الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الثَّانيَ عَشَرَ: الحَلِفُ بالطَّلاقِ


اختلَفَ العلماءُ في الحَلِفِ بالطَّلاقِ إنْ كان يَقصِدُ به الحَثَّ أو المَنعَ؛ على قَولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: إذا حلَفَ بالطَّلاقِ وكان يَقصِدُ به الحَثَّ أو المَنعَ، كأنْ يَقولَ: إنْ لم أفعَلْ كذا فأنتِ طالِقٌ، ففَعَلَ؛ يَقَعُ الطَّلاقُ ولا يَدخُلُ في حُكمِ اليَمينِ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنفيَّةِ [267] ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (6/82)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/724). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/21). ، والمالكيَّةِ [268] ((مواهب الجليل)) للحَطَّاب (5/348)، ((شرح الزُّرْقاني على مختصر خليل)) (4/158)، ((الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي)) (2/127). ، والشافعيَّةِ [269] ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (8/6، 176)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/319)، ((نهاية المحتاج)) للرَّمْلي (7/19، 40)، ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (3/325)، ((حاشية الشرواني على تحفة المحتاج)) (10/70). ، والحنابِلةِ [270] ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (5/284، 260)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبُهُوتي (3/129، 130). ، وحُكيَ الإجماعُ على ذلك [271] يُنظر: ((الدرة المضية)) للسُّبْكي (ص: 12).
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
عُمومُ الأدلَّةِ الَّتي تَدُلُّ على وُقوعِ الطَّلاقِ؛ كقَولِه تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: 229] ، وقَولِه تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1]
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
عن نافِعٍ قال: (طَلَّقَ رجُلٌ امرأتَه البَتَّةَ إنْ خرَجَتْ، فقال ابنُ عُمرَ: إنْ خرَجَتْ فقد بُتَّتْ منه، وإنْ لم تَخرُجْ فليس بشَيءٍ) [272] أخرجه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم قبلَ حديث (5269).
ثالثًا: أنَّ هذا التَّعليقَ وإنْ قُصِد به المَنعُ فالطَّلاقُ مَقصودٌ فيه على ذلك التَّقديرِ؛ ولذلك نصَبَه الزَّوجُ مانِعًا له مِنَ ذلك الفِعلِ، ولولا ذلك لَمَا امتنَعَ [273] ((فتاوى السبكي)) (2/310). ويُنظر: ((أبحاث هيئة كبار العلماء)) (2/463).
القولُ الثَّاني: إذا حلَفَ بالطَّلاقِ وكان يَقصِدُ به الحَثَّ أو المَنعَ فهو في حُكمِ اليَمينِ، وهذا قولُ بعضِ السَّلَفِ [274] قال ابنُ القَيِّمِ: (قال أميرُ المؤمنينَ عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجْهَه وشُرَيحٌ وطاوسٌ: لا يَلزَمُ مِن ذلك شَيءٌ، ولا يُقضى بالطَّلاقِ على مَن حلَفَ به بحِنثٍ، ولا يُعرَفُ لعليٍّ في ذلك مُخالِفٌ من الصَّحابةِ، هذا لَفظُه بعَيْنِه؛ فهذه فَتوى أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَلِفِ بالعِتقِ والطَّلاقِ، وقد قَدَّمْنا فتاويَهم في وُقوعِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ بالشَّرطِ، ولا تَعارُضَ بيْن ذلك؛ فإنَّ الحالِفَ لم يَقصِدْ وُقوعَ الطَّلاقِ، وإنَّما قصَدَ مَنْعَ نفْسِه بالحَلِفِ ممَّا لا يُريدُ وُقوعَه). ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) (3/52). ، واختيارُ ابنِ تيميَّةَ [275] قال ابنُ تيميَّةَ: (النوع الثالث مِنَ الصِّيَغِ: أنْ يُعلِّقَ الطَّلاقَ أو العِتاقَ أو النَّذرَ بشَرطٍ؛ فيَقولَ: إنْ كان كذا فعلَيَّ الطَّلاقُ، أو الحجُّ، أو فعَبِيدي أحرارٌ، ونحوَ ذلك: فهذا يُنظَرُ إلى مقصودِه؛ فإنْ كان مقصودُه أنْ يَحلِفَ بذلك ليس غَرَضُه وُقوعَ هذه الأمورِ -كمَن ليس غَرَضُه وُقوعَ الطَّلاقِ إذا وقَعَ الشَّرطُ- فحُكمُه حُكمُ الحالِفِ، وهو مِن بابِ اليمينِ). ((مجموع الفتاوى)) (33/60). ، وابنِ القَيِّمِ [276] ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/53، 71). ، وابنِ بازٍ [277] قال ابنُ باز: (هذا الكلامُ فيه تفصيلٌ: فإذا كنتَ أرَدْتَ مَنْعَ نفْسِك مِن هذا الشَّيءِ، قلْتَ: علَيَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، علَيَّ الطَّلاقُ لا أُكلِّمُ فُلانًا، علَيَّ الطَّلاقُ لا أَزورُ فُلانًا...، فإذا كان المقصودُ حَثَّ نفْسِك على الفعلِ أو التَّركِ، وليس المقصودُ فِراقَ أهْلِك إنْ لم تَفعَلْ أو إنْ فَعَلْتَ؛ فهذا له حُكمُ اليمينِ، وفيه الكفَّارةُ). ((فتاوى نور على الدرب)) (22/193). ، وابنِ عُثيمينَ [278] قال ابنُ عُثيمينَ: (تعليقُ الطَّلاقِ بالشُّروطِ يَنقسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكونَ شَرطًا مَحْضًا؛ فيقَعُ به الطَّلاقُ بكلِّ حالٍ. الثاني: أنْ يَكونَ يمينًا مَحضًا؛ فلا يقَعُ به الطَّلاقُ، وفيه كفَّارةُ يمينٍ. الثالثُ: أنْ يَكونَ مُحتمِلًا الشَّرطَ المَحضَ واليمينَ المَحضَ؛ فهذا يُرجَعُ فيه إلى نيَّةِ المُعلِّقِ. وهذا هو الصَّحيحُ في هذه المسألةِ، وهو الَّذي تَقتضيهِ الأدلَّةُ). ((الشرح الممتع)) (13/125).
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم: 1، 2]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ جعَلَ التَّحريمَ يَمينًا [279] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (2/220).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى )) [280] الحديث أخرجه البخاريُّ (1) واللفظ له، ومسلمٌ (1907).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الذي يَنوي اليمينَ أو معنَى اليمينِ إذا حَنِثَ فإنَّه يُجزئُه كفَّارةُ يمينٍ [281] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (10/392).
ثالثًا: لعَدَمِ قَصدِ وُقوعِ الطَّلاقِ ولا خُطورِه على قلبِه، وإنَّما يَقصِدُ الزَّجرَ والمَنعَ؛ فهو مِن بابِ اليمينِ [282] ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (33/60)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (5/519).
رابعًا: قياسًا على ما لو قصَدَ مَنْعَ نفْسِه بالْتِزامِ ما يَكرَهُه مِنَ الكُفرِ؛ فإنَّ كَراهتَه لذلك وإخراجَه مَخرَجَ اليمينِ بما لا يُريدُ وُقوعَه مَنَعَ مِن ثبوتِ حُكمِه [283] ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/52).

انظر أيضا: