trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: اتهام الأئمة الأربعة بإحداث مذاهب مخالفة للكتاب والسنة


من أقوال علماء الاثني عشرية في هذا، قول البياضي عن أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم: (المخالف أخذ دينه عن القياس والاستحسان، ونحن أخذناه عن أئمة الأزمان الذين أخذوا التحريم والتحليل عن جدّهم النبيل عن جبرائيل عن الرب الجليل) ((الصراط المستقيم)) (3/207). .
كما عقد فصلاً عنون له بقوله: (كلام في القياس عدلوا به عن الكتاب والسنّة)، ثم أنشد في موضع آخر:


إن كنت كاذباً في الذي حدثتني




فعليك وزر أبي حنيفة أو زفر


المائلين إلى القياس تعمُّداً




العادلين عن الشريعة والأثر ((الصراط المستقيم)) (3/210).

كما قال أيضاً متكبّراً متعالياً: (فهذه قطرة من بحار اختلافهم، خالفوا فيها كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، ولهم أقوال أخر شنيعة في أحكام الشريعة) ((الصراط المستقيم))  (3/205)، وانظر أيضاً (3/195). .
وقال علاّمتهم ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة: (وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي، فأدخلوا في دين الله ما ليس منه... وأهملوا أقاويل الصحابة) ((منهاج الكرامة)) للحلّي (ص: 93) نقلاً عن ((منهاج السنة النبوية)) (3/400-401). .
وأما محمد باقر المجلسي فقد أورد بعض الأخبار عن علمائهم عتبوا فيها على الأئمة السنية مخالفتهم آراء الصحابة رضي الله عنهم - في زعمهم -، ولا سيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن ذلك قول بعضهم: (لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين في بعض أحكامه ورغب عنها إلى غيرها) ((بحار الأنوار)) (10/444-445). .
وقال أيضاً: (وليس في فقهاء الأمصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن على أمير المؤمنين، وتزييف كثير من قوله، والردّ عليه في أحكامه... وهذا ما لا يذهب إليه من وُجد في صدره جزءٌ من مودّته وحقّه الواجب له) ((بحار الأنوار)) (10/444-445)، وانظر أيضاً: (2/286، 288 - 289) فيما يتعلق بالطعن في الأئمة الأربعة وأتباعهم بسبب القول بالقياس، وكذلك (2/298) و (10/230) (باب الاحتجاج على المخالفين). .
والجواب عن هذه الاتهامات الخطيرة يأتي في نقاط:
أولاً: إن دعوى اتفاق الأئمة الأربعة أو تواطئهم على مخالفة الكتاب والسنة، لا بينة عليها ولا دليل...
وأما بالنسبة لأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فكيف يأخذ الروافض على غيرهم مخالفة الصحابة رضي الله عنهم وهم يحكمون بكُفْرِ هؤلاء الصحابة وضلالهم؟!
إنه لأمرٌ عجيب وغريب، بل وخدعة ومكرٌ عظيم!! وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكراً عند الإمامية؟! هؤلاء متّفقون على محبة الصحابة وموالاتهم وتفضيلهم على سائر القرون، وعلى أن إجماعهم حجّة... فكيف يطعن عليهم بمخالفة الصحابة من يقول: إن إجماع الصحابة ليس بحجّة، وينسبهم إلى الكفر والظلم؟) ((منهاج السنة النبوية)) (3/405-406). .
ثانياً: إن الإمامية الاثني عشرية في طعنهم هذا على الأئمة متناقضون في أنفسهم؛ فتارةً يرمونهم بمخالفة الصحابة رضي الله عنهم، ويعتبرون ذلك جرماً عظيماً لا يُغفر، ثم لا يلبثون أن يقرّوا بأن علوم هؤلاء الأئمة ومعارفهم كلها راجعة إلى علوم الصحابة تارةً أخرى.
ولنسمع ما قاله في هذا المعنى علاّمة الإمامية الاثني عشرية، وأعلمهم في زمانه، ابن المطهر الحلي؛ فقد قال في كتابه( منهاج الكرامة): (ومالك قرأ على ربيعة، وربيعة على عكرمة، وعكرمة على ابن عبّاس، وابن عباس تلميذ وهذا من أكاذيب الرافضة، قال ابن تيمية في ((المنهاج)) (7/536): (ابن عباس تلميذ علي كلامٌ باطل ؛ فإن رواية ابن عباس عن عليّ قليلة، وغالب أخذه عن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة). علي) ((منهاج الكرامة)) (ص:179) نقلاً عن ((منهاج السنة النبوية)) (7/535). .
وقبل هذا بأسطر قال: (وأما الفقه: فالفقهاء كلهم يرجعون إليه) ((منهاج الكرامة)) (ص:178) نقلاً عن ((منهاج السنة النبوية)) (7/529). ، يعني عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
والحقيقة التي لا ريب فيها: أن علم هؤلاء الأئمة الفقهاء رحمهم الله وفقههم راجعان إلى علم وفقه الصحابة رضي الله عنهم؛ فالإمام أبو حنيفة قد أخذ جل علمه وفقهه عن شيخه حمّاد بن أبي سليمان واختصّ به، وحمّاد تلميذ النخعي هو إبراهيم بن يزيد النخعي، أبو عمران، الإمام الجليل، وفقيه العراق بلا نزاع، أخذ عن مسروق والأسود وعلقمة، (ت95هـ) ((الشذرات)) (1/111). ، والنخعي تلميذ علقمة، وعلقمة تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأما الإمام مالك فمعروف أن علمه عن أهل المدينة الذين أخذوا عن الفقهاء السبعة وهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد نظمهم بعضهم في قوله: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر   روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم عبيد الله عروة قاسم   سعيد أبو بكر سليمان خارجة ، وهم تلاميذ أعلام الصحابة، كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر ونحوهما.
والإمام الشافعي تفقّه على المكيين الذين أخذوا عن أصحاب ابن عبّاس رضي الله عنهما، ثم أخذ بعد ذلك عن الإمام مالك.
وأما الإمام أحمد فكان على مذهب أهل الحديث؛ أخذ عن أمثال سفيان بن عيينة، وعن عمرو بن دينار، عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما انظر: ((منهاج السنة)) (7/529 - 530)، و((إعلام الموقعين)) (1/23). .
فهل يُعقل أن يُتهم مثل هؤلاء بمخالفة الصحابة أو معارضتهم؟!
ثالثاً: أما عن زعمهم مخالفة الأئمة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب  رضي الله عنه في بعض فتاويه وأحكامه، فنقول: إن مخالفة واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم مع موافقة جمهورهم في حكم من الأحكام ليس بقادح، لا سيما إذا انبنت هذه المخالفة على أسس سليمة من كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم؛ فقول الصحابي ليس بحجّة إذا خالفه غيره من الصحابة -على الصحيح- كما هو مقرر في علم الأصول وما يُحكى من الخلاف في ذلك إنما هو فيما إذا لم يظهر لقول الصحابي مخالفٌ، كما حقق ذلك فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في ((المذكرة)) (ص:164). انظر: ((مراقي الصعود إلى مراقي السعود)) لمحمد الأمين بن أحمد الجنكي (ص:401)، تحقيق د. محمد المختار الشنقيطي، وراجع أيضاً: ((مجموع فتاوى)) شيخ الإسلام (1/283-284). .موقف الشيعة الاثني عشرية من الأئمة الأربعة لخالد بن أحمد الزهراني/ ص 73


انظر أيضا: