trial

موسوعة الفرق

المطلب السابع: استخارتهم بما يشبه أزلام الجاهلية


كانت العرب في جاهليتها إذا أراد أحدهم سفرًا أو غزوًا ونحو ذلك أجال القداح وهي الأزلام، وكانت عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب افعل، وعلى الآخر لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد ((تفسير ابن كثير)) (2/12)، ((تفسير الطبري)) (9/510) (ط: المحققة). .
وقد ابتلي فئات من الناس بالأزلام، كما ابتلوا بالأنصاب، فالأنصاب للشرك في العبادة والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله به، هذا للعلم وتلك للعمل ودين الله وشرعه مضاد لهذا وهذا.
وقد أدخلت طائفة الاثني عشرية الاستخارة بالأزلام في دينها وأضافت عليها بعض الإضافات وسموها الرقاع. وعقد الحر العاملي لهذا بابًا بعنوان (باب استحباب الاستخارة بالرقاع وكيفيتها) ((وسائل الشيعة)) (5/208-213). . وذكر في هذا الباب جملة من أحاديثهم في ذلك بلغت خمس روايات، أما المجلسي فقد ذكر أنواعًا من الاستخارات تدخل في هذا المعنى في أبواب ثلاثة وهي باب الاستخارة بالرقاع ((بحار الأنوار)) (91/226-234). ، وباب الاستخارة بالبنادق ((بحار الأنوار)) (91/235-240). ، وباب الاستخارة بالسبحة والحصى ((بحار الأنوار)) (91/247-251). .
وفي هذه الاستخارات تذكر كتب الشيعة كيفية قد تختلف في البداية عن طرق أهل الجاهلية حيث الصلاة والدعاء، وهي صلاة على طريقة مبتدعة، ثم دعاء معين ولكنها تنتهي بما يشبه عمل الجاهلية حيث استكشاف ما هو خير عن طريق تحريك السبحة، أو كتاب افعل أو لا تفعل في رقاع معينة واختبار ذلك عدة مرات.
ومن أمثلة ذلك ما جاء عند الكليني ((الفروع من الكافي)) (1/131). ، والطوسي ((التهذيب)) (1/306). ، والحر العاملي ((وسائل الشيعة)) (5/208). . وغيهم انظر: ((المقنعة)) (ص: 36)، ((المصباح)) (ص: 372). . عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت أمرًا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها: (بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة هكذا النسبة للأم، والله يقول: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ [الأحزاب: 5]. افعل، وفي ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل، ثم ضعها تحت مصلاك، ثم صل ركعتين، فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة: أستخير الله برحمته خيرة في عافية، ثم استو جالسًا وقل: اللهم خر لي واختر لي في جميع أموري، في يسر منك وعافية، ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوشها وأخرج واحدة، فإن خرج ثلاث متواليات افعل. فافعل الأمر الذي تريده، وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله، وإن خرجت واحدة افعل والأخرى لا تفعل فأخرج من الرقاع إلى خمس فانظر أكثرها فاعمل به ودع السادسة لا تحتاج إليها).
أما الاستخارة بالبنادق فيفسرها ما جاء في روايتهم التي تقول: ).. انوِ الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين، في واحدة لا، وفي واحدة نعم، واجعلهما في بندقتين من طين، ثم صلِّ ركعتين واجعلهما تحت ذيلك وقل: يا الله، إني أشاورك في أمري هذا وأنت خير مستشار ومشير فأشر علي مما فيه صلاح وحسن عاقبة، ثم أدخل يدك فإن كان فيها نعم فافعل، وإن كان فيها لا، لا تفعل) ((الفروع من الكافي)) (1/132)، ((التهذيب)) (1/306)، ((وسائل الشيعة)) (5/209). .
وجاء في أخبارهم أن استخارة مولانا أمير المؤمنين وهي أن تضمر ما شئت وتكتب هذه الاستخارة وتجعلهما في مثل البندق ويكون بالميزان أي متساويتين بأن تزنهما بالميزان، قاله شيخهم المجلسي ((البحار)) (91/239). . وتضعهما في إناء فيه ماء ويكون على ظهر إحداهما افعل والأخرى لا تفعل، فأيهما طلع على وجه الماء فافعل به، ولا تخالفه ((بحار الأنوار)) 91/238)، باب الاستخارة بالبنادق. .
ولا شك بأن أمير المؤمنين عليًا بريء من لوثات الجاهلية وأوهامها، وهذا مما دسته الشيعة عليه، ولذلك لم ينقله عنه سواها..
أما الاستخارة بالسبحة والحصى فقد قال شيخهم المجلسي: "سمعت والدي يروي عن شيخه البهائي.. أنه كان يقول: سمعنا مذاكرة عن مشايخنا عن القائم صلوات الله عليه في الاستخارة بالسبحة أنه يأخذها، ويصلي على النبي وآله صلوات الله عليهم ثلاث مرات، ويقبض على السبحة، ويعد اثنتين اثنتين، فإن بقت واحدة فهو افعل، وإن بقيت اثنتان فهو لا تفعل ((بحار الأنوار)) (91/250). .
هذا الأنواع من الاستخارة ذات أصل جاهلي حاولوا إلباسه ثوب الإسلام.
وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه ابن كثير ((التفسير)) (2/13). ،
لما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب...)).
وهذه الاستخارة جاءت أيضًا في كتب الشيعة بنفس النص السابق انظر: ((بحار الأنوار)) (91/265)، ((مكارم الأخلاق)) (ص: 372). . الوارد في أمهات كتب المسلمين (مصادر أهل السنة) ، ولكن عقيدة التقية التي كانت من أهم العوامل التي نأت بالشيعة عن الانضواء تحت لواء الجماعة.. جعلت بعض شيوخ الشيعة يرجح العمل برقاع الجاهلية على غيرها لا لشيء إلا لأنها مما شذت به طائفته عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وما عليه أهل السنة، ذلك أن ما يتفق من رواياتهم مع إجماع المسلمين يصبح العمل به عند الشيعة موضع تردد لاحتمالات التقية المزعومة.
قال الحر العاملي: (قد رجح ابن طاووس العمل باستخارة الرقاع بوجوه كثيرة منها.. أنها لا تحتمل التقية لأنه لم ينقله أحد من العامة) ((وسائل الشيعة)) (5/211). . ويعني بالعامة أهل السنة، وهذا اعتراف منهم أن استخارة الرقاع مما شذت به طائفتهم.
ويبدو أن بعض شيوخهم رابهم أمر هذه الرقاع وشعروا بشذوذه فقال بعضهم وهو شيخهم جعفر بن الحسن الحلي (ت676هـ‍) الملقب عندهم بالمحقق. : (وأما الرقاع وما يتضمن افعل ولا تفعل ففي حيز الشذوذ) انظر: (بحار الأنوار)) (91/287). . كما طعن بعضهم في إسنادها قال شيخهم ابن إدريس: (إنه من شواذ الأخبار، لأن رواتها فطحية ملعونون مثل: زرعة وسماعة). ((بحار الأنوار)) (91/287). .
ولكن هذا الصوت الذي ينكر هذا الاتجاه في الاستخارة لم يرق لبعض متأخري الشيعة، فقد ردوه وقالوا: (إنه لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب، وكيف تكون شاذة وقد دونها المحدثون في كتبهم، والمصنفون في مصنفاتهم) ((بحار الأنوار)) (91/288). ، ثم قالوا بأنه قد ألف أحد شيوخهم وهو رضي الدين الحسن علي بن طاووس الحسني. . كتابًا ضخمًا في الاستخارات واعتمد فيه على رواية الرقاع وذكر من آثارها عجائب وغرائب ((بحار الأنوار)) (91/288). ، وقالوا بأنه لم ينكرها إلا قلة اختلفت أقوالهم في أول من أنكرها؛ فذكر شيخهم الملقب بالشهيد بأنه لم ينكرها من شيوخهم سوى ابن إدريس ومن أخذ مأخذه كالشيخ نجم الدين ((بحار الأنوار)) (91/288). بينما قال المجلسي بأن أصل الإنكار كان من شيخهم المفيد، وذلك حينما ذكر رواية الاستخارة بالرقاع قال: (وهذه الرواية شاذة.. أوردناها للرخصة دون تحقيق العمل). ثم أنكر بعض متأخريهم وجود هذا الكلام في نسخة المفيد وقالوا بأنه مما ألحق في كلامه وليس منه. ((بحار الأنوار)) (91/287-288) وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتب شيوخهم ويبدلون. . منهم لا عبرة بإنكاره.
هذه حكاية الاستخارة بالرقاع، والبنادق، والسبحة، والحصى، وما دار حولها من جدل.. وهي عين استخارة المشركين (افعل أو لا تفعل) سوى أنهم أضافوا إليها صلاةً ودعاءً، وخصصت بعض رواياتهم موضع هذه الاستخارة بأن تكون عند قبر الحسين انظر: ((وسائل الشيعة)) (5/220)، ((بحار الأنوار)) (101/285). . ليتسع باب الشرك أكثر. وهذه بدعة انفرد بها هؤلاء القوم، جعلتهم يتعلقون، ويأتمرون بما تهديهم إليه هذه الأزلام.
مع أن الله سبحانه يقول: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ - إلى قوله سبحانه -: وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ... [المائدة: 3]. أي حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام ((تفسير ابن كثير)) (2/12). . قال ابن عباس: (هي قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور ((تفسير الطبري)) (6/78). . أي يطلبون بها علم ما قسم لهم ابن القيم ((إغاثة اللهفان)) (1/227). . وقوله سبحانه: ذَلِكُمْ فِسْقٌ أي تعاطيه فسق وغيٌّ وضلالة وجهالة وشرك) ((تفسير ابن كثير)) (2/13). .
وهؤلاء الروافض في استخارتهم تلك ساروا في خطا المشركين، ورجحوا العمل بهذه (الأزلام) انظر: الحر العاملي ((الإيقاظ من الهجعة)) (ص: 3، 70-71). . على الاستخارة الشرعية، لأن انفرادهم بها عن المسلمين دليل الصحة عندهم، كما هي قاعدتهم، كما ألزموا أتباعهم العمل بنتيجتها، وتوعدوا على مخالفتها قالوا - مثلاً -: (وإن وجد في كلها (أي الرقاع) لا تفعل فليحذر عن الإقدام على ذلك الأمر). ((بحار الأنوار)) (91/228). . فكأنهم اعتقدوا أنها تأتيهم بالخبر عن الله، وهذا كالاستقسام بالأزلام عند المشركين. قال ابن القيم: (الاستقسام هو إلزام أنفسهم بما تأمر به القداح كقسم اليمين..) ((إغاثة اللهفان)) (1/227). .
فكيف يزعم الرافضي أن ما خرج من هذه الرقاع التي يستقسم بها هي عين ما أراد الله فيلزم نفسها بها.. أطّلع الغيب أم اتّخذ عند الرحمن عهدًا؟ ‍! فهذه الرقاع تدفعه للمضي في أمره أو تمنعه بلا بينة ولا برهان كحال أهل الشرك، ولعله (لا فرق بين ذلك وبين قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا). والله سبحانه يقول: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: 34] ((إغاثة اللهفان)) (1/227). . فهؤلاء يقولون: اعمل أو لا تعمل، بأمر الحصى والجمادات. أصول مذهب الشيعة الإمامية لناصر علي القفاري- 2/498 

انظر أيضا: