الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الأوَّلُ: صَدَقةُ المرأةِ مِن مالِها بدونِ إذنِ زَوجِها


يجوزُ للمَرأةِ أن تتصَدَّقَ مِن مالِها دونَ إذنِ زَوجِها، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّةِ [1096]   ((البحر الرائق)) لابن نجيم (7/14). ويُنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (2/341). ، والشَّافِعيَّةِ [1097]   ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (5/169)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/170). ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (6/353). ، والحَنابِلةِ [1098]   ((الفروع)) لابن مفلح (7/18)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/180)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/420).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه لم يُفرَّقْ بين البِكرِ والثيِّبِ في الوصيَّةِ، ولا بين ذاتِ زَوجٍ وغَيرِها [1099]   ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (2/341، 342).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
1- عن أمِّ الفَضلِ بنتِ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنها: ((أنَّ ناسًا تمارَوا عندها يومَ عَرَفةَ في صيامِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقال بعضُهم: هو صائِمٌ، وقال بَعضُهم: ليس بصائمٍ، فأرسَلَتْ إليه بقَدَحِ لَبنٍ، وهو واقفٌ على بعيرِه بعَرَفةَ، فشَرِبَه )) [1100]   رواه البخاري (1988)، ومسلم (1123).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يسألْ: هل هو بإذنِ الزَّوجِ أم لا؟ ولو اختَلَف الحُكمُ لسأل [1101]   ((شرح النووي على مسلم)) (8/3).
2- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((دخَلَت عليَّ بَريرةُ فقالت: إنَّ أهلي كاتَبوني على تِسعِ أواقٍ في تِسعِ سِنينَ، في كُلِّ سَنةٍ أوقيَّةٌ، فأعينيني، فقلتُ لها: إن شاء أهلُكِ أنَّ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وأُعتِقَكِ، ويكونَ الولاءُ لي؛ فعَلْتُ. فذكَرَت ذلك لأهلِها، فأبَوا إلَّا أن يكونَ الولاءُ لهم، فأتَتْني فذكَرَت ذلك، قالت: فانتهَرْتُها، فقالت: لاها اللهِ إذًا، قالت: فسَمِعَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسألني فأخبَرْتُه، فقال: اشتَرِيها وأعتِقيها، واشتَرِطي لهم الولاءَ؛ فإنَّ الولاءَ لِمن أعتَقَ )) [1102]   رواه البخاري (2563)، ومسلم (1504) واللفظ له.
وَجهُ الدَّلالةِ:
 أنَّ قَولَ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: (إن شاء أهلُكِ أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وأُعتِقَك، ويكونَ الولاءُ لي؛ فعَلْتُ) يدُلُّ على جوازِ تصَرُّفِ المرأةِ في مالِها بالشِّراءِ والإعتاقِ وغيرهما، إذا كانت رَشيدةً، مِن غَيرِ شَرطِ إذنِ الزَّوجِ [1103]   ((شرح النووي على مسلم)) (10/143).
3- عن زينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((كنتُ في المسجِدِ فرأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: تصَدَّقْنَ ولو مِن حُلِيِّكنَّ )) [1104]   رواه البخاري (1466)، ومسلم (1000).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهنَّ بالصَّدَقةِ، ولم يشتَرِطْ في ذلك إذنَ الزَّوجِ [1105]   ((شرح صحيح البخارى)) لابن بطال (7/108).
4- عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خرجَ يومَ أضحى أو فِطرٍ، فصَلَّى ركعتينِ، لم يصَلِّ قَبلَها ولا بَعدَها، ثم أتى النِّساءَ ومعه بِلالٌ، فأمَرَهنَّ بالصَّدَقةِ، فجعَلَت المرأةُ تُلقِي خُرْصَها، وتُلقي سِخَابَها [1106]   الخُرْصُ: الحَلْقةُ مِن الذَّهَبِ والفضَّة. والسِّخابُ: قِلادةٌ ليس فيها من اللؤلؤِ والجوهرِ شَيءٌ. وقيل: هي كلُّ قِلادةٍ كانت ذاتَ جوهرٍ أو لم تكنْ، والجَمعُ: سُخُبٌ. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (3/1036)، (1/146)، ((لسان العرب)) لابن منظور (1/461). ) [1107]   رواه مسلم (884).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنهنَّ تصَدَّقْنَ فقَبِلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَدقتَهنَّ، ولم يسألْ ولم يستفصِلْ، ولم يذكُرْ لهنَّ أيَّ شَرطٍ [1108]   ((الحاوي الكبير)) للماوردي (6/354)، ((المغني)) لابن قدامة (4/349).
5- عن كُرَيبٍ مَولى ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنها أخبَرَته أنَّها أعتَقَت وليدةً [1109]   الوليدةُ: الطِّفلةُ الأنثى، والجمع: الولائِدُ، وقد تُطلَقُ الوليدةُ على الجاريةِ والأَمَةِ، وإن كانت كبيرةً. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/225). ولم تستأذِن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا كان يومُها الذي يدورُ عليها فيه، قالت: أشعَرْتَ يا رسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدتي؟ قال: أوَفَعَلْتِ؟ قالت: نعم. قال: أمَا إنَّكِ لو أعطَيتِها أخوالَكِ كان أعظَمَ لأجرِك! )) [1110]   رواه البخاري (2592)، ومسلم (999).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ مَيمونةَ رَضِيَ اللهُ عنها كانت رشيدةً، وقد أعتَقَت قبل أن تستأمِرَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلم يَستدرِكْ ذلك عليها، بل أرشَدَها إلى ما هو الأَولى، فلو كان لا يَنفُذُ لها تصَرُّفٌ في مالِها، لأبطَلَه [1111]   ((فتح الباري)) لابن حجر (5/219).
ثالثًا: أنَّ المرأةَ مِن أهلِ التصَرُّفِ، ولا حَقَّ لِزَوجِها في مالِها، فلم يَملِكِ الحَجْرَ عليها في التصَرُّفِ بجَميعِه [1112]   ((المغني)) لابن قدامة (4/349).

انظر أيضا: