trial

موسوعة الفرق

المطلب الرابع: وجوب الوعد والوعيد


ظهر فيما سبق أن الخوارج يقولون بأن العصاة من أهل الكبائر إذا ماتوا على كبائرهم دون توبة - إنهم ليس لهم إلا مصير واحد وهو النار مخلدين فيها، وقولهم هذا وقول المعتزلة في هذا الموضوع قول واحد وهو تخليدهم في النار، إلا أن الخوارج يرون أن عذابهم كعذاب الكفار، والمعتزلة تخالفهم في هذا وترى أن عذابهم ليس كعذاب الكفار ((المقالات)) (1/204). ، بل هم أقل منهم في الدرجة حتى مع خلودهم في النار. قال الأشعري: "وأجمع أصحاب الوعيد من المعتزلة أن من أدخله الله النار خلده فيها" ((المقالات)) (ص334). .
فالخوارج كما هو المشهور عنهم وكما تبين مما سبق بحثه أنهم من أشد الفرق الإسلامية مبالغة في مسألة ارتكاب الذنوب وإخراج أهلها من الإيمان؛ إذ أن الإيمان قول وعمل، فإذا خالف عمله الحق بارتكاب بعض الذنوب فلا بقاء لإيمانه وهو من أصحاب النار، وقد وصف الله نفسه بأنه عدل يجازي كل واحد بما عمل وهو علام الغيوب، فلا يمكن أن يكون المؤمن والكافر والطائع والعاصي والبر والفاجر في ميزانه تعالى واحدا؛ فهذا خلاف العدل الذي تنزه الله عنه وإلا كان الأمر بالإيمان والطاعة والنهي عن الكفر والمعاصي لا معنى له.
ثم قالوا: إن الله صادق، وقد قال في كتابه الكريم: إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:9]، وقال تعالى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: 28 ،29]، فلا يتصور أن يخلف الله وعده أو وعيده وإلا جاز عليه القول بأنه يقول شيئا ثم يبدو له أن المصلحة في خلافه فيترك الأول، وهذا مستحيل على الله، وهو من صفات الناس لنقص عقولهم وتجدد الأمور لديهم.
كذلك فإن المعروف بداهة أن من استحق العذاب لا يستحق الثواب، ومن استحق الإحسان لا يستحق الإساءة وإلا لزم الجمع بين النقيضين، وعلى هذا فإن الناس في الدار الآخرة ينقسمون إلى قسمين: شقي وسعيد. فمن استحق الشقاء لا يستحق السعادة، ومن استحق السعادة لا يستحق الشقاء - قال تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 106 - 108]، وكذا قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7]. إلى غير هذه الآيات التي في هذا السياق.
وبهذه النظرة الضيقة "يكونون غير مراعين لآيات الرحمة والعفو، لأن الرحمة كما يقال فوق العدل، ومذهبهم هذا يؤدي إلى شيء من اليأس في ظاهر الأمر ولكنهم يقولون إن من تاب فقد نجا" ((آراء الخوارج)) (ص146). . وبهذا يفتحون للمذنب طريقا إلى الرحمة وأملا ضعيفا إلا أنه طريق محفوف بالمخاطر فأقل زلة قد تجعله من أهل النار.
والإباضية في ذلك كبقية الخوارج يرون أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده، كما قال صاحب كتاب (الأديان) الإباضي: "ومن اعتقاد أهل الاستقامة أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده" من ((كتاب ((الأديان)) والفرق (ص55). . ويقول علي معمر أيضا في هذه المسألة: "كما لا يجوز خلف الوعد كذلك لا يجوز خلف الوعيد" ((الإباضية بين الفرق)) (ص440). . فهم مجمعون على أن الله لا يخلف وعده ولا وعيده، كما قال تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: 29].
وهذا هو استدلالهم من القرآن. واستدلوا من الشعر العربي ببيت لأحد الشعراء وهو قوله:


قوم إذا وعدوا أو أوعدوا عمروا





 صدق الرواية ما قالوا بما فعلوا

                                                       وهذا ما يعبر عنه الجناوني في قوله: "وأما الوعد والوعيد فقد اتفق الموحدون كلهم على أن الله صادق في وعده ووعيده" كتاب ((الوضع)) للجناوني. . ثم استدل بالآية السابقة وبقول الشاعر المتقدم.
ويرد أبو إسحاق أطفيش على القائلين بتخلف وعد الله بأن هذا القول والقول بالبداء على الله واحد لا فرق بينهما، فقال: "والحق أنه لا دليل على تخلف وعد الله بل هو من القول بالبداء على الله" كتاب ((الوضع)) للجناوني. . ويقول النفوسي منهم مثبتا اعتقادهم في هذا الباب:


ودنا بإنفاذ الوعيد وحكمه




 وتخليد أهل النار في النار والهون كتاب ((متن النونية )) في عقيدة التوحيد (ص18).

وفيما يتعلق بوجوب الوعد والوعيد فإن أهل السنة يقولون إن إخلاف الوعد مذموم، وذلك غير إخلاف الوعيد فهو كرم وتجاوز كما يفعل أهل الشرف بعبيدهم حين يتوعدونهم ثم يعفون عنهم ويخلفون ما توعدوهم به من العقاب؛ ولهذا فقد "قال أهل السنة: وإخلاف الوعيد كرم ويمدح به بخلاف الوعد" ((الأسئلة والأجوبة على الواسطية)) (ص84) .
وقد أجاب أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد القدري حين قال له ابن عبيد: "وقد ورد من الله تعالى الوعد والوعيد والله تعالى يصدق وعده ووعيده" قال البغدادي: "فأراد بهذا الكلام أن ينصر بدعته التي ابتدعها في أن العصاة من المؤمنين خالدون مخلدون في النار" - أجاب أبو عمرو بن العلاء عن قول ابن عبيد بقوله: "فأين أنت من قول العرب: إن الكريم إذا أوعد عفا وإذا وعد وفى، وافتخار قائلهم بالعفو عند الوعيد حيث قال:


وإني إذا أوعدته أو وعدته




لمخلف إيعادي ومنجز موعدي


فعده من الكرم لا من الخلق المذموم" ((الفرق بين الفرق)) (ص365). .
ووجوب الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب عند الإباضية لا يرجع إلى الإيجاب على الله لأن أحدا لا يوجب عليه سبحانه وتعالى شيئا بل هو مقتضى الحكمة الإلهية. فيرون وجوب الثواب والعقاب في حق الحكمة لأن الحكمة تقتضي أن يثاب المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويرون أن الذين يقولون بوجوب الثواب والعقاب على الله وهم المعتزلة قد أساءوا الأدب مع ربهم لأنهم لم يحترزوا بكلمة "في حق الحكمة"، وهذا ما قاله أحد أئمتهم أبو يعقوب يوسف ابن إبراهيم الوارجلاني: "إن الله لا يجب عليه شيء لأنه لا موجب عليه، وإنما الوجوب في الحكمة، واجب عليه الثواب في حق الحكمة والعقاب كذلك ((الدليل لأهل العقول)) (ص56). . ويقول أيضا في إيضاح وجوب الثواب والعقاب إضافة إلى ما تقدم: "وأما الصنف الثاني من المكلفين بنو آدم والجن، فهؤلاء من واجب الحكمة أن يجب لهم الأجر والثواب على الله تعالى من جهة الحكمة ومقتضاها لا من جهة إيجاب موجب" ((الدليل لأهل العقول)) (ص56). .
والقول بإيجاب شيء على الله فيه إساءة أدب لا يليق بجناب الله كما قال الوارجلاني أيضا يرد على الموجبين: "فالذين قالوا إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب، إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا: حتم في واجب الحكمة" ((الدليل لأهل العقول)) (ص58). إلخ.
بعد بيان هذا الاختلاف عند الخوارج في حكم مرتكبي الذنوب أحب أن أشير إلى أن ما ذكره الدكتور عبدالحليم محمود والشيخ أبو زهرة رحمهما الله عن الخوارج، من أنهم على رأي واحد في أمر العصاة وهو حكمهم عليهم جميعا بالتكفير فيه تساهل؛ فقد رأينا كيف اختلفوا في موقفهم من أهل الكبائر بين تكفيرهم كفر ملة أو تكفيرهم كفر نعمة، وكذلك اختلف حكمهم على مرتكبي المعاصي من حيث هي كبيرة أو صغيرة ومن حيث الإصرار عليها وعدمه، وكذلك من حيث كون العصاة منهم أو من غيرهم... إلخ.
فقول الدكتور عبدالحليم: "ورأيهم في مرتكب الكبيرة يتفقون جميعا عليه" ((التفكير الفلسفي)) (ص191). ، وقول الشيخ أبي زهرة: "فالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة ويعدونه مخلدا في النار" ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (2/55). -لا يتفق مع تلك الأحكام المختلفة.
ولعلهما استندا في هذا القول إلى الكعبي - وهو من شيوخ المعتزلة - الذي ادعى إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب، وكذلك ابن أبي الحديد حيث يقول: "واعلم أن الخوارج كلها تذهب إلى تكفير أهل الكبائر" ((شرح نهج البلاغة)) (8/113). ، وذلك يخالف قول الأشعري: "وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات فإنها لا تقول ذلك" ((المقالات)) (1/167). .
ولهذا قال البغدادي: "والصواب ما حكاه شيخنا أبو الحسن عنهم، وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم" ((الفرق بين الفرق)) (ص73). .
ومثل هذا التعميم في إطلاق الأحكام على الخوارج ما نراه عند القاضي عبدالجبار في ادعائه أن الخوارج جميعا لا يفرقون بين الصغيرة والكبيرة، بل يعتبرون كل الذنوب من الكبائر فيقول: "وقد أنكرت الخوارج أن يكون في المعاصي صغيرة وحكمت بأن الكل كبيرة" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص632). .
وقد رأينا من قبل تفرقتهم جميعا بين الصغيرة والكبيرة وتفرقتهم كذلك بين مرتكب كل منهما في الحكم، اللهم إلا الحارثية من الإباضية.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص357


انظر أيضا: