الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الرَّابع: صلاةُ الضُّحى


الفرعُ الأوَّل: تعريفُ صلاةِ الضُّحى
صلاةُ الضُّحَى: هي الصلاةُ المؤدَّاةُ في وقتِ الضُّحَى، وهو أوَّلُ النَّهارِ ((حاشية البجيرمي على شرح الخطيب)) (1/419).
الفرعُ الثاني: حُكمُ صلاةِ الضُّحى
صلاةُ الضُّحَى مُستحبَّةٌ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/55)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/173) ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/372)، ((التاج والإكليل)) للمواق (2/67). ، والشافعيَّة الشافعيَّة يقولون بأنَّها سُنَّة مؤكَّدة؛ قال النووي: (أما حُكم المسألة، فقال أصحابنا: صلاة الضحى سُنَّة مؤكَّدة) ((المجموع)) (4/36). ، والحَنابِلَة ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/249)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/576). قال المرداويُّ: (والصحيح من المذهب: أنه لا يستحبُّ المداومة على فِعلها، بل تفعل غِبًّا). ((الإنصاف)) (2/136). وقال البهوتي: ( "واستحبَّها" أي: المداومة عليها "جموع محقِّقون" منهم الآجُريُّ، وابن عُقيل، وأبو الخطاب، "وهو أصوب"؛ لِمَا تقدَّم من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، وغيرهما). ((كشاف القناع)) (1/442).
الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّة:
1- عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: ((يُصبِحُ على كلِّ سُلامَى من أحدِكم صَدقةٌ؛ فكلُّ تَحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وأمْرٌ بالمعروفِ صَدقةٌ، ونهيٌ عن المنكَرِ صدقةٌ، ويُجزِئُ عن ذلك ركعتانِ يَركعُهما من الضُّحَى )) رواه مسلم (720).
2- عن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أَوْصاني حبيبي بثلاثٍ لنْ أَدَعهنَّ ما عشتُ: بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، وصلاةِ الضُّحى، وأنْ لا أنامَ حتى أُوتِرَ )) رواه مسلم (722).
3- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أَوْصاني خليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضُّحى، وأنْ أُوتِرَ قبل أن أرقُدَ )) رواه البخاري (1178)، ومسلم (721).
4- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي الضحى أربعًا، ويَزيد ما شاءَ الله )) رواه مسلم (719).
5- عن زيدِ بنِ أرقمَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه رأى قومًا يُصلُّون من الضُّحى، فقال: أمَا لقدْ علِموا أنَّ الصلاةَ في غيرِ هذه الساعةِ أفضلُ؛ إنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((صلاةُ الأوَّابينَ حين تَرمَضُ الفِصَالُ ترمَض الفِصال: أي: إذا وجَدَ الفَصيلُ حَرَّ الشمس من الرَّمْضاءِ، وهو الرَّمْل. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (7/160). )) أخرجه مسلم (748).
الفَرعُ الثَّالِث: صلاةُ الإشراقِ
صلاةُ الإشراقِ هي صلاةُ الضُّحَى في أوَّلِ وقتِها في الموسوعة الفقهيَّة الكويتية: (بتتبُّع ظاهر أقوال الفقهاء والمحدِّثين يتبيَّن: أنَّ صلاة الضحى وصلاة الإشراق واحدةٌ؛ إذ كلهم ذكروا وقتَها من بعد الطلوع إلى الزوال ولم يُفصِّلوا بينهما. وقيل: إنَّ صلاة الإشراق غير صلاة الضحى؛ وعليه فوقت صلاة الإشراق بعد طلوع الشمس، عند زوال وقت الكراهة). ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (27/220، 221). ، وهذا اختيارُ الطِّيبيِّ قال الطيبي: (هذه الصلاة تُسمَّى صلاة الإشراق، وهي أوَّل الضحى). انظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/770). ، وابنِ حجرٍ الهيتميِّ في فتاوى ابن حجر الهيتمي: (سُئل- نفع الله به- عن صلاة الإشراق كما في الإحياء؛ هل هي من الضُّحى أو لا؟ وإن قلتم: لا، فلِمَ لم يذكرْها من بعدُ حُجَّةُ الإسلام كالشيخين وغيرهما- رضي الله عنهم؟ أجعلوها من الضُّحى أم كيف الحُكم في ذلك؟ وكيف ينوي بها؟ وإذا مضى وقتها؛ فهل يُصلِّيها أو لا؟ وكيف ينوي بها حينئذ؟ (فأجاب) بأنها ليستْ من الضحى كما صرَّح به الحُجَّة، وعبارة شرح العباب: قال الغزالي: وركعتا الإشراق غير الضحى، ووقتها عند الارتفاع للشمس كرُمح، قال: وهي المذكورة في قوله تعالى: يُسَبِّحْنْ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ **ص: 18**، أي: يصلِّين اهـ. وفي جعله لها غير الضحى نظرٌ؛ ففي المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّها هي صلاةُ الأوَّابين، وهي صلاة الضحى، وسُمِّيت بذلك لخبر «لا يُحافظ على صلاة الضحى إلَّا أواب»، وهي صلاة الأوابين، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وحينئذ فمقتضى المذهب أنه لا يجوز فِعلُها بنيَّة صلاة الإشراق إذا لم يردْ فيها شيء. ثم رأيت في الجواهر عن بعضهم أنَّه جعلها من صلاة الضحى، وهو متَّجه لِمَا علمتَ. انتهت عبارة شرح العباب. وبها يُعلم أنَّ الغزالي مصرِّح بأنها غير الضحى، وغيره مصرِّح بأنها من الضحى، وأنَّ هذا هو اللائق بالقواعد؛ لأنَّ مغايرتها للضحى لم يصحَّ فيه شيء، ومبنى الصلوات على التوقيف ما أمكن، وكأنَّ هذا الذي أشرت إليه ممَّا يضعِّف كلام الغزالي هو السرُّ في حذف أكثر مَن بعده له، وعدم تعويلهم عليه، بل على ما قاله ابنُ عباس- وهو الحُجَّة في مثل ذلك- أنَّها صلاة الضحى؛ فعلى كلام الغزالي ينوي بها سُنَّة صلاة الإشراق وإنْ قضاها ليلًا مثلًا، كما ينوي بصلاة الضحى سُنَّة صلاة الضحى وإن قضاها ليلًا أيضًا، وعلى ما قاله غيرُ الغزالي ينوي بها سُنَّة صلاة الضحى ولا يَزيد بها الضحى على الثمان، بل يكون من جُملتها بناءً على أنَّ الثمان أكثرُها، وعلى أنَّ أكثرها ثِنتا عشرةَ هي أعني صلاة الإشراق من جملة تلك الثنتي عشرة، وسواء جعلناها هي أو غيرها يسنُّ قضاؤها كما يُصرِّح به كلامهم، وينوي بها ما مر من سُنَّة صلاة الإشراق على مقالة الغزالي، أو سنة صلاة الضحى على مقالة غيره، التي هي أوجهُ، والله سبحانه وتعالى أعلمُ بالصواب). ((الفتاوى الفقهية الكبرى)) (1/188). ، والرَّمليِّ قال الرمليُّ: (وهي صلاةُ الإشراق كما أفتى به الوالدُ رحمه الله تعالى، وإن وقَع في العباب أنَّها غيرها). ((نهاية المحتاج)) (2/116، 117). وقال أيضًا: (المعتمد أنَّ صلاة الإشراق هي صلاةُ الضحى). ((فتاوى الرملي)) (1/220). ، وابنِ باز قال ابن باز: (صلاة الإشراق هي صلاةُ الضُّحى في أول وقتها، والأفضلُ فِعلها عند ارتفاع الضحى واشتداد الرمضاء؛ لقول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «صلاة الأوَّابين حين تَرمَض الفِصالُ»). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/389). ، وابنِ عُثَيمين قال ابن عثيمين: (صلاة الإشراق- وهي التي تُصلَّى بعد أن ترتفع الشمس قِيدَ رمح، ومقدارُ ذلك بالساعة أنْ يمضي على طلوع الشمس رُبُع ساعةٍ أو نحو ذلك- هذه هي صلاةُ الإشراقِ، وهي صلاة الضحى أيضًا؛ لأنَّ صلاة الضحى من حين أن ترتفع الشمس قِيدَ رُمحٍ إلى قُبَيل الزوال، وهي في آخِر الوقت أفضلُ منها في أوَّله. وخلاصة الجواب: أنَّ ركعتي الضحى هما ركعتَا الإشراق، لكن إن قَدَّمتَ الركعتين في أول الوقت، وهو ما بعد أن ترتفِعَ الشمس قِيدَ رمح، فتكون صلاةَ إشراقٍ وضحًى، وإنْ أخَّرتهما إلى آخِرِ الوقت فهما ضُحى وليس بإشراقٍ). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (14/305).
الفَرعُ الرَّابع: وقتُ صلاةِ الضُّحى
وقتُ صلاةِ الضُّحى يبدأُ مِن ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رُمحٍ قال ابن عثيمين: (وقت النهي: من طلوعِ الشَّمس إلى أن ترتفِعَ قِيدَ رمح، أي: بِعَيْنِ الرائي، وإلَّا فإنَّ هذا الارتفاعَ قِيدَ رمح بحسَب الواقع أكثرُ من مساحةِ الأرض بمئاتِ المراتِ، لكن نحن نراه بالأُفق قِيدَ رمح، أي: نحو متر. وبالدَّقائق المعروفة: حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ولنجعله رُبع ساعة، خمس عشرة دقيقة؛ لأنَّه أحوطُ، فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشمس، فإنه يزولُ وقت النهي، ويدخل وقتُ صلاة الضحى). ((الشرح الممتع)) (4/87، 88). بعدَ طلوعِها إلى استواءِ الشَّمسِ قبلَ زوالِها قال ابن عثيمين: (أي: قبل زوال الشمس بزمن ٍقليلٍ حوالي عشر دقائق؛ لأنَّ ما قُبَيل الزوال وقتُ نهيٍ ينهى عن الصلاة فيه؛ لأنَّه الوقتُ الذي تُسْجَر فيه جهنَّم، فقد نهى النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُصلَّى فيه، قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: «ثلاثُ ساعات كان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينهانا أن نصلِّي فيهن، أو أن نقبُرَ فيهنَّ موتانا: حين تطلُع الشمسُ بازغةً حتى ترتفِعَ، وحين يقوم قائمُ الظهيرةِ حتى تميلَ الشمس، وحين تضيَّفُ الشمسُ للغروب حتى تغرب». وقائم الظهيرة يكون قُبَيل الزوالِ بنحو عَشر دقائق، فإذا كان قبيل الزَّوال بعشر دقائق دخل وقت النهي؛ إذًا وقت صلاة الضحى من زوال النهي في أوَّل النهار إلى وجود النهي في وسَط النهار). ((الشرح الممتع)) (4/87، 88). ؛ نصَّ على هذا الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/55)، ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 261). ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/373)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/4). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (2/135)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/249). ، وبه قال الشافعيَّةُ في أحد الوَجهينِ ((كفاية الأخيار)) لتقي الدين الحصني (ص: 89)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/204)، وينظر: ((شرح النووي على مسلم)) (6/30)، ((طرح التثريب)) للعراقي (3/72).
الدَّليلُ من السُّنَّة:
عن عَمرِو بنِ عَبسةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قدِم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ، فقدِمْتُ المدينةَ، فدخلتُ عليه، فقلتُ: أخبِرْني عن الصلاةِ، فقال: صلِّ صلاةَ الصُّبحِ، ثم أَقصِرْ عن الصَّلاةِ حين تطلُعُ الشمسُ حتى ترتفعَ؛ فإنَّها تطلُع حين تطلُع بين قرنَي شيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُد لها الكفَّارُ، ثم صلِّ؛ فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يستقلَّ الظلُّ بالرُّمح )) رواه مسلم (832).
الفرعُ الخامسُ: أفضلُ وقتٍ لصلاةِ الضُّحى
الأفضلُ فِعلُ صلاةِ الضُّحى إذا علَتِ الشمسُ، واشتدَّ حرُّها، وهذا مذهبُ الجمهور: الحَنَفيَّة ((البناية)) للعيني (2/519)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/22-23). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/36)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/223). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (2/136)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/442).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّة:
عن زيدِ بنِ أرقمَ أنَّه رأى قومًا يُصلُّون من الضُّحى في مسجدِ قُباءٍ، فقال: أمَا لقَدْ علِموا أنَّ الصلاةَ في غيرِ هذه الساعةِ أفضلُ، قال: ((خرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أهلِ قُباءٍ، وهم يُصلُّونَ الضُّحى، فقال: صلاةُ الأوَّابِين إذا رَمِضَتِ الفصالُ الفصال: هي الصِّغار من أولاد الإبل، جمع فصيل. و«رمضت الفِصال»: يُريد عند ارتفاع الضُّحى؛ وذلك أنَّ الفصال تبرك من شدَّة حرِّ الرمضاء، وهو الرمل؛ لاحتراق أخفافها، يقال: رَمضِت قدَمُه من الرمضاء، أي: احترقت. يُنظر: ((شرح السنة)) للبغوي (4/146)، ((شرح النووي على مسلم)) (6/30). من الضُّحَى)) رواه مسلم (748).
الفرعُ السَّادس: عددُ ركَعاتِ صلاةِ الضُّحى
المسألة الأولى: أقلُّ ركَعاتِ صلاةِ الضُّحَى
أقلُّ صلاةِ الضُّحى ركعتانِ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنَفيَّة ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 261)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/23). ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/372)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/4). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/36). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (2/135)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/97).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أَوْصاني خليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضُّحى، وأنْ أُوتِرَ قبل أنْ أنامَ قال ابن دقيق العيد: (وفي الحديث دليلٌ على استحباب صلاة الضحى، وأنَّها ركعتانِ، ولعلَّه ذكر الأقل الذي توجَّه التأكيد لِفِعْله) ((إحكام الأحكام)) (ص: 287). )) أخرجه البخاري (1981) واللفظ له، ومسلم (721).
2- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يُصبِحُ على كلِّ سُلامَى من أحدِكم صدقةٌ؛ فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكَر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك رَكعتانِ يركعُهما من الضُّحى )) رواه مسلم (720).
ثانيًا: أنَّه لم يُنقَلْ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّاها دون الركعتينِ ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/249).
ثالثًا: أنَّ الركعتينِ أقلُّ ما يُشرَعُ في الصلواتِ غيرَ الوترِ؛ فلا يسنُّ للإنسانِ أن يتطوَّعَ بركعةٍ، ولا يُشرعُ له ذلك إلَّا في الوترِ قال ابن عثيمين: (ولهذا قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرجُل الذي دخل وهو يخطُب يوم الجمعة: «قم فصلِّ ركعتين، وتجوَّز فيهما»، ولو كان يشرع شيء أقل من ركعتين؛ لأمرَه به من أجْل أن يستمع للخُطبة، ولهذا أمره النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يتجوَّز في الركعتين. ودليل ذلك أيضًا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثلاث: «صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أنام»، والصحيح: أن التطوُّع بركعة لا يصح). ((الشرح الممتع)) (4/84).
المسألةُ الثَّانية: أكثرُ ركَعاتِ صلاةِ الضُّحَى
اختَلَف أهلُ العلمِ في أكثرِ صلاةِ الضُّحى على أقوالٍ، أقواها قولان:
القول الأوّل: أنَّ أكثرَ صلاةِ الضَّحى ثماني ركَعاتٍ، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/372)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/4). ، والشافعيَّة على المعتمَد ((المجموع)) للنووي (4/36)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (2/117). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (2/135).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّة:
حديثُ أمِّ هانئ: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الفتحِ صلَّى ثمانَ ركعاتٍ سُبحةَ الضُّحى )) رواه البخاري (1103) بمعناه، ومسلم (336) واللفظ له.
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ هذا أكثر ما ورد مِن فِعْلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والأصلُ في العبادَةِ التوقُّفُ ((فتح الباري)) لابن حجر (3/54).
القول الثاني: أنَّه لا حدَّ لأكثرِ صلاةِ الضُّحى، واختارَه ابنُ جريرٍ الطبريُّ قال ابنُ القيم: (قال ابن جرير:... والصواب: إذا كان الأمر كذلك: أن يُصلِّيها مَنْ أراد على ما شاء من العدد. وقد روي هذا عن قوم من السَّلف؛ حدَّثَنا ابن حميد، حدَّثَنا جرير، عن إبراهيم، سأل رجلٌ الأسودَ: كم أُصلِّي الضحى؟ قال: كما شئت). ((زاد المعاد)) (1/351، 352). ، وابنُ باز قال ابن باز: (لا حدَّ لأكثرها على الأصحِّ) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/402). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (الصحيح: أنه لا حدَّ لأكثرها؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله» أخرجه مسلم، ولم تُقيِّد، ولو صلَّى من ارتفاع الشمس قِيد رمح إلى قبيل الزوال أربعين ركعة مثلًا؛ لكان هذا كله داخلًا في صلاة الضحى.  ويجاب عن حديث أم هانئ بجوابينِ: الجواب الأول: أنَّ كثيرًا من أهل العلم قال: إنَّ هذه الصلاة ليست صلاة ضحى، وإنما هي صلاة فتْحٍ، واستحب للقائد إذا فتح بلدًا أن يُصلِّي فيه ثمانَ ركعات؛ شكرًا لله عزَّ وجلَّ على فتح البلد... الوجه الثاني: أنَّ الاقتصار على الثمانِ لا يستلزم أنْ لا يزيد عليها؛ لأنَّ هذه قضية عين، أرأيت لو لم يصلِّ إلا ركعتين، هل نقول: لا تزيد على ركعتين). ((الشرح الممتع)) (4/85، 86).
الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّة:
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي الضُّحى أربعًا، ويَزيد ما شاءَ اللهُ )) رواه مسلم (719).
2- عن عَمرِو بنِ عَبسةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قدِم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينة، فقدمتُ المدينةَ، فدخلتُ عليه، فقلتُ: أخبِرْني عن الصلاةِ، فقال: صلِّ صلاةَ الصُّبحِ، ثم أَقصِرْ عن الصَّلاةِ حين تطلُعُ الشمسُ حتى ترتفعَ؛ فإنَّها تطلُع حين تطلُع بين قرنَي شيطان، وحينئذٍ يَسجُد لها الكفَّارُ، ثم صلِّ؛ فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يستقلَّ الظلُّ بالرُّمح )) رواه مسلم (832).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
في الحديثِ أنَّ صلاةَ الضُّحى لا حدَّ لأكثرِها؛ لأنَّه قال: ((ثمَّ صلِّ))، ولم يذكُرْ عددًا [3804] ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/402).

انظر أيضا: