا بالنظر إلى مجمل أقواله في جميع كتبه، ومن يتتبع الدراسة التي قام بها الزركان يرى ذلك واضحاً في كل مسألة من المسائل التي ذكرها، وهي كثيرة جداً، كما أنه في بعض المسائل أعلن حيرته أو شكه، وفي آخر أمره رجع إلى طريقة القرآن وفضلها، ولعل من أسباب هذه الأمور في منهجه خوضه في المسائل الفلسفية والكلامية، وتقريره لكل مسألة بالأدلة التي أوردها أصحابها, وزيادته على ذلك بأدلة من عنده يرى أنها تصلح أن تكون دليلاً لهم، ولذلك قال في مقدمة المباحث المشرقية بعد أن بين أنه لخص أقوال الفلاسفة واجتهد في تحريرها: " ثم نضم إليه أصولاً وفقنا الله إلى تحريرها, وتحصيلها, وتفصيلها مما لم يقف عليه أحد من المتقدمين, ولم يقدر على الوصول إليه أحد من السالكين" ، ويقول في نهاية العقول عن سبب تأليفه: " وكثر إلحاحهم عليّ بتصنيف كتاب في (أصول الدين) مشتمل على نهاية الأفكار العقلية، وغاية المباحث العلمية، صنفت هذا الكتاب بتوفيق الله تعالى لي بحق ملتمسهم، وأوردت فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من المحالفين والمخالفين، والمرافقين والمفارقين"، ثم ذكر كيف أنه يستقصي أدلة كل مذهب, ويورد الأسئلة والجوابات, ويتعمق في بحار المشكلات " على وجه يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا ربما كان أكثر من انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب " ، بل إنه ذكر أنه إذا لم يجد دليلاً لأصحاب ذلك المذهب استنبط أقصى ما يمكن أن يقال في تقريره.
وهذه الأمور - في منهجه - لا شك في تأثيرها على أسلوبه في الوصول إلى الحقائق في كل مسألة، وهي مفسرة لهذا التناقض والشك والحيرة في كتبه، وقد تكون هناك أسباب أخرى.
وبروز هذه الجوانب في كتبه ومنهجه واضح، ومع ذلك فيمكن الإشارة إلى ما يلي:
أ ـ كثيراً ما يأتي الرازي بعبارات الشك والإشكال والحيرة، فمثلاً يقول في مسألة حدوث العالم وأنه ليس من شرطه أن يكون مسبوقاً بالعدم قال بعد ذكر الأدلة " وعلى هذه الطريقة إشكال" ثم ذكره وقال: " فقد بطلت هذه الحجة، فهذا شك لابد وأن يتفكر في حله" ، ويقول في مسألة أخرى: " ولكن لابد من فرق بين البابين، وهو مشكل جداً " ، وفي الأربعين قال حول دليل حدوث العالم: " هذا مما نستخير الله فيه " ، وقال: " هذا سؤال صعب وهو ما نستخير الله فيه " ، وقال: " الحيلة ترك الحيلة " ، وفي (نهاية العقول) ذكر إشكالات حول منع حلول الحوادث، وتوقف في مسألة الجوهر الفرد، بل توقف في كتابه (المباحث المشرقية حول مسألة فلسفية).
ب ـ أما تناقضه فكثير، فمثلاً في أساس التقديس قال بتماثل الأجسام، محتجاً به على نفي العلو والصفات الخبرية، ولكنه في المباحث المشرقية، وشرح الإشارات رد ذلك وقال بعدم تماثلها، وفي صفة المحبة قال بتأويلها بالإرادة كما فعل الأشاعرة، ولكنه في أحد مواضع من التفسير قال: " ثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع، بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب( نهاية العقول) أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة"  وهذه المسألة التي ذكرها في (نهاية العقول) أشار فيها أولاً إلى أن القول بأن كل مالا دليل عليه يجب نفيه، مردود، ثم ذكر في موضع آخر - في مسألة أدلة الأشاعرة على وجوب حصر الصفات بالسبع - أن هذه القاعدة من أدلتهم فقال: " أقوى ما قيل فيه أن الله تعالى كلفنا بمعرفته فلا بد من طريق إلى ذلك، وإلا وقع التكليف بالمحال، والطريق لنا إلى ذلك ليس إلا أفعال الله تعالى، وأفعال الله تعالى لا تدل على هذا العدد من الصفات، بدليل أنا لو قدرنا ذاتاً موصوفة بهذا القدر من الصفات، فإنه يصح منه الإلهية، فثبت أن ما وراء هذه الصفات لم يوجد عليه دلالة أصلاً فوجب نفيها " - ثم قال معقباً- : " وقد عرفت ما يمكن أن يقال على هذه الطريقة وما فيها".
ومن أبرز الأمثلة على تناقض الرازي أنه في جميع كتبه قرر أن الأدلة النقلية لا تفيد القطع واليقين فلا يحتج بها في العقائد، ومن هذه الكتب (نهاية العقول) حيث فصل الكلام وأطال فيه، فلما وصل في هذا الكتاب إلى مسألة صفة السمع والبصر ضعف دليل الأشاعرة العقلي في إثباتهما، ثم رجح أن الأولى الاستدلال لها بنصوص السمع، لكنه أورد هذا الاعتراض: " لئن سلمنا إمكان حملها على حقائقها، لكنكم قلتم في أول الكتاب: إن التمسك في المسائل القطعية لظواهر الآيات غير جائز" ثم أجاب بقوله: " نحن ما ذكرنا ذلك السؤال هناك لاعتقادنا أنه لا يمكن الجواب عنه، بل الجواب عنه إجماع الأمة على جواز التمسك بنصوص الكتاب والسنة في المسائل القطعية، وفي هذا الموضوع كلام طويل " ، يقول الزركان معقباً على كلام الرازي هذا: " على أن قوله الأخير لن يغني فتيلاً، بل هو مجرد مخلص لا أقل ولا أكثر، وذلك بدليل أني لم أرَ له في كافة كتبه إلا القول بأن النصوص ظنية الدلالة، وأنها لا تتقدم على العقليات، والدليل على أنه مخلص أيضاً أنه قال: " وفي هذا الموضع كلام طويل" مع أنه لم يبين شيئاً من هذا الكلام الطويل ولو مختصراً، رغم أن الموقف يحتاج إلى البت في هذه المسألة" ، وأقول ماذا سيكون تعليق الرازي لو أنه وجد مثل هذه الطريقة المتناقضة في الاحتجاج استخدمها أحد مخالفيه خاصة المثبتة؟.
جـ رجوعه:
لم يكن الرازي بعيداً عن مذهب السلف، فهو يشير إليه أحياناً لكن ضمن مناقشاته الكلامية والفلسفية، والملاحظ أن عرضه له كثيراً ما يأتي مشوهاً ، فلما كان آخر حياته صرح بترجيحه لمذهب السلف وذلك في كتابيه المتأخرين (المطالب العالية) و(أقسام اللذات)، ثم في وصيته قبل وفاته:
1ـ ففي المطالب العالية لما ذكر أدلة وجود الله رجح طريقة القرآن ثم قال: " ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أنها أقرب إلى الحق والصواب، وذلك أن تلك الدلائل دقيقة ولسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات، وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل، ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته".
2ـ وفي أقسام اللذات - آخر كتبه - قال: " وأما اللذة العقلية فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول ياليتنا بقينا على العدم الأول, وليتنا ما شهدنا هذا العالم، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن، وفي هذا المعنى قلت:


نهاية إقدام العقول عقال




وغاية سعي العالمين ضلال

 - ثم قال- " واعلم أن بعد التوغل في هذه المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل ..".
3ـ وفي وصيته المشهورة قال فيها: " لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن " ثم قال: " ديني متابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ".
سادساً: أثره فيمن جاء بعده
ويمكن أن يلاحظ ذلك فيما يلي:
أ ـ أن من جاء بعده من الأشاعرة اعتمد - في تقرير أصول المذهب الأشعري- على ما كتبه الرازي، لأنه استقصى ما يمكن أن يقال مما جاء له المتقدمون من الأشاعرة وزاد على ذلك، ومن ثم أصبحت كتبه مصادر ميسرة ومستوعبة لأدلة الأشاعرة في تقرير مذهبهم, والرد على خصومهم.
ب ـ كانت للرازي اجتهادات في المذهب الأشعري، وصلت إلى حد القرب من المعتزلة أحياناً، والرد على أدلة الأشاعرة وتضعيفها أحياناً أخرى، مع النقد لأعلام الأشاعرة في مناسبات مختلفة، ومن الأمثلة على ذلك.
1 ـ نقده للغزالي، وللبغدادي، وللشهرستاني، وقد جاء نقده لهؤلاء في مناظراته في بلاد ما وراء النهر.
2ـ وفي مسألة الرؤية ضعف دليل الأشاعرة العقلي، واقتصر في إثباتها على السمع - وقد سبقت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن الماتريدية - .
3ـ كما نقد دليل الأشاعرة على إثبات صفة السمع والبصر - وقد مرَّ قريباً-.
4ـ وكذا في صفة المحبة بين - كما تقدم - أنه لا دليل لهم على تأويلها بالإرادة.
5ـ وفي حصرهم الصفات الثابتة بسبع نقدهم نقداً قوياً  كما سلف.
6ـ أما في صفة الكلام، فيعتبر الرازي من الذين ناقشوا حقيقة الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة، وقد ضعف أدلة الأشاعرة العقلية لإثبات هذه الصفة، بل بين أن منازعة الأشاعرة للمعتزلة في هذه المسألة ضعيفة، وصرح بأن الحروف والأصوات محدثة.
7ـ اعتذاره لنفاة الصفات بأنهم أرادوا بنفيها إثبات كمال الوحدانية لله تعالى، بل مال إلى مذهب المعتزلة في الصفات حين رد صفتي الإرادة والقدرة إلى صفة العلم.
8 ـ كما نقد الاستدلال بالإحكام والإتقان على العلم، وهو من أدلة الأشاعرة المشهورة.
9ـ دافع عن تكفير المعتزلة والخوارج والروافض، وناقش الأوجه التي كفر بها بعضهم بعضاً، ومن ذلك تكفير الأشاعرة لغيرهم، وفي مسألة الجهل بصفات الله رجح أنه لا يكفر الجاهل بها، وعلل ذلك بأنه يلزم منه تكفير كثير من أئمة الأشعرية بسبب خلافهم في إثبات الصفات، كما رجح أن أهل التقليد ناجون خلافاً لكثير من الأشعرية، وليس المقصود هنا تصويب الرازي أو تخطئته في هذه الأمور التي قرب فيها من منهج أهل السنة، وإنما المقصود أنه خالف فيها كثيراً من شيوخه الأشاعرة.
10ـ تصريحه بالجبر في مسألة القدر - كما تقدم - وذلك خلافاً لشيوخه الذين ينكرون أن يكون قولهم بالكسب يؤدي إلى الجبر.
إلى غيرها من المسائل، التي كان للرازي فيها تأثير فيمن جاء بعده، وذلك بالبعد عن منهج السلف والقرب من بعض فرق الضلال كالمعتزلة وغيرهم كما كان له أيضاً تأثير في وجود الترجيحات المخالفة لمذهب الأشاعرة.
جـ ـ ومن الآثار البارزة في المنهج متابعة من جاء بعده له في خلط علوم الفلسفة بعلم الكلام، يقول ابن خلدون: " ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ((أي الفلاسفة)) ودونوا فيها، ورد عليهم الغزالي ما رد منها، ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة، لعروضها في مباحثهم وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات، ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات، وخلطوهما فناً واحداً، قدموا الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها، ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر العلم، كما فعله ابن الخطيب في المباحث المشرقية، وجميع من بعده من علماء الكلام "، والمتتبع لكتب البيضاوي والتفتازاني والإيجي وغيرهم يلاحظ هذا المنهج واضحاً، حتى إن مباحث الإلهيات - وهي المقصودة - لا تأخذ من الكتاب الواحد منها إلا جزءاً صغيراً في آخر الكتاب، والباقي كله مقدمات منطقية وطبيعية وفلسفية، وقد علل هؤلاء المتأخرون هذا الخلط بمثل قول التفتازاني المتوفى سنة 791هـ،: " لما كان من الباحث الحكمية مالا يقدح في العقائد الدينية ولم يناسب غير الكلام من العلوم الإسلامية خلطها بمسائل الكلام إفاضة للحقائق، وإفادة لما عسى أن يستعان به التقصي عن المضائق وإلا فلا نزاع في أن أصل الكلام لا يتجاوز مباحث الذات, والصفات, والنبوة, والإمامة, والمعاد, وما يتعلق بذلك من أحوال الممكنات" موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/651
أبو الحسن الآمدي : المتوفى  سنة 631هـ.
وقد اشتهر بكتابه الكبير الذي لا يزال مخطوطاً وهو (أبكار الأفكار)، وقد اختصره في كتابه الآخر (غاية المرام في علم الكلام)، وهو مطبوع، ومنهج الآمدي يقرب من منهج الرازي في بعض الأمور ومنها:
1ـ خلطه علم الكلام بالفلسفة، وهو يُعنى كثيراً بالمصطلحات وبيانها.
2ـ نقده لأدلة الأشاعرة في المسائل المختلفة وتضعيفها، فهو مثلاً يقول عن دليل الشهرستاني على حدوث العالم بعد أن نقله بطوله: " وهو عند التحقيق سراب غير حقيقي " ، كما أنه في مسألة حلول الحوادث يستعرض جميع أدلة الأشاعرة على نفيها ثم يضعفها واحداً واحداً ، وإن كان رجح نفيها بدليل اختاره، وكذلك أيضاً اعترض على جواب الأشاعرة عن الاعتراض الموجه لهم حين نفوا الجهة بأن الرؤية لا تكون إلا في جهة فأجابوا عن ذلك بمثال المرآة وأن الإنسان يرى نفسه فيها لا في وجهه، فالآمدي قال عن هذا الجواب " لكن فيه نظر، وهو مما لا يكاد يقوى ".
3ـ ميله إلى التصوف الفلسفي، حتى أنه قال في الأبكار في معرض بيانه أن المعرفة قد تحصل بعدة أمور فذكر منها " طريق السلوك والرياضة، وتصفية النفس وتكميل جوهرها حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، عالمة بها مطلعة على ما ظهر وبطن من غير احتياج إلى دليل ولا تعلم ولا تعليم ".
4ـ الحيرة وإيراد الإشكالات، ومن الأمثلة على ذلك قوله في دليل إثبات الصانع الذي أتى به المتكلمون: " وإن أمكن بيان ذلك فهو مما يطول ويصعب تحقيقه جداً على أرباب العقول " ، وقال عن مسألة خلق الأعمال وقول المعتزلة فيها: " وهو موضع غمرة ومحز إشكال " ، وفي مسألة من أهم المسائل في مذهب الأشاعرة وهي القول بأن كلام الله واحد، أورد الاعتراض الذي يقول: لم لا يقال: إن الصفات كالسمع والبصر والكلام والحياة لا ترجع إلى الذات، مثل القول بأن الكلام واحد مع أنه متنوع، فأجاب الآمدي بقوله: " وما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات فَمُشْكِل، وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله تعالى القائم بذاته خمس وصفات مختلفة وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء ".
5ـ ومما يلاحظ على الآمدي - مثل الرازي - التقرب إلى سلاطين زمانه - ومن حولهم - بإهداء كتبه إليهم ، ولعل مرد ذلك إلى نوع من طلب الحماية من اعتراض عموم علماء المسلمين وفقهائهم عليه.
ـ أما ما خالف فيه الآمدي الرازي فأمور:
1 ـ منها: أنه مع غلبة الحيرة عليه حتى في الأصول الكبار إلا أن تناقضه أقل من تناقض الرازي، والآمدي يورد أدلة من سبقه بخلاف الرازي الذي يوردها ويستنبط من عنده أدلة أخرى جديدة، مما يوقعه في التناقض.
2ـ والآمدي كثيراً ما يرد على الرازي، بل له كتاب لا يزال مخطوطاً اسمه (المآخذ على الإمام الرازي) أو (تلخيص المطالب العالية ونقده) ، كما رد عليه في مسألة حلول الحوادث وقول الرازي: إنها لازمة لجميع الطوائف.
3ـ والآمدي لا يتزعزع يقينه في أن أدلة السمع ظنية لا تفيد اليقين، بخلاف الرازي الذي يشكك أحياناً في أدلة العقل, فيحيل على أدلة السمع، وقد رد الآمدي عليه في هذه المسائل، فرد عليه في تعويله على إثبات صفة الكلام على أدلة السمع، وكذلك في إثبات صفة السمع والبصر، وفي إثبات الرؤية، وبين صحة الدليل العقلي لها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/678
عز الدين بن عبد السلام: ت 660هـ.
الإمام العلم المشهور، وهو أحد تلامذة الآمدي، ويلاحظ أن وفاته كانت قبل ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية بسنة واحدة تقريباً، وقد تميز العز بن عبد السلام بكونه من أعلام العلماء العاملين المجاهدين، الذين يقتدى بهم فئات عظيمة من الناس من العلماء وغيرهم، ولذلك فدفاعه عن مذهب الأشاعرة وتقريره له في كتبه له أثره في الناس، وقد كانت إحدى محنة الكبار بسبب مسألة الحرف والصوت، وقد ألف في ذلك عقيدته المسماة "الملحة في اعتقاد أهل الحق" قرر فيها مذهب الأشاعرة في كلام الله وإنكار الحرف والصوت وشنع على مخالفيه من الحنابلة، ووصفهم بالحشو وأغلظ عليهم، وقد أفرد ولده عبد اللطيف ما جرى له في رسالة، ونقلها السبكي، الذي نقل أيضاً " الملحة " بكاملها، ومما تجدر ملاحظته أن شيخ الإسلام رد على العز في رسالته هذه -وأغلظ عليه أحياناً - مع أنه مدحه في أول الجواب عن الفتوى.
والأدلة على أشعرية العز واضحة، وقد سجل خلاصة لعقيدته في كتابه المشهور (قواعد الأحكام)، أما تأويله لبعض الصفات، فواضح في كتابه (الإشارة) إلى الإيجاز فقد أول صفات المجيء، والقبضة، واليدين، والنزول، والضحك، والفرح، والعجب، والاستواء، والمحبة، والغضب، والسخط وغيرها، وهو ممن ينفي العلو والفوقية ويتأولهما، كما أن الشيخ له ميل إلى التصوف، فقد ذكر في كتابه (القواعد) أنواع العلوم التي يمنحها الأنبياء والأولياء فذكر منها: " الضرب الثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عما في القلوب، فيرى أحدهم من الغائبات ما لم تجر العادة بسماع مثله.. ومنهم من يرى الملائكة, والشياطين, والبلاد النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثرى، ومنهم من يرى السموات, وأفلاكها, وكواكبها, وشمسها, وقمرها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوح المحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام, وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم" ، وهذا تصوف غالٍ، وقد أباح في فتاويه السمع وذكر أنواعه، ومنع من الرقص المصاحب له.
والملاحظ في منهج العز - رحمه الله - أنه مع قسوته على مخالفيه في مسألة كلام الله إلا أنه ذكر في بعض كتبه وفتاويه وجوهاً من الأعذار لهم، فذكر في الفتاوى مثلاً أن معتقد الجهة لا يكفر، كما ذكر أن من قال بالحرف والصوت مسلم ويجب رد السلام عليه، أما في القواعد فقد ذكر أن مسائل قدم كلام الله، والصفات الخبرية كالوجه واليدين، والجهة، وغيرها" مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفواً عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه ولا سيما قول معتقد الجهة ..."موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/681
الأشاعرة المعاصرون لشيخ الإسلام ابن تيمية
عاصر شيخ الإسلام عدد كبير من علماء الأشاعرة، وجرت بينه وبينهم جولات ومناظرات أدت إلى سجنه مرات عديدة، كما أنها كانت سبباً في تأليفه لعدد كبير من رسائله وكتبه، والملاحظ أنه - رحمه الله - ركز في مواقفه العلمية - أما العملية فسبق شرحها في ترجمته - على الرد على شيوخ أشاعرة عصره، والسبب أن هؤلاء المعاصرين له إنما كانوا يرددون أقوال وحجج من سبقهم، ولم يكن أحد منهم ذا تميز مؤثر بحيث يصبح في منزلة الغزالي أو الرازي أو الآمدي أو غيرهم, من الذين كانت لهم شخصيات مستقلة.
ولهذا السبب سيقتصر العرض هنا على ذكر من وصل إلينا شيء من كتبهم العقدية، وسيكون العرض مختصراً جداً، مع محاولة التركيز على من كانت بينه وبين شيخ الإسلام مناظرة كصفي الدين الهندي، أو جاء له ذكر في بعض أحداث محنته كبدر الدين بن جماعة، مع عدم إغفال من كان لهم تأثير فيمن جاء بعدهم كالبيضاوي والإيجي.
ـ صفي الدين الهندي: ت 715هـ
وقد سمى كتابه (الرسالة التسعينية في الأصول الدينية) لأنها مشتملة على تسعين مسألة، وقد أشار في أولها إلى ما جرى بين ابن تيمية والأشاعرة ، وقد حذا في رسالته هذه حذو الرازي، وذكر القانون الكلي الذي يقدم فيه العقل على النقل عند التعارض، كما أوّل حديث الجارية " أين الله " بتأويل عجيب، وفي مسألة حلول الحوادث رد على الرازي حين قال إن أكثر العقلاء قالوا به، وفي مسألة حوادث لا أول لها ناقشها وكأنه يعرض بشيخ الإسلام ابن تيمية، كما أنه رد على الرازي في قوله في الرؤية: وإنها حالة انكشاف بنوع من العلم، وفي الجملة فليس في هذه الرسالة جديد لا في الأدلة ولا في العرض، ويغلب عليه فيها المنهج العقلي.
ـ بدر الدين بن جماعة: ت 733هـ
وله مؤلفات كثيرة في الحديث وعلوم القرآن وغيرها، أما كتبه في العقيدة فلم يصل إلينا إلا كتابه الذي سماه: (كتاب إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل)، ولا يزال مخطوطاً، وقد نحا فيه منحى الأشاعرة، وذكر في أوله انتشار مذهب المعطلة (المعتزلة) والمشبهة، ثم ذكر أن مذهب المعتزلة " قد محى في بلادنا رسمه، ولم يبقَ فيها إلا ذكره واسمه، وأما مذهب التشبيه فإن جماعات من الأغوام  المجانبين للعلماء الأعلام أحسنوا الظن في بعض من ينسب ذلك إليهم، واعتمدوا في تقليد دينهم عليهم، إذ كان هذا المذهب أقرب إلى ذهن العامي وفهمه"، ثم ذكر أنه أورد ما تمسكوا به من الآيات والأخبار، وما يتعين عليه حملها مما يوافق مذهب الأشاعرة، وقد سار على طريقتهم فأوّل العلو والاستواء، وبقية الصفات الفعلية والخبرية كالمجيء, والوجه، واليدين، والعين، والساق، والقدم، والنزول، والضحك، والفرح، والعجب، وغيرها، ومما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أن العلماء قسمان: أهل تأويل وأهل تفويض، ثم رجح التأويل لعدة وجوه، وذكر منها أنه لو قيل بالتفويض لتعطل معنى النصوص، وصار الخطاب بلفظ مهمل، وهذا الكلام مما يركز عليه شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في الرد على المفوضة، لكن ابن جماعة ذكره لترجيح القول بالتأويل على القول بالتفويض، وفي معرض إنكاره للعلو ذكر القانون العقلي المشهور عند الأشاعرة، كما أنه قال بأن العقلاء اتفقوا على وجود ما ليس في حيز ولا جهة, كالعقول والنفوس، وهو في هذا متأثر بالرازي والآمدي.
كما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أولاً الآيات الدالة على الصفات وأوّلها، ثم ذكر الأخبار الصحيحة وأوّلها، ثم ذكر في القسم الثالث الأحاديث الضعيفة، ولم يكتفِ ببيان ضعفها بل أكثر القول في تأويلها، وكأنه في هذا سار على منهج أبي الحسن الطبري، تلميذ الأشعري، وقد سبق الكلام عنه وعن كتابه المشابه لكتاب ابن جماعة، ومن أعجب ما أورده ابن جماعة في كتابه هذا أنه قال عن حديث النار وأن الله يضع عليها قدمه - أو رجله، بعد أن ردَّ على ابن خزيمة بشدة: " واعلم أن من العلماء من جزم بضعف هذا الحديث, وإن خرجه الإمامان لأنهما ومن روياه عنه غير معصومين" ، وموطن العجب في هذا الكلام - وكله عجب- أن المعهود عند هؤلاء المؤولة أن يقول الواحد منهم: إن هذه الأحاديث آحاد لا تفيد اليقين فلا يحتج بها في العقائد، أما أن يقول قائل: إن ما اتفق عليه الشيخان وروياه من عدة طرق، حديث ضعيف لأن البخاري ومسلماً ومن رويا عنهم غير معصومين، فهذا غريب حقاً، خاصة إذا جاء من عالم مهتم بالحديث له مثل كتاب (تذكرة السامع والمتكلم) ، و(المنهل الروي)، وغيرهما، ويشبه هذا ما ذكره - نقلاً عن غيره - من احتمال التصحيف في حديث " ولا شخص أغير من الله " ، وغيره.
وليس في منهج ابن جماعة جديد -إذ هو مقلد لمن سبقه، وكأنه اعتمد على من سلك هذا المنهج في إيراد نصوص الصفات من الآيات والأحاديث والكلام في تأويلها، وذلك مثل أبي الحسن الطبري، وابن فورك، والبيهقي، وقد نص في بعض المواضع على نقله من الأخير.
ـ ناصر الدين البيضاوي: ت 685هـ على الراجح.
وهناك أقوال أخرى في وفاته منها أنه توفي سنة 691هـ ، وقيل أنها كانت سنة 719هـ ، ولكن الراجح أنه سنة 685هـ، وهو الذي ذكره أغلب مترجميه، أما ولادته فلم يذكر لها تاريخ لكن من المحتمل أنها كانت في أوائل القرن السابع أو قبله بقليل، والبيضاوي عاش أغلب عمره بين شيراز وتبريز في بلاد فارس، والغرض من ذكر ما سبق بيان مدى معاصرته لابن تيمية، وأنه لم يقدم إلى الشام ولا إلى مصر، ومع ذلك اشتهرت مؤلفاته خاصة التنزيل، وكتابه (طوالع في الأصول)، في أصول الفقه، وتفسيره المسمى (أنوار التنزيل)، وكتابه (طوالع الأنوار) في علم الكلام، وكل هذه الكتب عني بها العلماء فشرحوها, ووضعوا عليها حواشي عديدة، غالبها مطبوع، والذي يعنينا هنا كتابه الأخير الذي قال فيه السبكي: " أما الطوالع فهو عندي أجل مختصر ألف في علم الكلام" ، وأبرز من شرحه شمس الدين أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني المتوفى سنة 749هـ، والذي قدم دمشق سنة 725هـ، وصار يتردد على شيخ الإسلام ابن تيمية ولازمه.
الطوالع يعتبر من كتب الأشاعرة التي نهجها متأخرو الأشعرية في الاعتماد على المقدمات الطويلة ثم ذكر ما يتعلق بالإلهيات، وقد استغرقت الإلهيات عند البيضاوي ما يقارب ثلث الكتاب فقط، والباقي في المقدمات العقلية والطبيعية وما شابهها، وليس هناك جديد فيما عرضه في مسائل الإلهيات، سوى أنه قال في مسألة كلام الله " والإطناب في ذلك قليل الجدوى " ، وكأنه ضاق بتناقضات من سبقه في ذلك، ولما عرض لصفات الاستواء واليدين والوجه والعين، ذكر خلاف الأشاعرة فيها ثم قال: " والأولى اتباع السلف في الإيمان بها والرد إلى الله تعالى" ، وفي مسألة القدر والكسب عند الأشاعرة قال: " وهو أيضاً مشكل، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين فيه " ، وقد تابعه الأصفهاني في شرحه, وأحال على مذهب السلف في القدر، وأن يترك المناظرة فيه ويفوض علمه إلى الله تعالى. والملاحظ عموماً على شرح الأصفهاني لمتن الطوالع متابعة صاحبه، وتكرار عبارته، والإضافات التي يوردها قليلة.
ـ عضد الدين الإيجي: ت 756هـ.
أما ولادته فقيل: إنها بعد سنة 680هـ ، وقيل بعد 700هـ ، ومن كتبه: العقائد العضدية، متن مختصر وضعت عليه شروح وحواش عديدة، والكتاب الثاني (المواقف في علم الكلام) وهو كتاب متوسط يقع في 430 صفحة، فقد قسمه إلى ستة مواقف، الأربعة الأولى منها في المقدمات المنطقية, والمباحث الفلسفية، والموقف الخامس والسادس في الإلهيات التي بدأت في ص: 266، والكتاب له شروح، عليها حواشٍ بلغت في طبعته الثانية ثمانية مجلدات كبار، وقد جاءت الإلهيات في الجزء الثامن فقط، وأكبر ما يميز كتاب (المواقف) ذلك التقسيم الجيد للمسائل حيث أنه يقسم الموقف إلى مراصد، وكل مرصد إلى مقاصد - وكل مقصد - إن احتاج - إلى مسالك، كما أن أسلوبه وعبارته قوية سلسة, مع البعد عن التطويل في المناقشات، كما أنه اعتمد على أقوال كبار رجال الأشاعرة والترجيح بينها إن كان بينهم خلاف، وهو كثيراً ما يورد أقوال المعتزلة أو الفلاسفة ويناقشها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/683

انظر أيضا: